Полный текст (1 014 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فأما إذا أدخل يده إلى فرجها، إن قلنا: باللمس تنتقض الطهارة، فها هنا أولى.
وإن قلنا لا تنتقض، فها هنا وجهان.
والفرق أن حكم الإيلاج أغلظ من حكم اللمس.
بدليل وجوب الحد به في حال بخلاف اللمس.
فإن قيل في الصغير: لا تعبد عليه، فوجب ألا تنتقض الطهارة بمس ذكره.
قلنا: هو محل التعبد في الحال.
وفي ثاني الحال بخلاف البهيمة.
وقال أبو حنيفة: مس الفرج لا يوجب نقض الطهارة، دليلنا عليه ما روت بسرة بنت صفوان، عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ).
стр. 247
قال الشافعي: ونحب للنائم قاعدًا أن يتوضأ، ولا يبين لي أن أوجبه عليه، لما روى أنس بن مالك، ﵁، أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودا وعن ابن عمر ﵄، أنه كان ينام قاعدا، ويصلي فلا يتوضأ.
قال المزني: قد قال الشافعي، لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم، توضأ بأي حالاته كان.
قال المزني: قلت [أنا] وروى عن صفوان بن عسال أنه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا، إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
قال المزني فلما جعلهن النبي ﷺ بأبي هو وأمي في معنى الحدث واحدًا، استوي الحدث في جميعهن، مضطجعا كان أو قاعداً، ولو اختلف حدث النوم لاختلاف حال النائم، لاختلاف كذلك حدث الغائط والبول، ولأبانه ﵇، كما أبان أن الأكل في الصوم عامدًا مفطر، وناسيًا غير مفطر.
وروى عن النبي ﷺ : أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء) مع ما روى عن عائشة ﵂: (من استجمع نومًا مضطجعًا أو قاعدًا) وعن أبي هريرة، (من استجمع نومًا فعليه الوضوء، عن الحسن/ إذا نام قاعدًا أو قائمًا توضأ.
قال المزني: فهذا اختلاف يوجب النظر، وقد جعله الشافعي في النظر في معنى من أغمى عليه كيف كان توضأ، فكذلك النائم، في معناه، كيف كان توضأ، واحتج الشافعي في الملامسة، بقول الله جلا وعز (أو لامستم النساء) وبقول ابن عمر، قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، وعن ابن
стр. 248
مسعود قريب من معنى قول ابن عمر، واحتج في مس الذكر، بحديث بسرة، عن رسول الله ﷺ : (إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ).
قال القاضي حسين: قد ذكرنا ذلك، وعلق القول به، لأنه قال: ولا يبين لي أن أوجبه عليه.
والمزني جعل نفس النوم حدثًا، وقاسه على البول والغائط، واستدل بما روى عن صفوان بن عسال المرادي، أنه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم.
ثم قال: (لما جعله النبي ﷺ في معنى الحدث، ثم الحدث يوجب نقض الوضوء في أي حالة كانت، كذا النوم مثله.
стр. 249
واستدل أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء).
وعن عائشة: من استجمع نوما توضأ مضطجعًا أو قاعدًا.
فلما ستقل بأخبار رواها الشافعي، ﵀ ورجع إلى الترجيح بقول الشافعي.
ولو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ بأي حالاته كان.
أجاب أصحابنا بأن قالوا: ما رواه من الأخبار لا تعارض أخبار الشافعي، لأنه روى عن أنس بن مالك أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينتظرون العشاء، فينامون أحسبه قال: قعودًا.
стр. 250
وروي عن ابن عمر أنه كان ينام قاعدًا، فيصلي ولا يتوضأ.
وحديث حذيفة أنه قال: كانت نمت في مسجد رسول الله ﷺ .
стр. 251
قاعدًا فوضع رجل يده على كتفي، فالتفت، فإذا مر هو رسول الله ﷺ فقلت: أمن هذا وضوء؟
فقال ﵇: لا، حتى تضع جنبك على الأرض.
وهذه الأخبار خاصة في محل النزاع.
وما رواه عام، والخاص يقدم على العام، على أن حديث صفوان ورد لبيان أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولا يجب عليه نزع الخف قبل مضيها.
والخطاب إذا سيق لبيان ومقصود لا يستدل بعمومه في حكم آخر، بل يعرض عنه في غير المقصود.
وهذا كقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم). الاية.
فسيق الخطاب لبيان إباحة الأكل والشرب للصائم إلى طلوع الفجر، ثم لا يستدل به في إباحة المأكولات والمشروبات لو وقع الاختلاف فيها.
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون الشيئان عديلين في اللفظ، قريبين في النطق، مختلفين في الحكم، كقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
وقوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده).
وقوله ﵇: إنه نهي عن كسب الحجاج ومهر البغي وحلوان الكاهن
стр. 252
وقوله ﵇: (إذا نامت العينان استطلق الوكاء).
قلنا: إذا نام قاعدًا لا يستطلق وكاؤه إذا كان متمكنًا، فهذا لا حجة لك فيه، وقول الشافعي: لو صرنا إلى النظر، يعني لولا الأخبار الواردة فيه لجوزنا ذلك.
