← Акыда

Акыда · id 17816

السيف المسلول على من سب الرسول

تقي الدين السبكي

Полный текст (419 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى

стр. 37

وعكرمة ووحشي وفرتنا إحدى القينتين، فأسلموا. وقيل إن ابن خطل كان قتل أنصاريًا كان رفيقه، وذكر الواقدي أن ابن أبي سرح لما جاء مع عثمان جاء تائبًا، وظاهر حاله يقتضي ذلك. وهؤلاء الذين أهدر النبي ﷺ دمهم منهم من كان مسلمًا فارتد كابن أبي سرح، وانضاف إلى ردته ما حصل منه في حق النبي ﷺ ، فلذلك أهدر النبي ﷺ دمه، حتى جاء به عثمان واستحيا النبي ﷺ فبايعه، وهو بلا شك دليل على قتل الساب قبل التوبة، أما بعد التوبة فسنتكلم عليه، ونتكلم أيضًا هناك ـ إن شاء الله ـ على قول النبي ﷺ : "أما كان منكم رجل رشيد يقول إلى هذا فيقتله". ومنهم مقيس بن صبابة، ارتد وقتل نفسًا، ومنهم ابن خطل أيضا،

стр. 38

ارتد وقتل نفسًا، فقتلهما الله، ومنهم عكرمة بن أبي جهل انضاف إلى كفره الأصلي شدة عداوته للنبي ﷺ ، ولا أعلم هل صدر منه سب أو لا، وصار بعد ذلك من سادات المسلمين. ومنهم من كان كافرًا أصليًا ولكن ما كان إهدار دمه لكفره ولا لشدة عداوة بل بما صدر منه من السب، ألا ترى أن النساء لا يقتلن بالكفر! فلم يكن الأمر بقتلهن إلا للوقيعة، ولم يقتل النبي ﷺ يوم الفتح أحدًا لمجرد الكفر، لكن قيل: إنه أذن لخزاعة أن تنتقم من بني بكر الذين أغاروا عليهم، فقتلوا منهم، ثم حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك. وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب

стр. 39

- يعني: ابن عطاء ـ عن حسين المعلم: عن عمرو بن شعيب: عن أبيه: عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فإن لهم حقا"، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد قام خطيبا مسنداً ظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحل الجاهلية". وأبو عبيد يرى أن مكة فتحت عنوة، والشافعي ﵀ مع قوله: "فتحت صلحا" قال: إن الذين قاتلوا بها بنو نفاثة فأذن في قتلهم، ولا مال لهم ولا سبي لهم بها فيؤخذ، إنما هم قوم من غير أهلها لجؤوا إليها،

стр. 40

ذكر ذلك في "الأم" جوابًا عن قول أبي يوسف: إن السبي لا يجري على أهل مكة، في الجزء السابع عشر من "الأم". والاستدلال بحديث ابن أبي سرح هذا قوي عند من يرى أن/ استتاببة المرتد واجبة، فإن قتله لو كان للردة لاستتابه على قول هؤلاء، ولم يقع ذلك، وليس بكافر أصلي حتى يقول إن الإمام مخير فيه قبل الإسلام، فلا محمل لقتله إلا السب، وأن الساب يقتل بغير استتابة، أعني: لا نعرض عليه التوبة، أما إذا أنذر فأسلم فسيأتي حكمه. ومن لا يرى الاستتابة واجبة يقول: إنها سنة، فتترك النبي ﷺ إياها يدل على أن هذا القتل عن السب، وأنه أعظم من قتل الردة، إذ يستتاب في ذلك وجوبًا أو استحبابًا ولا يستتاب في هذا. ومما يدل على أن جُرْمَ الساب أعظم من جُرْمِ المرتد ما روى البخاري عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعملوا أنه ليس من الناس فألقوه.

стр. 41

فانظر عناية الله بإظهار كذب من افترى على نبيه، وعدم قبول الأرض له، حتى يظهر للناس أمره، وإلا فكثير من المرتدين ماتوا ولم تلفظهم الأرض، ولكن الله أراد أن يفضح هذا المعلون ويبين كذبه للناس، ولو لم يسلم ابن أبي سرح لكان كذلك. وقد اختلف الناس فيما قاله ابن أبي سرح وهذا النصراني، فقيل: إن ذلك كذب وافتراء لم يكن منه شيء، وقيل: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ثم نسخت الستة وثبت السابع في العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، وكان في الأول يجوز: (سميع عليم) ونحوه موضع: (عليم حكيم) ونحوه ما لم يختم آية رحمة بعذاب، ولا آية عذاب برحمة، وقيل غير ذلك من التأويلات الصحيحة التي لم يفهمها ابن أبي

