← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فصل لو اقتدى شفعوي بحنيفي ما حكمه؟ من أصحابنا من قال تصح صلاته، لأنا لا نقطع ببطلان صلاته، وهو اختيار القفال ﵀. وقال الشيخ أبو حامد ﵀ إن قرأ الفاتحة والتسمية صحت صلاته، وإلا فلا، واختاره القاضي ﵀. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ﵀: لا تصح صلاته، وإن قرأ الفاتحة؛ لأنه لا يعتقد وجوبها، واعتقاد الوجوب في الفاتحة شرط، ولو اقتدى بحنيفي في صلاة الصبح، فلم يقنت، فهل على المأموم أن يسجد للسهو؟ قال القاضي ﵀: سألني الشيخ ابو القاسم الفوراني عن هذه المسألة، فقلت: لا يسجد للسهو؛ لأنه اقتدى به، وجعله إمامًا، وصححنا الاقتداء بناء على اعتقاد الإمام، وعنده أنه غير ملزم لسجود السهو، والذي يقع لي الآن أنه يلزمه سجود السهو، لأن عند المأموم إن تركه القنوت ملزم للسجود، إلا أنه ترك السجود، والإمام إذا ارتكب ما يوجب سجود السهو على المأموم أن يسجد وإن تركه الإمام، وإنما ذلك، لأن المأموم يبني الأمر على اعتقاد نفسه دون اعتقاد إمامه. يدل عليه أنه لو اقتدى بمن على ثوبه نجاسة بقدر درهم، أو لمس امرأة، أو مس ذكره، أو لم يرتب في الوضوء، أو توضأ بنبيذ التمر لا تصح صلاته، وإن كان الإمام يعتقد صحة صلاة نفسه، والوجهان ينبنيان على جواز الصلاة خلفهم. إن قلنا: تجوز لا يسجد للسهو.

стр. 737

وإن قلنا: إذا لم يقرأ الفاتحة لا يصح، فيغلب سجود السهو، لأنه ما اعتبر اعتقاد الامام. والقفال اعتبر اعتقاد الامام دونه، ولو اقتدى بمن توضأ من الحنيفية من ماء بلغ قلتين، وقعت فيه نجاسة، أو بمن تكلم ناسيًا في الصلاة، أو احتجم وافتصد، أو لقاء ولم يتوضا صحت صلاته، وإن كان الامام يعتقد بطلان صلاة نفسه، لو اقتدي بحنيفي، فوقف في موضع القنوت، ولم يقرأ دعاء القنوت، فقنت المأموم صح، لأنه عنده أن على إمامه سنتين سنة القيام، وسنة قراءة دعاء القنوت فقد أتي إحداهما، وترك الأخرى، هذا كما أنه لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ التشهد بقراءة المأموم، كذا ها هنا.

стр. 738

فصل من لا يعرف أركان الصلاة وأبعاضها، وهيئاتها، هل تصح صلاته ام لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح كما لو جهل فرضية أصل الصلاة. والثاني: يصح، لأن هذا مما يشق على العوام، ويخفي على أكثر الناس، فلو لم تصح صلاتهم، أدى ذلك إلى الفساد، بخلاف فرضية أصل الصلاة، فإنها لا تخفي إلا على حديث العهد بالإسلام.

стр. 739

فصل الإمام إذا سها، فنبهه القوم، وسبحوا، فإن فطن لسهوه أخذ به، وإن لم يفطن لذلك، هل له أن يقلدهم نظر، إن كان خلفه واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، لا يركن قلبه إلى قولهم، ويغلب على ظنه صدقهم هل له أن يقلدهم وجهان: أظهرهما: يقلدهم، لأنه يبعد التواطؤ عليهم. والثاني: لا يقلدهم، لأن هذا واقع في نفسه، فيبني فيه على اليقين، وكذلك المأموم، بعضهم مع البعض، إذا وقع الغلط لواحد منهم، وشك في ركن له أن يقلد فيه الآخرين، فعلى هذا التفصيل لو كان خلفه مأموم واحد، فهل يقلد إمامه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا. والثاني: نعم، لأن الامام كان أوعى وأضبط لركعات الصلاة. قوله: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة. قال المزني: قال الشافعي، ويصلي الرجل، قد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة، والأولى فرضه، والثانية سنة، بطاعة نبيه ﷺ ، لأنه قال: إذا جئت، فصل، وإن كنت قد صليت. قال القاضي حسين: المستحب لمن صلي صلاة منفردا أن يصليها ثانيًا إذا أدرك الجماعة، ولا يفصل بين صلاة وصلاة. ووافقنا أبو حنيفة ﵀ في الظهر والعشاء، وخالفنا في الصبح والمغرب

стр. 740

والعصر، بناه على أصله، وهو أنه لا ينتقل بعد الصبح والعصر، وعلل في المغرب بأنه وتر النهار، فلو أعاده مع الجماعة لصار شفعًا، ولبطلت الوتر به. دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ ، صلى صلاة الصبح يومًا، فلما انقلب من الصلاة رأي رجلا منعزلا عن الناس، فقال له: لم لم تصل معنا؟ فقال: لأني كنت صليت في رحلي، فقال: إذا جئت فصل معنا وإن كنت صليت في رحلك. وروى أنه ﵇، صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما نقلب من الصلاة رأي رجلين منعزلين عن الناس في ناحية المسجد، فقال ﵇ على بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما النبي ﵇، هونا على أنفسكما، لست أنا بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد، ألستما رجلين مسلمين، فقالا: بلى يا رسول الله، فقال: لم لم تصليا معنا؟ فال: لأنا كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵇ إذا جئتما فصليا معنا وإن كنتما صليتما في رحالكما. وفي رواية: تكن لكما سبحة، أي: نافلة.

стр. 741

ثم إذا أداها بالجماعة، فالفرض منها ماذا؟ المنصوص عليه ها هنا، وهو مذهبه الجديد: أن الفرض هي الأولى، والثانية نقل، لأن الأولى وقعت عن الفرض، واستحال أن تنقلب نفلا بفعلها ثانيا. وخرج فيه قول آخر: أن الفرض من الصلاتين، إحداهما لا بعينها، يحتسب الله له بأكملهما وأفضلهما، وعلى الطريقتين ينوي إعادة ما صلى أو فعل ما صلى لأنا وإن قلنا: الثانية نفل، فهو يريد أن يكتسب بها فضيلة للفريضة المؤداة، وهي فضيلة الجماعة، فكأن فضيلة الجماعة تلتحق إلى الأول، وبقيت هي نفلا، وفي صلاة المغرب، إن قلنا: الثانية نفل، يضم إليها ركعة أخرى، لأن المستحب في النوافل ألا يسلم عن الثلاث، بل عن الأربع إذا زادت على اثنين، فإذا صلى صلاة في الجماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فلأصحابنا فيه وجهان: أحدهما: يستحب أن يصليها ليحوز بها زيادة فضيلة. والثاني: لا يستحب ذلك، والصبح والعصر والمغرب، لأنه لا يستحب التنفل بعد الصبح، والعصر، إذا لم يكن له سبب. والعلة في المغرب أنه وتر النهار، وفي الظهر والعشاء يستحب، وتكون نافلة إذ التنفل بعدهما سائغ. قال القاضي: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة الثانية أوفر، وإمامهم أورع وأهدى لأركان الصلاة وشرائطها، وهيئاتها، يستحب له ان يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة الأولى، لأنه يكتسب به زيادة فضيلة لم تحصل له في الأولى، وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى، أو دونهم لا يستحب، والله أعلم.

