← Акыда

Акыда · id 17816

السيف المسلول على من سب الرسول

تقي الدين السبكي

Полный текст (419 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقوله ﷺ : "إذا أمنك الرجل على دمه فلا تقتله"، ونحو ذلك من الأحاديث محمول على ما إذا لم يكن مستحق القتل بحد أو قصاص، وقتل الساب حد، وبذلك تحصل المحافظة على عموم العلة، ويكون الأذى موجبًا لاستحقاق القتل سواء أكان من مسلم أم من ذمي أم من معاهد أم من مستأمن أم من حربي إذا قدر عليه ولم يسلم. ولا يغتر بما يفهمه كلام بعض الفقهاء من أن الحربي لا تتعلق به الأحكام، وإنما مراده أنه إذا أسلم تسقط. فإن قلت: قد قال أصحابنا إن المهادن لا يجب عليه حد الزنا والشرب، وفي حد السرقة والمحاربة قولان، أصحهما عدم الوجوب أيضًا، فإذا كان هذا في المحاربة، وهي حق آدمي، فكيف تدعي قتل

стр. 212

الساب وهو إن كان حق آدمي فمثل المحاربة، وإن كان حق الله تعالى فمثل حد الزنا؟ قلت: حق القطع في السرقة وحق المحاربة وحد الزنا كلها أمور جزئية فروعية، وأما سب الله ورسوله والقرآن فإنه طعن في الدين، فلا يلزم من عدم إقامة الحد في حقوق الله ـ التي هي من فروع الشريعة ـ عدم إقامته في التعرض لأصل الدين، وقد قال تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، فلا يجوز الصبر على السب كما لا يجوز الصبر على الطعن في الدين، فلا شك أن السب موجب لاستحقاق القتل من كل من صدر منه معاهدًا كان أو مستأمنًا أو غيره لما فيه من الطعن في الدين وضرر المسلمين كلهم، وما فيه من غيظ قلوب جميع المؤمنين والتجري على أنبياء الله تعالى بالنقيصة التي تؤثر في قلوب أهل الزيغ، فأين هذا من الزنا والسرقة والمحاربة التي هي أمور مختصة ببعض الآحاد؛ بل أين هو من الكفر الذي ضرره على صاحبه ولا فيه ثلم عرض أنبياء الله تعالى وإدخال الريب على القلوب الضعيفة؟! وإذا ثبت أن السب موجب لاستحقاق القتل في المعاهد والحربي ففي الذمي أولى لالتزامه الأحكام. وبه ظهر احتجاج الشافعي بقصة كعب بن الأشرف وإن لم يكن ذميًا ولا كان له ذمة قط، فإن يهود المدينة وما حولها لم يكن عليهم جزية،

стр. 213

والفقهاء إنما يطلقون عقد الذمة على ما كان في جزية، فيهود المدينة على قولهم كانوا مهادنين لا ذميين. على أن عندي في قصر الذمة على ما يقتضي أداء الجزية نظرًا! لأن إعطاء الجزية نزل في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل، بل نص العلماء صريحًا على أن آية الجزية إنما نزلت في غزاة تبوك، وهي في سنة تسع من الهجرة، وهي آخر الغزوات، فكان اليهود كلهم قبل ذلك بغير جزية، ولا شك أن بعضهم كانوا ملتزمين الكف عن المسلمين وأحكامًا أخرى. والذمة معناها الالتزام، فينبغي إذا التزموا إجراء الأحكام عليهم والتزمنا لهم الذب عنهم: انعقدت الذمة وإن لم تكن جزية في ذلك الوقت، لعدم مشروعيتها، وبحمل كلام الفقهاء على هذا الزمان بعد شرعية الجزية ليس لنا أن نعقد الذمة إلا بها. إذا عُرف هذا: فقد يكون يهود المدينة كانوا ذميين بلا جزية، وحينئذ تكون قصة كعب بن الأشرف نصًا في الذمي وفي أنه تنتقض ذمته بذلك، ولكن ما حكيناه عن الشافعي يقتضي أن يهود المدينة مهادنون فقط لا أهل ذمة. ثم إن كعب بن الأشرف كان موضعه في العوالي كما تقدم في الروايات، والعوالي خارج المدينة، وهي تبع لها، والظاهر أن يهودها