قال الشافعي: وقاس الدبر بالفرج، مع ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها، توضأت، واحتج الشافعي بأن النبي ﷺ لما قالت: من اعتق شركًا له في عبد، قوم عليه، فكان الأمة في معنى العبد فكذلك الدبر في معنى الذكر، قال: وما كان من سوى ذلك في قيء، أو رعاف، أو دم خرج من غير مخرج الحدث، فلا وضوء في ذلك، كما أنه لا وضوء في الجشاء المتغير، ولا البصاق لخروجها من غير مخرج الحدث، وعليه أن يغسل فاه، وما أصاب القيء من جسده، واحتج بأن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم فدلكه بين أصبعية، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل يده، وعن ابن عباس قال: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك) وعن ابن المسيب أنه رعف، فمسح أنفه بصوفه، ثم صلى، وعن القاسم، ليس على المحتجم وضوء.
قال القاضي حسين: قيل: أخل المزني في نقل هذا الكلام من وجهين:
أحدهما: أنه قال: قاس الدبر بالفرج، ولا يقال: قست الشيء بالشيء، وإنما يقال: قست الشيء على الشيء.
والثاني: قاس الدبر بالفرج، وكان من حقه أن يقول: بالذكر، لأن النص ورد فيه.
стр. 253
قلنا: النص أيضًا ورد في الفرج، وهو ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: إذا مست المرأة فرجها توضأت.
أو إنما قاس بالفرج الذي هو مقيس على الذكر.
فالشافعي ألحق قبل المرأة بالذكر؛ لأنه أشبه به من الدبر، ثم ألحق الدبر بقبل المرأة.
وهذا داب القائسين، أن يلحق الشيء بالأشبه، فالأشبه والأقرب.
أو قاس الدبر باسم الفرجية، أي ألحقه بالذكر لعلة كونه فرجًا.
أو نقول: أراد بالفرج الذكر، لأن اسم الفرج ينطلق على الذكر، يدل عليه قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون).
وأراد بالفرج الذكر.
بين الشافعي ﵀ أن بيان حكم أحد النظيرين في الشريعة، يجعل بيانًا لهما.
كما قال ﵇: من أعتق شركا له من عبد، الخبر.
نص علي العبد، ثم ألحقنا الأمة به، لأنها في معناه، كذلك فيما نحن فيه، وإذا وقع النص على الذكر، فالدبر في معناه، فقسناه عليه.
стр. 254
فصل: في مسائل ذكر الخنثى
والكلام في هذا الباب يقع في فصول الطهارة والحيض والرضاع.
جملة مسائل الخنثى تدور على نكتة واحدة، وهو أن تتمسك فيها باليقين، ونطرح الشك.
أما أحكامه في الطهارة، فلذلك في ثلاثة فصول: المس، واللمس، والإيلاج.
أما المس، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون ماسًا أو ممسوسًا، فإن كان ماسًا فلا يخلو إلا أن يكون من نفسه، أو من غيره.
فإن مسه من نفسه، نظر، فإن مس الدبر انتقض وضوؤه في الجديد.
وإن مس أحد المبالين لم ينتقض، لأنه إذا مس الذكر يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد، وإن مس القبل يحتمل أنه رجل، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما فعليه الوضوء، ولو مس أحدهما وصلى ثم مس الآخر لم يجز له ان يصلي صلاة أخرى، لأنا تيقنا انتقاض طهره حين جمع بينهما الان، بخلاف الابتداء.
ولو توضأ، ثم مس الآخر، فله أن يصلي، وإن تيقنا انتقاض طهره في أحد الصلاتين.
ولا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنهما حادثتان أمضيتا بالإجتهاد، ولم يدر عين ما وقع الخطأ فيه، فلا ينتقض ذلك إلا باليقين، كما لو صلى اربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، لا يلزمه إعادة شيء منها عند عامة أصحابنا، إلا عند الإمام أبي إسحاق الإسفرايني ﵀ عليه، وليس كما لو نسي صلاة
стр. 255
من صلاتين، حيث يلزمه إعادتهما، لأن هناك تحققنا اشتغال ذمته بالفرض، وما من صلاة شرع فيها، إلا ويحتمل أن الفرض غيره.
وفي مسألتنا عقد كل واحدة من الصلاتين على اعتقاد الصحة، ولم يظهر عين ما أخطأ فيها، وكذا لو صلى صلاتين ثم تيقن الحدث في إحداهما، يلزمه إعادتهما، لأن اشتغال ذمته بهما متيقن.
وفراغ ذمته عنهما مشكوك، وها هنا لم نتيقن الحدث في الصلاة الأولى.
فأما إذا مس الذكر أيامًا، ثم تبين أنه كان رجلا، هل يلزمه إعادة الصلاة في تلك الأيام؟
فيه جوابان ينبنيان على ما لو صلى إلى جهات مختلفة، ثم تبين له يقين الخطأ، فهل تلزمه إعادة تلك الصلوات أم لا؟
وفيه قولان.
وأما إذا مس فرج الغير، فلا يخلو، إما أن مسه من واضح أو مشكل، فإن مسه من واضح، فعليه الوضوء، سواء مس القبل، أو الذكر لأنه إما أن يطون رجلا أو امرأة، وأيهما كان ينتفض وضوؤه بمس الفرج، وإن كان الممسوس مشكلا.