стр. 742

قال المزني: ومن لم يستطع إلا أن يومئ، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع. قال القاضي حسين: أما القادر على القيام، ففرضه القيام في الصلاة، فإن عجز عن القيام وقدر على القعود ففرضه القعود، فإن عجز عن القعود، صلى مضطجعًا على الجنب إيماء بالرأس. قال الله تعالى: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم. قيل في التفسير: قيامًا، يصلون إذا قدروا على القيام، وقعودًا، إذا عجزوا عن القيام، وعلى جنوبهم إذا عجزوا عن القعود. وروى عن عمرن بن الحصين أنه قال: كانت بي علة البواسير، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسم فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. فإن عجز عن الإيماء بالرأس صلى مومئًا بالعين، فإن عجز عن الإيماء بالعين فكر بالقلب أركان الصلاة فعلها وقولها وأبعاضها وهيئاتها، فلا تسقط الصلاة عن بالغ مع بقاء العقل عندنا بحال. وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الإيمان بالرأس، سقط عنه الفرض، لأن عماد الصلاة الفعل، فإن عجز عن الفعل، امتنع عليه الاتيان بما هو عماد لهما، فسقطت، ثم المصلي بالإيماء يركع مؤمنًا، ويسجد مؤمنا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا عجز عن وضع جبهته على الأرض لا يسجد على الوسادة، وروى أنه ﵇ عاد مريضا رآه قد وضع وسادة يسجد عليها، فأخذها

стр. 743

ورماها، وقال: إذا عجزت عن السجود أوميء رأسك واجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا صلى قاعدًا، ففي كيفية القعود الذي هو بدل عن القيام وجهان: أحدهما: يقعد متربعًا في محل القيام ليغاير بين هذه القعدة، وسائر القعدات، في حق القيام في الصلاة. والثاني: يقعد متربعًا؛ لأنها قعدة لا يسلم عنهما في التشهد الأول، وبين السجدتين والاستراحة، وإذا صلى مضطجعًا، ففي كيفية الاضطجاع وجهان: أحدهما: يضطجع مستلقيًا على قفاه، كما يضطجع الميت على المغتسل؛ لأن المستلقي على القفا أقرب إلى صواب القبلة. يدل عليه أنه لو قام كان مستقبلا بجميع بدنه القبلة. والثاني: يضجع على جنبه الأيمن، كما يضطجع الميت في اللحد، فلو اضطجع على جنبه الأيسر أجزأه، ولو ترك سنة؛ لأن التيامن مستحب في الأمور كلها، والقادر على القيام لو افتتح الصلاة قاعدًا لم ينعقد الفرض، ولا ينعقد له النفل في ظاهر المذهب. ويخرج فيه قول آخر: أنه ينعقد نفلا، والمصلي قاعدًا إذا قدر على القيام، فلم يقم إن صلاته تبطل، ولم تنقلب نفلا. ويخرج فيه القول الآخر: أنها تنقلب نفلا، وإذا قدر على القيام بعد الفراغ من القراءة، نص الشافعي ﵀ على أنه يرتفع إلى القيام، ثم بعد أن قام قائمًا يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع، وإنما كان ذلك؛ لأن الشرط أن يتنفل من الركن إلى الركن، وإذا قدر على القيام، وعجز عن القعود، وقدر على الاضطجاع، صلى قائمًا غير مضطجع، لأن القيام أقرب

стр. 744

إلى القعود من الاضطجاع، لأنه قعود وزيادة، نظيره ما حكيناه عن الشافعي ﵀ عليه نصًا في رفع اليدين إذا عجز عن رفعهما فوق المنكبين، ودونهما يرفع فوق المنكبين، وإذا أمكنه أن يصلي قائمًا منفردًا، ولو صلي بالجماعة لا يمكنه القيام. اختار المزني الانفراد بحق القيام، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن والسورة لم يمكنه القيام اختار ترك السورة؛ لأن القيام فرض، والسورة والجماعة سنتان، فكان الإتيان بالفرض أولى من الإتيان بالسنن، وإذا قام إلى الصلاة مستندًا إلى شيء، قد ذكرا أنه يجزيه، فلو قام في الصلاة، وخفض رأسه للخشوع جاز، وإن انحنى ظهره لم يجز، وإن لم يبلغ حد الركوع، كذا قال القاضي ﵀.

стр. 745

فصل المربوط على الخشب، والمصلوب إذا دخل عليه وقت الصلاة يلزمه أن يصلي، نص الشافعي ﵀ إن صلى مستقبل القبلة لا إعادة عليه، وإن صلى غير مستقبل القبلة، فعليه الإعادة، وكذلك الغريق في البحر إذا كان على خشبة هكذا، ثم إذا أعاد الصلاة ففي الفرض من الصلاتين أوجه قد ذكرنا ذلك في الطهارة، مسألة راكب السفينة لا يجوز له ترك القيام في الفريضة مع القدرة عليه عندنا، فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا ولا إعادة عليه. وعند أبي حنيفة يتخير بين الصلاة قائمًا، وقاعدًا مع القدرة على القيام، فنقيس على ما لو كان في البر وعلى سائر الأركان، فإن تركها لا يجوز مع القدرة عليه. قال المزني: وأحب إذا قرأ آية رحمة أن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ والناس. قال المزني: وبلغنا عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك في صلاته. قال القاضي حسين: قوله: والناس أراد به المؤمومين، فالمستحب للمصلي إذا مر بآية رحمة الله أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ وإذا مر بآية تنزيه أن يسبح، إمامًا كان أو منفردًا أو مأمومًا. وقال أبو حنيفة: لا يستحب. دليلنا: ما روى عن حذيفة بن اليمان أنه قال: صليت مع رسول الله ﷺ فقرأ سورة البقرة، فما مر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، ولا بآية تنزيه إلا سبح، ولا بآية مثل إلا فكر.

стр. 746

وكان الشيخ ﵀ يحكي عن حذيفة أنه كان يقول: لو أردنا، ما مات النبي ﷺ ، كنا نسائله عن أشياء في ديننا، ولكن الله تعالى لا يقبضه من بين أظهرنا، ولنا في الدين معضل. أي: كان مبعوثًا لبيان الشرائع، فكان الله لا يقبضه، ولا يخرجه من بين الخلق، وقد بقي مشكل في الشرع. وروى عن أبي ليلى أنه قال: سمعت النبي ﵇، يقول في الصلاة: أعوذ بالله من التأويل لأهل النار وإذا قرأ سورة والتين، فالمستحب أن يقول بعد الفراغ منها: بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين. وهكذا قال: إذا قرأ سورة لا أقسم بيوم القيامة، وإذا قرأ سورة والمرسلات، فالمستحب أن يقول [عند قوله تعالى]، فبأي حديث بعده يؤمنون، لا إله إلا الله، أو آمنت بالله، وإذا قرأ سورة الملك: (فمن يأتيكم بماء معين)، يقول: الله، وبهذا ورد الخبر، وهذا مستحب للإمام والقوم، لقول الشافعي في المسألة الأولى: والناس.

стр. 747

فرع المستحب للمصلى تطويل القراءة في القيام، والقيام فيها أشد استحبابًا بأمر القيام في سائر الأركان، إلا إذا كان إمامًا، وهل يكون جميع قيامه فرضًا أو يكون الفرض منه قدر قراءة الفاتحة. فوجهان: قال المزني: قال: وإن صليت إلى جنبه امرأة صلاة، هو فيها، لم تفسد عليه. قال القاضي حسين: عندنا إذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، وشرعت في الصلاة مقتدية به، لم تبطل صلاة الرجل بحال. وقال أبو حنيفة: إذا وقفت بجنبه في صلاة ذات ركوع وسجود، وشاركته في صلاته بطلت صلاته إذا اجتمعا في الركوع. ووافقنا على أنه إذا وقفت بجنبه في صلاة الجنازة لا تبطل صلاته، وقبل الركوع وافقنا في أنها لا تبطل، فإذا وقفت خلف الإمام، يقول: تبطل صلاة من على يمني المرأة وعلى يسارها وخلفها، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولو وقف صف من النساء خلف الإمام، وصف من الرجال خلفهن، يقول: صلاة الرجال الذين في محاذاة النساء باطلة، ومن خرج عن محاذاتهن، فصلاته صحيحة، حتى لو زاد صف الرجال على النساء بواحد، صحت صلاة الواحد الذي لم يكن في محاذاة النساء، ولو وقف صف آخر وراء هذا الصف، قال: تصح صلاتهم متابعة لهذا الرجل الواحد. دليلنا: ما روت عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتهما، وإذا قام مددتهما. قال: قال صاحبنا ﵁: وعائشة في صلاتها مع النبي ﷺ أحسن

