← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

اللهم اجعل قبورهم مفايض صلواتك ومقار هباتك وطرق إحسانك ومجارى عفوك وغفرانك، حتى يكونوا إلى بطون الألحاد مطمئنين، وبجودك وكرمك واثقين، وإلى أعلى درجاتك سابقين، واخصص بذلك الآباء والبنين والإخوة والأقربين، قبل أن يشتمل الهدم على البناء، والكدر على الصفاء، وينقطع من الحياة حبل الرجاء، وتصير المنازل تحت أطباق الثرى، وقبل أن يصير الريح ويلاً، والقطر سيلاً، والصبح ليلاً، ويسحب الموت على أهل السموات والأرض ذيلاً، وقبل أن يقول الشيخ الكبير: وا شيبتاه، ويقول الكهل الخطير: واخجلتاه، ويقول المذنب المسيء: وا خيبتاه، ويقول الحدث النضير: وا حسرتاه، واخجلوا منه وأشفقوا وغشيتهم من الندامة، وختم على أفواههم فلم ينطقوا، ووقفوا على عمل نكس الرؤوس فأطرقوا، وعاينوا من الأهوال ما ودوا معه أنهم لم يخلقوا. اللهم يا سائق القوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام بعد الموت، صلِّ على محمد وعلى آل محمد، ولا تدع لنا في هذه الليلة المباركة الشريفة ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا كربًا إلا كشفته، ولا مبتليًا إلا عافيته ولا ذا إساءة إلا نقلته، ولا حقًا إلا استخلصته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا عاصيًا إلا قطعته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضًا ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها بتيسير وعافية، مع المغفرة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا ولآبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وذرياتنا وقراباتنا وأصدقائنا ومعلمينا، ومن قرأنا عليه وقرأ علينا، وتعلمنا منه وتعلم منا، ومن سألنا الدعاء وسألناه الدعاء ومن أحبنا فيك، ومن تولانا فيك ومن توليناه فيك، ومن كان منهم حيًا ومن كان منهم ميتًا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم يا عالم الخفيات، ويا دافع البليات، ويا مجيب الدعوات، ويا كاشف الكربات، صلِّ على محمد أفضل البريات، وانفعنا بما صرفت في كتابك من الآيات، وكفِّر عنا بتلاوته السيئات، وارفع لنا بصيام شهر رمضان وقيامه عندك الدرجات، برحمتك يا عالم الخفيات، صلِّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر بالقرآن خطايانا، واجز لبه عطايانا، واشف به مرضانا، وارحم به موتانا، وأصلح به أمور ديننا ودنيانا، واحطط به عنا ثقل الأوزار، وهب لنا حسن شمائل الأبرار، واغفر لنا الزلل والعثار،

стр. 597

وطهر لنا القلوب والأسرار، وطيب لنا به الأذكار، وصفِّ لنا به الأفكار، وأرخص لنا الأسعار، واصرف عنا شر الأشرار وكبد الفجار، وأحينا على حب الصحابة الأخيار، واجمع بيننا وبينهم في دار القرار، واجعلنا من عتقائك من النار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، الحمد لله على سوابغ نعمائه وصلواته على محمد خاتم أنبيائه، وعلى آله وعلى أصحابه وأزواجه وسلم تسليمًا كثيرًا. * * *

стр. 598

القسم الخامس في التصوف

стр. 599

كتاب آداب المريدين من الفقراء الصادقين سالكي طريق الصوفية الذين صفوا عن الأهوية المضلة، وأمسكوا عن الأخلاق الردية فأدخلوا في زمرة الأبدال وأهل الولاية واتصفوا بالعينية، على وجه الاختصار والإقلال، خشية السآمة والملال (فصل: في الإرادة والمريد والمراد) أما الإرادة: فترك ما عليه العادة، وتحقيقها نهوض القلب في طلب الحق سبحانه وترك ما سواه، فإذا ترك العبد العبادة التي هي حظوظ الدنيا والأخرى فتجردت حينئذ إرادته، فالإرادة مقدمة على كل أمر، ثم يعقبها القصد، ثم الفعل، فهي بدء طريق كل سالك واسم أول منزلة كل قاصد، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام:٥٢] فنهى نبيه ﷺ عن طردهم وإبعادهم، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف:٢٨] فأمره ﷺ بالصبر معهم وملازمتهم وتصبر النفس في صحبتهم، ووصفهم بأنهم يريدون وجهه، ثم قال: ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ فبان بذلك أن حقيقة الإرادة إرادة وجه الله فحسب، دون زينة الحياة الدنيا والأخرى. فأما المريد والمراد، فالمريد: من كانت فيه هذه الجملة واتصف بهذه الصفة، فهو أبدًا مقبل على الله وطاعته، مُوَلٍّ عن غيره وأجابت، يسمع من ربه فيعمل بما في الكتاب والسنة، ويصم عما سوى ذلك، ويبصر بنور الله فلا يرى إلا فعله فيه، وفي غيره من سائر الخلائق، ويعمى غيره فلا يرى فاعلاً على الحقيقة غيره ، بل يرى آلة وسببًا محركًا مدبرًا مسخرًا قال النبي ﷺ : "حبك الشيء يعمى ويصم" أي يعميك عن غير محبوبك، ويصمك عنه لاشتغالك بمحبوبك، فما أحب حتى أراد، وما أراد حتى تجردت إرادته، وما تجردت إرادته حتى قذفت في قلبه

стр. 600

جمرة الخشية فأحرقت كل ما هنالك. قال الله عز جل: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ [النمل: ٣٤] كما قيل: إنها لوعة تهون كل روعة فنومه غلبه وأكله فاقة، وكلامه ضرورة، ينصح نفسه أبدًا فلا يجيبها إلى محبوبها ولذاتها، وينصح عباد الله ويأنس بالخلوة مع الله، ويصبر عن معاصي الله تعالى ويرضى بقضاء الله ويختار أمر الله، ويستحي من نظر الله، ويبذل مجهوده في محاب الله تعالى، ويتعرض أبدًا لكل سبب يوصله إلى الله ، ويقنع بالخمول والاختفاء، فلا يختار حمد عباد الله، ويتحبب إلى ربه بكثرة النوافل، مخلصًا لله حتى يصل إلى الله ، ويحصل في زمرة أحباب الله تعالى ومراديه، فحينئذ يسمى مرادًا، فتحط عنه أثقال سالكي طريق الله، ويغسل بماء رحمة الله ورأفته ولطفه، فيبنى له بيت في جوار الله، وتخلع عليه أنواع الخلع، وهي المعرفة بالله والأنس به، والسكون والطمأنينة إليه، وينطق بحكمة الله وأسرار الله بعد الإذن الصريح، بل الخبر من الله ، ويلقب بألقاب يتميز بها بين أحباب الله تعالى، فيدخل في خواص الله، ويسمى بأسماء لا يعلمها إلا الله، ويطلع على أسرار تخصه، فلا يبوح بها عند غير الله ، فيسمع من الله، ويبصر بالله وينطق بالله ويبطش بقوة الله، ويسمى في طاعة الله، ويسكن إلى الله، وينام مع طاعة الله، وذكر الله في كلاءة الله وحرز الله، فيكون من أمناء الله وشهدائه، وأوتاد أرضه ومنجى عباده وبلاده وأحبائه وأخلائه، قال النبي ﷺ حاكيًا عن الله تعالى: "لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطس" الحديث. فهذا عبد حمل عقله العقل الأكبر، وسكنت حركاته الشهوانية لقبضة الحق ، فصار قلبه خزانة الله ، فهذا هو مراد الله تعالى إن أردت أن تعرفه يا عبد الله. وقد قال من تقدم من عباد الله: إن المريد والمراد واحد، إذ لو لم يكن مراد الله بأن يريده لم يكن مريدًا، إذ لا يكون إلا ما أراد، لأنه إذا أراده الحق بالخصوصية وفقه بالإرادة، كما قال الله تعالى: ﴿وما تشاؤن إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان:٣٠].