стр. 214

كانوا في حكم يهودِ المدينة، وأصحابنا يقولون إن المهادن إذا نقض الهدنة فإن كان في بلده جاز قصده والإغارة عليه في موضعه، وإن كان دخل دارنا بأمان أو مهادنةٍ فلا يغتال وإن انتقض عهده، بل يبلغ المأمن. كذا نقله الرافعي عن نقل القاضيين ابن كج والروياني وغيرهما، وقالوا: في الذمي إذا نقض قولان، أحدهما: يبلغ المأمن، وأصحهما ـ على ما في "التهذيب" وغيره ـ: المنع، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق/ والمن والفداء. وكعب بن الأشرف لم يكن في شيء من هذه المثابة، لأنه نقض العهد والتحق بدار الحرب لما ذهب إلى مكة، وقدم إلى العوالي بغير أمان، فلا يقولُ أحد فيه إن حكمه حكم أهل الذمة الذين ينقضون وهم في دارنا تحت يدنا قبل بلوغهم المأمن، ولا أن حكمه حكم أهل العهد إذا كانوا دخلوا لنا بأمان، فلذلك جاز تبييته والإغارة عليه قولاً واحدًا، إما لأنه في العوالي، والعوالي ليست في حكم المدينة، وإما لأن العوالي في حكم المدينة ـ وهو الصحيح ـ ولكنه جاء إليها ناقضًا بغير أمان بعد أن لحق بدار الحرب، فلا شبهة في قتله. ولو سلم أن كعب بن الأشرف كان حربيًا محضًا لم يسبق له عهدٌ ولا أمانٌ فقتله جائز كقتل غيره من الكفار الذين بلغتهم الدعوة، والتعليل في الحديث بالأذى يقتضي أن القتل لذلك لا للكفر وحدَه، وحينئذ يكون دليلاً على أنَّ ذلك إذا صدر من الحربي يستحق به القتل، وإنما قلت هذا

стр. 215

لأن المحقق في حال كعبٍ وغيرِهِ من يهود المدينة الموادعة، وهي التي قالها الشافعي، ومعناها المتاركة، ولا يلزم من ذلك أن يكون بعقد يستحق به الأمان، فقد يكونُ باقيًا على أحكام الحرابة مع الكف عنه، وذلك لا يضرنا فيما قصدناه من الاحتجاج بترتيب الشارع القتل على الأذى؛ بل ينفع ويزيد في المقصود. وقد قدمنا من كلام الروياني والماوردي ما يقتضي أن سب الرسول والقرآن من المعاهد إن كان جهرًا ينقض الهدنة ولا يتوقف على الحاكم، وإن كان سرًا كان كالخيانة، فللإمام نقضها به، ولا شك أن سب كعب بن الأشرف كان جهرًا، فلذلك كان منتقض العهد يجوز تبييته وشن الغارة عليه بلا خلاف. فإن قلت: في الروايات المتقدمة ما يقتضي أن الله تعالى أوحى إلى نبيه حال كعب بن الاشرف، فلعله لما اطلع الله تعالى من قلبه أمر بقتله، وذلك لا يوجد في غيره. قلت: نحن متعبدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي ﷺ يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي، بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة، ألا ترى إلى المنافقين مع إعلام الله له بحالهم/ لم يقتلهم لعدم قيام البينة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علل ترك قتلهم بغير ذلك مثل قوله ﷺ : "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أو غير ذلك.

стр. 216

وبما ذكرناه يتبين لك أن الاستدلال بقصة كعب بن الأشرف لا يتوقف على ثبوت كونه كان معاهدًا، بل سواء أكان حربيًا أم لا الاستدلال بها صحيح بضميمة التعليل المذكور في الحديث. وقد سبق أنه قيل إن النبي ﷺ كان كتب كتاب موادعة أول قدومه المدينة قبل قتل ابن الأشرف، ويكون الكتاب الذي كتبه بعد قتله ثانيًا لانتقاض العهد بنقض ابن الأشرف، إما لأنه كان كبيرًا، ونقض الكبير يتبعه الانتقاض في حق الأتباع ما لم يعتزلوه، وإما لأنهم نقضوا أيضًا كما يدل عليه ما قدمنا من الروايات وقولهم له إن ما عندهم إلا عدواة النبي ﷺ . وعلى كلا التقديرين يتخرج قتل محيصة ابن سنينة، لأن العهد انتقض في حقه بأحد الطريقين المذكورين وبطريق ثالث، وهو أنه جاء منتصرًا لقتل كعب بن الأشرف، فكان بذلك ناقضًا، وقوله ﷺ : "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه" دليل على انتقاض العهد في حقهم.