стр. 748

حالاً منها نائمة بين يديه، ثم لم تبطل صلاته، وهي نائمة بين يديه، فإذا كانت معه في الصلاة، فلأن لا تبطل الصلاة أولى، ولأنها أخطأت في موقف المأمومين، وهذا لا يبطل صلاة الإمام، كالمأموم الواحد، إذا وقف على يسار الإمام أو خلفه. قال المزني: وإذا قرأ آية السجدة (سجد) فيها، وسجود القرآن أربع عشرة سجدة، سوى سجدة (ص) فإنها سجدة شكر، وروى عن عمر ﵁ أنه سجد في سورة الحج سجدتين، وقال: فضلت بأن فيها سجدتين، وكان ابن عمر يسجد فيها سجدتين. قال: وسجد النبي ﷺ في (إذا السماء انشقت)، وعمر في (والنجم). قال الشافعي: وذلك دليل على أن في المفصل سجودًا، ومن لم يسجد فليس بفرض، واحتج بأن النبي ﷺ سجد وترك. وقال عمر بن الخطاب ﵁، إن الله ، لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. قال القاضي حسين: لا خلاف بين العلماء أن سجود التلاوة مشروع، وأن في القرآن عزيمة السجود، وليست بواجبة عندنا. وقال أبو حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة والواجب عنده درجة بين النفل والفرض، لا يكفر جاحده، لكنه يعضى بتركه كالوتر. دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ : سجد وترك. وعن عمر ﵁ أنه قرأ آية السجدة على المنبر فنزل وسجد فلما

стр. 749

كان في الجمعة الثانية قرأ آية سجدة، فتشزن الناس للسجود، فقال: أيها الناس على رسلكم، إن هذا شيء، لم يكتبه الله تعالى علينا إلا أن نشاء. فلأنه سجود يجوز فعله على الراحلة كسجود الشكر. واختلف العلماء في عدد عزائم السجود. فمذهب الشافعي في الجديد أنها أربع عشرة سجدة، أربع منها في النصف الأول، وثلاث في المفصل، والباقي بينهما. وقال في القديم، وهو مذهب الإمام مالك: عزائم السجود إحدى عشرة، وليس في المفصل سجود. وروى عن ابن عباس أنه قال: ما سجد رسول الله ﷺ في المفصل منذ انتقل إلى المدينة. ومن قال بالجديد أجاب عن هذا بأن ابن عباس لم ينقله، لأنه لم يره، وغيره نفل سجوده ﵇ في المفصل بعد الهجرة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ : سجد في سورة إذا السماء انشقت وعن عمر أنه سجد في سورة والنجم. قال الشافعي رحمة الله في القديم: وأحب أن يسجد في سورة: إذا السماء انشقت، وفي سورة اقرأ، مع قوله: ليس في المفصل سجدة. وقال على ﵁: عزائم السجود أربع في: الم تنزيل، السجدة، وحم، والنجم، وسورة اقرأ.

стр. 750

وقال أبو حنيفة: عزائم السجود أربع عشرة إلا أن عنده سجدة (ص) من عزائم السجود، وفي الحج سجدة واحدة، وهي الأولى، وعندنا في الحج سجدتان، وسجدة (ص) ليست من العزائم. قال ابن سريج: هي من العزائم كما قاله أبو حنيفة، واحتج أبو حنيفة بما روى عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أقرأني رسول الله ﷺ آيات السجدة، فذكر من جملتها سجدة (ص). دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قرأ في الخطبة سجدة (ص)، فنزل وسجد، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها، فتشزن الناس للسجود، فنزل وسجد، فلما صعد قال: إن هذه توبة نبي لكني رأيتكم تشزنتم فسجدت لكم. وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما سجد رسول الله ﷺ في سورة (ص)، إلا لقوله تعالى: (أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده). والدليل على أن في الحج سجدتين ما روى عن عقبة بن عامر أنه قال: سألت رسول الله صلى الله أفي الحج سجدتان؟ فقال: نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما.

стр. 751

وعن عمر أنه قرأ سورة الحج، وسجد سجدتين، وقال فضلت بسجدتين، وعن ابن عمر مثل ذلك، ولأن قوله تعالى: (واسجدوا واعبدوا ربكم)، أمر صريح بالسجود، وفي الموضع الذي لم يصرح بسجود أمر به، فها هنا أولى، فلو قرأ سورة (ص)، وسجد إن كان جاهلاً بالحكم لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأنها ليست من العزائم، فوجهان: أحدهما: بطلت صلاته؛ لأنه سجود شكر، كما لو سجد في خلال الصلاة بتجديد نعمة أو انكشاف بلية. والثاني: لا يبطل؛ لأنه سنة التلاوة، وإذا سجد إمامه في سورة ص فعلى التفصيل الذي ذكرنا، إن كان جاهلا لم تبطل، وإن كان عالمًا فوجهان. ثم الشافعي ﵀ بين محل السجدات كلها، إلا سجدة (حم) السجدة، فإنه لم يبين محلها، فاختلف أصحابنا فيه. منهم من قال: محلها إذا فرغ من قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)؛ لأنه تتم به الآية، وهو الصحيح، قال ابن سريج، إن محلها عند قوله، (وهم لا يسأمون) ـ، رجح ابن سريج هذا بشيئين. أحدهما: أن الكلام إنما يتم ها هنا، وإن تمت الآية بقوله: (يعبدون)، ومحل السجود عند تمام الكلام أولى، يدل عليه انه في سورة النحل، يسجد عند قوله: (ويفعلون ما يؤمرون)، وإنما تمت الآية عند قوله، (وهم لا يستكبرون). والثاني: أن الشافعي ﵀ أخذ في التسمية بقول قراء (الكوفة)، وفقهاء المدينة، ولم يأخذ بقول فقهاء الكوفة، وقراء المدينة. ومذهب قراء الكوفة، أن محل السجود عند قوله، وهم لا يسأمون وكان القفال يذكر لهذا ترجيحًا آخر ويقول: إن كان محل السجود ما قاله ابن سريج، فذاك وإن كان عند قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)

стр. 752

فلا يضره التأخير، لأن هذا القدر يسير لا يقطع النظم، ولا يطول به الفصل، ثم التالي لآية السجدة لا يخلو إما أن يكون هو أو غيره، فإن كان هو التالي، فلا يخلو، إما أن يكون في الصلاة، أو خارج الصلاة، فإن كان في الصلاة فيكبر للهوي إلى السجود، ولرفع الرأس منه. وقال ابن أبي هريرة: لا يكبر لرفع الرأس منه، ولا يسقط سنة السجود بالركوع عندنا. وقال أبو حنيفة: لو ركع سقط عند سجود التلاوة، وهذا هو الدليل على كونه مسنونًا، إذ لو كان واجبًا لما سقط بالركوع في الصلاة كسائر الواجبات، وإن كان خارج الصلاة، فيكبر للافتتاح. قال القاضي ﵁: والمستحب عندي أن يقوم قائمًا، ثم يكبر للافتتاح، ليحوز فضيلة القيام: لأن للقيام من الفضيلة ما ليس للقعود، قال ﵇: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ثم يكبر للهوي، ويسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم يكبر لرفع الرأس، ولا يجلس للاستراحة، بخلاف السجدة التي هي من صلب الصلاة، وهل يتشهد ويسلم؟ حكى البويطي أنه يتشهد ويسلم. فمن أصحابنا من أخذ به. ومنهم من قال: لا يتشهد ولا يسلم، ومنهم من قال، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا يتشهد، ويسلم لأن التسليمة معدلة بالتحريم، مقابلها، والتحريمة مشروعة في سجود التلاوة، فكذا التسليمة، وإن كان التالي غيره، فلا يخلو:

стр. 753

إما أن يكون في الصلاة، فلا يسجد لتلاوته. وإن كان خارج الصلاة، فيسجد بثلاث شرائط: أحدها: أن يسجد التالي. والثاني: أن يكون مستمعًا لتلاته. والثالث: أن يكون على الطهارة، فإن لم يسجد التالي لم يلزمه السجود. روى ان رجلا قرأ بين يدي النبي ﵇ آية سجدة وسجد، فسجد النبي ﵇، ثم قرأ رجل آخر بين يديه آية سجدة، ولم يسجد، فلم يسجد النبي ﵇ فقال يا رسول الله، سجدت لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال ﵇ أما إنك كنت إمامًا فلو سجدت لسجدنا. ثم إن هذا المستمع يصير تابعًا، ومقتديًا بالتالي حتى يلزمه ألا يسلم إلا بعد سلامه، ولو كان التالي قرأ آية السجدة في الصلاة، والمستمع خارج الصلاة، وسجد التالي، فيستحب له أن يسجد، ولو سها في سجدة التلاوة، أو قرأ في سجدة التلاوة آية التلاوة لتلك الآية، أو أخرى لا يسجد ثانيًا، لأن تحريمها انعقد لفرد سجدة، فلا يجعلها شفعًا. وإن كان التالي في الصلاة، فقرأ آية السجدة، قبل قراءة الفاتحة، له أن يسجد، لأن القيام كله محل للقراءة، بخلاف ما لو قرأ في الركوع والسجود والتشهد لا يسجد، لأنه ليس بمحل قراءة القرآن، وكل شرط يسترط في الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والوقوف على مكان ظاهر، يشترط في سجود التلاوة. والمستحب أن يقول: سبحان ربي الأعلى، وبحمده ثلاثًا، فظاهر قوله -

стр. 754

عليه السلام، لما نزل قوله: (سبح اسم ربك الأعلى)، قال: اجعلوها في سجودكم. وهو في سورة ألم تنزيل، أكثر استحبابًا لقوله تعالى: (وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون). فلو قال فيه: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين، والأول هو الأولى، وفي سجدة الفرقان، في قوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن، فيستحب أن يقول: سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن، فاغفر لي يا رحمن، وإذا كرر في مجلس واحد، أو ركعة واحدة من الصلاة آيات السجود، يستحب أن يسجد في كل مرة، إلا أنه لا يستحب أن يجمع آيات السجود ليقرأها دفعة واحدة لأجل السجود، ولو كرر آية السجدة مرارًا يكفيه سجدتان. وعند أبي حنيفة إن كان في مجلس، وقرأ آيات السجود يكفيه سجدة واحدة، وإن قرأ آية، وسجد لها، ثم قرأها في هذا المجلس، لا يسجد لها ثانيًا. وفي مجلس آخر له فيه روايتان، ويسجد للتلاوة في الأوقات المنهية، لأن له سببًا، ولو ترك سجود التلاوة لم يقضه، سواء تركه بعذر أو غير عذر، فالعذر مثل: أن يكون على غير الطهارة ونحوه، قال: ويحتمل أن يقال: إذا تطهر يقضيه، كما قال الشافعي ﵀ في الأذان إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في الصلاة لا يجيبه، وإذا فرغ من الصلاة قاله. وقال أبو حنيقة: لا يسجد في الأوقات المنهية، ثم يقضية بعد خروج الوقت المنهي، وكذلك يقول: لو لم يكن متطهرًا، فعليه القضاء إذا تطهر، وإذا ترك سجود التلاوة في الصلاة، وافقنا في أنه لا يقضيه خارج الصلاة، والله أعلم بالصواب. قال المزني: ويصلي في الكعبة الفريضة والنافلة، وعلى ظهرها، إن كان عليه من البناء ما يكون سترة لمصل، فإن لم يكن لم يصل إلى غير شيء من البيت.

стр. 755

قال القاضي حسين: وهو كما قال عندنا: وقال مالك: يجوز فعل النافلة في الكعبة دون الفريضة، ولعله برع فيه إلى أنه ﵇: لم يصل الفريضة في الكعبة، وصلى النافلة فيها. لنا: أن هذه بقعة يجوز فيها فعل النفل، فكذا إن فعل الفرض كغيرها من البقاع، إلا أن المستحب عندنا ألا يصلي الفريضة في الكعبة أيضًا، لأنه ﵇، لم ينقل عنه أنه صلى الفريضة فيها للخروج من الخلاف. كذا قال ﵁: وإذا صلي خارج البيت توجه إلى أي جانب شاء، وإذا صلى على ظهر الكعبة إن كان بين يديه شي من البيت بقدر مؤخرة الرجل، أو نبت شجر على ظهر الكعبة جاز، وإن لم يكن بين يديه من بناء البيت نظر، فإن غرز خشبة، فيها وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنها ليست من بنائها، وإنما غرزت فيه للقطع، لا للتأبيد. والثاني: يجوز، ولو وضع أمتعة بين يديه أو مد حبلا بين يديه لم يجز، وكذا لو أرخى سترًا بين يديه، لا يجوز، وهذا نظير ما لو باع دارًأ، وفيها منقولات، مثبتة في الأرض لا للتأييدـ هل يتبعها في البيع؟ فعلى وجهين، وإن كانت غير مثبتة في الأرض لم يتبعها فيه. وعند أبي حنيقة: الصلاة على ظهر الكعبة جائزة، وإن لم تكن بين يديه سترة، وهذا لا يصح، لما روى، أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر ظهر الكعبة من جملتها. ولأن الكعبة إمام المصلي، والامام في الصلاة لا يعلى، ولأنه لم يتوجه إلى

стр. 756

جزء من البيت، ولا إلى جميع هواء البيت، فصار كما لو وقف على طرف السطح. فأما إذا انهدمت الكعبة والعياذ بالله، فوقف في صحنها إن لم يكن بين يديه شيء من البيت لم يجز، وإن كان بين يديه شيء من بناء البيت بقدر سترة المصلى، جاز، وإن غرز خشبة بين يديه، فوجهان، ولو وقف على أبي قبيس، أو سطح المسجد جاز، لأنه متوجه إلى جهة الكعبة، وهوائها، ولو حفر حفرًا في البيت، ووقف فيه جاز، لأنه متوجه إلى جزء من البيت، ولو جمع الآلات والنقض، وبناها في موضع آخر، وتوجه إليها لا يجوز له ذلك، لأنها ليست بجهة الكعبة. قال المزني: ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة. قال القاضي حسين: عندنا، المرتد يقضي ما ترك من الصلوات في زمان الردة، إذا عاد إلى الإسلام. وقال أبو حنيقة: لا يقضيها وعلى هذا الردة عندنا لا تسقط الأعمال المستقرة في الذمة، ولا تحبط المفروع عنها، خلافًا لأبي حنيفة، وأصل هذه المسألة أن عندنا إسلام المرتد إسلام بناء، لا إسلام ابتداء. وعنده إسلامه إسلام ابتداء كإسلام الكافر الأصلي. فرع المرتد إذا جن، ثم أفاق، فأسلم، يلزمه قضاء ما مضى من الصلوات في زمان الردة على الجنون إذا عاد إلى الإسلام، وإذا حاضت، ثم أسلمت، ثم طهرت، لم يلزمها قضاء الصلوات في زمان الحيض، والفرق أن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة، والرخصة لا تثبت للعاصي، والردة رأس المعاصي.

стр. 757

وحقيقة الفرق أن الحائض من أهل الخطاب، لأن الحيض لا يسلب التكليف، فخوطبت بترك الصلاة. يدل عليه أنها لو صلت تعصي الله تعالى. وأما المجنون فإنه ليس من أهل الخطاب، وإنما سقطت الصلاة عنه رخصة له، يدل عليه أنه لو صلى لم يعص الله تعالى. قال صاحب التلخيص، لو سكر فجن تلزمه قضاء الصلوات، لأن السكر معصية، فيمنع ثبوت الرخصة، إلا أنه في السكر إنما يتصور هذا في صلاة أو صلاتين، لأن مدة السكر لا تمتد بخلاف الردة. فروع شتى لو قرأ آية التلاوة في الصلاة، بعد قراءة الفاتحة، فهوي ليسجد سجدة التلاوة، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يركع. قال القاضي ﵁: عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع، لأن هوية كان لأجل كان لأجل النفل، والركوع فرض، كما قال الشافعي ﵀: لو رفع رأسه من السجود لتنفل عليه أن يعود إلى السجود ثانيًا، لأن رفعه لم يكن بنية الفرض، ولو قرأ آية السجدة، ووقع له ألا يسجد ويرفع، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يسجد سجدة التلاوة. قال ﵁: ينظر إن بلغ حد الركوع ليس له ذلك؛ لأنه انتقل إلى ركن آخر، وإن لم يلغ حد الركوع جاز له ذلك، ولو سجد الإمام سجدة التلاوة، فلو لم يتابعه بطلت صلاته، ولو أن الإمام ترك سجدة التلاوة، ليس له أن يسجد، بخلاف سجدتي السهو، لأنه يورث خللا في صلاته، وأيضا أنه يفعله بعد ما خرج الإمام من الصلاة.