فإن مس دبره فعلى ما ذكرنا، وإن مس أحد مباليه لم ينتقض، لأنه لو مس الذكر يحتمل أنهما امرأتان، وهو عضو زائد، وإن مس القبل، يحتمل أنهما رجلان، وهو شق فيه، وإن جمع بينهما في المس انتقض وضوؤه لا محالة، وهكذا لو مس الذكر من مشكل والقبل من مشكل آخر ينتقض وضوؤه كما لو مسهما من واحد.
فأما إذا كان الخنثى ممسوسًا، فلا يخلو، إما أن يكون الماس واضحًا أو مشكلا، فإن كان واضحًا، إن مس الدبر فمعلوم، وإن مس أحد مباليه، فإن كان رجلا، ومس الذكر ينتقض، لأنه إن كان رجلا، فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد لمسها، وإن مس القبل، فلا شيء عليه، لاحتمال أنه كان
стр. 256
رجلا، وذلك خرق فيه، وإن كان الماس امرأة، فإن مست القبل، فعليها الوضوء، لما ذكرنا في المعنى، وإن مست الذكر، فلا شيء عليها، لأنه يحتمل أنه امرأة، وذلك عضو زائد عليها.
فأما إذا كان الماس مشكلاً، فإن مس الدبر فعليه الوضوء، وإن مس أحد مباليه، فلا شيء عليه، لأنه إذا مس الذكر، يحتمل أنهما امرأتان، وإن مس القبل يحتمل أنهما رجلان، ولو جمع بينهما فعليه الوضوء.
فأما إذا كان خنثيان، مس أحدهما قبل صاحبه، ومس الآخر ذكره، فقد انتقض وضوء أحدهما لا بعينه، لأنهما إن كانا رجلين فقد انتقض وضوء ماس الذكر منهما، وإن كانا امرأتين فقد انقض وضوء ماس القبل، وإن كان أحدهما رجلا، والآخر امرأة، فوضوؤهما منتقض على تنزيل الأحوال كلها.
انتقاض وضوء أحدهما يقين، غير أنا لا نحكم بانتقاض طهارتهما، لما ذكرنا أنا نبني الحكم على اليقين، واليقين معدوم في حق كل واحد منهما، وهذا كما لو طار طائر، فقال رجل: إن كان هذا غرابا، فامرأته طالق، إلى آخره.
والخنثى لا يصلح أن يكون إماما في الصلاة بالخنثى حتى نقول: لا يجوز لأحدهما أن يفتدى بصاحبه، وأما الكلام في اللمس فلا يوجب ذلك انتقاض طهارته، سواء لمس رجلا أو امرأة، أو لمسه رجل أو امرأة، فإن لمسهما أو لمساه، حينئذ انتقض الوضوء لا محالة.
لأنه إما أن يكون رجلا أو امرأة، وأما الكلام في الإيلاج، فلا يخلو الخنثى إما أن يكون مولجًا أو مولجًا فيه، فإن كان مولجًا فيه نظر في المولج.
فإن كان واضحًا إن أولج في دبره، فعليهما الغسل، وإن أولج في قبله فلا شيء على واحد منهما، لاحتمال أن الخنثي رجلا، وذلك شق فيه.
وإن كان المولج مشكلا فإن أولج في دبره فعلى المولج فيه الوضوء، لأنه خرج منه شيء، ولا شيء على المولج لاحتمال أنهما امرأتان وإن أولج في قبله، فلا شيء على واحد منهما لاحتمال أنهما رجلان، وذلك شق فيه.
стр. 257
فأما إذا كان الخنثى مولجًا، نظر في المولج فيه، فإن كان واضحًا ينتقض وضوؤه، لخروج الخارج منه رجلا كان أو امرأة، أولج في قبلها أو في دبرها.
فأما حكم المولج إن كان المولج فيه رجلا، فعليه الوضوء، لأنه إن كان رجلا، فقد لزمه الغسل، وإن كانت امرأة، فقد لزمها الوضوء بحكم الملامسة، والوضوء يقين، وإن كان المولج فيه امرأة، فلا وضوء على المولج أيضًا، سواء أولج في قبلها، أو دبرها لاحتمال أنه امرأة وذلك عضو زائد، وإن كان المولج فيه مشكلا، فقد ذكرنا حكمه، ولو أن خنثيان أولج أحدهما في دبر صاحبه، والآخر في قبله، فعلى المولج في دبره الوضوء، بخروج الخارج منه، وعلى المولج، في قبله، الوضوء، أيضا؛ لأنه إن كان امرأة، فقد خرج من قبلها شيء، وإن كان رجلا، فقد لزمه الغسل بإيلاجه في دبر صاحبه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (وما سوى ذلك من قيء أو رعاف).
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا أن خروج الخارج من غير السبيلين لا يوجب نقض الطهارة عندنا.
وقال أبو حنيفة: كل نجس سيال يخرج من باطن البدن، إلى ظاهره يوجب نقض الطهارة، مثل القيء، والرعاف ودم الفصد، والحجامة، وما وقف على فم المخرج فلا يوجب وإن خرج منه، ثم أخذ بقطن، ولم يسل، فإن كان بحيث إنه لو لم يؤخذ بالقطن لسال، يوجب نقض الطهارة وإلا فلا.
فأما القيء إن كان ملء الفم يوجب، ودونه لا يوجب، فإن دميت لثته، فإن كان الغالب الدم، فعليه الوضوء، وإن كان الغالب الريق، فلا وضوء عليه.