стр. 217

الدليل الثاني: قصة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي قال ابن إسحاق: حدثني الزهدي: عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا يصنع أحدهما شيئًا إلا صنع الأخر مثله، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلاً هو في العداوة لرسول الله ﷺ مثله، فذكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم. وقصة قتله مشهورة ثابتة في البخاري، وإنما ذكرناها عن ابن إسحاق لذكره أن أبا رافع مثل كعب بن الأشرف.

стр. 218

وقال غير ابن إسحاق: كان في حصن له بأرض الحجاز. فإن كان موادعًا كابن الأشرف فالاستدلال به مثله، وإلا بالطريق المتقدم من التعليل بالأذى.

стр. 219

الدليل الثالث: قصة قتل أبي عفك اليهودي ذكرها أهل السير، وهي وإن لم يحتج بها بمفردها ففيها تأكيد لقصة كعب بن الأشرف. قال الواقدي بإسناده: إن شيخًا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك، وكان شيخًا كبيرًا قد بلغ عشرين ومئة سنة حين قدم النبي ﷺ المدينة، وكان يحرض على عداوة النبي ﷺ ، ولم يدخل في الإسلام، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر رجع وقد ظفره الله بما ظفره، فحسده وبغا فقال: قد عشت [حينا] وما إن أرى ... من الناس دارًا ولا مجمعا أجم عقولا وآتى إلى ... منيب سراعًا إذا ما دعا فسلبهم أمرهم راكب ... حرامًا حلالاً لشتى معا فلو كان بالملك صدقتم ... وبالنصر تابعتم تبعا فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين من بني النجار: علي نذر

стр. 220

أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه. فأمهل وطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به. وكان قتل أبي عفك في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة عقب بدر، قبل قتل كعب بن الأشرف بزمان. وممن نص على أن أبا عفك كان يهوديًا ابن سعد، وقد سبق أن يهود المدينة كلهم كانوا موادعين، وهذا دليل على أن اليهودي الموادع إذا سب يقتل غيلة، وأن ذلك من القربات التي تلزم بالنذر، وأن ذلك كان معلومًا عند الصحابة.

стр. 221

الدليل الرابع: قصة أنس بن زنيم الديلي ذكرها أهل السير أن أنس بن زنيم الديلي ـ وكان ممن دخل في عهد قريش وهدنتهم مع رسول الله ﷺ هجا رسول الله ﷺ ، فسمعه غلام من خزاعة فشجعه، فثار الشر مع ما/ كان بين الحيين، وجاءت خزاعة إلى رسول الله ﷺ يستنثرونه، وأنشدوه القصيدة المشهورة التي أولها: لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيك الأتلدا فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. فندر رسول الله ﷺ دمه، فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ ، ومدحه بقصيدة أولها:

стр. 222

ءأنت الذي تهدي معد بأمره ... بل الله يهديها وقال لك أشهد وفيها: فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد تعلم رسول الله أنك قادر ... على كل سكن من تهام ومنجد تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد ونبي رسول الله أني هجوته ... فلا رفعت سوطي إلى إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتية ... أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد فإني لا عرضًا خرقت ولا دمًا ... هرقت ففكر ـ عالم الحق ـ وأقصد وتعلم أن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفو كل موعد وبلغت قصيدته رسول الله ﷺ ، وكلمه نوفل بن معاوية الديلي، فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا لم يعادك ويؤذك، ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك، وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك، فقال: "دع الركب عنك، فإنا لم نجد بتهامة أحدًا من ذي رحم ولا بعيد الرحم كان أبر من خزاعة".