стр. 758

فرع لو قرأ الإمام آية التلاوة، وسجد، ولم ينتبه المأموم حتى فرغ الإمام وقام، بأن كان بعيدًا منه، ليس له أن يشتغل بسجدة التلاوة، ويترك متابعة الإمام، لأن المتابعة فرض، وسجدة التلاوة سنة. منه لو جلس الإمام في التشهد الأول، وقام، ثم علم المأموم، أو أتي بالقنوت في الصبح، ولم يعلم المأموم، ثم علم بعد الفراغ منهما ليس له أن يشتغل بالقنوت، ولا بالتشهد الأول، لما ذكرناه، فلو أراد أن يفارق الإمام، ويأتي بالتشهد الأول، أو بالقنوت بالنية له ذلك، وفي سجدة التلاوة ليس له ذلك. والفرق أنهما من أبعاض الصلاة، فتركهما يوجب نقصا في الصلاة، وسجدة التلاوة ليست من أبعاض الصلاة، وتركها لا يوجب نقصًا وخللاً في الصلاة. فرع لو ترك الإمام والمأموم السجدة الأخيرة في الصلاة ناسيًا، ثم تنبه المأموم في حال التشهد وجب عليه أن يخرج نفسه من متابعة الإمام، ويسجد ثم يستأنف التشهد، ويسجد سجدتي السهو، وليس له أن يصبر، ويقول: ربما يتذكر الإمام فيسجد فيتابعه، أو يسلم حينئذ ويسجد، ويستأنف التشهد، لأن قراءة التشهد قبل السجود باطل غير جائز، والمتابعة فيما هو باطل، توجب بطلان الصلاة. فرع. لو تنحنح الإمام في الصلاة، فهل عليه أن يخرج نفسه من متابعته، ويحمل ذلك على أنه فعله عمدًا؟ فوجهان، وبمثله لو سجد إمامه في آخر الصلاة سجدتي السهو، ولم يظهر

стр. 759

منه السهو، يجب عليه أن يتابعه، ولو لم يتابعه بطلت صلاته، وكذا لو سجد إمامه في أثناء القيام في صلاة السر، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، والفرق أن التنحنح ليس من الأذكار، والأعمال المشروعة في الصلاة، وكذا لو قام إمامه إلى الخامسة، ليس له أن يتابعه، ويحمل ذلك على أن إمامه قد ترك فاتحة الكتاب في ركعة ناسيًا، وقد تذكر الآن، بخلاف سجدة التلاوة وسجدتي السهو، لأنهما من الأعمال المشروعة في الصلاة المسنونة في الشرع، ولا تبطل صلاته بهذا القدر، لأن سجدة التلاوة مشروعة في الصلاة، وهذا كما لو سها في صلاته، فاقتصر على سجدة واحدة جاز كذا ها هنا مثله فرع المستحب للمصلي أن يراعي الترتيب في قراءة السورة بعد الفاتحة، والسنة أن يقرأ سورة تامة. وحكي عن القاضي بن صاعد أنه قرأ: (قل أعوذ برب الناس) ـ في الركعة الأولى بعد الفاتحة، ثم قام، وقرأ من أول البقرة في الركعة الثانية، وحكي عن الحاكم الإمام عن الإستراباذي، رحمة الله أنه قرأ قل أعوذ برب الناس، في الركعة الأولى بعد الفاتحة، فقرأ منها بعضها وركع، ثم أتم الباقي في الركعة الثانية. فرع ولو قرأ في الصلاة ما كان قرآنا، ثم نسخ تلاوته؛ مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة، تبطل صلاته، لو قرأ في الصلاة بالقراءات الشاذة، مثل إن قرأ: إنا أنطيناك الكوثر، لا يستحب، ولكن لا تبطل صلاته. ويستحب أن يقرأ القرآن في الصلاة بقراءة السبع.

стр. 760

وقد قال ﵇: أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف. واختلفوا في تفسيره. قيل: معناه، أنزل على لغة سبع قبائل من العرب، والنبي ﵇ كان لا يعرف إلا لغة قريش، كي لا يقولوا بأنه ﵇ اخترعها من عند نفسه. فرع لو قرأ في الصلاة: الحمد لله، بفتح اللام، لا يجوز، وكذا لو قال: إياك نعبد، من غير تشديد، إن كان عامدًا يكفر، لأن الإياه هي ضوء الشمس، وإن كان ساهيًا يستأنف القراءة. فرع. رجل سلم عن صلاته، فقال له آخر، سلمت في غير موضعه، فقال: لا، بل سلمت في موضعه، ثم تذكر أنه ما سلم في موضعه، هل تبطل صلاته أم لا؟ نظر، إن وقع له شك بقوله، فحالة الشك إجابة تبطل صلاته، وإن لم يقع له شك بقوله، ثم تذكر، فعليه أن يبني علي صلاته إن كان الفصل يسيرًا، وإن طال الفصل يستأنف.

стр. 761

فرع رجل في السجود تيقن أنه ترك ركنًا، وأشكل عليه ذلك الركن، لا يدري أنه ترك القراءة أو الركوع، أو الاعتدال من الركوع، فعليه أن يأخذ بأسوأ الأحوال، ويعود إلى القراءة. فرع رجل شرع في قضاء الفائتة، فدخل الإمام مع جماعة، وافتتحوا صلاة الوقت بالجماعة، لا يستحب له أن يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة حتى يصليها مع الإمام بالجماعة، أو يصلى صلاة الوقت، بخلاف صلاة الوقت، فإنه إذا شرع، ثم كذا الإمام مع الجماعة شرعوا في الصلاة. نص الشافعي ﵀ على أنه يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة؛ لأن الفائتة لاتقتضي بالجماعة، ولا يسن لها الجماعة بخلاف صلاة الوقت، وبمثله لو كان جماعة دخلوا المسجد، ووجدوا الإمام في القعدة الأخيرة، فالمستحب لهم أن يقتدوا به، ولا يتركون الاقتداء به حتى يسلم الإمام، وهم يصلون الجماعة ثانيًأ، لأن تلك الفضيلة متحققة، وها هنا موهومة، ولو كان يوم غيم فشرع في صلاة فائتة فتقشع الغيم، وبان أنه لم يبق من الوقت إلا قدر صلاة الوقت، يستحب له أن يقتصر على ركعتين نافلة، ويستعد لفريضة الوقت، لأنه لما جاز له قطع الفريضة لأجل إدراك الجماعة، فلأن يجوز قطعها لأجل أدائها في وقتها وألا تصير قضاء أولى. فرع رجل قال لامرأته: إن صليت اليوم صلاة الظهر، فأنت طالق، فإن صليت الظهر وقرأت الفاتحة، ولم تأت بالتشديد لا يقع الطلاق، لأنها ما صلت.

