Полный текст (419 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
احتمال كفره وقتله مع احتمال إسلامه تعين تركه لخطر الدماء، ولأنا رأينا الشارع ترك كثيرًا من الكفار فلم يقتلهم، ولم نره قط قتل مسلمًا، وهذا المعنى/ وحده كافٍ في عدم قتل الزنديق إذا تلفظ بالإسلام.
وقولهم: إنه يتخذ ذلك ذريعة، كلما خشي القتل تلفظ بالإسلام، وإذا رفع عنه القتل عاد، جوابه: بأنا نؤدبه التأديب البليغ، وخوفه من ذلك ومن قيام السيف كل وقت يمنعه من ذلك.
وأيضًا ليس لنا أن ننصب زواجر لم يأذن بها الشرع، ونحن تبع للشرع، حيث قال: اقتلوا، قتلنا، وحيث لم نجد نصًا توقفنا، ولا ننصب سياسات واستصلاحات من أنفسنا.
ولنا وجه ثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: أنه إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل توبته، وإن جاء تائبًا وظهرت عليه مخايل الصدق قبلت، ومأخذه ما تقدم في الحرابة والفرق بين أن يتوب قبل القدرة عليه أو لا، ولكنه لم يسلك به مسلك الحرابة من كل وجه.
وأيضًا فالحرابة جريمة كالزنا يقتل عليها مع الإسلام، وهنا إنما يقتل على الكفر، فلا وجه لإلحاق هذا بالحرابة، لا سيما مع خطر الدماء، فالوجه الكف عنها وأن لا تراق بمثل هذه الأقيسة الضعيفة حتى يأتي نص أو دليل قوي.
стр. 107
إذا عرف هذا فالصحيح من المأخذين في مسألة الساب عند القائلين بقتله أنه ملحق بالزنديق، فإن السب دل على خبث باطنه كما لو شهدت البينة على أنه تلفظ بالكفر في الخفية فإنه ثبت به الزندقة.
فقد بان بهذا أن مأخذ القتل في الساب والزنديق سواء، وأنا قد ذكرت تفصيلاً في الساب أنه إن دلت القرائن على صدقه قبلت توبته، وإلا ففيه تردد، الأصح القبول، وكذلك أقول في الزنديق إنه يجب أن يكون محل الخلاف ما دمنا نتهمه، وإن كان الأصح قبول توبته.
أما إذا اختبر مدة طويلة وظهرت قرائن على حسن إسلامه فينبغي القطع بارتفاع القتل عنه، وقد كان جماعة من المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم بعد ذلك، وصاروا من خيار المسلمين.
فالحاصل أن الساب والزنديق كلاهما متى ظهرت قرائن الريبة أو اتهم بسوء الباطن اتجه الخلاف فيه، والأقوى قبول إسلامه ودرء القتل عنه،/ ومتى ظهرت قرائن حسن سريرته فعندي: القطع بقبول إسلامه ودرء القتل عنه.
والإقدام على قتل مثل هذا جمود على غير نص ولا ظاهر ولا دليل قوي، أخشى أن النبي ﷺ يكون أول سائل عن دمه يوم القيامة.
وأرى أن مالكًا وغيره من أئمة المسلمين لا يقولون بذلك إلا في محل التهمة، فهو محل قول مالك ومن وافقه.
стр. 108
ولقد أقمت برهة من الدهر متوقفًا في قبول توبته مائلاً إلى عدم قبولها لما قدمته من حكاية الفارسي الإجماع، ولما يقال من التعليل بحق الآدمي، حتى كان الآن نظرت في المسألة حق النظر، واستوفيت الفكر، فكان هذا منتهى نظري، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، والله ورسوله بريء منه، ولكنا متعبدون بما وصل إليه علمنا وفهمنا.
اللهم إنك تعلم أن هذا الذي وصل إليه علمي وفهمي لم أحاب فيه أحدًا، ولا قلدت فيه إمامًا غير ما فهمته من نفس شريعتك وسنة نبيك ﷺ وأخلاقه ومكارمه ورحمته وشفقته ورأفته، فلم يحصل لنا خير في الدنيا ولا في الأخرة إلا منه، والله يختم لنا بخير في عافية بلا محنة، وكذلك آباؤنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلونا، بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
فإن قلت: قد قدمت أن في حديث أبي بكر ما يدل على أنه يجوز للنبي ﷺ أن يقتل من أغضبه، بل سأله أبو داود أحمد بن حنبل عن حديث أبي بكر فقال أحمد: "لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ : كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس، والنبي ﷺ كان له أن يقتل"، فإن كان مراد أحمد: كان له أن يقتل من أغضبه، فهو الذي قلته، وإن كان مراده كان له أن يقتل بغير الثلاثة وذلك من خصائصه بمعنى أن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس له شيئًا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر/ إلا بما أمر الله
стр. 109
به، وهاتان الخصيصتان ليستا لغيره ﷺ ، وبعد موته انسد باب الخصلة الثانية، وأما الخصلة الأولى وهي قتل من أغضبه فلم ينسد، فيقوم الأئمة بعده مقامه في استيفائه.