стр. 223

فأسكت نوفل، فلما سكت قال رسول الله ﷺ : "قد عفوت عنه"، قال نوفل: فِداك أبي وأمي. وهذه القصة ـ إذا صحت ـ من أقوى الأدلة ـ بل فيها دليل على أن القتل لا يسقط بالإسلام حتى يعفو، فإن ظاهر القصيدة يدل على إسلام أنس بن زنيم، وكان حين هجائه مهادنًا، ونوفل الذي شفع فيه كان ممن نقض العهد ثم أسلم وصار يشفع فيه، فدل على أن السب أعظم من نقض العهد، وأن/ ناقض العهد إذا أسلم سلم، والساب إذا أسلم لا يسلم، ولهذا إن النبي ﷺ لم يهدر دم أحد من بني بكر الذين أغاروا على خزاعة، وإنما سلط خزاعة على قتالهم، وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر، هذا مع أن العهد عهد موادعة وهدنة لا عقد جزية وذمة، والمهادن في بلده لا يتوقف فيما شاء من المنكرات، فإذا أخذ بذلك فالذمي أولى. فهذه القصة لا شك في دلالتها على قتل الساب المعاهد، وأما إذا أسلم فنحن نختار سقوط القتل عنه، ونحمل ما صدر في هذه القصة من سؤال العفو على قبول توبته كما في قبول توبة كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك، حيث تأخرت خمسين ليلة مع ندمه وصدقه كما نبهنا عليه من قبل، ليتحقق رضى الله تعالى عنه وقبوله توبته، كذلك هنا المقصود

стр. 224

رضى النبي ﷺ عنه، وهو أمر مقصود، فليس نصًا في أنه لو لم يعف عنه لقتله بعد إسلامه، بل لعلة كان له أن يعاقبه بغير القتل أو مجرد إعراضه عنه عقوبة، وكيف يطيب قلب المسلم إذا لم يكن النبي ﷺ راضيًا عنه، بخلاف الكافر الحربي أو المعاهد الذي نقض العهد بغير ذلك، كالقتال ونحوه، فإنه بمجرد الإسلام لا يبقى عليه تبعة أخرى، لأن دينه الذي كان: هو الكفر والمحاربة، وقد زال بالإسلام، وذنب الساب زائد على الكفر.

стр. 225

الدليل الخامس استدل به أيضًا جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل، وذكره أبو داود في "سننه" في باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ . قال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها. ورواه أحمد بن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي قال: كان رجل من المسلمين أعمى يأوي إلى امرأة يهودية، فكانت/ تطعمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي ﷺ وتؤذيه، فلما كانت ليلة من الليالي خنقها فماتت، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر له أمرها؛ فأبطل رسول الله ﷺ دمها.

стр. 226

وهذا الإسناد لا يرتاب في صحته واتصاله إلا من جهة سماع الشعبي من علي، ولا شك أنه أدركه وأدرك خلائق من الصحابة، فإن مولده ـ على ما ذكره ابن منجويه ـ لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، فيكون ـ عند وفاة علي بن أبي طالب ﵁ عمره عشرين سنة، وأكثر الأقوال في وفاته تدل على هذا، أعني الشعبي، فإنه قيل إنه توفي سنة ثنتين ومئة وعمره ثنتان وثمانون سنة، وقيل فيه أقوال أخرى، ومن جملتها أنه توفي سنة ست أو سبع ومئة وعمره سبع وسبعون سنة، وعلى هذا يكون أدرك من حياة علي عشر سنين، والمشهور الأول، وعلى كل قول فالإدراك محقق، وكذا إمكان السماع، فإنه كوفي وعلي كان بالكوفة، فلا مانع من لقائه والسماع منه، وروايته عن علي معروفة

стр. 227

مشتهرة، ومن جملة روايته عنه حديث شراحة الهمدانية.

стр. 228

وذكر بعضهم أنه سمع من علي، وهذا تصريح، فإن ثبت ذلك وإلا فالمشهور عند المحدثين الاكتفاء باللقاء والإمكان وحمل الأمر على السماع، فالحديث حينئذ صحيح، وبتقدير أن يكون مرسلاً فإن مرسلات الشعبي من أصح المراسيل، ومع ذلك قد عضده حديث ابن عباس الذي سنذكره في الدليل السادس، فإن القصة إما أن تكون واحدة كما تشعر به رواية أحمد التي ذكرانها، وإما أن يكون المعنى واحدًا. وعلى تقدير أن لا يكون عاضدًا له فإن أكثر أهل العلم قائلون به، وجاء ما يوافقه عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة

стр. 229

إذا اعتضد به المرسل كان حجة بلا خلاف، فإن الشافعي يقبله معها، وكذلك من وافقه، وغيرهم يقبله/ مطلقًا معها وبدونها، فقبوله معها مما اتفق عليه العلماء. وهذا الحديث من أقوى الأدلة، ويصعب على الحنفية الجواب عنه، فإن المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي بإجماع العلماء، ولا تقتل بالردة

стр. 230

عندهم، على أن هذه لم تكن مرتدة بل يهودية، وقتلها عندهم ـ سواء أكان من مسلم أم من غيره ـ موجب للقصاص، فإبطال رسول الله ﷺ دمها أدل دليل على أن السب أوجب قتلها، وترتيب الراوي الإبطال على الشتم بالفاء دليل على أن الشتم علة للإبطال، وأيضًا حكم النبي ﷺ بالإبطال عقب ذكر الشتم دليل على أن الشتم علة، وكل واحد من هذين الأمرين دليل العلية على ما هو مقرر في أصول الفقه، وذلك مما يبطل قول الخصم إن المرأة كانت حربية، وإن ذلك هو علة الإبطال لا الشتم. ومما يبين فساد هذا القول أن الإهدار إنما يكون لما انعقد سبب الضمان فيه، ولهذا لما رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في بعض مغازيه نهى عن قتل النساء والصبيان، ولم يقل إنه أهدر دمها، لأنها لم ينعقد فيها

стр. 231

سبب الضمان، بخلاف هذه، فإنها من أهل العهد، والعهد سبب لكون دمها مضمونًا لولا الشتم. ومما يبين فساده أيضًا أن هذه اليهودية من يهود المدينة، وقد قدمنا أن يهود المدينة كلهم موادعون وقول الشافعي في ذلك وقول الواقدي: إن النبي ﷺ كتب لهم كتابًا، وكذلك قاله ابن إسحاق أيضًا: إن رسول الله ﷺ يعني في أول قدومه المدينة ـ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار وداع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وكان عند آل عمر ابن الخطاب مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال، كتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا كتاب من محمد النبي بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمة واحدة، يتعاقلون بينهم معاقلهم .. وفيه: وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وفيه: أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن اليهود/ بني عوف ذمة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم مثل ما ليهود بني

стр. 232

عوف، وأن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة ولجفنة ـ بطن من ثعلبة ـ ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنسهم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ ، وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البار المحسن .. "، وفيها أشياء أخر. وذكر أبو عبيد في كتاب "الأموال" هذا الكتاب أيضًا عن يحيى بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: ثنا الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: "بلغني .. "، وقال أبو عبيد: إنه مقدم النبي ﷺ المدينة. وفسر أبو عبيد قوله: "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" قال: فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له

стр. 233

على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين لهذا الشرط الذي شرط عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم. وفي كتاب أبي عبيد أن يهود بني عوف أمة من المؤمنين، وفسره بأنه إنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التي شرطها عليهم. وفي "صحيح مسلم" عن جابر: "كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقوله". ومعنى قوله: "إن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر". معنى الاتباع هنا: المسالمة وترك المحاربة. ولم يكن أحد بالمدينة من اليهود إلا وله حلف، إما مع الأوس أو بعض بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع ـ وهم المجاورون بالمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلام ـ حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي، وهم البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة.

стр. 234

وكان في المدينة وفيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فبنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس. وأول من نقض العهد بنو قينقاع، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وهم الذين كانوا بالمدينة، والنضير وقريظة كانوا خارجًا من المدينة. وهذه المرأة يظهر أنها من بني قينقاع، لأن الظاهر أنها كانت في المدينة، وسواء أكانت منهم أم من غيرهم فهي مهادنة ولها عهد كسائر يهود المدينة وما حولها. فإذا كان سبها يقتضي القتل فالذمية التي تلتزم أحكام الإسلام أولى أو مثلها. ومما يدل على أنها كانت معصومة قبل السب أن النبي ﷺ / نشد الناس في أمرها، ولو لم تكن معصومة لما فعل ذلك. فإن قلت: الساب وإن وجب قتله لا يجوز لآحاد الناس قتله بغير إذن الإمام، وكذا المرتد، فلو كان القتل للسب لأنكر النبي ﷺ عليه لكونه فعل ما لا يجوز، فلما لم ينكر دل على أن القتل لغير ذلك.