стр. 601

وقال آخرون: المريد: المبتدى، والمراد: المنتهى، المريد: الذي نصب بعين التعب وألقى في مقاساة المشاق، والمراد: الذي لقى الأمر من غير مشقة، المريد: متعب، والمراد: مرفوق به مرفه، فالأغلب في حق القاصدين المبتدئين في سنة الله تعالى ما قد تم وجرى من توفيق الله تعالى للمجاهدات، ثم إيصالهم إليه وحط الأثقال عنهم، والتخفيف عنهم في كثير من النوافل وترك الشهوات، والاقتصار على القيام بالفرائض والسنن من جميع العبادات، وحفظ القلوب ومحافظة الحدود والمقام، والانقطاع عما سوى الحق بالقلوب، فيكون ظواهرهم مع خلق الله تعالى، وبواطنهم مع الله ، ألسنتهم بحكم الله، وقلوبهم بعلم الله، فألسنتهم لنصح عباد الله، وأسرارهم لحفظ ودائع الله، فعليهم سلام الله وتحياته وبركاته ورحمته وتحيته مادامت أرضه وسماؤه، وقام العباد بطاعته وحقه، وحفظ حدوده. وسئل الجنيد ﵀ عن المريد والمراد، فقال: المريد: تتولاه سياسة العلم، والمراد: تتولاه رعاية الحق، لأن المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر؟ وينكشف ذلك بموسى ونبينا محمد ﷺ ، كان موسى ﵇ مريدًا، ونبينا ﷺ مرادًا، انتهى سير موسى ﵇ إلى جبل طور سيناء، وطيران نبينا ﷺ إلى العرش واللوح المسطور. فالمريد طالب، والمراد مطلوب، عبادة المريد مجاهدة، وعبادة المراد موهبة، المريد موجود، والمراد فان، المريد يعمل للعوض، والمراد لا يرى العمل بل يرى التوفيق والمنن، المريد يعمل في سلوك السبيل، والمراد قائم على مجمع كل سبيل، المريد ينظر بنور الله والمراد ينظر بالله، المريد قائم بأمر الله، والمراد قائم بفعل الله، المريد يخالف هواه، والمراد يتبرأ من إرادته ومناه، المريد يتقرب، والمراد يقرب به، والمريد يحمي، والمراد يدلل وينعم ويغذي ويشهي، المريد محفوظ، والمراد يحفظ به المريد في الترقى، والمراد قد أوصل وبلغ إلى الرب الذي هو المرقى، ونال عنده كل طريف ونفيس ولطيف، ونقى، فجاز على كل طائع عابد متقرب بار تقي. * * *

стр. 602

(فصل: ما المتصوف ومن الصوفي ؟) أما المتصوف: فهو الذي يتكلف أن يكون صوفيًا ويتوصل بجهده إلى أن يكون صوفيًا، فإذا تكلف وتقمص بطريق القوم وأخذ به يسمى متصوفًا كما يقال لمن لبس القميص تقمص، ولمن لبس الدراعة تدرع، ويقال: متقمص ومتدرع، وكذلك يقال لمن دخل في الزهد: متزهد، فإذا انتهى في زهده وبلغ وبغضت الأشياء إليه وفنى عنها، فترك كل واحد منهما صاحبه، سمى حينئذ زاهدًا، ثم تأتيه الأشياء وهو لا يريدها ولا يبغضها، بل يمتثل أمر الله فيها، وينتظر فعل الله فيها، فيقال لهذا متصوف وصوفى إذا اتصف بهذا المعنى، فهو في الأصل صوفى على وزن فوعل، مأخوذ من المصافاة، يعني عبدًا صافاه الحق ، ولهذا قيل: الصوفى من كان صافيًا من آفات النفس، خاليًا من مذموماتها، سالكًا لحميد مذاهبه، ملازمًا للحقائق غير ساكن بقلبه إلى أحد من الخلائق. وقيل: إن التصوف: الصدق مع الحق، وحسن الخلق مع الخلق. وأما الفرق بين المتصوف والصوفى: فالمتصوف المبتدى، والصوفي المنتهى، المتصوف الشارع في طريق الوصل، والصوفى من قطع الطريق ووصل إلى من إليه القطع والوصل، المتصوف محمل، والصوفى محمول، حمل المتصوف كل ثقيل وخفيف، فحمل حتى ذابت نفسه، وزال هواه، وتلاشت إرادته وأمانيه فصار صافيًا فسمى صوفيًا، فحمل فصار محمول القدر كرة المشيئة، مربى النفس، منبع العلوم والحكم، بيت الأمن والنور، كهف الأولياء والأبدال وموئلهم ومرجعهم ومتنفسهم ومستراحهم ومسرتهم، إذ هو عين القلادة درة التاج منظر الرب. والمريد المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه وخلق ربه ودنياه وأخراه، متعبد لربه بمفارقة الجهات الست والأشياء وترك العمل لها وموافقتها، والقبول منها وتصفية باطنه من الميل إليها والاشتغال بها، فيخالف شيطانه، ويترك دنياه، ويفارق أقرانه وسائر خلق ربه بحكمه لطلب أخراه، ثم يجاهد نفسه وهواه بأمر الله فيفارق أخراه، وما أعد لأوليائه فيها من جنة لرغبته في مولاه، فيخرج من الأكوان فيصفى من الأحداث ويتجوهر لرب الأنام، فتنقطع منه العلائق

стр. 603

والأسباب والأهل والأولاد، فتنسد عنه الجهات، وتنفتح في وجهه جهة الجهات، وباب الأبواب، وهو الرضا بقضاء رب الأنام، ورب الأرباب، ويفعل فيه فعل العالم بما كان وما هو آت، والخبير بالسرائر والخفيات، وما تتحرك به الجوارح، وما تضمره القلوب والنيات، ثم يفتح تجاه هذا الباب باب يسمى باب القربة إلى المليك الديان، ثم يرفع منه إلى مجالس الأنس، ثم يجلس على كرسي التوحيد، ثم يرفع عنه الحجب ويدخل دار الفردانية، ويكشف عنه الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى بلا هو، فانيًا عن نفسه وصفاته، عن حوله وقوته وحركته وإرادته ومناه ودنياه وأخراه، فيصير كإناء بلور مملوء ماء صافيًا، تتبين فيه الأشباح، فلا يحكم عليه غير القدر، ولا يوجده غير الأمر فهو فانٍ عنه وعن حظه، موجود لمولاه وأمره، لا يطلب خلوة لأن الخلود للموجود، فهو كالطفل لا يأكل حتى يطعم، ولا يلبس حتى يلبس، فهو مسترسل مفوض ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ [الكهف: ١٨]. هو كائن بين الخليقة بالجسمان، بائن عنهم بالأفعال والأعمال والسرائر والضمائر والنيات، فحينئذ يسمى صوفيًا، على معنى أنه يصفى من التكدر بالخيقة والبريات، وإن شئت سميته بدلاً من الأبدال، وعينًا من الأعيان، عارفًا بنفسه وربه، الذي هو محيى الأموات، المخرج أولياءه من ظلمات النفوس والطباع والأهوية والضلالات إلى ساحة الذكر والمعارف والعلوم والأسرار ونور القربة، ثم إلى نوره : ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة﴾ [النور:٣٥] ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] فالله تعالى تولى إخراجهم من الظلمات، وهو أطلعهم على ما أضمرت قلوب العباد، وانطوت عليه النيات، إذ جعلهم ربي جواسيس القلوب والأمناء على السرائر والخفيات، وحرسهم من الأعداء في الخلوات والجلوات، لا شيطان مضل ولا هوى متبع يميل بهم إلى الضلالات، قال الله : ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢، والإسراء: ٦٥] ولا في نفس أمارة بالسوء، ولا شهوة غالبة متبعة تدعوه إلى اللذات المردية في الدركات المخرجة من أهل السنة والجماعات. قال الله عز من قائل: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف:٢٤] فحرسهم ربي، وقمع رعونات نفوسهم وضراوتها بسلطان الجبروت، فثبتهم في مراتبهم ووفقهم للوفاء بشرطه، بعد أن وفقهم للوفاء بالصدق في سيرهم، وبالصبر في محل انقطاعهم واضطرارهم، فأدوا الفرائض وحفظوا الحدود