стр. 258
والرعاف إن أخرج إلى ظاهر القصبة يوجبه، وإلا فلا.
والدليل على بطلان مذهبه ما روى أن ابن عمر عصر بثرة بوجهه، فخرج منها دم، فدلكه بين أصبعيه، ثم قام إلى الصلاة، ولم يغسل.
وعن ابن عباس: (اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك).
وعن ابن المسيب: أنه رعف، فمسح أنفه بصوفة، ثم صلى.
والمعنى فيه: أنه لو خرج منه ريح، لا يوجب نقض الطهارة، ومن مخرج الحدث يوجب ذلك، وأن الاعتبار بالمخرج من الخارج، والله أعلم بالصواب.
قال الشافعي: وليس في قهقهة المصلي، ولا فيما مست النار وضوء؛ لما روى عن النبي ﷺ أنه أكل كتف شاة، فصلى، ولم يتوضأ.
стр. 259
قال القاضي حسين: أما القهقهة لا توجب نقض الوضوء في الصلاة، وخارج الصلاة.
стр. 260
وقال أبو حنيفة: في الصلاة يوجب نقض الوضوء فرضًا كان أو نفلاً، ووافقنا في صلاة الجنازة.
وقال الشيخ أبو طاهر الزيادي: لا يتصور الخلاف في هذا؛ لأنه إذا قهقه، فقد قال: تبطل صلاته، ووجد النافي خارج الصلاة، فلا يتصور وجود القهقهة في الصلاة، حتى تبطل الطهارة،
فإذا مست النار شيئا، فأكله لا يوجب الوضوء عندنا.
وعند داود: كل ما مسته النار يوجب، ويروون خبرًا فيه، وهو ما روي
стр. 261
عن النبي ﷺ أنه قال: (توضئوا من أكل ما مسته النار، ولو كان من ثور أقط).
وهو محمول على اليد والفم، فقد يطلق الوضوء، ويراد به غسل اليد والفم، كما قال ﵇: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم).
وقال أحمد: أكل لحم الجزور يوجب دون غيره.
واستدل بما روى أنه ﵇ سئل، وقيل له أيصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا.
وقيل له: أيصلى في مرابط الغنم؟ فقال: نعم.
وقيل له: أنتوضأ من أكل الشاة؟ قال: لا.
قيل له: أنتوضأ من لحم الجزور؟ فقال: نعم.
стр. 262
وذاك محمول أيضًا على غسل اليد والفم، لما فيه من الدسومة، فخصه به لذلك، واستدل الشافعي على داود بما روى أن النبي ﷺ أكل كتف شاة فصلى، ولم يتوضأ.
قوله: (وكل ما يوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء).
قال الشافعي وكل ما أوجب الوضوء، فهو بالعمد والسهو سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا في الملامسة واللمس، وقد ذكرنا حكمه قبل ذلك.
قال الشافعي: ومن استيقن الطهر، ثم شك في الحدث، أو استيقن الحدث، ثم شك في الطهر، فلا يزول اليقين بالشك.
قال القاضي حسين: هذا أحد دعائم الشرع، أن كل أصل تمهد وتحقق وجوده، وشك في زواله، نتمسك باليقين، فإذا ثبت هذا، أو أنه تيقن الطهارة، وشك في الحدث، أو تيقن في الحدث، وشك أنه هل توضأ أم لا؟
يبني على اليقين، سواء كان في الصلاة، طرأ ذلك الشك، أو خارج الصلاة.
стр. 263
وقال مالك: إن طرأ في الصلاة مضى عليها، وإن طرأ خارج الصلاة يلزمه الوضوء.
ونحن نقيس على ما لو طرأ في الصلاة، ووافقنا فيما إذا كان على اليقين من الحدث، وشك في الطهارة أنه يبني على اليقين.
فرع.
قال صاحب التلخيص: لو تيقن الطهارة والحدث، وشك في أسبقهما.
стр. 264
فنقول له: قدم وهمك على ما قبل طلوع الفجر، فإن كنت متطهرًا، فأنت الآن محدث، وإن كنت محدثًا، فأنت الآن متطهرٌ.
قال القفال: هو استنبط هذه المسألة من جمع ابن سريج الخبرين في مس الذكر.
فإن بسرة روت أنه ﵇، قال: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ.
وروى طلق أنه قال ﵇ في ذاك الخبر: هل هو إلا بضعة منك.
قال ابن سريج: الأصل أن لا وضوء بمس الذكر، وخبرنا مخالف لذلك الأصل، وخبركم مطابق له، ويحتمل أن خبرنا ورد قبل خبركم، ناسخًا له، ثم خبركم ورد بعده، ونسخ خبرنا، فيؤدي إلى القول بالنسخ مرتين، ويحتمل أن خبركم ورد قبل خبرنا، موافقاً له، وخبرنا ورد ناسخًا لخبركم، فيؤدي إلى النسخ مرتين، فوجه الشبه بينهما أنا إن قدرنا سبق المطابق على المخالف، وصرنا إلى المخالف، فكذلك فيمن تيقن الحدث والطهر، وشك في أسبقهما، فأحذ بالمخالف الأصل الممهد عنده، حتى لو كان قبله متطهرًا يجعله محدثًا، ولو كان محدثًا يجعله متطهرًا.