стр. 235

قلت: أما كون القتل لغير السب فلا يمكن، إذ لا محمل له غيره، لما بيناه من كون المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي، فتعين أن يكون للسب. وأما كون آحاد الناس ليس له ذلك إلا بإذن الإمام وأن النبي ﷺ لم ينكر: فلعل ترك الإنكار خشية أن يتوهم عدم استحقاق القتل، وللإمام أن يترك الإنكار بمثل ذلك. أو يقال: بأن ذلك إنما يحرم خوف الفتنة أو حيث يمكن الرفع إلى الإمام، ولم تكن هذه الواقعة كذلك. أو يقال: بأن الكافر لا يحتاج في قتله إلى إذن الإمام إذا وجد فيه ما يقتضي قتله بغلظ كفره بالسب، ألا ترى أن الغزو بغير إذن الإمام جائز، فالمرأة السابة بمنزلة الرجل المقاتل. أو يقال إن كانت هذه القصة هي قصة أم الولد وأنها رقيقة: إن للسيد إقامة الحد على عبده كما هو أحد قولي العلماء. وبالجملة: فالمجاز إهدار دمها، وأما كون المتعاطي لذلك الإمام أو غيره فليس الكلام فيه.

стр. 236

فإن قلت: قد يكون قتلها ولا عهد لها، والكافرة إذا قتلت كذلك دمها هدر. قلت: الإشكال في عدم الإنكار باق؛ مع إبطال ما دل عليه الحديث من وجوه كثيرة على أن القتل للشتم لا لغيره، مع أن القتل في النساء لأجل الكفر قد تغيظ النبي ﷺ عليه لما حصل في بعض مغازيه، واشتد إنكاره له، وهاهنا لم يفعل ذلك، فدل على الفرق بين الواقعتين.

стр. 237

الدليل السادس ما صدر به أبو داود باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ ، قال: ثنا عباد ابن موسى الختلي: ثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاك فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها وأتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذكر/ ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام"، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاك فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ : "ألا اشهدوا أن دمها هدر". ورواه النسائي أيضًا، وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح،

стр. 238

واستدل به أحمد أيضًا، ورواه عن روح عن عثمان الشحام. واقتضى كلام الخطابي أنه فهم أن هذه المرأة كانت مسلمة، فتكون واقعة غير التي رواها علي، وهو بعيد، والظاهر أنهما واقعة واحدة، وأنها تلك اليهودية، ويجوز أن تكون أمته، لأنه يجوز وطئ الأمة الكافرة الكتابية بملك اليمين، ويجوز أن تكون زوجته، وكل من الأمة والزوجة تبع للسيد والزوج في العهد، مع ما سبق أن جميع يهود المدينة

стр. 239

مهادنون، فلم يكن قتلها إلا للسب كما سبق، سواء أكانتا واقعتين أم واقعة واحدة. فإن قيل: لعل قتلها إنما كان لانتقاض عهدها بالسب، فتصير كما لو قاتلت فتقتل أو يتخير فيها. قلت: إذا قاتلت تقتل للدفع، وأما التخير فيها فلا يجيء هنا، لا سيما إذا كانت رقيقة، وهو ظاهر لفظ الحديث، لأن الرق حاصل، والمن والفداء كل منهما خير منه، فتعين القتل، ومتى تعين القتل فهو المقصود، سواء أكان حدًا كحد الزنا مع بقاء العهد، أم كان لأجل الانتقاض، ولأنه لو تخير فيها لكانت الخيرة للإمام لا لآحاد الرعية. والمغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، قال الخطابي: شبه المشمل، ونصله دقيق ماض. وقال غيره: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه. وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده القاتل على وسطه ليغتال به الناس. وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد ماض. والمشمل بكسر الميم وسكون الشين المعجمة: سيف قصير يشتمل عليه الرجل، أي يغطيه بثوبه. فأما المِعْوَلُ بالعين المهملة: فالفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر.