стр. 604

والأوامر، وألزموا المراتب حتى قوموا وهذبوا ونقوا وأدبوا وطهروا وطيبوا ووسعوا وزكوا وشجعوا وعوذوا، فتمت لهم ولاية الله وتوليته ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] فنقلوا من مراتبهم إلى مالك الملك، فرتب لهم ذلك بين يديه، فصار نجواهم كفاحًا يناجونه بقلوبهم وأسرارهم، فاشتغلوا به عمن سواه، ونهوا عن نفوسهم وعن كل شيء، هو رب كل شيء ومولاه، فصيرهم في قبضته، وقيدهم بعقولهم وجعلهم أمناء، فهم في قبضته وحصنه وحراسته، يتشممون روح القرب، ويعيشون في فسخة التوحيد والرحمة، فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم من الأعمال، فإذا جاء وقت عمل أبدانهم دون قلوبهم، مضوا مع الحرس في تلك الأعمال، كيلا تضرهم شياطينهم ونفوسهم وأهويتهم، فتسلم أعمالهم من خط الشياطين، وهنات النفوس من الرياء والنفاق والعجب وطلب الأعراض، والشرك بشيء من الأشياء، والحول والقوة، بل يرون جميع ذلك فضلاً من الله وتوفيقًا من الله خلقًا، ومنهم بتوفيقه كسبًا، كيلا يخرجوا بهذه العقيدة من سنن الهدى، ثم يردون بعد أداء تلك الأوامر، وفراغ تلك الأعمال إلى مراتبهم التي ألزموها، فوقفوا معها وحفظوها بالقلوب والضمائر، وقد ينقلون إلى حاة بعد أن جعلوا الأمناء، وخوطب كل واحد منهم بالانفراد في حالته ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ [يوسف: ٥٤] فلا يحتاجون فيها إلى إذن، لأنهم صاروا كالمفوض إليهم أمرهم، فهم في قبضته حيثما ذهبوا في شيء من أمورهم يحققه قول النبي ﷺ فيما يحكيه عن جبريل ﵇، عن الله أنه قال: "ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطش" فهذا الخبر قد ذكرناه في مواضع من هذا الكتاب، لأنه أصل في هذا المقام، فيمتلئ قلب هذا العبد بحب ربه ونوره وعلمه والمعرفة به، فلا يصح غير ذلك. ألا ترى إلى قوله ﷺ : "من أحب أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم مولى أبي حذيفة ﵁" فظاهره متحرك متصرف بفعل الله تعالى، وباطنه مملوء بالله .

стр. 605

وقد قال موسى عليه السالم: "يا رب أين أبغيك قال: يا موسى في أي بيت يسعني، وأي مكان يحملني؟ فإن أردت أن تعلم أين أنا فإني في قلب التارك الوادع العفيف". فالتارك هو الذي يترك بجهد وفيه بقية، ثم من عليه ربه فودعه موتًا عنه ثم عفا، فلا يلتفت إلى شيء سوى مولاه، فما تلك المنة التي من بها ربه عليه؟ وذلك أنه أقامه المرتبة على شرطية اللزوم لها ليقوم بها، فلما وفى له بالشرط ولم يبغ عملاً وحركة غير ذلك وحفظه ولم يتجاوز نقله منها إلى ملك الجبروت ليقوم، فجبر نفسه ثم قمعها بسلطان الجبروت حتى ذلت وخشعت، ثم نقله منها إلى الملك السلطان ليهذب، فذابت تلك الغدد التي في نفسه، وهي أصول تلك الشهوات التي قد صارت غدة ثابتة فيها، ثم نقله منها إلى ملك الجلال فأدب، ثم نقله منها إلى ملك الجمال فنقى، ثم نقله إلى ملك العظمة فظهر، ثم إلى ملك البهاء فطيب، ثم إلى ملك البهجة فوسع، ثم إلى ملك الهيبة فربى، ثم إلى ملك الرحمة فرطب وقوى وشجع، ثم إلى ملك الفردية فعود. فاللطف يعذبه، والرأفة تجمعه وتكتنفه، والمحبة تقويه، والشوق يدنيه، والمشيئة تؤديه إليه، والجواد العزيز يقلبه فيقربه، ثم يدنيه ثم يمهله ثم يؤدبه ثم يناجيه ثم يبسطه ثم يقبض عليه. فأينما صار وفي كل مكان خال وفي كل حال لربه دان فهو في قبضته، وأمين من أمنائه على أسراره، وما يؤديه من ربه إلى خلقه، فإذا صار إلى هذا المحل فقد انقطعت الصفات وانقطع الكلام والعبارات، فهذا هو منتهى العقول والقلوب، وغاية ما تبلغ حالات الأولياء إليه وتؤول، وما وراء ذلك مختص بالأنبياء والرسل ﵈، لأن نهاية الولي بداية النبي على الجميع صلوات الله وتحياته ورأفته ورحمته. والفرق بين النبوة والولاية أن النبوية كلام ينفصل من الله تعالى ووحي، معه روح من الله يقضي الوحي، ويختمه بالروح، منه تعالى قبوله فيقبله، هذا هو الذي يلزم تصديقه، ومن رده فهو كافر، لأنه رد لكلام الله . وأما الولاية فهي لمن تولى الله حديثه على طريق الإلهام فأوصله إليه فله الحديث، فينفصل ذلك الحديث من الله على لسان الحق معه السكينة، فتلقاه السكينة

стр. 606

التي في قلب المجذوب فيقبله ويسكن إليه. فالكلام للأنبياء، والحديث للأولياء، فمن رد الكلام كفر، لأنه رد على الله كلامه ووحيه، ومن رد الحديث لم يكفر، بل يخيب ويصير وبالاً عليه ويبهت قلبه لأنه رد على الحق ما جاء به محبة الله تعالى ممن علم الله في نفسه فأودعه الحق، وجعله مؤديًا إلى القلب، لأن الحديث ما ظهر من علمه الذي برز في وقت المشيئة، فيصير حديثًا في النفس كالسر، إنما يقع ذلك الحديث بمحبة امن الله لهذا العبد، فيمضي مع الحق إلى قلبه فيقبله القلب بالسكينة. * * *