قلت: من أغضبه بسب أو نحوه مما حكمنا بأنه كفر فلا شك أنه يقتل ما لم يسلم، وأما من أغضبه من الجهال وجفاة الأعراب بشيء لم يقصد قائله التنقيص ولا حكم بكفره فهذا إن ثبت جواز قتله وأن ذلك من خصائصه مع الحكم بإسلامه قائله فإنا نعلم ونتحقق أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يقتل مسلمًا قط، فإما أن يحمل خبر أبي بكر على من أغضبه بما يكفر به، وغالب من يغضبه كذلك، وإما أن يحمل على أن ذلك كان له ولم يفعله تكرمًا وإغضاء، وبعده لا يفعل لأمرين، أحدهما: الاقتداء بسنته، والثاني: أن ذلك كان له على جهة الجواز لا على جهة الوجوب، والأئمة لا ينوبون عنه فيما اختص به من الجائزات التي جعلها الله تعظيمًا لقدره العلي.
стр. 110
خاتمة لهذه المسألة
اعلم أنا وإن اخترنا أن من أسلم وحسن إسلامه تقبل توبته ويسقط قتله فذلك على سبيل الفرض إن وجد، وهو أمر ممكن فيما يظهر، فمن وجد ذلك وعلم الله منه هذا، فهذا حكمه، وهو ناج في الآخرة، ولكنا نخاف على من يصدر ذلك منه خاتمة السوء، نسأل الله العافية، فإن التعرض لجناب النبي ﷺ عظيم، وغيرة الله له شديدة، وحمايته بالغة، فنخاف على من يقع فيه بسب أو عيب أو تنقيص أو أمر ما أن يخذله الله تعالى فلا يرجع له إيمانه ولا يوفقه لهداية.
стр. 111
ولهذا جرت العادة في الحصون والقلاع أنهم متى تعرضوا لذلك هلكوا، وكثير ممن رأيناه وسمعنا به تعرض لشيء من ذلك ـ وإن نجا من القتل في الدنيا ـ بلغنا عنهم خاتمة ردية نسأل الله السلامة، وليس ذلك ببدع من غيرة الله لنبيه،/ وما من أحد وقع في شيء من ذلك في هذه الأزمنة مما شاهدناه أو سمعناه إلا لم يزل منكوسًا في أموره كلها في حياته ومماته، فالحذر كل الحذر والتحفظ كل التحفظ وجمع اللسان والقلب عن الكلام في الأنبياء إلا بالتعظيم والإجلال والتوقير والصلاة والتسليم، وذلك بعض ما أوجب الله لهم من التعظيم، وحكمنا بعصمة دم من علم إسلامه اتباع لما أمرونا به من التحليل والتحريم، فلا ينافي أحدهما الآخر، والله أعلم.
стр. 112
المسألة الثانية: في استتابة الساب
لا شك أن من قال: لا تقبل توبته يقول: إنه لا يستتاب، وأما من قال بقبول توبته فظاهر كلامهم أنهم يقولون باستتابته كما يستتاب المرتد، بل هو فرد من أفراد المرتدين.
قال القاضي عياض: إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتد، إذ لا فرق، وقد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب، وحكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة، ولم ينكره أحد منهم، وهو قول عثمان وعلي وابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح والنخعي والثوري ومالك وأصحابه، والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وذهب طاوس وعبيد بن عمير والحسن في إحدى الروايتين عنه إلى أنه لا يستتاب، وقاله عبد العزيز ابن أبي سلمة، وذكره عن معاذ، وأنكره سحنون عن معاذ، وحكاه
стр. 113
الطحاوي عن أبي يوسف، وهو قول أهل الظاهر، قالوا: تنفعه توبته عند الله، ولكن لا تدرأ القتل عنه لقوله ﷺ : " ... فاقتلوه"، وحكي أيضًا عن عطاء أن من ولد في الإسلام لم يستتب.
وأما مدتها: فمذهب الجمهور/ ـ وروي عن عمر ـ أنه يستتاب ثلاثة أيام، وأحد قولي الشافعي، واستحسنه مالك، وقال: لا يأتي الاستظهار إلا بخبر، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال مالك أيضًا: الذي آخذ به في المرتد قول عمر: يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه كل يوم فإن تاب وإلا قتل. وقال ابن القصار: في تأخيره ثلاثًا روايتان عن مالك: هل ذلك واجب أو مستحب. واستحسن الاستتابة ثلاثًا
стр. 114
أصحاب الرأي، وروي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها، وقاله الشافعي مرة، فقال: إن لم يتب قتل مكانه، واستحسنه المزني.
وقال الزهري: يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبي قتل. وروي عن علي بن أبي طالب أنه يستتاب شهرين. وقال النخعي: يستتاب أبدًا. وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته.
وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع، كل يوم أو جمعة مرة.
وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى ضرب عنقه.
стр. 115
واختلف على هذا: هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا؟ فقال مالك: ما علمت في الاستتابة تخويفًا ولا تعطيشًا، ويؤتى من الطعام بما لا يضره.
وقال أصبغ: يخوف أيام الاستتابة بالقتل ويعرض عليه الإسلام. وفي كتاب أبي الحسن الطابثي: يوعظ في تلك الأيام ويذكر بالجنة ويخوف بالنار، وكذلك يستتاب أبدًا كلما رجع وارتد، وقد استتاب النبي ﷺ نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمسًا.