стр. 42

سرح ولا النصراني حيث أضلهما الله تعالى، وكان ذلك من أعظم الجُرم، لأنه يؤثر في القلوب المريضة ريبا، فكانت عقوبته أشد. وابن خطل أيضًا كان مسلمًا واستعمله النبي ﷺ على الصدقة، وأصحبه رجلاً من الأنصار يخدمه، فغضب عليه لكونه لم يصنع له طعامًا فقتله، ثم خاف أن يُقتل فارتد، وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ، ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وقتله لو كان قصاصًا لسُلم إلى أولياء المقتول، ولو كان ردة لاستتيب، فلم يكن إلا للسب. فإن قلت: الهجاء بالشعر من أفحش السب، فلم يعم السب بالكلمة الواحدة؟ قلت: سيأتي عموم الحكم في السب بغير الشعر والتعليل بالأذى، وهو مقتضى العموم، وأيضًا فالمبيح للدم لا فرق في الجنس الواحد منه بين قليله وكثيره. ومن السنة أيضًا: ما اشتهر أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كتب إلى أخيه كعب بن زهير أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه.

стр. 43

ومن السنة أيضًا: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي ﷺ : "لو تركتم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار". ولما قسم غنائم حنين قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وفي هذا إشارة إلى أنه كان مستحقًا للقتل بإذن النبي ﷺ لو أذن.

стр. 44

ولما قال ابن أبي: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": استأمر عمر في قتله، فقال: "إذن ترعد له آنف كثيرة بالمدينة"، وقال "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وفي مغازي سعيد بن يحيى بن سعيد: عن أبيه: عن أبي المجالد: عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ودعا بمال

стр. 45

العزى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلاً قد سماه فأعطاه، ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر. ثم قام الثانية فقال مثله، فأعرض/ عنه النبي ﷺ ، ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلاً، قال: "ويحك! إذا لا يعدل أحد بعدي". ثم دعا نبي الله ﷺ أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده، فقال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم". ومن السنة أيضًا: ما روى القاضي عياض: ثنا ابن غلبون: عن أبي ذر إجازة قال: ثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيويه: ثنا محمد ابن نوح: ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة: ثنا عبد الله بن موسى [بن جعفر: عن علي بن موسى]: عن أبيه: عن جده: عن محمد بن علي بن الحسين: عن أبيه: عن الحسين بن علي: عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "من سب نبيًا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه".

стр. 46

في هذا الحديث نظر من جهة الراوي عن أهل البيت فيه، وعبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، جرحه ابن حبان وغيره.

стр. 47

وقد رواه أيضًا الخلال والأزجي من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "من سب نبيًا قتل، ومن سب أصحابه جلد". وابن الصلاح قال في كلامه على "الوسيط": "هذا حديث لا يعرف"، وهذا الكلام من ابن الصلاح لأنه لم يقف على إسناده، فينبغي

стр. 48

النظر فيه، فإن كان محفوظًا فهو عمدة قوية في المسلم والكافر، وقد أطلنا في الاستدلال في هذا المكان، ولا ضرورة إليه لأنه حكم مجمع عليه. وأما الإجماع: فقد تقدم نقله. وأما القياس: فلأن المرتد ثبت قتله بالإجماع والنصوص المتظاهرة، ومنها قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، والساب مرتد مبدل لدينه، فلك أن تدخله في عموم قوله: "من بدل دينه" فيكون ثابتًا بالنص، ولك أن تجعل السب مقيسًا على الردة بطريق الأولى لأنه أفحش.

стр. 49

المسألة الثانية: في أن قتل الساب للكفر أو للحد وأقدم عليه مقدمة، وهي: أن المرتد يقتل للنص والإجماع كما سبق، وتوبته مقبولة بإجماع أكثر العلماء إذا لم يكن زنديقًا، وقال الحسن في رواية: لا تقبل توبته ويُقتل وإن أسلم كالزاني، وقاله أحمد فيمن ولد في الإسلام، وهو قول عطاء وإسحاق. والمشهور من مذاهب الصحابة والتابعين: قبول توبته، ولعل الذي روي عن الحسن لا يثبت، أو يكون في واقعة خاصة. ولا شك أن قتله إذا لم يتب ليس كقتل الكافر الأصلي، لأن الكافر الأصلي الحربي إذا أسر يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، وإن كان كتابيًا يقر بالجزية ويهادن ويؤمن، وإن كانت امرأة لم

стр. 50

تقتل إلا إن قاتلت، والمرتد بخلاف ذلك في جميع هذه الأحكام، ويجبر على الإسلام رجلاً كان أو امرأة، ولا يقبل منه غيره، فإن لم يسلم قتل. فعلمنا بهذا أن العلة في هذا الحكم ليس هو مطلق الكفر، بل خصوص الردة، ولذلك جعلها الغزالي من الجنايات الموجبة للعقوبة، وهي سبع: البغي، والردة، والزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، والشرب. وفسرها بأنها عبارة عن قطع الإسلام من مكلف، وقال: احترزنا بالقطع عن الكفر الأصلي، وهكذا وقع في كلام القاضي حسين في "تعليقته"، والروياني في "البحر"، حيث حكيا ما سنذكره عن أبي بكر الفارسي أن قتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وهكذا في كلام غيرهما، وهذا هو التحقيق، وهو أن القتل عقوبة خاصة رتبها الشرع على خصوص الردة كما رتب الرجم على زنا المحصن.