стр. 607

باب فيما يجب على المبتدي في هذه الطريقة أولاً وما يجب عليه من الأدب مع الشيخ ثانيًا وما يجب على الشيخ في تأديب المريد فالذي يجب على المريد المبتدي في هذه الطريقة: الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح أهل السنة القديمة سنة الأنبياء والمرسلين، الصحابة والتابعين، والأولياء والصديقين على ما تقدم ذكره وشرحه في أثناء الكتاب. فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بها أمرًا ونهيًا، أصلاً وفرعًا، فيجعلهما جناحيه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله ، ثم الصدق في الاجتهاد، حتى يجد الهداية، والإرشاد إليه والدليل، وقائدًا يقوده، ثم مؤنسًا يؤنسه، ومستراحًا يستريح إليه في حالة إعيائه ونصبه وظلمته عند ثوران شهواته ولذاته وهنات نفسه وهواه المضل، وطبعه المجبول على التثبط والتوقف عن السير في الطريق قال الله : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقال الحكيم: من طلب وجدَّ وَجَدَ. فبالاعتقاد يحصل له علم الحقيقة، وبالاجتهاد يتفق له سلوك الطريقة. ثم يجب عليه أن يخلص مع الله عهدًا بأن لا يرفع قدمًا في طريقه إليه، ولا يضعها إلا بالله ما لم يصل إلى الله، فلا ينصرف عن قصده بملامة مليم لأن الصادق لا يرجع، ولا يوجد كرامة فلا يقف معها ويرضى بها عن الله عوضًا، إذ هي حجابه عن ربه ما لم يصل إليه ، فإذا حصل الوصول لا تضره الكرامات، إذ هي من باب القدرة وثمراتها وعلاماتها، ووصوله إلى الحق من القدرة، فلا ينقض الشيء نفسه، وكيف وقد يصير هو حينئذ قدوة في الأرض وخرق عادة، وكلامه حكمة بالغة من بعد جهل وعجمة وبلادة وقصور، وحركاته وسكناته وتصاريفه عبرة لمن اعتبرها، وأفعال الله تجري فيه وعليه مما يبهر العقول، ثم قد يؤمر حسنئذ بطلب الكرامة ويجبر عليه، وتحقق عنده أن دماره وهلاكه في ترك الطلب

стр. 608

ومخالفة هذا الأمر، وثباته وبقاءه وعبادته وقربته ومرضاة ربه ودنوه منه وزيادة محبة ربه له في طلبها وامتثال أمره فيها، فكيف تضره الكرامة حينئذ غير أن يكون ذلك بينه وبين ربه ولا يظهره لأحد من العوام إلا أن يغلب ليه ظهوره، لأن من شرط الولاية كتمان الكرامات، ومن شروط النبوة والرسالة إظهار المعجزات، ليقع بذلك الفرق بين النبوة والولاية. ولا ينبغي أن يعرج في أوطان التقصير، ولا يخالط المقصرين والبطالين أبناء قيل وقال، أعداء الأعمال والتكاليف، المدعين للإسلام والإيمان، الذين قال الله في حقهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢ - ٣] وقال في أختها: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ [البقرة:٤٤]. وينبغي له ألا يظن ببذل الميسور، ولا يبخل بالموجود خوفًا ألا ينال مثله للإفطار والسحور، ويقطع في نفسه وبقلبه علمًا بأن الله لم يخلق وليًا له في سالف الدهور بخيلاً ببذل الميسور. وينبغي له أن يرضى بالذل الدائم وحرمان النصيب، والجوع الدائم والخمول، وذم الناس له، وتقديم أضرابه وأشكاله وأقرانه عليه في الإكرام والعطاء، والتقريب عند الشيوخ ومجالس العلماء، فيجوع هو والجماعة يشبعون، والكل أعزاء، ونصيبه الذل، ومن لم يرض بهذا ويوطن نفسه عليه فلا يكاد أن يفلح ويجيء منه شيء، فالنجاح الكلي والفلاح فيما ذكرنا. وينبغي له ألا ينتظر من الله مطلوبًا سوى المغرفة لما سلف من الذنوب، والعصمة فيما يأتي من الدهور، والتوفيق لما يحبه من الطاعات، ويوصله إليه من القربات، والرضا عنه في الحركات والسكنات والتحبب إلى الشيوخ من الأولياء والأبدال إذ ذاك سبب لدخول في مرة الأحباب ذوي العقول والألباب، الذي عقلوا من رب الأرباب، واطلعوا على العبر والآيات، فصفت حينئذ القلوب والضمائر والنيات، فهذا الذي ذكرته صفة المريد، وما لم يتجرد قلبه عن جميع الطلبات والمآرب، وينتفي عن غيرها ما ذكرنا من الحوائج والمطالب، لا يكون مريدًا على نعت الاستحقاق. * * *

стр. 609

(فصل) وأما آدابه مع الشيخ: فالواجب عليه ترك مخالفة شيخه في صحبته في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن، فصاحب العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الاعتراض بسره متعرض لعطبه، بل يكون خصمًا على نفسه لشيخه أبدًا، يكف نفسه ويزجرها عن مخالفته ظاهرًا وباطنًا، ويكثر قراءة قوله : ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]. وإذا ظهر له من الشيخ ما يكره في الشرع استخير عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا ينفر به عليه، وإن رأى فيه عيبًا من العيوب ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع، فإن لم يجد له عذرًا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية، ولا يعتقد فيه العصمة، ولا يخبر أحدًا به، وإذا رجع إليه يومًا آخر أو ساعة أخرى يعتقد أن ذلك قد زال، وأن الشيخ قد نقل إلى ما هو أعلى رتبة ولم يقر عليه، وإنما كان ذلك غفلة وحدثًا وفضلاً بين الحالين، لأن لكل حالين فصلاً ورجوعًا إلى رخص الشرع وإباحته وترك العزيمة والأشد، كالدهليز بين الدارين، والمنزلة بين المنزلتين، انتهاء للحالة الأولى، وقيامًا على عتبة الحالة الثانية، وانتقالاً من ولاية إلى أخرى، وخلع خلعه ولاية، ولبس خلعة ولاية أخرى، التي هي الأعلى والأشرف لأنهم كل يوم في مزيد قرب من الله . وإذا غضب الشيخ وعبس في وجهه أو ظهر منه نوع إعراض عنه لم ينقطع عنه، بل يفتش باطنه وما يجري منه من سوء الأدب في حق الشيخ أو التفريط فيما يعود إلى أمر الله ، من ترك امتثال الأمر وارتكاب النهي، فليستغفر ربه وليبت إليه، ويعزم على ترك المعاودة إليه، ثم يعتذر إلى الشيخ ويتذلل له ويتملقه، ويتحبب إليه بترك المخالفة له في المستقبل، ويداوم على المرافقة له، ويواظب عليها، فيجعله وسيلة وواسطة وبين وبين ربه ، وطريقًا وسببًا يتوصل به إليه، كمن يريد الدخول على ملك ولا معرفة له به، فإنه لابد له من أن يصادف حاجبًا من حجابه، أو واحدًا من حواشيه وخواصه، ليبصره بسياسة الملك ودأبه وعادته، ويتعلم الأدب بين يديه والمخاطبة له، وما يصلح له من الهدايا والطرائف مما ليس مثلها في خزانته، ومما يؤثر الاستكثار، فليأت البيت من بابه ولا يتسلق من ورائه من غير بابه، فيلام ويهان،