стр. 762

فرع إذا صلى ركعتي الفجر، السنة أن يضطجع على جنبه الأيمن، هكذا روى في الأخبار أن النبي ﵇، فعله. فرع لو قال في الصلاة: قال النبي ﷺ : تبطل صلاته، ولو قال: قال الله، إن قصد به القرآن لا تبطل صلاته، وإن لم يقصد به القرآن تبطل صلاته، ولو روى خبرًا في أحكام المعاملة كقوله ﵇: الخراج بالضمان، تبطل صلاته. فرع مسبوق رأي الإمام في الركعة الأولى، سجد سجدة ساهيًا، فلو قام إلى الثانية اقتدي به. وقلنا: يصح اقتداؤه، فلا يتابعه في القيام والركوع، لأنه غير محسوب له، بل يجلس وينتظره في السجدة الأولى، إن جلس الإمام بين السجدتين، أو لم يجلس. وقلنا: القيام يقوم مقامه الجلسة الأولى، فإذا هوي الإمام إلى السجود تابعه فيه، ثم إذا رفع الإمام رأسه من السجود، وقام هو، يقوم أيضًا معه، وإن اشتغل بالسجدة الثانية، فلا يتابعه، بل قوم وينظره، فإن سلم حينئذ تكمل الصلاة لنفسه.

стр. 763

فرع مأموم نسي الفاتحة، فذكرها بعدما هوي إلى الركوع، وهو بعد قائمًا، فيه وجهان: أحدهما: يقرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام ما لم يزد على ثلاثة أركان، لأنه معذور. والثاني: يتابع الإمام، ثم إذا سلم الإمام، يقوم ويقضي ركعة، ولو تذكر بعدما هوي إلى الركوع لم يعد وجهًا واحدًا، لأنه لم يكن في محل القراءة، ولو شك قبل أن يركع، هل قرأ الفاتحة أم لا؟ قرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام، وإذا شك في الركوع لا يعود، فإذا سلم الإمام يقوم ويقضي ركعة. فرع المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فلما فرغ منه هوى إمامه إلى الركوع عليه أن يقرأ الفاتحة وجهًا واحدًا، ثم يجري على أثر الإمام كما بينا، والمسبوق لو اشتغل بدعاء الاستفتاح. فقيل: إن قرأ الفاتحة ركع الإمام، ففيه أوجه سنذكرها إن شاء الله.

стр. 764

باب سجود السهو وسجود الشكر قال المزني: قال الشافعي رحمه الله تعالى -: ومن شك في صلاته، فلم يدر، أثلاثًا صلى، أم أربعًا، فعليه أن يبني على ما استيقن، وكذلك رسول الله ﷺ ، قال القاضي حسين: بدأ في الترجمة بسجود الشكر، وفي الشرح ببيان حكم سجود السهو، لأن أمره أهم، وجملة السهو في الصلاة قسمان، سهو في أصل الصلاة في الأصل، فمثل أن يشك أنه هل صلى أم لا؟ فالأصل أنه لم يصل، فيبني على اليقين، وهذا أصل ممهد في الشريعة، وهو أن ما تحقق ثبوته، وشك في زواله، لا يترك اليقين، السابق، بالشك الطاري، بل بيقين أقوى منه أو مثله، والأصل فيه ما روى أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يأتي أحدكم، فينفخ بين أليتيه، ويخيل إليه أنه قد أحدث، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف عن صلاته، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا. وقال ﵇: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فأما الشك في أبعاض الصلاة فلا يخلو أما أن يقع في خلال الصلاة، أو بعد الفراغ منها، فإن وقع في خلال الصلاة مثل أن شك في أنه هل صلى ركعة أو ركعتين؟

стр. 765

فيبني على اليقين، ويعود إلى الموضع الذي وقع له الشك في فعله، يأتي به، وما أتي على الشك بعده، ولا يفصل بين أول صلاة يعرض له هذا الشك فيها، وبين الصلاة بعدها إذا صار ذلك عادة له. وقال أبو حنيقة إذا اعترض له الشك أولا، بطلت صلاته، وإن كان ذلك وقع له معتادًا اجتهد إن أدى اجتهاده إلى أحد الأمرين، عمل به، أخذًا بغلبة الظن، فإن استوى الأمران عنده يبني على اليقين. دليلنا ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ ، قال: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن على ما استيقن، وليضف إليها ركعة أخرى وليسجد سجدتين ثم ليسم، فإن كانت خمسًا شفعتها السجدتان، وإن كانت أربعًا، فالسجدتان ترغيمتان للشيطان. قوله: شفعتها السجدتان، لم يرد أنها بالسجدتين تصير ستة، إذ: السجدتان لا يقومان مقام ركعة كاملة، وإنما أراد به أن السجدتين يردانها إلى الأربعة، ويحذفان الزيادة، لأن سجود السهو كما يجبر النقصان يرفع الزيادة. وقوله: وإن كانت أربعًا فالسجدتان ترغيمتان للشيطان، أراد به أنه إن كان قد أتم صلاته، ولم يزد فيها شيئًا، يسجد سجدتين، فيترغم بهما الشيطان، ولا تزداد بهما الصلاة. وقيل: لا يترغم الشيطان بقربة كما يترغم بالسجود، يقال: إذا سجد ابن آدم، يقول الشطيان: واويلاه، أمر ابن آدم بالسجود، فأطاع، فله الجنة، وأمر هو بالسجود فعصى، فله النار، ويترغم بالأذان والإقامة أيضا غاية الترغم.

стр. 766

روي أن النبي ﷺ قال: إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط أو حصاص فإذا فرغ أقبل، فإذا أقام أدبر، فإذا فرغ أقبل، ويدخل ما بين المرء ونفسه، ويذكره أشياء، لا يذكرها فإذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليين على ما استيقن. ولأن ما وجب البناء في أصله على اليقين، وجب البناء على عدد على اليقين كالطلاق، وإن شك بعد الفراغ من الصلاة في عدد الركعات أو الأركان، عن كان الفصل يسيرًا عاد، وبني على صلاته، وإن طال الفصل استأنف في الجديد، وبني في القديم. ونظير هذا، المرأة المعتدة بالإقراء إذا ارتابت هل بها حمل أم لا؟ وكانت في خلال العدة لا يحكم بانقضاء عدتها، فإن كانت قد انقضت عدتها، فنكحت، فعلى قولين: أحدهما: لا ينعقد النكاح. والثاني: ينعقد موقوفًا. وجه الشبه أن الريبة هناك طرأت بعد الحكم بانقضاء العدة، فأوجبت نقض الحكم والحكم ببقاء العدة، فكذا ها هنا، الريبة إذا طرأت توجب نقض الحكم بصحة الصلاة، ويلزم الاستئناف. قال المزني: فإذا فرغ من صلاته بعد التشهد، سجد سجدتي السهو قبل التسليم، واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ وبحديث ابن بحينة عن النبي ﷺ أنه سجد قبل [السلام].

стр. 767

قال القاضي حسين: مذهب الشافعي ﵀ في الجديد أن سجدتي السهو، قبل السلام، زيادة كانت السهو أو نقصانًا. وقال في القديم: إن وقع السهو بالزيادة سجدهما بعد السلام، وإن وقع بالنقصان سجدهما قبل السلام، وهو مذهب مالك. وفرق بأن السهو إذا كان نقصانا ينجبر بهما إذا سجدهما قبل السلام، وإذا كان زيادة يؤدي إلى الزيادة على الزيادة لو سجدهما قبل السلام. ومن قال بالأول أجاب عنه بأن قال: سجود السهو كما يجبر النقصان يحذف الزيادة، فإذا كانت السهو زيادة سجدهما قبل السلام لينحذف الزيادة. واحتج مالك أيضا بحديث ذي اليدين، فإن النبي ﷺ سجدهما بعد السلام، ولأن سهوه كان بالزيادة، وهو الكلام والسلام، وبما روى أن النبي ﷺ صلى صلاة ذات أربع خمسًا، فقيل له: أزيدت الصلاة يا رسول الله؟ فقال ﵇: لماذا؟ فقيل: صليت خمسًا فسجد سجدتين، وسلم. ومن قال بالمذهب الجديد أول حديث ذي اليدين، وحمل السلام المذكور فيه قبل السلام على السلام المشروع في التشهد وهو السلام على النبي، وعلى عباد الله الصالحين على أنه روى في حديث ذي اليدي أنه سجد سجدتين، ثم سلم. وأما الخبر الاخر، فلا دليل فيه، لأن السجدتين وقعتا بعد السلام للضرورة؛ لأنه ﵇ ذكر السهو بعد السلام. وقال أبو حنيفة سجدتا السهو بعد السلام بكل حال دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري على ما روينا، وحديث عبد الله بن بحينة روى عنه: أن النبي ﷺ إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فقام إلى الثالثة،