стр. 51

وبهذا يظهر لك أن قتل المرتد حد، والردة كفر خاص يوجب القتل الذي لا خيرة فيه إلا الإسلام، بخلاف غيرها من أنواع الكفر. وليس يلزم من كون قتل المرتد حدًا أن لا يسقط بالإسلام، ألا ترى أنا اختلفنا في حد الزنا هل يسقط بالتوبة أو لا؟ مع الإجماع على تسميته حدًا، فلا يمتنع أن يكون قتل المرتد حدًا وإن سقط بالإسلام، ومن ظن أنه متى سميناه حدًا لا يسقط بالإسلام فهو غالط. والحد هو: العقوبة المقدرة من جهة الشارع، ولك أن تجعل المعاقب عليه في الردة خصوص الكفر بعد الإسلام، ولك أن تجعله قطع الإسلام بالكفر كما تشير إليه عبارة الغزالي، وهو معنى غير الأول، وهو أحسن. فرتب الشارع/ على قطع الإسلام القتل، ثم يسقط بالإسلام، لقوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، ولقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله"، ولا يلزم من التردد في سقوط الحد بالتوبة التردد في سقوطه بالإسلام، لأن الإسلام أعلى. إذا عرفت هذا فنقول: الساب المسلم مرتد، فالكلام فيه كالكلام في قتل المرتد، فيكون حدًا أيضًا وإن كان كافرًا كالمرتد، وفي هذا بحث زائد، وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لهما معًا؟ هذا محل نظر الفقيه.

стр. 52

أما عموم الكفر فلا، لما قدمناه من اختلاف الآثار، لأن هذا لا يسترق ولا يؤمن ولا يفادي به ولا يقر بجزية، ولا يفترق الحال بين أن يكون رجلاً وامرأة، ولكن النظر: هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لمجموعهما؟ ولا شك أن الردة موجبة للقتل بالإجماع والنصوص، وخصوص السب موجب للقتل بحديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" وبترتيب الحكم على الأذى، وترتيب الحكم على خصوص الوصف يشعر بأنه هو العلة، وقد وجد في الساب المسلم المعنيان جميعًا، أعنى: الردة والسب، فيكون قد اجتمع على قتله علتان، كل منهما موجبة للقتل، والقتل حد لكل منهما، وقد تجتمع علتان شرعيتان على معلول واحد، ولهذا البحث أثر يظهر فيما إذا صدر السب من كافر، فإنه انفرد فيه السب عن الارتداد، وفيما إذا تاب الساب وأسلم، وسنذكره إن شاء الله تعالى. هذا تحرير البحث في قتل الساب والمرتد. وقد قال القاضي عياض ﵀ بعد أن حكى قتله عن جماعة ثم قال: ولا تُقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، كلهم قالوا: هي ردة. وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.

стр. 53

وقال بعد ذلك: ذكرنا الإجماع على قتله،/ ومشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدًا لا كفرًا إن أظهر التوبة، ولهذا لا تقبل التوبة عندهم. فأشار القاضي في هذا الكلام إلى أن مأخذ قبول التوبة جعل قتله للكفر، ومأخذ عدم قبولها جعله للحد، وقد بينا أن ذلك غير لازم. ويمكن تأويل كلام القاضي على فرض الخلاف فيما إذا أسلم لا فيما قبل ذلك. وقد نقل القاضي حسين من الشافعية عن أبي بكر الفارسي أنه قال: أجمعت الأمة على أن من سب النبي ﷺ يقتل حدًا. قال: وإنما ذاك لأن من سب النبي ﷺ فقد خرج عن الإيمان، والمرتد يقتل حدًا، فإن تاب يجب أن تقبل توبته. وقال الروياني: ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله ﷺ فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين. قال الروياني: قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هنا بقي حد القذف عليه ثمانون، لأن من قذف غيره ثم ارتد ثم أسلم فحد القذف عليه باقٍ، وقيل: أراد به أنه