стр. 610

ولا يبغ الغرض من الملك ولا المقصود منه، ولكل داخل دهشة لابد له من مذكر ومنه، ومن يأخذ بيده فيقعده موضع مثله، أو يشير إليه بذلك لئلا تتطرق إليه المهانة، ولا يشار إليه بسوء الأدب والحماقة، وليتحقق بأن الله أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. ألا ترى إلى آدم ﵇ لما خلقه الله تعالى علمه الأسماء كلها، وافتتح الأمر به، فجعله كالتلميذ مع الأستاذ، والمريد مع الشيخ، وقال له: يا آدم هذا فرس وهذا بغل وهذا حمار، حتى علمه قصعة وقصيعة، ثم لما فرغ من تعليمه وتهذيبه جعله أستاذًا معلمًا شيخًا حكيمًا، وكساه بأنواع الحلل والحلى، وتوجه منطقة وأجلسه على كرسي في اللجنة، وأقام الملائكة حوله صفوفًا فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ [البقرة: ٣٣] بعد أن ظهر عجزهم وعدم علمهم بذلك، وقولهم: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة:٣٢] فصارت الملائكة تلاميذ لآدم وآدم شيخهم، فأنبأهم بأسماء الأشياء كلها على ما شهد به القرآن، فظهر فضله ﵇ عليهم، فصار أفضلهم وأعلمهم وأشرفهم عند الله وعندهم، فصار متبوعهم وهم تابعون مقتدون صلوات الله عليهم. فلما جرى ما جرى من أكل الشجرة والخروج من الجنة، والانتقال إلى حالة أخرى ومنزل غيره، لم يعط علمه ولم يستوطنه بعد، ولا جرى ذلك في خلده، ولا ظن أنه سيسار به إليه، فلما وصل إلى المنزل وجال في الأرض، استوحش منها ورأى فيها ما لم يكن رآه من قبل، فألقى عليه الجوع والعطش والحرقة والقبض ما لم يعهده من قبل، احتاج إلى معلم ومرشد وأستاذ ودليل ومؤدب ومنبه، فبعث الله تعالى جبريل ﵇ فآنسه، وعرفه ما أشكل عليه من أمر المنزل، وأعطاه الحنطة فأمره فبذرها ثم أمره فحصدها، ثم أمره فذراها، فطحنها وهيأ له أسبابها، ثم أمره بالخبز فخبز، ثم أمره بالأكل فأكل، ثم لما طلب الطعام الخروج من المعدة تحير ولم يعلم بالصنع احتاج إلى معلم أيضًا، فعلمه كيف يتغوط وكيف يتطهر، وكيف يعبد الله تعالى في المنزل، وعلمه كيف يتوصل إلى بياض جسده الذي قد حال لونه من البياض والإشراق إلى السواد والظلمة، فأمره بصيام أيام البيض من الشهر ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر، فعاد لونه إلى البياض، وعلمه غير ذلك من العلوم والآداب، فصار آدم ﵇ تلميذًا لجبريل، وجبريل ﵇ أستاذه وشيخه، بعد أن كان آدم شيخه والملائكة أجمع ومتبوعهم، وأعلمهم كل ذلك لتغير الحال به، والانتقال من منزل إلى آخر، ثم هلم

стр. 611

جرًا، تعلم شيث بن آدم من أبيه آدم، ثم أولاده منه، وكذلك نوح النبي ﵇ علم أولاده، وإبراهيم ﵇ علم أولاده، قال الله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٢] أي أمرهم وعلمهم، وكذلك موسى وهارون ﵉ علما أولادهما وبني إسرائيل، وعيسى ﵇ علم الحواريين، ثم إن جبريل ﵇ علم نبينا ﷺ الوضوء والصلاة ووصاه بالسواك وهو قوله ﷺ : "وصاني جبريل بالسواك حتى كاد أن يفرضه، وصلى بي جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حتى زالت الشمس .... " الحديث إلى آخره وقد تقدم ذكره ثم تعلمت الصحابة ﵃ منه ﷺ ثم التابعون منهم، ثم تابعو التابعين منهم قرنًا بعد قرن وعصرًا بعد عصر، فما من نبي إلا وله صاحب يهتدي بهداه ويقفو أثره وينتحل مذهبه ويهدى هديه، ثم يخلفه مكانه ويقوم مقامه، كموسى بن عمران وغلامه وابن أخته يوشع بن نون ﵈، والحواريون مع عيسى ﵇، وأبي بكر وعمر ﵄ مع النبي ﷺ ، وكذلك عثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃، وما زالت الأولياء والصديقون والأبدال كذلك من بين أستاذ وتلميذ كالحسن البصري وتلميذه عتبه الغلام وسرى السقطي وغلامه وابن أخته أبي القاسم الجنيد وغيرهم مما يطول شرحه. فالمشايخ هم الطريق إلى الله والأدلاء عليه والباب الذي يدخل منه عليه، فلابد لكل مريد لله من شيخ على ما بينا، إلا على النذور والشذوذ، فيجوز أن يصطفى الله عبدًا من عباده، فيتولى تربيته وحراسته عن الشيطان وهنات النفس والهوى، كإبراهيم النبي ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وأويس القرني من الأولياء وغيرهم ﵏ فلا ينكر، إلا أنا بينا ما هو الأغلب والأكثر والأسلم والأحسن. فلا ينبغي له أن ينقطع عن الشيخ حتى يستغنى عنه بالوصول إلى ربه ، فيتولى ﵎ تربيته وتهذيبه، ويوقفه على معاني أشياء خفيت على الشيخ، ويستعمله مما يشاء من الأعمال ويأمره وينهاه ويبسطه ويقبضه ويغنيه ويفقره ويلقنه ويطلعه على أقسامه وما سيؤول أمره إليه، فيستغنى بربه عن غيره، بل لا يتفرغ لغيره

стр. 612

ولا يسعه مراعاة الأدب لغيره، ومحافظة خدمته وحرمته وتوقيره، فحينئذ يقطع عن الشيخ قطعًا وربما حرم عليه المرور إلى الشيخ، إلا عن أمر صريح وخبر بين، إلا ما يتفق مجيء الشيخ إليه، أو الملاقاة له في طريق أو جامع قدرًا لا قصدًا، كل ذلك حفظًا للحال، واستغناء بالرب وغيره على الحال وملازمة لها وخيفة من الزلة والمفارقة لها والعقوبة بذلك، وذلك أن الحكم يجمع المريد والشيخ ويسعهما والأحوال تفرق بينهما لأنها قدر والقدر غيب، فهي فعل الرب ، والله تعالى في كل يوم هو في شأن في تقديم وتأخير، وتبديل وتغيير، وولاية وعزل، وإغناء وإفقار، وإعزاز وإذلال، يسوق المقادير إلى المواقيت، لا يدرك ذلك ولا ينضبط لأحد من الخلق، ليل مظلم وبحر لجي، وبر شاسع لا يحيط بشيء من ذلك إلا الله ، ومن يطلعه الله تعالى عليه من رسله وأنبيائه وخواص أوليائه، فالاثنان من الأولياء لا يتفقان في طريق بعد دخولهم في الحالات التي هي القدر والفعل. فما يصنع المريد بالشيخ وطريقهما مختلفة، فالشيخ يسير به إلى جهة، والمريد إلى أخرى، فقد خولف بين ظهورهما ووجوههما، فأنى لهما والصحبة والاجتماع والاتباع يبعد ذلك جدًا، فإن اتفق فهو نادر شاذ لا التفاف إليه ولا معول عليه، إذ الأغلب ما قد انكشف وظهر وبان، فصلوات الله على الشيخ، وعلى المريد الصادق الذي إذا بلغ به إلى حالة استغنى فيها بربه ﵎ عن الشيخ. ومن آداب المريد: ألا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئًا من مناقب نفسه بين يديه. ولا ينبغي له أن يبسط سجادته بين يدي الشيخ إلا في وقت أداء الصلاة، فإذا فرغ من صلاته طوى سجادته في الحال، ويكون متهيئًا لخدمة شيخه ومن هو قاعد على بساطه، مبسوطًا مستوطنًا مستريحًا، لا كلفة عليه لغيره، وهذه حالة الشيوخ لا حالة المريدين. ويجتهد في اجتناب بسط سجادته وفوق سجادته من هو فوقه في الرتبة، وإدناء سجادته من سجادته إلا بأمره، فإن ذلك عندهم سوء أدب. وينبغي للمريد إذا جرت مسألة بين يدي الشيخ أن يسكت، وإن كان عنده فضل