قال ابن وهب عن مالك: يستتاب أبدًا كلما رجع. وهو قول الشافعي وأحمد، وقاله ابن القاسم.
وقال إسحاق: يقتل في الرابعة. وقال أصحاب الرأي: إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة، وإن تاب ضرب ضربًا وجيعًا ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة.
стр. 116
وقال ابن المنذر:/ لا نعلم أحدًا أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبًا إذا رجع، وهو على مذهب مالك والشافعي والكوفي. انتهى ما حكاه القاضي عياض.
وما ذكره عن عطاء أن من ولد في الإسلام لا يستتاب هي رواية عن أحمد أيضًا، والمشهور عن عطاء وأحمد خلافها، واتفقا على أن من كان مشركًا وأسلم يستتاب.
ثم هؤلاء الذين حكى القاضي عنهم القول بعدم الاستتابة يقولون: لو تاب لا تقبل توبته، وقد قلنا: إنه لا شك في أن من منع قبول التوبة لا يستتب، وإنما الكلام عند من يقبلها.
ومنع قبول توبة المرتد بعيد، وما روي عن الحسن وغيره لعله في الزنديق، فإن المعلوم من أحوال النبي ﷺ وأبي بكر قبول توبة المرتدين.
وفي «مسند أحمد»: "لا يقبل الله توبة عبدٍ كفر بعد إسلامه"، وفي ابن ماجه: "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملاً حتى يفارق
стр. 117
المشركين إلى المسلمين".
ومعنى الحديثين أنه ما دام بين المشركين وهو قادر على الخروج إلى المسلمين لا يقبل إسلامه، وأنه يقبل بعد ذلك.
وقصدنا بنقل كلام القاضي عياض ما صرح به أن المرتد والساب سواء في ذلك، وإطلاق أصحابنا يقتضي ذلك أيضًا، فإنهم مثلوا الردة بألفاظ منها السب، ثم تكلموا في استتابة المرتد وجزموا بها، واختلفوا هل هي واجبة أو مستحبة على قولين:
أحدهما - وهو الأصح على ما ذكره القاضيان الطبري والروياني وغايرهما -: أنها واجبة، لأنه كان محترمًا بالإسلام، وربما عرضت له شبهة فيسعى في إزالتها، ورده إلى ما كان.
هكذا عبارة الرافعي في تعليله، وعبارة الشيخ أبي إسحاق في «النكت»: لأنه لا يرتد إلا لشبهة عرضت له، فوجبت استتابته لإزالة شبهته.
ومن حجة هذا القول ـ بل هو أقوى حجته ـ ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قدم عليه رجل من قبل أبي موسى، فسأله عن
стр. 118
الناس فأخبره، ثم قال: هل كان فيكم من مغربة خير؟ فقال: نعم، رجل كفر بالله بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟! اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني.
وقد تقدم ما حكاه ابن القصار المالكي من إجماع الصحابة على تصويب قول عمر، ولم ينكره أحد.
وعن ابن عمر قال: يستتاب المرتد ثلاثًا.
وروى الدارقطني من حديث عائشة قالت: ارتدت امرأة يوم أحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت. في إسناده محمد بن عبد الملك الأنصاري، قال أحمد: كان يضع الحديث ويكذب.
стр. 119
ومن حديث جابر أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت. في إسناده معمر بن بكار، قال العقيلي: في حديثه وهم.
وعن جابر قال: ارتدت امرأة عن الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ أن يعرضوا عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا قتلت. في سنده عبد الله بن أذينة، جرحه ابن حبان.
والقول/ الثاني ـ وبه قال أبو حنيفة واختاره ابن أبي هريرة ـ أنها مستحبة، لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، ولأن الكافر الأصلي الذي ظهر عناده لا تجب استتابته.
стр. 120
والجواب عن الحديث أنه لا يمنع الاستتابة إذا دل عليها دليل، وهو قول الصحابة.
وعن الثاني: ما قاله الشيخ أبو إسحاق وغيره أن الكافر الأصلي الحربي كفره ليس عن شبهة، والمرتد بخلافه.
ولهذا لو طلب المرتد التأجيل لأجل، ولو طلب الحربي لم يؤجل، ومسألة تأجيل المرتد فيها خلاف، قولان:
أحدهما ـ وبه قال أبو حنيفة: يجب تأجيله ثلاثًا إذا طلب لأثر عمر.
والثاني: لا، وهو المنصور في الخلاف، كما لو طلب التأجيل بعد الثلاث.
والمراد بالتأجيل إمهاله ثلاثًا، فإن الخلاف الأول في الاستتابة من أصلها.
وسواء أقلنا هي واجبة أو مستحبة ففي مدتها ـ وهو المراد بالتأجيل ـ قولان: أحدهما: أنه يستتاب ثلاثًا للأثر، وأصحهما ـ وهو اختيار المزني ـ يستتاب في حاله، فإن تاب وإلا قتل ولم يمهل، ومذهب
стр. 121
مالك وأحمد مثل القول الأول، وعن أبي حنيفة مثله، وقد تقدم النقل عنه في كلام القاضي عياض.