стр. 768

ولم يجلس فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر الصلاة انتظرنا تسليمه، فسجد سجدتين ثم سلم. قال الشافعي: روى السجود قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام، والأخذ به أولى، وروى عن الزهرى أنه قال: سجد رسول الله ﷺ ، قبل السلام للسهو، وسجد بعد السلام، وكان سجوده قبل السلام آخرًا. وقال ابن عباس: كنا نأخذ من أمر رسول الله ﷺ بالأحدث فالأحدث. ولأن هذه السجدة لجبر خلل وقع في الصلاة، فيأتي بها في الصلاة، لينجبر الخلل، إذ لو أخرها بقي الخلل في الصلاة. فقيل: إذا شك في خلال الصلاة، أما في عدد الركعات أو الأركان، إن تذكر في الحال لم يلزمه سجود السهو، وإذا تذكر بعد مضى زمان، والإتيان بجزء من الصلاة ما حكمه؟ كان القفال ﵀ يقول: إن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر ما يقطع المعيب، أن عليه فعله لم يكن سهوه ملزمًا السجود، وإن كان مفعوله بعد الشك إلى التذكر مما لا يقطع على المعيب أن عليه فعله، بل احتمل أن يكون ذلك زيادة في الصلاة، كان سهوه ملزمًا السجود. وبيان ذلك رجل في صلاة المغرب شك في التشهد الأخير، أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، لا يلزمه سجود السهو، إذ لم تنكشف حقيقة الحال، أو بان انها كانت ثالثة، لأنه كان يقطع على المغيب أن ما أتي به بعد الشك عليه فعله، وليس في

стр. 769

أحد محتمليه أنه زيادة في الصلاة؛ إذ التشهد فرض، سواءٌ كان قد زاد ركعة أو لم يزدها، وإن انت رابعته فعليه سجود السهو، لأنه تحقق زيادة ركعة في الصلاة، وإن لم يكن في التشهد، وكان إما في الركوع، أو السجود، فإن انكشف له في الحال فلا سجود عليه لما بنا، فإن مضى زمان، وأتي بجزء من الصلاة، فعليه سجود السهو، سواء بأن له أنها كانت ثالثته أو رابعته، لأن ما أتي به بعد الشك إلى التذكر كان لا يقطع على المغيب أن عليه فعله، بل كان في أحد محتمليه أنه زيادة منه في الصلاة، ولو شك في صلاة الصبح، أنها كانت أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القيام إلى الثانية، لم يلزمه سجود السهو، لما بينا، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية، فعليه سجود السهو، لأنه أتي ما هو زيادة في أحد محتمليه بعد الشك، وهو القيام، ولو شك في صلاة الظهر، أنها أولاه أو ثانيته، فإن تذكر قبل القام إلى الثانية، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعد القيام إلى الثانية فعليه السجود، لأنها إن كات ثانيته، فقد ترك التشهد الأول، وإن بانت أولاه، ففي أحد محتمليه أنه أتى بما ليس عليه، لأن عليه أن يتشهد قبل القيام إلى الثالثة. ويحتمل أن يقال: ليس عليه سجود السهو، بخلاف ما ذكرنا من الصبح، فإن بان أن المفعول أولاه، عليه سجود السهو، لأن في أحد محتمليه أن المفعول ثانيه، وهذا ثالثه، والركعة الثالثة ما لا يجب عليه قط بكل حال. وفي هذه المسألة، هذه الركعة التي قام إليها ما يجب عليه بكل حال، التشهد الأول بوجوب سجود السهو إذا كان متروكًا، فهو لم يترك ها هنا شيئًا، فليس عليه سجود السهو، وإن شك أنها ثالثته أو رابعته، فإن تذكره قبل القيام إلى الرابعة، لم يلزمه السجود، وإن تذكر بعده، فعليه السجود، لأنها إن

стр. 770

بانت رابعته، فقد زاد في الصلاة، وإن بانت ثالثته، ففي أحد محتمليه أنه تارك للتشهد، وفاعل ما ليس عليه فعله. فرع في صلاة ذات أربع، شك أن الركعة التي هو فيها ثالثته أو رابعته، تشهد فبان أن التي شك فيها رابعته، والتشهد التي هو فيها التشهد الأخير، ليس عليه سجود السهو، ولو شك في التشهد الأخير أنه صلى أربعًا أو خمسًا ليس عليه سجود السهو إن لم يتذكر شيئًا، لأنه شك في السهو، والأصل أنه ما سها، قال المزني: وإن ذكر انه في الخامسة سجد أو لم يسجد قعد في الرابعة أو لم يقصد فإنه يجلس للرابعة، ويتشهد ويسجد للسهو. قال القاضي حسين: إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، ثم ذكر أنه في الخامسة عاد عندنا، ويتشهد للرابعة، وسجد سجتين ثم سلم، سواء كان قد قعد في الرابعة أو لم قعد، وسواء قيد الخامسة بسجدة، او لم يقيدها بسجدة. وقال أبو حنيقة: إن لم يكن قيد الخامسة بسجدة عاد، وصلاته صحيحة، وإن كان قد قيدها بسجدة، إن لم يكن قعد في الرابعة، بطلت صلاته، وإن كان قد قعد في الرابعة، ضم إليها ركعة أخرى تكونان له نفلا، وإنما بني هذا على أصلين: أحدهما: أن الركعة الواحدة ليست بصلاة عنده، فيضم إليها أخرى لتصير صلاة. والثاني: أن عنده الفعل المنافي للصلاة في آخر الصلاة، تتم به الصلاة، فإذا كان قعد في الرابعة، فبقيامه إلى الخامسة بطلت صلاته، وهذا ليس بصحيح،

стр. 771

لأن القيام فعل واحد، فيستحيل أن تتم به صلاة، ويشرع به في أخرى، لأن الخروج والشروع ضدان، فلا يحصلان بمعنى واحد. قال القفال ﵀: العجب من محمد بن الحسن صدر الجامع بهذه المسألة، وذكر فيها التفصيل الذي ذكرنا، ثم عطف عليه الخبر الذي رويناه أنه ﵇: صلى صلاة ذات أربع خمسًا إلى آخره، ولم يستأنف الصلاة ولا ضم إليها ركعة أخرى. فالحديث مخالف لمذهبه من كل وجه، لأنه ﵇ كان لا يخلو، إما أن يكون قد قعد في الرابعة، أو لم يقعد، فإن كان قد قعد في الرابعة، لكان يضم إليها ركعة أخرى على قضية مذهبه، وإن لم يكن قد قعد في الرابعة، لكان يستأنف الصلاة، ثم إن الشافعي ﵀، لما قال: يعود إلى الرابعة ويتشهد اعترضوا، فقالوا: لم أمره بالتشهد ثانيًا إذا كان قد تشهد مرة؟ اختلف أصحابنا في الجواب عنه على طرق. منهم من قال: جمع الشافعي ﵀ بين مسألتين: إحداهما: أن يكون قد قعد في الرابعة. والأخرى: ألا يكون قد قعد في الرابعة. وقوله: يعود ويتشهد، راجع إلى إحداهما، وهي إذا لم يكن قد قعد في الرابعة، ومنهم من قال: قوله: قعد أو لم يقعد، تشكيك إن كان شاكًا، هل قعد أم لا؟ وقوله: سجد او لم يسجد، تنويع المسألة إذا شك، هل قعد أم لا؟