стр. 613

وإشباع جواب فيها، بل يغتنم ما يفتح الله على لسان شيخه فيقبله ويعمل به، وإن رأى في جوابه نقصانًا وقصورًا فلا يرد عليه، بل يشكر الله تعالى على ما خصه من فضل وعلم ونور، ويخفى جميع ذلك في نفسه، ولا يكثر حديثه فيقول أخطأ الشيخ في المسألة، ولا يناقض كلامه إلا أن يغلب عليه ذلك، فيبتدر منه الكلمة فليتداركه بالسكوت والتوبة، والعزم على ترك المعاودة على ما قدمنا ذكره في أثناء الكتاب، من فعله في توبته عن معاصي الله ، فالخير كله في حق المريد في سكوته فيما هذا سبيله. وينبغي للمريد ألا يتحرك في حال السماع بين يدي الشيخ إلا بإشارة منه عليه، ولا يرى من نفسه البتة حالاً إلا أن ترد غلبة تأخذه عن التمييز والاختيار، فإذا سكنت فورته فليعد إلى حال سكونه وأدبه ووقاره وكتمان ما أولاه الله من سره، وقد ذكرنا هذا وإن كنا لا نرى بالسماع والقول والقصب والرقص، وقد قدمنا كراهته فيما تقدم، إلا أنا قد ذكرنا ذلك على ما قد لهج به أهل زماننا في أربطتهم ومجامعهم، ولا ينكر أن يكون فيمن يفعل ذلك صادق، فيكون معنى ما قد سمع مهيجًا لنائرة صدقه ومثيرًا لها، فيشتغل بنائرته ويغيب فيها، فتتحرك أعضاؤه وجوارحه بين القوم وهو في معزل عما القول فيه من لذة الطباع والأهوية، وتذكار كل واحد قرب معشوقه ممن قد مات وطال به عهده، ومن هو حي غائب عنه فاشتد شوقه. والمريد الصادق نائرته غير خامدة، وشعلته غير هامدة، ومحبوبه غير غائب، وأنيسه غير مستوحش، فهو أبدًا في زيادة دنو وقرب، ولذة ونعيم، فلا يغيره ويهيجه عن حالته غير كلام مراده، وحديثه الذي هو ربه . ففي ذلك عنده مندوحة عن الأشعار والقيانة والأصوات وصراخ المدعين شركاء الشياطين، ركاب الأهوية مطايا النفوس والطباع، أتباع كل ناعق وزاعق. وينبغي للمريد أن لا يعارض أحدًا في حال سماعه، ولا يزاحم أحدًا في وقته في التقاضي على الذي ينشد الزهديات المرققات المشوقات إلى الجنان والحور، ورؤية الحق تعالى في الآخرة، المزهدات في الدنيا ولذاتها وشهواتها وأبنائها ونسوانها، المشجعات على الصبر على آفاتها ومحنها وبلائها، وأدبارها على أبناء الآخرة، وإقبالها على أبنائها وغير ذلك، فليكل جميع ذلك إلى الشيخ الحاضر، فإن القوم في ولاية الشيخ، اللهم

стр. 614

إلا أن يكون المستمع حينئذ من المحققين الصادقين، فيحفظ الأدب في الظاهر، ويسكن عن تكلفه في الباطن، فلا شك أن الله يقيض من يتقاضى عنه، أو يلهم القائل بذلك التكرار والترداد، ليقضى الصادق المستمع نهمته ووطره من ذلك. (فصل آخر: في أدبه مع شيخه): وينبغي له إذا أراد أن يتأدب بشيخ أن يكون له إيمان وتصديق واعتقاد أن ليس في تلك الديار أولى منه، حتى ينتفع به فيما هو مرامه، وأن يقبله الله ويحفظ سره في خدمته مع الله تعالى فإن صدق فيما بينه وبين الله تعالى في عقد إرادته، بحفظه حتى لا يجرى على لسان شيخه إلا ما هو الأولى بشأنه، ويحذر مخالفته جدًا، لأن مخالفة الشيوخ سم قاتل فيها مضرة عامة، فلا يخالفه بتصريح ولا بتأويل، ويجتهد ألا يكتم من شيخه شيئًا من أحواله وأسراره، ولا يطلع أحدًا سواه على ما يأمره شيخه. ولا ينبغي له أن يحتج إلى طلب الرخصة أو يرجع إلى شيء تركه لله ، فإنه من الكبائر وفسخ الإرادة عند أهل الطريقة. وقد جاء في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود فيه". وعليه الانقياد لالتزام ما يأمر به شيخه من التأديب على مقتضى سوء أدبه، فإن وقع منه تقصير في القيام بما أشار إليه شيخه، فالواجب عليه تعريف ذلك لشيخه ليرى فيه رأيه، ويدعو له بالتوفيق والتيسير والفلاح. * * * (فصل) وأما الذي يجب على الشيخ في تأديب المريد: فهو أن يقبله لله لا لنفسه فيعاشره بحكم النصيحة، ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق عند عجزه عن احتمال الرياضة فيربيه تربية الوالدة لولدها، والوالد الشفيق الحكيم اللبيب لولده وغلامه، فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، ثم بالأشد فيأمره أولاً بترك متابعة الطبع في جميع أموره، واتباع رخص الشرع حتى يخرج