ولا خلاف أنه لا يخلى في هذا الإمهال، بل يحبس، وفي أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قبل مضي المهلة لم يجب بقتله شيء، لا قصاص ولا دية ولا كفارة، وإن كان القاتل مسيئًا بما فعل على قول الوجوب.
ولو جرحه أجنبي قبل الاستتابة ثم أسلم ومات فلا ضمان، لأنه قطع مباح فلم تضمن سرايته، كقطع السارق، قاله الشافعي والأصحاب.
ولو قال: حلوا شبهتي، فهل نناظره؟ أصحهما عند الغزالي المنع، والمختار عندي أن يناظر ما لم يظهر أنه يقصد التسويف والمماطلة، وإن كان الأصحاب أطلقوا على أحد الوجهين أنه يناظر.
стр. 122
ومن حجة القول بأن الاستتابة لا تجب ما صح عن معاذ بن جبل أنه قدم على أبي موسى فإذا عنده رجل موثق، فقال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود، فقال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. قاله ثلاثًا، قال: فأمر به فقتل. رواه ..... .
لكن في "سنن أبي داود" في بعض طرقه أنه كان قد استتيب قبل ذلك، وفي طريق أخرى: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه، وفي طريق أخرى قال أبو داود: لم تذكر الاستتابة.
стр. 123
وذكر البيهقي حديث عمر في الاستتابة ثلاثًا، ثم قال: وكان الشافعي يقول بهذا في القديم، ثم قال في القول الآخر: ثبت عن النبي ﷺ / أنه قال: "يحل الدم بثلاث: كفر بعد إيمان .. " ولم يأمر فيه بأناةٍ مؤقتة تتبع، ولم يثبت حديث عمر لانقطاعه، ثم حمله على الاستحباب، فإنه لم يجعل على من قتله قبل ثلاث شيئًا.
وهذا الكلام من البيهقي يقتضي أن القول بوجوب الاستتابة ثلاثة أيام قديم، والجديد أنه مستحب، وساكت عن وجوب الاستتابة في الحال الذي اقتضى كلام الرافعي أنه الأصح، ويقتضي أن جواز التأخير إلى ثلاثة أيام مجزوم به، وكلام الرافعي ساكت عن ذلك، بل يشير إلى أنه لا يجوز على الأصح، لأنه قال: يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قُتل ولا يهمل.
وقال ابن المنذر: اختلف قول الشافعي في هذا الباب، فقال في كتاب المرتد: يقتل مكانه، وقال في مكان آخر قولاً ثانيًا: يحبس ثلاثًا، ومال المزني إلى القول الأول.
قال ابن المنذر: وقد اختلفت الأخبار عن عمر في هذا الباب، واستعمال ما أمر به النبي ﷺ يجب، وهو قوله: "من بدل دينه فاقتلوه"، وحسن أن يستتاب، فإن تاب مكانه وإلا قتل.
стр. 124
وروى البيهقي عن أبي بكر وعثمان وعلي الاستتابة من غير توقيت. وقال ابن الصباغ: إن الشافعي نصر القول بأنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل.
والمتلخص في هذه المسألة من مذهب الشافعي أن الاستتابة ثلاثة أيام جائزة قطعًا على ما اقتضاه كلام/ البيهقي، وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قولان، الجديد الصحيح: الثاني، ومستند الجواز إما وجوبًا وإما استحبابًا: قضايا الصحابة، فيتعين القطع به، بخلاف ما بعد الثلاث، فلم يرد إلا شاذًا مع ما فيه من تأخير الواجب إلى مدة لا نهاية لها.
وهل يجوز قتله بدون استتابة أصلاً أو لا بد من استتابته في الحال؟ قولان، أصحهما عند جماعة: الثاني، والمختار عندي الأول، لأن الأحاديث التي ذكرناها مما يدل على الوجوب ضعيفة، وأثر عمر مختلف في ثبوته،
стр. 125
وبقية قضايا الصحابة تدل على الجواز لا على الوجوب، نعم لا شك في استحبابها، وإذا كنا نقول في الكافر الأصلي الذي بلغته الدعوة وعلم القتال: يجوز اغتياله، فهذا أولى، لأن شبهته أضعف، وعلمه بتوجه القتل عليه أتم، وكفره أغلظ.
ولهذا إذا تعارض قتال المرتدين وقتال الكفار الأصليين بدأنا بقتال المرتدين، نص عليه الشافعي والأصحاب، ونقل الشيخ أبو حامد الإجماع عليه.
هذا حكم استتابة المرتد غير الساب، والساب قد علمت أن القاضي عياض بن موسى قال: إنه مثله، وكذلك يقتضيه كلام أصحابنا وغيرهم.
ويمكن أن يقال إنه أولى بعدم الاستتابة لما تقدم أن كفره أغلظ وأفحش ولا شبهة فيه، وربما يؤيد ذلك بأن النبي ﷺ لم يستتب ابن خطل ومقيس بن صبابة وابن أبي سرح ومن أهدر دمه معهم ذلك اليوم.
ولا يقال بأنه لا يستتاب إلا من هو في قبضة الإمام وهؤلاء التحقوا بدار الحرب، لأنا نقول: قد نص أصحابنا أن المرتدين إذا اجتمعوا وكانت لهم شوكة يقاتلون، فإذا قدر عليهم استتيبوا، وهؤلاء قدر عليهم بفتح مكة، وقد حضر إليه ابن أبي سرح.