стр. 240

وقوله في حديث علي: "خنقها" روي بالنون والفاء، فإن كان بالفاء فالجمع بين الروايتين إن كانت واقعة واحدة ظاهر، وإن كان بالنون فلعله خنقها ثم بعج بطنها بالمغول./ هذا إن كانت واقعة واحدة، ويحتمل أن تكونا واقعتين في يهوديتين أو في يهودية ومسلمة، والاستدلال على كل تقدير حاصل، وإنما أدخلناهما جميعًا في هذا الباب لعدم قيام الدليل على إسلام متقدم لواحدة منهما.

стр. 241

الدليل السابع: قصة العصماء بنت مروان اليهودية وهي غير القصتين المتقدمتين، وذلك ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ ، فقال: "من لي بها؟ "، فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان".

стр. 242

وذكرها الواقدي في آخر غزوة بدر فيما قيل في أشعار بدر، قال: حدثني عبد الله بن الحارث [عن أبيه] أن عصماء بنت مروان ـ من بني أمية بن زيد ـ كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي ﷺ ، وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي، وقالت شعرًا. وقال عمير بن عدي بن خَرَشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رد رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها. ورسول الله ﷺ يومئذٍ ببدر. فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صار الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة، فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال: «أقتلت بنت مروان؟» قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتأت على النبي ﷺ بقلتها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان»؛ فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي ﷺ .

стр. 243

قال عمير: فالتفت النبي ﷺ / إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله، فقال: "لا تقل الأعمى، ولكنه البصير". فلما رجع عمير من عند رسول الله ﷺ وجد في بيتها جماعة يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلاً من المدينة، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذٍ ظهر الإسلام في بني خطمة، وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفًا من قومهم، وقال حسان شعرًا يمدح عمير بن عدي. وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان، مرجع النبي ﷺ من بدر. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب":

стр. 244

"عمير الخطمي القارئ، من بني خطمة من الأنصار، [روي عنه زيد ابن إسحاق]، كان أعمى، كانت له أخت تشتم النبي ﷺ فقتلها، فقال رسول الله ﷺ : أبعدها الله". ثم قال: "عمير بن عدي الخطمي، إمام بني خطمة وقارئهم الأعمى، روى عنه ابنه عدي بن عمير، فإن كان الذي روى عنه زيد بن إسحاق فهو الذي قتل أخته لشتمها رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : أبعدها الله". وذكر ابن سعد هذه القصة عن الواقدي مختصرة، وذكرها شيخنا أبو محمد الدمياطي في "قبائل ...............................

стр. 245

الأوس" عن ابن سعد كما ذكرناها، ونسب عميرًا: عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة ـ وهو عبد الله، ضرب رجلاً على خطمه فسمى خطمة ـ ابن جشم بن مالك بن الأوس. ثم قال شيخنا: وقال ابن القداح: العصماء بنت مروان بن الحارث ابن عبيد بن عمرو، من بني يزيد من بلي، حلفاء لبني أمية بن زيد،

стр. 246

هي أم يزيد بن زيد بن حصن التي قامت عنه، وولدها يقولون: اسمها الكلفاء بنت أوفى من قيس من بني خطمة، وذلك باطل. ولم يشهد عمير ابن عدي بدرًا ولا أحدًا ولا الخندق لضر بصره، ولكنه/ كان قديم الإسلام، صحيح النية فيه، يغضب لله ولرسوله. ونظر النبي ﷺ إلى عمير ابن عدي بن خرشة يتوضأ، وكان أعمى، فجعل النبي ﷺ يقول: "بطن القدم"، ولا يسمعه الأعمى، حتى غسل بطن القدم، فسمي البصير بهذا. وكان عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت يكسران أصنام بني خطمة، وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: "اذهبوا بنا نزور البصير في بني خطمة". انتهى كلام شيخنا. وذكر هذه القصة غير هؤلاء أيضًا، فثبت بهذه القصة وبغيرها أن هؤلاء النسوة إنما قتلن بشتمهن وسبهن. وعلم بذلك أن السب لا يجوز التقرير عليه سواء أكان الساب معاهدًا أم حربيًا أم ذميًا، وليس كالكفر المجرد، فإن الكفر المجرد قد أباح الله ترك القتل به، بل أوجب الكف عن القتل به في كثير من الأوقات قبل الهجرة ـ حتى نسخ بآية السيف إما إيجابًا، أو إباحةً ثم إيجابًا ـ وفي أعصار كثيرة من أعصار الأمم المتقدمة الذين لم يبعث الأنبياء فيها بالقتال.