стр. 54

يُقتل حدًا لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا. انتهى كلام الروياني. وسنعود إلى كلام الفارسي، وإنما قصدنا بذكره هنا قوله: إنه يقتل حدًا، وحكايته الإجماع على ذلك، وموافقة القاضي حسين والروياني والأصحاب له على تسميته حدًا، وإن خالفوه في شيء آخر نذكره في سب الكافر إن شاء الله. فقد تحرر من هذه المسألة أن الساب يُقتل إن لم يتب حدًا مع كفره، والخلاف هنا في كونه حدًا أو كفرًا لفظي لا يكاد يظهر له فائدة في هذا المحل، وإنما تظهر فائدة في البحث وفي سب الكافر، وقد أشرنا إلى أنه لا يظهر له أثر في قبول إسلامه، بل قد يكون حدًا ويقبل/ إسلامه. نعم، إذا أخذ بالنسبة إلى ما قاله الناس وأفهمه كلامهم وإشارة بعضهم إلى أن قتله حدًا مستلزم لعدم سقوطه بالإسلام فقد يظهر أثره، ومحل الكلام على ذلك عند الكلام في قبول توبته، ويظهر أيضًا أثره في هذا المحل في شيء آخر، وهو أنا لا نعلم أحدًا قال فيما إذا كان السب قذفًا إنه يجمع فيه بين الجلد والقتل، وقد يُقال: لِمَ لا جمع بينهما كما لو وجب عليه لشخص قصاص وحد قذف؟ وتحقيق الجواب عن هذا يرجع إلى تحرير ما كنا فيه، فنقول: إن قلنا: القتل لخصوص السب، وإن خصوص السب موجب للقتل من حيث هو سب،

стр. 55

فيكون وجوب حد القذف به مخرجًا على قاعدة، وهي: أن ما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه هل يوجب أهونهما بعمومه؟، وعلى قاعدة أخرى، وهي: إذا اجتمع أمران من جنس واحد هل يدخل أحدهما في الآخر؟. وعلى هاتين القاعدتين تتخرج مسائل: - منها: أن المني يوجب خروجه الغسل، فهل يوجب مع ذلك الوضوء؟ فيه خلاف، المشهور في المذهب أنه لا يجب للقاعدة الأولى. - ومنها: زنا المحصن يوجب الرجم، ولا خلاف عندنا أنه لا يوجب الجلد، عملاً بالقاعدة الأولى أيضًا، وقد قال به بعض العلماء، ويمكن أن يقال بأن موجب الجلد زنا البكر لا عموم الزنا.

стр. 56

- ومنها: خروج الحيض يوجب الغسل والوضوء معًا، وهو يرد على القاعدة الأولى. - ومنها: إذا وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب للقاعدة الثانية. ومنها: إذا أحرم قارنًا بالحج والعمرة دخلت أعمال العمرة في أعمال الحج عندنا وعند جمهور العلماء للقاعدة الثانية. جئنا إلى مسألتنا: يمكن تخريجها على القاعدتين فيُقال: يجب القتل وحده، ويسقط الحد. أما للقاعدة الأولى فإن هذا القذف الخاص أوجب القتل، وهو أعظم الأثرين بخصوص كونه في هذا المحل الخاص، فلا يوجب أهونهما وهو الجلد بعموم كونه قذفًا. أو يقال: إنهما وجبا، ولكن دخل الأصغر في الأكبر كما/ دخل الوضوء في الغسل، وكما دخلت العمرة في الحج.

стр. 57

أو يُقال: إن القذف في هذا المحل الخاص حده القتل، فلا حاجة للتمسك بشيء من القاعدتين في إسقاط الجلد، لكن هذا يوجب تخصيص أنه القذف، ولا دليل عليه. هذا كله إذا قلنا: القتل لخصوص السب من حيث كونه سبًا، وإن قلنا: القتل به لكونه ردة فيحتمل أن تسلك المباحث المذكورة. ويحتمل أن يقال: لا وجه حينئذ لسقوط الجلد، لأن المحذور على القاعدة الأولى أن يكون الشيء الواحد موجبًا لشيئين، وهذا مفقود هنا على هذا التقدير، وإنما الموجب للجلد القذف، والموجب للقتل ما اشتمل عليه من الكفر. ومع هذا كله فلا أعلم أحدًا يوجب الجمع بين القتل والجلد في مسألتنا، وإنما الواجب قبل التوبة القتل وحده، وبعد التوبة، قال بعض أصحابنا: سقط القتل وبقي حد القذف، وهذا كأنه أعرض عن القاعدة الأولى ولاحظ الثانية، فيجعل القذف موجبًا لهما، فإن استوفي الأعظم دخل فيه الأصغر، وإلا انفرد الأصغر، والمذهب سقوط الحد، وكأنه نظر إلى القاعدة الأولى وأنه لم يجب من أصله إلا القتل، فتخريج الوجهين على هذين المأخذين. وأما الوجه الثالث القائل بأنه يقتل بعد الإسلام فسنذكر، وحينئذٍ لا يُجلد معه كما قبل التوبة، ولم يقل أحد بإلغاء القاعدتين جميعًا في هذا المحل، لأنه يلزم منه أن يجلد ويقتل قبل التوبة وكذا بعدها على وجه.