стр. 126
وإنما الجواب الصحيح أحد ثلاثة أجوبة:
إما أن الاستتابة مستحبة ليست بواجبة، وهؤلاء قد طالت مدتهم، وربما ظهر/ من حالهم ما يبعد رجوعهم، وذلك كافٍ في ترك المستحب.
وإما أنهم كانوا محاربين، كما ورد أن مقيس بن صبابة قتل واستاق المال والتحق بدار الحرب، وكذلك ابن خطل، لكن هذا لم يكن في جميعهم.
وإما أن الساب لا يستتاب لفحش كفره، سواء أقلنا إذا بادر بالتوبة صحت توبته أم لا، فإن هذا محتمل.
والذي أراه أنه حيث قبلنا التوبة نستحب الاستتابة، ونتأكد ولا نغتال، لأنه قد يكون تاب فيما بينه وبين الله تعالى فنقتل مسلمًا، وأما متى شهر السيف عليه وهو عالم ولم يتلفظ بالإسلام فإنه يعلم أنه مصر على كفره.
وأعلم أنا حكينا عن بعض التابعين أن المرتد لا يستتاب وأنه لا تقبل توبته، وأنا أخشى أن تكون رواية من منع قبول التوبة غلطًا، وأنه روى: "لا يستتاب" فظن أنه يلزم منها منع قبول التوبة، وقد عرفت أنه ليس بلازم، فالصواب القطع في المرتد الذي ليس بساب ولا زنديق بقبول توبته، ولا يثبت فيه خلاف عن أحد إلا بيقين، إلا الرواية المنقولة عن أحمد في الفرق بين من ولد في الإسلام وغيره، فإن أصحابه العارفين بمذهبه نقلوها عنه.
стр. 127
الباب الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة
وفيه ثمانية فصول:
الأول: في نقل كلام العلماء في قتله.
الثاني: في نقل كلام العلماء في انتقاض عهده.
الثالث: في بيان أنه لا يلزم من القول بانتقاض عهده ولا بعدمه عدم قتله.
الرابع: في الأدلة الدالة على قتله.
الخامس: في أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر.
السادس: في أن توبته بالإسلام صحيحة مسقطة للقتل.
السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعي إليه أو لا؟
الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه؟
стр. 128
الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله
قال أبو سليمان الخطابي ﵀: "إذا كان الساب ذميا قال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد، وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة، واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي ﷺ ، ما هم عليه من الشرك أعظم".
وقال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم أن على من سب النبي ﷺ القتل، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وقد حكي عن النعمان أنه لا يقتل من سب النبي ﷺ من أهل الذمة، ما هم عليه من الشرك أعظم".
стр. 129
قال ابن المنذر: "ومما يحتج به في هذا الباب قصة كعب بن الأشرف، فإنه قد آذى/ الله ورسوله، فانتدب له جماعة بإذن النبي ﷺ فقتلوه".
وقال إسحاق بن راهويه: إن أظهروا سب رسول الله ﷺ فسمع ذلك منهم أو تحقق عليهم قتلوا، وأخطأ هؤلاء الذين قالوا: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب رسول الله ﷺ . قال إسحاق: يقتلون، لأن ذلك نقض للعهد.
وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وكذلك نص الإمام أحمد علي وجوب قتله وانتقاض عهده.
وقال الزمخشري وهو حنفي، في سورة براءة من "تفسيره":
"وقالوا إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة".
وقال القاضي عياض من المالكية:
أما الذمي إذا صرح بسب أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يُسلم، لأنا لم نعطه
стр. 130
الذمة أو العهد على هذا، وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب و"المبسوط" وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدًا من الأنبياء ﵈: قتل إلا أن يسلم، وقاله ابن القاسم في "العتبية" وعند محمد وابن سحنون.
وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول الله ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.
وروى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبًا تناول النبي ﷺ ، فقال ابن عمر: هلا قتلتموه؟!.
قال القاضي عياض: ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكرها الذمي بالوجه الذي كفر به. روى عسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا: لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله، وأما إن سبه فقال: ليس بنبي، أو: لم يرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله، أو نحو هذا فيقتل.
стр. 131
قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذلك يعطيكم الله، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل. قال: وأما من شتم النبي شتمًا يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم. قاله مالك غير مرة ولم يقل يستتاب.
قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا.
قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم/ في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد: كذبت، يُعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل.
وفي "النوادر" من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر ضربت عنقه إلا أن يسلم.
стр. 132
قال القاضي عياض: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وأبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله، ويدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري قال: أتيت بنصراني قال: والذي اصطفى عيسى على محمد، فاختلف علي فيه، فضربته حتى قتلته أو عاش يومًا وليلة، وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب.
وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، فقال: يقتل. وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، فهو الآن في الجنة؟! ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح الناس منه، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه. قال: ولقد كدت ألا أتكلم فيها ثم رأيت أنه لا يسمعني الصمت.