стр. 615

بذلك عن قيد الطبع وحكمه، ويحصل في قيد الشرع ورقه، ثم ينقله من الرخص إلى العزيمة شيئًا بعد شيء، فيمحو خصلة من الرخص، ويثبت مكانها خصلة من العزيمة، فإن وجد في ابتداء أمره فيه صدق المجاهدة والعزيمة وتفرس فيه ذلك بنور الله ومكاشفته، وعلم من قبل الله على ما قد مضت سنة الله في عباده المؤمنين من الأولياء والأحباب الأمناء العلماء به، فحينئذ لا يسامحه في شيء من ذلك، بل يأخذه بالأشد من الرياضيات التي يعلم أنه لا تتقاصر قوة إرادته عنها، إذ ثبت عنده أنه مخلوق لذلك وجدير به، وهو من شأنه فلا يخونه في التهوين عليه. ولا ينبغي له أن يرتفق من المريد بحال لا بالانتفاع بماله ولا بخدمته، ولا يأمل من الله عوضًا في تأديبه، ولا شيئًا، بل يؤدبه ويربيه موافقة لله أداء لأمره وقبولاً لهديته وطرفته، فإن المريد الذي جاء من غير تخيير من الشيخ ولا استجلاب، بل قدر محض بإرشاد الله تعالى له وهدايته وإنقاذه إليه، فإنه هدية من الله، فعليه قبوله والإحسان إليه بحسن تأديبه وتربيته، فلا يرتفق به ولا بماله إلا بأمر من الله تعالى، وخير في استعماله وقبول ما يأتي به من ماله الذي قد جعل الله تعالى صلاح المريد ونجاته به، وقسم للشيخ فيه، فحينئذ لا سبيل إلى الإعراض عنه ورده. ويحذر جدًا أن يختار من المريد من يقع له، بل ينتظر في ذلك فعل الله وقدره، فمن جاء الله تعالى به من غير تكلف منه وتخيير قبله ورباه، فحينئذ يوفق في تربيته ويسرع فلاح المريد ونجحه، فليحذر أن يكون هو فيه فيعدم التوفيق والحفظ في حق المريد. وعليه أن يربيه بهمته وينوب عنه في سره إذا وجد منه خللاً أو فترة. وعليه أن يحفظ سر المريدين فلا يطلع غير على ما يحصل له من الإشراف على أحواله، إما بطريق علم لدني من مواهب الله ، أو بإفشاء المريد له، واستكتامه إياه، فلا ينبغي له أن يفشيه لغيره، لأنه أمانة عنده وقد قيل: صدور الأحرار قبول الأسرار، فينبغي له أن يكون مستراحًا للمريدين، وخزانة لهم وحرزًا لأسرارهم، وملجأ لهم وكهفًا ومشجعًا ومقويًا ومعينًا لهم، ومثبتًا لهم في الطريق، ولا ينفرهم عن الطريق ومصاحبتهم والقصد إلى الله . وإذا رأى شيئًا مما يكره في الشرع من المريد وعظه في السر وأدبه، ونهاه عن المعاودة

стр. 616

إلى ذلك إن كان ذلك في الأصول أو الفروع أو ادعاء حالة ليست له أو إعجاب بعمله ورؤيته، فيصونه عن محل الإعجاب، ويصغر في عينه أحواله وأعماله، لئلا يهلك، فإن العجب يسقط العبد من عين الله ، وإن أراد أن يعم الجماعة بالنصح فليجمهم وليتكلم عليهم فيقول: بلغني أن فيكم من يدعى كذا ويقول كذا ويرتكب كذا، ويذكر ما يتعلق بذلك من المفاسد والمصالح، ويذكرهم ويحذرهم، ولا يعين أحدًا منهم على ذلك لما في ذلك من التنفير، فإن أخشن الخلق والقول معه، وأفشى أسرارهم واغتابهم وثلبهم وذكر مساويهم، نفرت قلوبهم عن قصده ومصاحبته، وصار ذلك تهمة عندهم في أهل الطريقة، وفيما قد غرس في قلوبهم من حب أولياء الله تعالى، فليحذر من ذلك جدًا، فإن غلب هذا عليه ولا يمكنه تداركه فليعزل نفسه عن هذه النصبة والولاية، ولينفرد عن المريدين، ويشتغل بمجاهدة نفسه ورياضتها، وطلب شيخ يؤدبه ويقومه ويهذبه، فلا يصلح أن يكون شيخًا مع هذه الدواهي، فلا يقطع على المريدين طريقتهم إلى الله . * * *

стр. 617

باب في صحبة الإخوان والصحبة مع الأجانب وكيف الصحبة مع الأغنياء والفقراء أما الصحبة مع الإخوان: فبالإيثار والفتوة والصفح عنهم والقيام معهم بشرط الخدمة، لا يرى لنفسه على أحد حقًا، ولا يطالب أحدًا بحق، ويرى لكل أحد عليه حقًا، ولا يقصر في القيام بحقهم. ومن الصحبة معهم إظهار الموافقة لهم في جميع ما يقولون أو يفعلون، ويكون أبدًا معهم على نفسه ويتأول لهم ويعتذر عنهم، ويترك مخالفتهم ومنافرتهم ومجادلتهم ومماراتهم ومشاددتهم، ويتعامى عن عيوبهم، فإن خالفه أحد منهم في شيء سلم له ما يقول في الظاهر، وإن كان الأمر عنده بخلاف ما يقوله. وينبغي أن يحفظ أبدًا قلوب الإخوان، ويجتنب فعل ما يكرهونه وإ، علم فيه صلاحهم، فلا ينطوى لأحد منهم على حقد وإن خامر قلب واحد منهم كراهة له تخلق معه بشيء حتى يزول ذلك، فإن لم يزل زاد في الإحسان والتخلق حتى يزول، وإن وجد هو في قلبه من أحد منهم استيحاشًا وأذية بغيبة أو غيرها فلا يظهر ذلك من نفسه ويرى من نفسه خلاف ذلك له. * * * (فصل) وأما الصحبة مع الأجانب: فيحفظ السر عنهم، وينظر إليهم بعين الشفقة والرحمة، وأن يسلم أحوالهم إليهم، ويستر عليهم أحكام الطريقة، ويصبر على سوء أخلاقهم وترك معاشرتهم ما أمكنه، وألا يعتقد لنفسه عليهم فضيلة ويقول: إنهم من أهل السلامة فيتجاوز الله عنهم، ويقول لنفسه: أنت من أهل المضايقة، فتطالبين بالنقير والقطمير والحقير والكبير، وتحاسبين على الكبير والصغير، وأن الله تعالى يتجاوز للجاهل مالا يتجاوز بمثله من العالم، والعوام لا يبالى بهم والخواص على الخطر. * * *

стр. 618

(فصل) وأما الصحبة مع الأغنياء: فالتعزز عليهم، وترك الطمع فيهم، وقطع الأمل مما في أيديهم، وإخراج جميعهم من قلبك، وحفظ دينك من التضعضع لهم لنوالهم، كما جاء في الحديث وهو قوله ﷺ : "من تضعضع لعنى لأجل ما في يديه ذهب ثلثا دينه" فتعوذ بالله من فعل ينقص به الدين، وصحبة أقوام ينثلهم بهم الدين، وتنقطع عراه، ويطفئ نور الإيمان شعاع أموالهم وبريق دنياهم كما جاء في الحديث. غير أنك إذا ابتليت بصحبتهم في سير أو سفر أو مسجد أو رباط أو مجمع فحسن الخلق أولى ما يستعمل، وهو حكم عام شامل في صحبة الأغنياء والفقراء فلا ينبغي لك أن تعتقد لنفسك فضيلة عليهم، بل تعتقد أن جميع الخلق خير منك لتتخلص من الكبر، ولا تطلب لنفسك فضيلة الفقر ولا تعتقد لها خطرًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ترى لها قدرًا ولا وزنًا كما قيل: من جعل لنفسه قدرًا فلا قدر له ومن جعل له وزنًا فلا وزن له، فأدب الغني بالإحسان إلى الفقير، وهو إخراج المال من كيسه إليه، ويكون فراغًا من ماله مستخلفًا فيه غير متملك له. وأدب الفقير إخراج الغني من قلبه، ويكون قلبه فارغًا من الغني وماله، بل من الدنيا والآخرة أجمع، ولا يجعل لشيء من الأشياء في قلبه موطنًا ومحلاً ومدخلاً، بل يتصفى من ذلك كله ويخلو منه، ثم يترقب امتلاءه بربه ، فلا يكون لغيره وجود ولا له حول ولا قوة، فيأتيه عند ذلك فضل الله فحينئذ يحصل الغني به من غير تعب ولا هم. * * * (فصل) وأما الصحبة مع الفقراء: فبإيثارهم وتقديمهم على نفسك في المأكول والمشروب والملبوس والمذوذ والمجالس وكل شيء نفيس، وترى نفسك دونهم، ولا ترى لها عليهم فضلاً في شيء من الأشياء البتة. عن أبي سعيد بن أحمد بن عيسى قال: صحبت الفقراء ثلاثين سنة ولم يجر بيني وبينهم كلام قط تأذوا به، ولا جرى بيني وبينهم منافرة استوحشوا منها، قيل له: كيف