стр. 265
فرع
إذا شك أنه هل نام، وتيقن الطهر، فهو متطهر، والأصل عدم النوم، فإن تيقن رؤيا رآها، وشك في النوم، فهو محدث، لأن الرؤيا لا تنفك عن النوم، فإن قيل: فهلا جعلتموه متطهرًا، على تقدير أنه نام قاعدًا، ورأى رؤيا؟
قلنا: لأنا لم نتحقق إلصاق مقعدته بالأرض، لو قال: نمت قاعدًا، ورأيت رؤيا، فهو متطهر أيضًا.
فرع
لو رأي منيا في ثوبه، فإن لبسه هو وغيره، فلا غسل عليه لاحتمال أنه مني غيره، وكذلك لو نام مع غيره فيه هكذا، وإن لم يكن لبسه غيره فيجب الغسل، وإعادة الصلاة من آخر يوم نام في ذلك الثوب، والاحتياط أن يعيد الصلاة من أول يوم نام في ذلك الثوب.
فرع
لو أن جماعة متناعسين في مكان، فسمع منهم صوت، وكل واحد منهم جعل الذنب على صاحبه، فلهم أن يصلوا منفردين ومقتدين بالغير، وأئمة للغير، لأن عنده أنه متطهر.
فأما إذا اقتدى بعضهم بالبعض.
قال صاحب (التلخيص) والداركي: لم يجز.
стр. 266
وهذا بناء على أصله أن الاجتهاد في حدث الغير لا يجوز، إذ ليس له أمرة على حدث الغير.
قال ابن الحداد: جاز اقتداء البعض بالبعض، وجوز الاجتهاد في حدث الغير، وفرع عليه.
وقال: لو كانوا خمسة، وأم كل واحد منهم في صلاة من الصلوات الخمس، فعلى كل واحد منهم أن يعيد آخر صلاة كان فيها، مأمومًا في الجملة على إمام العشاء إعادة المغرب، وعلى المأمومين في العشاء إعادة العشاء، والمعنى فيه ظاهر. والله أعلم بالصواب.
стр. 267
باب ما يوجب الغسل
قال الشافعي: أخبرنا الثقة، هو الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.
ورواه من جهة أخرى عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا التقى الختانان، وجب الغسل.
قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن عامر الدمشقي وغيره، قالوا: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي في هذا الحديث: مثله.
قال: وإذا التقى الختانان، والتقاؤهما: أن تغيب الحشفة في الفرج، فيكون ختانه حذاء ختانها، فذاك التقاؤهما، كما يقال: التقى الفارسان، إذا تحاذيا، وإن لم يتضاما.
قال المزني: التقاء الختانين: أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل الذكر أسفل من ختان المرأة.
قال المزني: وسمعت الشافعي يقول: العرب تقول: إذا حاذى الفارس الفارس: التقى الفارسان.
قال القاضي حسين: موجبات الغسل أربعة.
اثنان تختص بهما النساء، وهما الحيض والنفاس.
стр. 268
واثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، وهما الجنابة والموت.
وأما الجنابة تقع بشيئين، نزول الماء، والتقاء الختانين.
فأما نزول الماء يوجب الاغتسال، سواء كان في النوم، أو في اليقظة لشهوة أو غير شهوة، بسبب أو بغير سبب، أو لضعف به، أو لمرض أصابه، أو بالإغماء، أو على أي صفة كان يوجب الاغتسال.
وقال أبو حنيفة: إن كان بغير الشهوة لا يوجبه.
دليلنا قوله ﵇: الماء من الماء، ولم يفصل.
стр. 269
فأما التقاء الختانين يوجب الغسل بمجرده من غير الإنزال
وقال الأعمش وأهل الظاهر: إنه لا يوجبه.
والمسألة تلقب بأن الإكسال، هل يوجب الاغتسال؟
واختلف الصحابة فيه أيضًا، وروى عن عمر وجماعة من المهاجرين مثل قولنا.
وروى عن عثمان وجماعة من الأنصار أنهم قالوا: لا يوجب الغسل، فرجعوا فيها إلى عائشة، فقالت عائشة ﵂: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، فانقطع الخلاف فيما بينهما، ورجعوا إلى قولها.
стр. 270
وروي عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ إذا التقى الختانان وجب الغسل.
وروى أبو هريرة ﵁ أنه قال: إذا قعد بين شعبها الأربع، والتصق ختانه بختانها وجب الغسل، أنزل الماء أو لم ينزل.
ولأنه حكم يتعلق بالجماع، فيتعلق بالتقاء الختانين.
دليله سائر الأحكام المتعلقة بالجماع من حصول الإحصان، والتحليل، ووجوب الحد وغيره.
ويعني بالتقاء الختانين: تغييب الحشفة حتى لو غيب الحشفة في فرج بهيمة، أو في دبر آدمي، رجلا كان أو امرأة، وجب عليه الاغتسال.
стр. 271
وقال أبو حنيفة: إنه لو أولج في دبر إنسان لا يلزمه الغسل، إلا أنهم يستنكفون عنه الآن، وربما يسلمون وجوب الغسل به، وفساد العبادات، ومذهبهم الأول، هذا إذا كان ذكره سليمًا، فإن كان بعضه مقطوعًا، فإن بقي منه قدر الحشفة وغيبه يتعلق به وجوب الغسل،، وسائر الأحكام، وإن بقي دونه فلا يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما يتعلق به الغسل، إلا بالإنزال.