قال ابن كنانة في "المبسوط": من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار، وإن شاء قتله ثم حرق جثته، وإن شاء أحرقه بالنار حيًا إذا تهافتوا في سبه، ولقد كتب إلى مالك [من] مصر ـ وذكر مسألة ابن القاسم المتقدمة ـ قال: فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وأن تضرب عنقه، ثم قلت: يا أبا عبد الله وأكتب: ثم يحرق بالنار؟ فقال: إنه لحقيق بذلك وما أولاه به، فكتبته بيدي بين يديه فما أنكره ولا عابه، ونفذت الصحيفة بذلك، فقتل وحرق.
стр. 133
وأفتى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة من سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى وتكذيب محمد في النبوة.
هذا ما ذكره القاضي عياض من كلام المالكيين ﵏، وحسبك به./
وأما الحنابلة: فقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثًا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة.
وكذلك قال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يُقتل من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا. رواهما الخلال.
стр. 134
وفي رواية أبي طالب: سُئل أحمد عمن شتم النبي ﷺ ، قال: يقتل وقد نقض العهد.
وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة [شتم النبي ﷺ ]، قال: يقتل. رواهما الخلال.
وقال الحلواني من الحنابلة: يحتمل أن لا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميًا.
وهذا الاحتمال الذي أبداه الحلواني غلط سرى إليه من الكلام في انتفاض عهده، وسأبين أن القول بالقتل واجب سواء أقلنا بالانتفاض أم لا، فلا شك أن هذا الذي قاله الحلواني غلط، ونصوص أحمد وجميع الحنابلة من أولهم إلى آخرهم على خلافه، فلم يكن أحد يتنبه لهذا الاحتمال إلا الحلواني؟!، ولم نجد أحدًا من المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قال بهذا القول غيره، وهو لم يقله أيضًا ولكن أبداه احتمالاً، وهو لم جزم به لم يلتفت إليه، فكيف بالاحتمال!
стр. 135
ومثل هذا لا يجوز عده في اختلافات العلماء ولا في الأقوال ولا الوجوه الشاذة الضعيفة المنكرة فضلاً عن المعتبرة.
وأما أصحابنا الشافعية ﵏ فقد تقدم تصريح الشافعي وابن المنذر والخطابي بالقتل.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني شيخ أصحابنا العراقيين بعد أن قرر ما تنتقض به الذمة وما لا تنتقض، قال:
"فمتى ارتكب فعلاً من هذه الأفعال التي قلنا إن الذمة لا تنتفض به فإنا نقيم عليه موجبه، فإن كان يوجب القتل ـ كالقتل، والزنا وهو محصن قتلنا، وإن كان يوجب الجلد ـ كالزنا وهو بكر،/ والقذف ـ جلدنا، وإن كان يوجب التعزيز ـ كأن يفتن مسلمًا عن دينه ـ عزرنا، لأنه التزم أحكام المسلمين، ولا نحده لشرب الخمر لأنها مباحة عندهم، ومن شرب الخمر معتقدًا إباحتها لم يجب عليه الحد، وإن كان ذكر الله بما لا ينبغي أن يذكر أو كتابه أو دينه أو نبيه محمدًا ﷺ وقلنا إن الذمة لا تنتقض بذلك فإنا نقيم عليه الحد لذلك، وحده القتل، لأن من سب الله تعالى أو سب النبي ﷺ يستوجب ذلك، وإن ارتكب ما تنتقض به الذمة حكم بانتقاض ذمته وأقيم عليه الحد الواجب بذلك على ما ذكرناه، لأنه كان قد التزم أن تجري عليه أحكام الإسلام، وهذا من حكم الإسلام، ثم ينظر فإن كان الحد الذي أقمنا عليه القتل فلا كلام، وإن كان جلدًا أو تعزيزًا فالشافعي هاهنا قال:
стр. 136
"يلحق بمأمنه، وهو أقرب دار الحرب"، وقال في موضع آخر: "إن شاء قتله وإن شاء استرقه"، ففي المسألة قولان:
أحدهما: يُلحق بمأمنه، لأنه دخل دار الإسلام بحكم أمان، فهو وإن انتقضت ذمته فحصوله في يدنا بذلك الأصل، فلا يجوز إخفاره، كالذي دخل دار الإسلام بأمان صبي أو ذمي ونحوهما، لا يكون ذلك أمانًا صحيحًا لكن لا يجوز إخفاره، لأن ذلك كسوم الأمان.
والقول الآخر: أنه فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق، لأن الأمان كان له بعقد الذمة، فإذا انتقضت لم يبق له أمان، فهو كالحربي يدخل دار الإسلام متلصصًا، ويفارق من دخل بأمان صبي أو مجنون ونحوهما، لأنه غير مفرط، وإذا قلنا بالقول الآخر فله أن يقتله وأن يسترقه، فإن أسلم قبل أن يفعل شيئًا من ذلك فقد حقن دمه ولا يجوز الاسترقاق أيضًا. ويخالف الأسير، لأن الأسر سبب لذلك، وإن استرقه ثم أسلم لا يؤثر الإسلام في الرق الذي وجد قبله".
هذا كلام الشيخ أبي حامد، وهو صريح في أن السب حده القتل، وأنه يقام عليه سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا./
стр. 137
وقال المحاملي في "التجريد": قال الشافعي: يشرط عليهم أن لا يذكروا الله ولا كتابه ولا رسوله ولا دينه، فجرى مجرى اشتراط بذل الجزية وجريان الأحكام، فتفتقر صحة العقد إلى ذكره، فإن لم يذكر لم يصح، ومن أصحابنا من قال إنه بمنزلة ما يتعلق بضرر المسلمين، فأما إذا سب واحد منهم الله أو النبي ﵇ فإنه يقتل، لا لأنه نقض ذمته، لكن الحد في هذا هو القتل.