стр. 58

الفصل الثاني: في توبته واستتابته وفيه مسألتان، إحداهما: في قبول توبته، والثانية: في استتابته. المسألة الأولى: في قبوله توبته ولا خلاف أن توبته لا تكون بغير الإسلام، وحيث أطلقنا توبته فالمراد بها إذا أسلم. وقد اختلف العلماء في قبولها مع اتفاقهم أو أكثرهم على قبول توبة المرتد غير الزنديق،/ وقد قدمنا عن القاضي عياض أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء أنه لا تقبل توبته وأنه يقتل حدًا. قال: وحكمه حكم الزنديق ومسر الكفر في هذا القول، سواء أكانت توبته بعد القدرة والشهادة على قوله أما جاء تائبًا من قبل نفسه، لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة، كسائر الحدود.

стр. 59

قال القابسي: إذا أقر بالسب وتاب وأظهر التوبة قتل بالسب، إذ هو حده. وقال ابن أبي زيد مثله. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتوبته تنفعه. وقال ابن سحنون فيمن شتم النبي ﷺ من الموحدين ثم تاب: لم تزل توبته عنه القتل. وكذلك اختلف في الزنديق إذا جاء تائبًا، فحكى ابن القصار قولين، قال: من شيوخنا من قال: أقتله بإقراره، ومنهم من قال: أقبل توبته، بخلاف من أسرته البينة. قال القاضي عياض: وهذا قول أصبغ، ومسألة ساب النبي ﷺ أقوى لا يصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم، لأنه حق متعلق للنبي ﷺ ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين. والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد لا تقبل توبته، وعند الشافعي تقبل، واختلف فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وحكى ابن المنذر عن علي: يستتاب، وقال ابن سحنون: لم يزل القتل عن المسلم

стр. 60

بالتوبة من سبه ﵇، لأنه لم ينتقل من دين إلى دين، وإنما فعل شيئًا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحدٍ، كالزنديق، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر. وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجًا لسقوط اعتبار توبته: والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي ﷺ بشر، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله/ بنبوته، والله تعالى منزه عن جميع المعايب قطعًا، وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه، وليس سبه ﵇ كالارتداد المقبول فيه التوبة، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته، ومن سب النبي ﷺ تعلق فيه حق لآدمي، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف، فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف. وأيضًا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنى وسرقة وغيرها، ولم يقتل ساب النبي ﷺ لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به، وذلك لا تسقطه التوبة. قال القاضي أبو الفضل: يريد ـ والله أعلم ـ لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر، ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرًا، والله أعلم بسريرته، وبقي حكم السب عليه.

стр. 61

وقال أبو عمران الفاسي: من سب النبي ﷺ ثم ارتد عن الإسلام قتل ولم يستتب، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد. وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدًا لا كفرًا، وهو يحتاج إلى تفصيل، وأما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك ومن وافقه على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا به أنه ردة، قالوا: ويستتاب منها، فإن تاب نكل، وإن أبي قتل، فحكم له بحكم المرتد مطلقًا في هذا الوجه، والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه، ونحن نبسط الكلام فيه فنقول: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدًا، وإنما يقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فنقتله حدًا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي ﷺ / وتحقيره ما عظم الله من حقه، وأجبرينا حكمه في ذلك وغيره حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. فإن قيل: كيف تثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها؟

стр. 62

قلنا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه، ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاص وإن لم يثبت له خصائصه، كقتل تارك الصلاة. وأما من علم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا شك في كفره، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا ما لا إشكال فيه، ويقتل وإن تاب منه، لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدًا [لقوله] ومتقدم كفره، وأمره بعد إلى الله، المطلع على صحة إقلاعه، العالم بسريرته، وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه فهذا كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله وحرمة نبيه يقتل كافرًا بلا خلاف، فعلى هذه التفصيلات حمل كلام العلماء. هذا كلام القاضي أبي الفضل عياض ﵀ في كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وقد تضمن إشارة إلى أن عدم قبول توبته مبني على أنه حد، وقبولها مبني على أنه ردة، وقد بينا أن هذا البناء لا يحتاج إليه، والصواب أن يذكر الحكم المذكور واختلاف العلماء فيه من غير بناء.