فأما التقاء الختانين في القبل تحاذيهما، دون تضامهما.
قال المزني: وهو أن يحاذي ختان الرجل ختان المرأة، لا أن يصيب ختانه ختانها، وذلك أن ختان المرأة مستعل، ومدخل ذكر الرجل أسفل من ختان المرأة، فإذا غيب بقدر الحشفة تحاذي الختانان، ووجب الغسل.
تقول العرب: التقى الفارسان إذا تحاذيا وتقابلا، وإن لم يتضاما.
قال أصحابنا: كل حكم يتعلق بالجماع، يتعلق بتغييب جميع الحشفة.
وقال أبو طاهر الزيادي، فساد صوم المرأة يحصل بأدني تغييب الحشفة فيها، ويسقط عنها الكفارة، لأنها صارت مفطرة قبل تغييب جميع الحشفة، فصار كما لو أكلت أو شربت ثم وطئت.
أما في باب الحج، وجب عليها الكفارة.
لأن الكفارة هناك يتعلق وجوبها بجماع تام، وفي باب الصوم وجبت بهتك حرمة الصوم بجماع تام، ولم تبق صائمة عند تمام الجماع.
قال أصحابنا: يتصور وجوب الكفارة عليها بالجماع بأن كانت ناسية للصوم، أو مكرهة على الجماع، ثم طاوعت في خلاله أو نائمة فتيقظت في خلاله، فإنه وجب عليها الكفارة في هذه المواضع.
قال المزني: قال الشافعي: وإن أنزل الماء الدافق متعمدًا، أو نائمًا، أو كان ذلك من المرأة، فقد وجب الغسل عليهما، وماء الرجل الذي يوجب الغسل: هو المني الأبيض الثخين الذي يشبه رائحة الطلع.
стр. 272
قال القاضي حسين: لا فرق بين الرجل والمرأة في أنه إذا نزل منه الماء يلزمه الغسل بأي حال كانت.
وروى أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أو ترى المرأة في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال: نعم.
فقالت أم سلمة: فضحت النساء فضحك الله.
فقال لها النبي ﷺ : مه يا ام سلمة، بم يشبه الرجل أخواله، وأعمامه؟ إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أعمامه، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أخواله.
ثم أقبل عليها وقال لها: إذا هي رأت ذلك فلتغتسل.
ثم ذكر صفة المني، وهو أن يكون أبيض، رائحته، تشبه رائحة الطلع أو العجين، وإنما تشبه رائحته رائحة الطلع، لما روى أن الله تعالى قضى في سابق علمه أنه إذا خلق آدم، وفضل فضلة من ذلك التراب، يخلق منه النخلة، ولهذا قال ﵇. أكرموا عماتكم.
يعني: النخلة.
стр. 273
ومن أوصافه أنه يخرج بدفقة ولذة، يعقه فتور، وقد يصفر ويرق لعارض من علة أو كثرة جماع.
ومني المرأة أصفر رقيق.
قال المزني: فمتي خرج المني من ذكر الرجل، أو رأت المرأة الماء الدافق، فقد وجب الغسل عليهما، وقبل البول وبعده سواء.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا حيث قال: إذا غسل، ثم خرج منه مني، فإن كان قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فعليه الاغتسال ثانيًا، وإن لم يكن قد بال، فهو بقية الماء الذي اغتسل له مرة، فلا يوجب الغسل ثانيًا.
وهذا لا يصح، لأن الموجب للغسل نزول الماء وخروجه إلى الظاهر، لا
стр. 274
سيلانه من محل إلى محل في الباطن، لقوله ﷺ : الماء من الماء، يعني: استعمال الماء إنما يجب بزول الماء.
فرع
إذا خرج من المرأة مني الرجل.
قال أصحابنا: لا يلزمها الاغتسال.
قال القاضي ﵁: إنما لا يلزمها ذلك إذا أنزل الرجل الماء، ونزل ماؤه منها عقيبه.
فأما إذا مكث بعد ذلك ساعة، ينبغي أن يلزمها ذلك، لأن منيها يختلط بمني الرجل، فإذا خرج لا يخلو عن منيها لا محالة.
قال المزني: وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها.
قال القاضي حسين: لماذا غاير بينهما في اللفظ؟
من أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما تحسينا للعبارة، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات، فإن العرب تستحسن المغايرة في العبادات.
ومن أصحابنا من قال: إنما غاير بينهما، لأن أحدهما يخالف الآخر في الحكم.
ألا ترى أنها لو رأت الدم، وانقطع فيما دون يوم وليلة لا يجعل دم حيض، ولا يجب به الغسل.
وفي النفاس لو رأت الدم لحظة يلزمها الاغتسال، فلهذا غاير بينهما في اللفظ، يعني: تغتسل الحائض إذا طهرت من الحيض، لا بمجرد انقطاع كل دم،
стр. 275
والنفساء تغتسل إذا انقطع دمها، أي دم كان، فلو أنها أتت بولد، ولم تر الدم، هل يلزمها الاغتسال أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لعدم دم النفاس.
والثاني: نعم؛ لأن خروج الولد لا ينفك عن بلل الدم، ولأن الولد مني منعقد يخرج منها، فصار كما لو كان مائعًا، وتسمي هذه المرأة، (ذات الجفافة).