ثم قال المحاملي:
فكل موضع قلنا ذمتهم لا تنتقض تقام عليهم الحدود فيما يجب به الحد والتعزيز فيما لا حد فيه، وكل موضع قلنا ذمتهم تنتقض قال الشافعي هنا: نردهم إلى مأمنهم، وقال في كتاب النكاح: له أن يسترقهم ويقتلهم. فإن قلنا: يردون إلى مأمنهم فإن الحدود تقام عليهم ثم يردون، وإن قلنا إنه بالخيار بين قتلهم واسترقاقهم فإن اختار القتل أقام الحدود ثم قتل، وهكذا إن اختار الاسترقاق فإنه يقيم الحدود أيضًا، فإن أسلموا قبل الاسترقاق حقنوا دماءهم وأموالهم، فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا أخذ أموالهم، وإن أسلموا بعد الاسترقاق لم يؤثر ذلك.
стр. 138
انتهى كلام المحاملي، وفيه زيادة على ما قال الشيخ أبو حامد، لأنا حكينا كلام أبي حامد من "تعليقته" التي علقها عنه سليم، وهي في هذا الموضع عندي بخط سليم، و"تجريد" المحاملي من "التعليقة الكبرى"، فلذلك فيه ما ليس في تلك التعليقة.
ومضمون كلام المحاملي أن الذمي إذا سب يُقتل قطعًا، ولكن هل قتله لأجل الحد فقط بدون انتقاض العهد أو مع انتقاض العهد؟ كلامه يشير إلى خلاف في ذلك، وهو صحيح على ما سنبينه إن شاء الله، وقد صرح بأنا إذا قلنا يردون إلى مأمنهم أن الحدود تقام ثم يردون، ومن جملة الحدود حد السب، وهو القتل، فيقتلون.
وقال سليم الرازي في "المجرد":
"وإن ذكر/ الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال: يجري الكف عن ذلك مجرى الجزية
стр. 139
والانقياد لجريان أحكام الإسلام عليهم، ويلزم اشتراطه في العقد نطقًا، ومنهم من قال: يجري مجرى ما فيه ضرر على مسلم في نفسه أو ماله، فلا يلزم اشتراطه في العقد، وإذا ارتكبوا شيئًا منه فإن لم يشترط في العقد لم تنتقض الذمة، وإن شرط فهل تنتقض؟ وجهان، وكل موضع قلنا لم تنتقض الذمة بفعله فإن كان فعله يوجب القتل مثل أن ذكر الله تعالى أو رسوله أو كتابه أو دينه بما لا ينبغي أو يقتل أو يزني وهو محصن: قتل.
ثم قال: وكل موضع حكمنا بنقض الذمة بفعله أقيم عليه الواجب".
وقال نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي في كتاب "المقصود":
"إن ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال يلزم اشتراطه في العقد نطقًا وتنتقض الذمة بالمخالفة، لأن ذلك أعظم من الإضرار ببعض المسلمين، فينبغي أن نكون فيه أشد، ومنهم من قال: لا تنتقض به الذمة. وكل موضع قلنا لم تنتقض ذمته بما فعله فإن كان ما فعله مما يوجب القتل مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بما لا ينبغي أو يزني وهو محصن فإنه يقتل، لأن المسلم لو ارتكب شيئًا من ذلك كان عليه القتل، فالذمي بذلك أولى".
стр. 140
ثم قال:
"وكل موضع قلنا انتقضت ذمته بما فعله أقيم عليه الواجب به على ما مضى، ثم إن كان الواجب غير القتل ففيه قولان، أحدهما: يُلحق بمأمنه ويكون حربًا لنا، والثاني: يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق".
هذا كلامه في "المقصود"، وجزم في "الكافي" بأنه يلزم اشتراطه في العقد وتنقض الذمة بمخالفته.
وقال البندنيجي فيما حكاه ابن الرفعة.
стр. 141
"إذا قلنا لا ينتقض العهد بذلك قتلناه بذكر الله تعالى ورسوله وكتابه ودينه بما لا ينبغي، إذ كل هذا يوجب القتل".
وقال القاضي أبو الطيب ﵀ في "تعليقه":
"ما يشترط على أهل الكتاب في عقد الذمة على ضروب:
(١) ضرب لا يجوز ترك اشتراطه، وهو ضمان أداء الجزية والتزام جريان أحكام الإسلام عليهم، وهذان الشرطان لا بد من ذكرهما في عقد الجزية، وإن لم يذكرهما فيه لم يصح العقد.
стр. 142
(٢) وضرب يجوز ترك اشتراطه، وفعله نقض للذمة، وهو قتال المسلمين مع أهل الحرب أو منفردين، فإذا فعلوا هذا فقد نقضوا العهد سواء شرط عليهم ترك القتال في عقد الذمة أم لم يشترط.