стр. 63

وقدم القاضي عياض في أول كلامه أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يُقتل/ ولا يمترى فيه، تصريحًا كان أو تلويحًا، وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزورٍ، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم وإلى هلم جرا. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁، ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردة، وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك. انتهى كلام القاضي عياض. وإنما قصدت بنقله هنا لكونه نقل عن الشافعي موافقة مالك في القتل ثم قال: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، ومقتضى ذلك أن الشافعي لا يقبل

стр. 64

توبته، ولم أرد من أصحابه من صرح عنه بذلك على الإطلاق إلا ما سأحكيه، وهو ما حكاه إمام الحرمين عن أبي بكر الفارسي. قال الإمام في كتاب الجزية بعد أن ذكر حكم الذمي: "نختم الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين، قال الأئمة: من ذكر الله تعالى بسوء ـ وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع ـ فالذي صدر منه ردة،

стр. 65

فإذا تاب قبلت توبته. ولو سب رسول الله ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق الأصحاب. قال الشيخ أبو بكر الفارسي في "كتاب الإجماع": لو تاب لم يسقط القتل عنه، فإن حد من يسب النبي ﷺ القتل، فكما لا يسقط حد القذف بالتوبة كذلك لا يسقط القتل الواجب لسب النبي/ ﷺ بالتوبة. وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال، وقال الأستاذ أبو إسحاق: كفر بالسب وتعرض للسيف تعرض المرتد، فإذا تاب سقط القتل عنه. وقال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا سب الرسول استوجب القتل للردة لا للسب، فإذا تاب زال القتل الذي هو موجب الردة، وجلد ثمانين". ثم قال الإمام: "ولا يتجه عندنا إلا مسلكان، أحدهما: ما قاله الفارسي، وهو في نهاية الحسن، ولكنه مبهم بعد، فإنه أطلق فقال: حد من يسبه القتل،

стр. 66

وهذا فيه نظر، فإن الحدود لا تثبت بالرأي، وقد ورد في الأخبار: "من سب نبيًا فاقتلوه"، ولكن مع هذا لا يمكن القضاء بأنه حد قذف، ولكنه قتل بسب وهو ردة، وهو متعلق بتعظيم رسول الله ﷺ ، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق آدمي، وهذا مراد الفارسي. والثاني: أنه ردة، والتوبة عنها كالتوبة عن الردة، وما ذكر الصيدلاني من بقاء ثمانين جلدة تعرض منهم لقياس جزئي في الفقه، والدليل عليه أنه لو لم يتب للزم أن يجلد ويقتل. ولو تعرض متعرض لرسول الله ﷺ بوقيعة ليست قذفًا صريحًا ولكنها تعريض يوجب مثله التعزيز فالذي أراه أنه كالسب الصريح، فإن الاستهانة بالرسول كفر، ثم ينقدح فيه تحتم القتل حتى لا يسقط بالتوبة". هذا كلام الإمام، وتكلم في أنه لو عفا بعض بني أعمامه ﷺ هل يسقط؟ وهذا ليس بشيء، لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، وكذا في أن استيفاء بتوقف على طلب بعضهم.

стр. 67

فهذا الذي قاله الفارسي واستحسنه الإمام من عدم سقوطه بالتوبة وحكاية الإجماع على ذلك قد يشهد لما اقتضاه كلام عياض من عد الشافعي/ مع القائلين بعدم قبول التوبة، ويقرب منه قول الغزالي في "الخلاصة" في أهل الذمة إذا صدر منهم ذلك أن المذهب عدم قبول توبتهم إذا أخذ على إطلاقه، لكن الأقرب أن مراده بالتوبة غير الإسلام. ولكن المشهور على الألسنة وعند الحُكام ـ وما يزالون يحكمون به ـ أن مذهب الشافعي قبول التوبة، وأما الرافعي، فإنه قال: "المسلم إذا

стр. 68

ذكر الله تعالى بما يقتضي التكفير فهو مرتد مدعو إلى الإسلام، وكذا لو كذب رسول الله ﷺ ، فإن عاد وتاب قبلت توبته، ومن قذف النبي ﷺ وصرح بنسبته إلى الزنا فهو كافر باتفاق الأصحاب، فإن عاد إلى الإسلام ففيه ثلاث أوجه: أحدها ـ ونظم "الوجيز" يقتضي ترجيحه، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق:- أنه لا يلزمه شيء لأنه صار مرتدًا بذلك وقد عاد إلى الإسلام. والثاني ـ وبه قال أبو بكر الفارسي ـ: أنه يقتل حدًا، لأن قذف النبي ﷺ حده القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة. والثالث: قال الصيدلاني: يجلد ثمانين حدًا، لأن سب النبي ﷺ كفر موجب للقتل، فإذا عاد إلى الإسلام سقط القتل الواجب بالردة ويبقى حد القذف على قياس ما إذا قذف إنسانًا وارتد ثم عاد إلى الإسلام". فصدر كلام الرافعي جازم بقبول توبة المكذب، وآخره متردد في قبول توبة القاذف ترددًا قويًا، بحيث إنه ما نقل ترجيح قبولها إلا عن اقتضاء