стр. 247

وأما السب فلا يعلم عصر من الأعصار جاز التقرير عليه ـ فضلاً عن وجوب التقرير عليه ـ واحتمال هذا الضيم العظيم، فالقول بأنه لا يجوز قتل الساب من أهل الذمة في غاية الفساد والبعد عن نفس الشريعة وسير النبي ﷺ والصحابة. وقد يقول قائل: كيف يحتج بهذه القصص التي يذكرها أهل السير ـ مثل الواقدي وغيره ـ ولم يرد بها حديث صحيح؟ فاعلم أن المقصود تأكيد الأدلة، وقد ذكرنا الحديث الصحيح أولاً، وبانضمام هذه الأمور إليه يزداد تأكيدًا، بل الأمور التي ينفرد بها أهل السير إذا اشتهرت وعرفت في بعض الأوقات تكون أقوى من الحديث الذي ينفرد به ثقة، والواقدي إمام أهل السير بلا مدافعة، منه تستفاد وإن كان فيه كلام كثير، ربما حمل عليه كونه يجمع الأسانيد الكثيرة ورواياتها في لفظ واحد يقصد به الجمع والاختصار، فكثير الكلام فيه لذلك، وأما علمه فلا منازعة فيه، وإذا/ ذكر قصة وشرحها تقوى بها ورودها من جهة غيره، وتبين الحال فيها، والأحاديث الضعيفة إذا اجتمعت قربت من رتبة الاحتجاج أو وصلت، فكيف إذا كان معها صحيح؟! فكيف إذا اتفقت السير عليها؟!

стр. 248

الدليل الثامن: قصة قينته ابن خطل وسارة مولاه بني عبد المطلب ونحوهن ممن أهدى النبي ﷺ ومن يوم فتح مكة ممن لم يكن السلم قبل ذلك وقد ذكرنا ذلك في الباب الأول عند ذكر عبد الله بن أبي سرح وابن خطل، ولم يكن قتلهن إلا للسب والأذى، فإن المرأة لا تقتل، فإن النبي ﷺ نهى قبل يوم الفتح بسنين عن قتل النساء والصبيان، لا سيما والقينتان أمتان، والعبد لا يقتل بالكفر، فلم يكن إهدار دمهما لأجل الكفر، إنما كان للسب، فإن كن معاهدات في عهد قريش دل على قتل الساب المعاهد، والذمي بطريق الأولى، وإن لم يكن لهن عهد فبطريق الأولى، لأنه إذا قتل من لا عهد له بالسب فالذي له عهد أو الذمي الملتزم للأحكام أولى.

стр. 249

وأما ابن خطل فقد ذكرناه في الباب الأول، وكان استعمله النبي ﷺ على الصدقة فقتل رفيقه وارتد ولحق بمكة وصار يقع في النبي ﷺ ، فله ثلاث جرائم: الردة، والقتل، والسب. قال بعضهم: لو كان قتله للردة لاستتيب، ولو كان للقتل لسُلم إلى أولياء المقتول، فإنما كان للسب.

стр. 250

الدليل التاسع: أن النبي ﷺ يوم الفتح أمن أكثر الكفار وأهدر دم ابن الزبعري ونحوه ممن كان يهجو، حتى لحق ابن الزبعري بكل وجه ثم جاء وأسلم . ولا فرق بين ابن الزبعري وغيره من الكفار إلا ما كان منه من الشعر والهجو، وإذا كان ذلك وهو حربي فالذمي أولى. وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب كان منه شيء ثم أسلم وعفا عنه النبي ﷺ . وروي أن النضر بن الحارث/ عندما استشعر من النبي ﷺ أنه يقتله قال لمصعب بن عمير: كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي، لم تفعل، قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه كذا وكذا. ولما أراد قتل عقبة بن أبي معيط جعل عقبة يقول: علام أقتل من بين هاهنا؟ قال رسول الله ﷺ : "لعداوتك لله ورسوله"، قال: يا محمد منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، يا محمد من للصبية؟ قال رسول الله ﷺ : "النار، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه"، فقدمه عاصم فضرب عنقه،
следующие страницы →