(٣) وضرب فيه ضرر على المسلمين، وهو ستة أشياء نص عليها:
١ - أن لا يزني بمسلمة،
٢ - ولا يصيبها باسم نكاح،
٣ - ولا يفتن مسلمًا ولا مسلمة عن الدين،
٤ - ولا يقطع الطريق على مسلم ولا مسلمة،
٥ - ولا يؤوي للمشركين عينا،
٦ - ولا يعين على المسلمين بدلالة.
قال أصحابنا:
٧ - ولا يقتل مسلمًا ولا مسلمة، فتكون سبعة أشياء.
وينظر فيها: فإن لم تكن مشروطة في عقد الذمة فإن فعلها لا تكون نقضًا، وإن كانت مشروطة فعلى وجهين، أحدهما: لا يكون نقضًا، والوجه الثاني: يكون نقضًا للذمة، لما روي أن نصرانيًا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة فقال: "ما على هذا صالحناكم! "، وضرب عنقه، وهذا يدل على أنه جعله ناقضًا للعهد، ولأنه معنى يتعلق
стр. 143
بالإضرار بالمسلمين شرط تركه في عقد الذمة، فوجب أن يكون فعله نقضًا للعهد أصله قتال المسلمين.
وأيضًا فإن عقوبة هذه الأجرام تستوفى منهم إذا لم تكن مشروطة في عقد الذمة، فوجب أن يكون لها تأثير، ولا تأثير إلا ما قلنا من نقض العهد.
(٤) وضرب فيه تنقص من الدين، وهو ذكر الله وذكر رسوله وذكر كتابه ودينه بما لا ينبغي، فهذه أربعة أشياء اختلف أصحابنا فيها، فذهب أكثرهم إلى أنها بمنزلة الأشياء السبعة، إن لم تكن مشروطة لا تكون نقضًا للعهد، وإن كانت مشروطة ففيها وجهان، ومن أصحابنا من قال ـ وهو أبو إسحاق ـ يجب شرطها في عقد الذمة، وترك شرطها يفسد العقد.
وكان أبو بكر الفارسي يقول: "من شتم محمدًا ﷺ قتل حدًا كما أمر رسول الله ﷺ بقتل ابن خطل والقينتين/ ولم ينفذ لهما أمانًا"، وادعى أنه إجماع، وهذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى قال: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٢٩)) [التوبة: ٢٩].
стр. 144
(٥) وضرب فيه إظهار منكر في دار السلام، وذلك ستة أشياء:
١ - إحداث بيعة أو كنيسة في دار الإسلام،
٢ - ورفع أصواتهم بقراءة كتبهم،
٣ - والضرب بالنواقيس،
٤ - وإطالة البنيان على أبنية المسلمين أو المساواة فيه،
٥ - ومساواتهم في الزي،
٦ - وإظهار الخمر والخنزير.
فهذا كله يجب عليهم الكف عنه شرط في العقد أم لم يشرط، ومن خالف في شيء منه ففعله لم يكن ناقصًا لعهده. واختلف في تعليله، منهم من قال: لأنه لا ضرر على مسلم فيه، ومنهم من قال: لأنه إظهار ما يتدينون به.
فكل موضع قلنا لا ينتقض عهده كان على الذمة، ولكن تستوفى منه الحقوق التي وجبت عليه بما ارتكبه من الأجرام، فإن كان فعل ما يوجب القتل قتل، أو كان مما يوجب القطع قطع، وإن كان مما يوجب الجلد أو التعزير فعل.
стр. 145
وكل موضع قلنا انتقض عهده فإنه تستوفى منه الحقوق لأنه التزمها.
فإذا استوفيت منه الحقوق فقد اختلف قول الشافعي، فقال في الجزية: "يرد إلى مأمنه"، وقال في النكاح: "يكون الإمام مخيرًا بين أن يسترقه وأن يقتله لأنه حربي لا أمان له"، ومن قال بالأول قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلا يجوز قتله ولا استرقاقه قبل رده إلى مأمنه، كما إذا حصل بأمان صبي، وإذا قلنا لا يجب رده إلى مأمنه فوجهه ما روي عن أبي عبيدة أنه ضرب رقبة النصراني، ولأنه نقض العهد بفعله. هذا كله في أهل الذمة".
انتهى كلام القاضي أبي الطيب، وقد استوفيته لأني أريد أتكلم عليه. ومحل المقصود منه: كلامه مع أبي بكر الفارسي، ورده عليه إما أن يكون ردًا لما ادعاه من القتل، أو لكونه حدًا، أو لدعواه الإجماع، أو ليس لشيء من ذلك ولكن لدعواه انتقاض العهد به، ويكون فهم عنه من قوله: "يقتل" أن مراده انتفاض عهده، فإن كان الرابع فليس مما نحن فيه في شيء، والخلاف في انتفاض العهد بذلك ثابت، والترجيح فيه سيأتي، وكون قضية ابن خطل والقينتين دالة لذلك أو لا: لا يضرنا، ويرشد إلى أن مراد القاضي أبي الطيب ذلك أنه إنما ذكر هذا في معرض انتقاض العهد.
ولا يرد على هذا أنه يتحد هو وقول أبي إسحاق، لأنا نقول: قول أبي إسحاق في ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله، وهذا في الرسول فقط وامتاز بدعوى الإجماع.
следующие страницы →