فرع
إذا ألقت مضغة يلزمها الاغتسال، ولو ألقت علقة، فيه وجهان لما ذكرنا.
стр. 276
فرع
لو استدخلت منى زوجها أو مني أجنبي بالشبهة، لا خلاف في ثبوت النسب، ووجوب العدة به، على ظاهر المذهب وسقوط الحد.
فأما في تقدير المهر، وثبوت الرجعة، ووجوب الغسل وجهان.
فرع
إذا لف خرقة على ذكره، وأولج، وغيب الحشفة يجب الغسل والحد.
قال القاضي ﵁، هذا إنما يكون إذا كانت الخرقة رقيقة، بحيث تصل حرارة أحدهما إلى الآخر، ويصير بلل أحدهما إلى الآخر.
فأما إذا كانت خشنة كثيفة، فلا.
فرع
إذا أسلم الكافر، ولم يكن جنبًا، لا يجب عليه الغسل، بل يستحب له ذلك، وإن أجنب في الكفر، فإن لم يكن قد اغتسل، فعليه الغسل بعد الإسلام.
стр. 277
وإن كان قد اغتسل، ففي وجوب الغسل عليه بعد الإسلام.
وجهان:
أحدها: يعيد كالوضوء، إذ لا نية للكافر.
والثاني: لا؛ لأن من جنس الغسل ما يصح في حالة الكفر، وهو اغتسال الذمية من الحيض، إذا كانت تحت مسلم لحقه، فإنا نحكم بصحته لحق الآدمي كذا لحق الله تعالى.
стр. 278
قال المزني: باب غسل الجنابة
قال الشافعي: يبدأ الجنب، فيغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء، ثم يخلل بها أصول شعره، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات، ثم يفيض الماء على جسده، حتى يعم جميع جسده وشعره وبشره، ويمر يديه على ما قدر عليه من جسده.
وروى نحو هذا عن رسول الله ﷺ .
قال: فإن ترك إمرار يديه على جسده، فلا يضره، وفي إفاضة النبي ﷺ الماء على جلده دليل على أنه إن لم يدلكه، أجزأه، وبقوله: إذا وجدت الماء، فأمسسه جلدك.
قال: وفي أمره الجنب المتيمم، إذا وجد الماء، اغتسل، ولم يأمره بوضوء، دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
قال القاضي حسين: ولم يذكر التسمية من أصحابنا من قال: إنما لم يذكر التسمية ها هنا، لأنه قد ذكرها في الوضوء، فاكتفى به ها هنا.
ومنهم من قال: إنما لم يذكرها، لأنه ليس بمستحب للجنب، لأنه يمنع من قراءة القرآن، بخلاف المحدث.
والصحيح أن يقال: يستحب له حسب ما يستحب للمحدث، لأنه يجوز للجنب التسمية، لا على قصد قراءة القرآن، فلهذا لم يذكرها.
قال القاضي ﵁: لا يستحب عندي، بل يجوز إن لم يقصد قراءة القرآن.
стр. 279
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن نقول: بسم الله العظيم الحليم، الحمد لله على الإسلام، حتى لا يكون على نظم القرآن، ثم يغسل يديه ثلاثًا على ما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل ما به من الأذى من أسافل بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، يعني كاملا، ويتخير بين أن يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الاغتسال، لما روت ميمونة أن النبي ﷺ فعل هكذا.
وبين أن يقدمه على غسل البدن.
لما روت عائشة ﵂، أن النبي ﷺ فعل هكذا، وهذا الوضوء ليس بواجب في ظاهر المذهب.
وقال أبو ثورٍ: إن أحدث مع الجنابة يلزمه الوضوء.
يدل عليه قوله ﵇ للجنب المتيمم: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
ولم يأمره بالوضوء.
قال: ويدخل أصابعه العشر في الماء، أو يصب الماء على يديه، ويخلل بهما أصول الشعر ليسهل وصول الماء إلى باطن الشعور، فإن اتصال الماء في الجنابة إلى تحت الشعور واجب.
стр. 280
لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: تحت كل شعرة جنابة فبُلُّوا الشعر، وأنقوا البشرة»، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء، ويفيض الماء على الجسد ثلاثًا، ويمر الماء على ما قدر عليه من الجسد.
هذا كله بيان الأكمل والمستحب، والدلك ليس بواجب عندنا، خلافًا لمالك ﵀.
وقدر الفرض: إيصال الماء إلى جميع البدن مرة واحدة والدلك، وإمرار الماء ليس بشرط، وعند مالك ذلك واجب.
يدل عليه قوله ﵇: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت»، ولم يذكر الدلك وغيره.
قال المزني: وإن ترك الوضوء، للجنابة، والمضمضة، والاستنشاق، فقد أساء، ويجزئه، ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
стр. 281
وقد فرض الله ، غسل الوجه من الحدث، كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة، فكيف يجزئه ترك المضمضة والاستنشاق من أحدهما، ولا يجزئه من الآخر.
قال القاضي حسين: سماه مسئا بترك هذه الأشياء، لأنها سنة مؤكدة، وبتاركها سمى مسيئا لا محالة.
وأمر باستئناف المضمضة والاستنشاق دون الوضوء لمعنيين:
أحدهما: أن الخلاف في المضمضة والاستنشاق مع أبي حنيفة، وذاك ظاهر حينئذ.