стр. 772

فالأصل أنه لم يقعد وعليه أن يتشهد وقد يجمع في الكلام الواحد بين التنويع والتشكيك، هذا كما قال في خبر الربا، ونقص أحدهما التمر والملح تشكيك في أن المقبوض من التمر والملح، وفي الناقص مسلم بن يسار أو صاحبه. وقوله: زاد أو ازداد، فقد أربى تنويع من جهة النبي ﷺ ومعناه: ومن أعطى الزيادة، وأخذ الزيادة فقد أربى. وقيل: هو تشكيك أيضا أي شك الراوي أنه ﵇، قال: زاد أو ازداد. ومنهم من قال: قصد بقوله: قعد او لم يقعد، الرد على أبي حنيفة حيث فصل بينهما. ومنهم من قال: الشافعي ﵀ لم يقل: تشهد في الرابعة أو لم يتشهد، وإنما قال: قعد في الرابعة أو لم يقعد. وعندنا لا يكتفي بالقعدة، بل لابد من انضمام قراءة التشهد إليها، فإنما أمر بالتشهد، وإن كان قد قعد، لأن عليه فرض قراءة التشهد، ولا يمكنه قراءة التشهد إلا بقعدة معها، ولعله قصد به أيضًا على أبي حنيقة، حيث قال: القعود يكتفي به دون قراءة التشهد. فمن قال بأحد الطرق الأربعة يقول: إذا كان قد تشهد في الرابعة لا يتشهد إذا رجع عن الخامسة التي قام إليها ساهيًا. ومن أصحابنا من قال: وإن كان قد تشهد في الرابعة يعود، ويتشهد ثانيًا، وبه قال ابن سريج، ولأي معنى لزمه التشهد ثانيًا؟ فيه معنيان: أحدهما: أن الشرط هو أن ينتقل من ركن إلى ركن يدل عليه أن الشافعي ﵀ نص على أنه لو قدر على القيام بعد القراءة، وكان يصلي قاعدًا يرتفع

стр. 773

إلى القيام، ثم منه يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع ليكون الانتقال من الركن إلى الركن الذي يتصل به. وقال المزني: في المنثورات: لو رفع المأموم رأسه قبل إمامه من السجود لتنقل فعليه أن يعود إلى السجود، ثم يرفع رأسه، لأن رفعه الأول لم يكن للانتقال من السجود إلى الجلسة، وإنما كان للنفل، وعلى هذا لو صلى قاعدا للعجز عن القيام، ثم قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت ويقوم، ثم يبني على القراءة، ولا يقرأ في حالة القيام من القعود، وحتى يعتدل قائمًا. والمعنى الثاني: أن المولاة شرط بين الأركان، وإن ما كان ركنًا من الصلاة، لابد وأن يتصل أحد طرفيه بالصلاة، والسلام ركن، فلا يجوز أن ينفرد بنفسه، فأوجبنا التشهد ليتصل أحد طرفيه بجزء من الصلاة؛ لأن ما أتى به ساهيًا ليس من الصلاة، وعلى هذين المعنيين مسألة، وهي أنه لو ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى من صلاة الصبح ساهيًا، وقام إلى الثانية، ثم ذكرها، فعليه أن يعود إلى الموضع المتروك، ثم يلزمه أن يسجد واحدة، أو سجدتين؟ فعلى وجهين بناء على المعنيين: إن جعلنا المعنى الانتقال من الركن إلى الركن سجد سجدتين، لينتقل إلى الركن عن الركن الذي يتصل به، وإن جعلنا المعنى اتصال أحد طرفيه بجزء من الصلاة اقتصر على السجدة المتروكة، لأن إحداهما، يتصل بجزء من الصلاة، وهو القيام، وإن لم يتصل أولها بما هو محسوب من الصلاة. فرع لو سمع حسًا، ظن أن الإمام رفع رأسه من الركوع، أو من السجود، فرفع رأسه، فإذا الإمام لم يرفع رأسه، فعليه أن يعود، ولو كان هو في القعود، والإمام في الارتفاع، أيضا يجب عليه أن يعود إلى تمام السجود. وفيه وجه آخر: أنه لا يجب عليه أن يعود، بل يتابعه ولو رفع رأسه منه قبل

стр. 774

الإمام متعمدًا لا تبطل صلاته، ولو عاد متعمدًا تبطل، فلو بدا له ألا يعود إلى السجود، هل تبطل صلاته أم لا؟ يحتمل أن يقال: تبطل صلاته، كما لو رفع رأسه لتنفل، يجب عليه أن يعود، ولو لم يعد بطلت صلاته. ويحتمل ان يقال: لا تبطل، والفرق أن هناك رفع رأسه لتنفل، ولم يقصد قطع السجود، بدليل أنه لو وافقه الإمام في ذلك أيضًا لم يجز. وفي مسألتنا قصد بالرفع قطع السجود بدليل أنه لو كان الإمام رافعًا رأسه، كما ظن ليس عليه العود، هذا هو الأصح، والله أعلم. قال المزني: فإن نسي الجلوس من الركعة الثانية، فذكر في ارتفاعه، وقبل انتصابه، فإنه يرجع إلى الجلوس، ثم يبني على صلاته، وإن ذكر بعد اعتداله، فإنه يمضي. قال القاضي حسين: إذا ترك التشهد الأول، وقام إلى الثالثة، ثم ذكر أنه تركه إن كان قد اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الجلوس والتشهد، لأن القيام فرض، والتشهد الأول سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، فإن عاد بطلت صلاته، إن كان عالمًا بالعود بأنه لا يجوز، وإن كان جاهلاً به، فالمذهب أن صلاته لا تبطل، لأن هذا مما يخفي على العوام، ومما يبتلون به. وقال أحمد: عليه العود، وإنما بناه على أصله، لأن التشهد الأول فرض عليه عنده. فأما المأموم: فإنه يتابع الإمام إذا عاد إلى التشهد، بل يخرج نفسه عن صلاته، أو يقوم حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقدر كأنه جلس ناسيًا أو جاهلاً في وجه. فأما إذا ذكر قبل الاعتدال قائمًا نظر، فإن كان أقرب إلى الجلوس بأن لم ينتصب ساقاه عاد، وتشهد، ولا يلزمه سجود السهو، لأن هذا القدر لو زاده عمدًا في الصلاة لم تبطل صلاته، وان انتصب ساقاه، وبلغ هيئة الراكعين عاد أيضًا، وسجد للسهو، لأنه لو زاد هذا القدر في الصلاة عمدًا، بطلت

стр. 775

صلاته، ولو ارتفع عن هيئة الراكعين، وكان من هيئة الراكعين والقائمين هل له القعود؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يعود كما لو كان في هيئة الراكعين، فعلى هذا يسجد للسهو. والثاني: كما لو بلغ هيئة القائمين، فعلى هذا إن عاد حكمه ما قلنا،، ولو قام في الصلاة هكذا منحيًا ظهره، بحيث يكون بين هيئة الراكعين، والقائمين، هل يجوز،؟ يحتمل وجهين، ولو ترك القنوت ساهيًا، حتى ألصق الجبهة بالأرض لا يعود، وإن عاد وهو عالم بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لم تبطل، ولو بلغ هيئة الراكعين عاد إلى القنوت، وسجد للسهو، وإن كان أقرب إلى الأرض منه إلى هيئة الراكعين، غير أنه لم يلصق الجبهة بها في العود، يمكن أن يخرج هذا على الوجهين، والصحيح أنه يعود. قال المزني: وإن جلس في الأولى، فذكر قام، وبني، وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر في الثانية، أنه ناس لسجدة من الأولى، بعد ما اعتدل قائمًا، فليسجد للأولى، حتى تتم قبل الثانية. قال القاضي حسين: إذا جلس في الركعة الأولى للتشهد على ظن أنها ثانيته، ثم ذكر إن كان قد أخذ في قراءة التشهد، فعليه أن يسجد للسهو؛ لأنه لو زاد هذا القدر عمدًا في الصلاة بطلت صلاته، وإن لم يكن قد أخذ في قراءة التشهد نظر. إن كان جلوسه بقدر جلسة الاستراحة لم يلزمه السجود للسهو، ووقعت عن جلسة الاستراحة، وإن كان قد زاد على جلسة الاستراحة، فعليه أن يسجد للسهو، ونظيره ما بينا في الفاتحة إذا نوى قطعها. قال المزني: وإن ذكر بعد أن يفرغ من الثانية، أنه نسي سجدة من الأولى فإن عمله في الثانية كلا عمل، فإذا سجد فيها، كانت من حكم الأولى، وتمت الأولى
следующие страницы →