стр. 69

نظم "الوجيز"، فيحتمل أن يقال إن هذا التردد خاص بالقذف، فإن حد القذف في غير النبي ﷺ لا يسقط بالتوبة، ولا يتخير فيه الحاكم، ويفتقر إلى طلب المقذوف، وينتقل لورثته، كل ذلك مما لا خلاف فيه. والسب لغير النبي ﷺ بما سوى القذف إنما يوجب التعزيز، واختلفوا في أن الإمام هل يتخير فيه/ أو لا، فعلمنا بهذا أن الحد أقوى من التعزيز، وموجب الحد أقوى من موجب التعزيز، وهما في حق النبي ﷺ مقتضيان للتكفير، مستويان في ذلك قبل التوبة والإسلام، أما بعده فيجوز أن يظهر أثر اختلافهما، ويكون حكم الأول أنه لا يسقط كسائر الحدود، أعني حد القذف، في غيره لا يسقط إلا بعفو المقذوف أو وارثه، وهو هنا متعذر، أعني العفو، والحد هنا القتل، فلذلك لا تقبل التوبة على وجه، وعلى وجه تقبل بالنسبة إلى القتل، ويحد حد القذف. وحكم الثاني: السقوط. ويحتمل أن يُقال: إن كلاً منهما يسقط بالإسلام، لأنا نعلم من شفقة النبي ﷺ على أمته ورحمته لهم ورأفته بهم ورغبته في هدايتهم أنه لو كان حيًا لقبل إسلامهم وعفا عنهم وأن ذلك يرضيه، ولم يصح أن النبي قتل أحدًا بعد التلفظ بالشهادتين بغير الزنا والقصاص، وحينئذ تكون مسألتان: إحداهما: السب بغير القذف، ولا خلاف بين الشافعية في سقوطه بالإسلام. والثانية: السب بالقذف، وهو محل الخلاف، والراجح فيه السقوط أيضًا. هذا وجه من البحث بحسب ما يقتضيه كلام الرافعي. ويحتمل أن يقال: إن الوجه الثالث القائل بجلد ثمانين لا يأتي في غير القذف بلا إشكال، لكن يأتي بدله أنه يعزر، لأن القتل حق الرسالة المتعلقة

стр. 70

بالربوبية، فيسقط بالإسلام، والحد والتعزير كلاهما حق البشرية، ويرد على هذا أن هذا البشر الخاص حده والعزيز لأجله إنما هو القتل. والوجهان الآخران مطردان سواء أكان السب قذفًا أم غيره، ومستند السقوط أنه ردة، ومستند عدم السقوط أنه حق آدمي. ألا ترى كلام الإمام حيث استعمل لفظ السب تارة ولفظ القذف أخرى وجرى على حكم واحد ولم يفرق بينهما في الحكم وتعليله بتعظيم قدر النبي ﷺ وأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة! ولهذا اختلفت عبارات الناقلين لكلام الفارسي، فالإمام ذكره بلفظ القذف، وصرح بعدم قبول التوبة، والقاضي الحسين ذكره بلفظ السب، واقتضاء كلامه قبول التوبة، واضطربت عبارة/ الناقلين لعبارة الفارسي، وسأجمعها عند الكلام في الذمي، والذي يتعلق منها بهذا الموضع قد ذكرته. فالمتخلص أن القاذف في قبول توبته خلاف قوي، وليس فيها من حيث النقل ترجيح قوي، لكن الدليل يقتضيه لما ذكرته وأذكره إن شاء الله. والساب غير القاذف أولى بقبول التوبة من القاذف. وحاصل المنقول عند الشافعية أنه متى لم يسلم قتل قطعا، ومتى أسلم: فإن كان السب قذفًا فالأوجه الثلاثة: هل يقتل، أو يجلد، أو لا شيء. إن كان السب غير قذف فلا أعرف فيه نقلاً للشافعية غير قبول توبته. ويتجه تخريج وجهين، أحدهما: القتل، والثاني: التعزيز، ولكني لم أجد من صرح بهما من الشافعية، وقد يفرق بأن التعزيز يدخل في الحد كمقدمات الزنا مع الزنا، وأحد الحدين لا يدخل في الآخر، فلذلك لم يدخل حد القذف في القتل، هذا ما حضرني نقلاً وبحثًا.

стр. 71

ولم أجد في مذهب الشافعي شيئًا غير هذا وغير قول الخطابي في "معالم السنن": إذا كان الساب ذميًا قال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد. وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ ، وتبرأ منه الذمة. واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي ﷺ . فهذا الكلام من الخطابي يشعر بأن الشافعي يقول بقتله ولو أسلم، وإذا كان ذلك في الذمي ففي المرتد أولى، إلا أن كلام الخطابي يمكن حمله على أنه أراد حكاية لفظ الشافعي، وهو ساكت عن حكمه إذا أسلم. هذا ما وجدته للشافعية في ذلك، والحنفية في قبول التوبة قريب من الشافعية، ولا يوجد للحنفية غير قبول التوبة، وكلتا الطائفتين لم أرهم تكلموا في مسألة السب مستقلة، بل في ضمن نقض الذمي العهد، وكأن