والخلاف في الوضوء مع أبي ثور، وهو لا يعد خلافه خلافًا لأنه نبغ بعده، والثاني: أن الماء قد وصل إلى أعضاء الطهارة، كما لو وصل إلى سائر البدن، ما عدا الأنف والفم، فأمر بإيصال الماء إليهما، حتى يصل إلى جميع البدن عمومًا، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وكذلك غسل المرأة إلا أنها تحتاج من غمر ضفائرها، حتى يبلغ الماء أصول الشعر أكثر مما يحتاج إليه الرجل.
وروى أن أم سلمة ﵂: سألت النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه، للغسل من الجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء.
قال القاضي حسين: لا فرق بين غسل الرجل، وغسل المرأة، ومن كان منهما صاحب ضفيرة يحتاج إلى غمر ضفائره، إذا منع وصول الماء إلى البشرة
стр. 282
وقال مالك: لا يجب ذلك للمرأة، واستدل بما روى عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنفقضه للغسل من الجنابة؟
قال: لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء.
قلنا: إنما لم يأمرها بنقضها، لأنها كانت منفرجة متجافية، فعلم النبي ﷺ أنه لا يمنع وصول الماء إلى البشرة، بدليل قوله ﵇: تحت كل شعرة جنابة. الخبر
قال المزني: وأحب أن يغلغل الماء في أصول الشعر، وكيفما وصل الماء إلى شعرها وبشرها أجزأها.
قال القاضي حسين: أي يحرك الماء في أصول الشعر، وكيف ما وصل الماء إلى أصول الشعر أجزأه.
قال المزني: وكذلك غسلها من الحيض والنفاس، ولما أمرها رسول الله ﷺ [بالغسل من الحيض] قال: خذي فرصة والفرصة القطعة من مسلك فتطهري بها، فقالت عائشة ﵂، تتبعي بها أثر الدم.
стр. 283
قال الشافعي: فإن لم تجد فطيبًا، فإن لم تفعل فالماء كاف.
قال القاضي حسين: غسل الحيض كغسل الجنابة، وهل يجب عليها إدخال الماء في الفرج، وإدخال الأصبع في الفرج، فيه أوجه:
أحدها: يجب فيهما، لأنه صار في حكم الظاهر.
والثاني: لا، لأنه يزيده فسادًا.
والثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة، لأنها نجاسة عينية، بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة يجب إيصال الماء إليه.
قال المزني: وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما.
قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيهما، لم يضره.
قال القاضي حسين: الترتيب في الغسل لا يجب، لأنه كعضو واحد، ولا ترتيب في عضو واحد في الوضوء، كذا هذا.
قوله: وإن أدخل الحائض أو الجنب أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيها لم يضره.
قال القاضي حسين: لأنك ذلك العضو ليس بنجس، وإن وجب غسله، هذا إذا لم ينو الغسل، فإن نوى الغسل، سنذكر حكمه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مقدم على قوله: وما بدأ.
وقوله: ولما أمرها رسول الله ﷺ الفصل.
إذا اغتسلت من الحيض تحتاج أن تستعمل فرصة من مسك، فتطهر بها في باطن فرجها، لتقطع رائحة أذى الحيض.
стр. 284
والدليل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لامرأة: اغتسلي ثم خذي فرصة من مسك فتطهري بها. فلم تعرف المرأة ذلك فسألته ثانيًا، فقال لها: ويحك تطهري بها.
فقالت عائشة: ففطنت لذلك، فأتيتها وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم.
والمستحب هو المسك، فإن لم تجد، فطيب آخر، فإن لم تجد، فالماء كاف.
فرع
قد ذكرنا أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء لا ينجس الماء، لأن يده لا تنجس بكونه محدثًا أو جنبًا، وإن وجب غسله.
стр. 285
لما روي أن النبي ﷺ ، كان يمشي في بعض الأيام، فاستقبله أبو ذر الغفاري ﵁ فمد النبي ﷺ يده ليصافحه.
فقبض أبو ذر يده عن النبي ﷺ ﷺ وذهب واغتسل، ثم عاد معتذرًا إليه، وقال: يا رسول الله، إني ما كرهت مصافحتك، ولكني كنت جنبًا، فال له النبي ﷺ : أو علمت أن المؤمن لا يخبث، وأن المؤمن ليس ينجس؟ وفي رواية: إن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت عنهما خطاياهما، كما يتحات عن الشجرة ورقها.
فأما حكم الماء، هل يصير الماء مستعملا أم لا؟
إن لم ينو الطهارة لا يصير الماء مستعملاً.
فأما إذا نوى الطهارة أولا يذكر حكم المحدث، فإن المحدث إذا نوي الوضوء، لا يصير الماء مستعملا، حتى إذا فرغ من غسل الوجه، فإذا أراد غسل اليدين، فإن أدخلهما الإناء، هل يصير الماء مستعلما أم لا؟
ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يصير الماء مستعملا، لأنه قال: ثم يغرف غرفة، ويغسل بها يديه، فعطف على غسل اليدين.
ومن أصحابنا من قال: يصير الماء مستعملاً، لأنه تأدى به الفرض مرة.
وإن قلنا: يصير مستعملاً، فمن أي وقت يصير مستعملاً.
فيه وجهان:
أحدهما: من وقت ملاقاة يده أول جزء من الماء.
следующие страницы →