стр. 72

الحامل على ذلك أن المسلم لا يسب، ولم أرد أحدًا من الشافعية صرح بأن الساب مطلقًا لا تقبل توبته، لأن الإمام حيث صرح عن الفارسي بعدم قبول التوبة إنما نقله في القذف وإن كان في غضون كلامه ما يقتضي تعميمه، وغير الإمام نقله في السب واقتصر على قوله: "يقتل حدا"، وقد قدمت أن قتله حدًا لا ينافي قبول توبته. وأما الحنابلة فكلامهم قريب من كلام المالكية، المشهور عن أحمد عدم قبول توبته، وعنه رواية بقبولها/، فمذهبه كمذهب مالك سواء. هذا تحرير المنقول في ذلك. وأما الدليل فمعتمدنا في قبول التوبة قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، وقوله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣)) [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (٨٦) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٨٧) خالدين فيها لا يخف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (٨٨) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٨٩)) [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، وهذه نص في قبول توبة المرتد، وعمومها يدخل فيه الساب.

стр. 73

وقوله ﷺ : (الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها"، ولأنا لا نحفظ أن النبي ﷺ قتل أحدًا بعد إسلامه، والتأسي به واجب. ولقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، وهذا الحديث عمدة في منع القتل إلا بهذه الجهات الثلاثة، وبعد الإسلام ليس بواحد من الثلاثة، فلا يقتل، وبالقياس على سب الله تعالى فإنه يقتل بالإجماع إذا لم يتب، وإن تاب فالصحيح المشهور من مذهب مالك قبول توبته وسقوط القتل عنه. فإن قلت: قد تقدم الفرق بأن هذا حق آدمي، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة، قلت: صحيح، لكنا علمنا من النبي ﷺ ورأفته ورحمته وشفقته أنه ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله، وهذا الساب قد انتهك حرمات الله بسبه أنبياءه، فيجب قتله ما دام مقيمًا

стр. 74

على كفره بالسب،/ فإذا أسلم وتاب سقط حق الله تعالى، وقد علمنا أن النبي ﷺ لرأفته ورحمته ما انتقم لنفسه، فكيف ينتقم له بعد موته!، وكأنه ﷺ جعل حقه تابعًا لحق الله تعالى، فإذا سقط المتبوع سقط التابع. ولا شك أن رسول الله ﷺ ليس له قصد إلا هداية العالم وتعظيم حرمات الله تعالى، وليس قتل الساب متحتمًا لله تعالى بالاتفاق، بل كان له ﷺ أن يعفو عنه، ألا ترى أنه عفا عن ابن عمه أبي سفيان بن الحارث، وكان بعد ذلك من خيار المسلمين، وعفا عن ابن أبي سرح وجماعة، ولم يقتل أحدًا بعد إسلامه، فلو كان قتل الساب لحق الله حتمًا لم يتركه، فعلمنا أن قتله في حال بقائه على الكفر إنما كان لحق الله تعالى، لأنه لم يكن ينتقم لنفسه، وبعد الإسلام زال هذا المعنى، ولو كان لله حق في أن يقتل ساب نبيه بعد رجوعه إلى الإسلام لما تركه النبي ﷺ . فإن قلت: قتله قبل الإسلام حق لله ورسوله، ولم يترك، وبالإسلام سقط حق الله وبقي حق الرسول ﷺ فله العفو والقتل، فلذلك عفا عن أبي

стр. 75

سفيان ابن عمه وجماعة منهم ابن أبي سرح بعد مراجعة عثمان فيه، وكان يجوز له قتله، ولهذا قال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ "، وقد ورد أن ابن أبي سرح أسلم قبل قدوم النبي ﷺ ، ورجع عن ردته. قلت: أما كونه رجع عن الردة وأسلم قبل ذلك فلم يثبت، وإنما رواه بعض أهل السير، والأكثرون لم يذكروه، والأقرب أنه لم يقع ذلك، وقول الواقدي: إنه جاء تائبًا، معناه: راجعًا عن ذنبه، ولا يكفي ذلك في الإسلام حتى يتلفظ بالشهادتين، ولم ينقل قط في طريق صحيح أن أحدًا ممن أهدر النبي ﷺ دمه تلفظ بالإسلام قبل ذلك، ولا أن الذين أسلموا منهم/ قتلوا. فإن قلت: فلم لا تفطن عثمان ﵁ ولقن أخاه ابن أبي سرح المبادرة بكلمة الشهادة ليعصم دمه ولم يراجع النبي ﷺ ؟ قلت: لأمرين: أحدهما: أن عثمان كان أعلم بالله تعالى ورسوله من ذلك، فلم يكن ليتقدم بين يديه ولا ليقطع أمرًا دونه، وقد يكون النبي ﷺ يريد قتل ابن أبي سرح، فتعليمه ما يدرء عنه القتل افتئات على النبي ﷺ .
следующие страницы →