стр. 619

ذلك؟ قال: لأني كنت معهم على نفس أبدًا، وإذا دخلت عليهم أدخلت عليهم سرورًا ورفقًا، واستعملت معهم خلقًا هدية وأدبًا وسببًا من الأسباب، فلا ترى بذلك لك عليهم فضلاً، بل تتقلد منهم منة في قبولهم ذلك منك. واحذر أن تمن عليهم بذلك أو تراه منك بل اشكر الله على ما أولاك من توفيقه على تيسير ذلك، جعله لك أهلاً لخدمة أهله وخاصته وأحبابه، فإن الفقراء الصالحين هم أهل الله وخاصته كما قال النبي ﷺ : "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" فأهل القرآن من يعمل بالقرآن، وأما من يقرأ بلا عمل فليس من أهله، قال النبي ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". فالمنة لمن يقبل منك العطية لا لك. * * * (فصل) ومن آداب الصحبة مع الفقراء: ألا تحوجهم إلى مسألتك، وإن اتفق فاستقرض الفقير منك شيئًا فتقرضه في الظاهر، ثم تبرئه منه في الباطن، وتخبره عن قريب بذلك، ولا تبدأه بالعطاء على وجه الصلة لئلا يتحشم بحمل المنة منك بذلك. ومن الأدب معهم: مراعاة قلبه بتعجيل مراده دون تنغيص الوقت عليه بطول الانتظار، لأن الفقير ابن وقته كما ورد: ابن آدم ابن يومه وليس له وقت لانتظار المستقبل. ومن الأدب معهم: أنك إذا علمت أنه ذو عيال وصبيان فلا تفرده بالإرفاق فحسب، بل تتخلق معه بقدر ما يتسع له ولمن يشتغل به قلبه. ومن الأدب معهم: الصبر على ما يذكر الفقير من حاله، وأن تتلقاه في حال ما يخاطبك بوجه طلق مستبشر، ولا تلقاه بالعبوس ولا بالنظر الشزر ولا بالكلام النزر، وإذا طالبك بما لا يحضر في الوقت فاصرفه بالوجه الجميل إلى عند مساعدة الإمكان، ولا توحشه بيأس الرد على الجزم لئلا يعود بحشمة الإخفاق وعدم الإصابة بحاجته عندك، والندم على إفشاء سره إليك حسيرًا، وربما يغلب عليه طبعه، وتستولي عليه

стр. 620

نفسه، فيظهر عليه الجهل بحاله والسخط عليك والاعتراض على الرب فيما قسم له من الفاقة إلى الخلق والتبذل عنهم، فيعمى قلبه وينطفئ نور إيمانه، فكنت أنت مؤاخذًا بذلك كله، إذا كنت سببًا لثوران ذلك من قلبه، بتركك الأدب في رده، وربما حجب أيضًا عن الصواب، والمعارف والعلوم والمصالح المدفونة في سؤاله للخلق، التي لو صبر وأحسن الأدب ظهرت وارتحل السؤال للخلق وحصل غنى اليد والقلب والبيت، وجاءته عساكر فضل الله وآلائه ونعمائه ودللته يد الرأفة والرحمة والراحة والرعاية، وتحقق فيه قوله : ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] وجعل مصانًا مغارًا عليه، وله غنى عن الأشياء بخالقها وتأتيه الأشياء وهو لا يأتيها، يقصده القاصدون فينالون من أنواره وسره، ويطيبون بطيبه وهو لا يشعر بهم في غيب عنهم، مشغول بمولاه وجاذبه الذي جذبه إليه، وأنقذه من ظلمات مخالطة الخلق، وموافقة النفس ومتابعة الهوى، والتقيد بإرادة الأشياء دنيا وأخرى ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥] أهل الجنة لما باعوا في الدنيا أنفسهم وأموالهم لربهم بالجنة، كما قال جل وعلا: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة:١١١] وصبروا على الإفلاس في الدنيا وردوا التصرف في الأنفس والأموال والأولاد إلى ربهم ، وسلموا الكل إليه ﷻ سوى الأوامر والنواهي، وامتثلوا الأوامر وانتهوا عن النواهي وسلموا في المقدور، وتحرزوا من الخليقة، وتجوهروا عن الإرادات والأماني، والهمم في الجملة أدخلهم الجنة فشغلهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال جل وعلا: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ فهكذا الفقير إذا فعل ذلك في الدنيا وتحقق بظاهر القرآن حصول الجنة له، باع حينئذ الجنة بربه ، وطلب الجار قبل الدار كما قالت رابعة رحمها الله: الجار قبل الدار، وكما قال : ﴿يريدون وجهه﴾ [الأنعام: ٥٢، والكهف: ٢٨] وكما قال الله في بعض كتبه السالفة: أود الأوداء إلى عبد عبدني بغير نوال ليعطي الربوبية حقها، وقول على ﵁: لو لم يخلق الله الجنة والنار ما كان أهلاً أن يعبد، قال : ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ [المدثر: ٥٦] فإذا اتصف الفقير بهذه الصفة، وتحقق إفلاسه عن سوى مولاه، وتنظف قلبه عن التعلق بالأشياء وفنى عنها، وصار مريدًا حقًا، وغاب عما سوى ربه ، كان حقيقًا على كرم الله أن يتولاه ويدلله وينعمه في الدنيا إلى حين اللقاء، ثم يزيده على ذلك، ويجدد

стр. 621

عليه الخلع والأنوار والنعيم والحياة الطيبة، والقرب على ما أعد وأخبر لأوليائه وأحبابه، بقوله : ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١١]. وقول النبي ﷺ : "يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، اقرأوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. فإن رددت الفقير اليد الغني القلب المتمثل لأمر مولاه في إخباره لك عن حاله لأجل عياله أو نفسه طائعًا لربه في ذلك خائفًا له، أن لو ترك سؤالك إذ كلفه الله ذلك وابتلاه به، قال الله : ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ [الفرقان: ٢٠] وهي حالة له لا تدوم، بل تنقضي عن قريب وينقل إلى ما قسم له من الغنى والعز الدائم بقرب مولاه وإعطائه، عاقبك الله يا غني اليد فقير القلب، الجاهل بنفسه وبربه، ومنشئه ومنتهاه، بأن يسلب الغنى عن يدك، فتصير فقير اليد كما كنت فقير القلب، فتكون أبدًا فقيرًا إلى الأشياء، فلا تشبع منها حريصًا عليها، طالبًا لها معذبًا في إرادتها وتحصيلها، وهي غير مقسومة لك، كما قيل: إن من أشد العقوبات طلب ما لا يقسم إلا أن يتغمدك الله برحمته، فينبهك لذنبك فتستغفره، وتتوب إليه من ذلك وتعترف بتفريطك ويتوب عليك ويغفر لك، فذلك إليه وهو أرحم الراحمين غفور رحيم. * * * (فصل: في آداب الفقير في فقره) فينبغي للفقير أن تكون شفقته على فقره كشفقة الغني على غناه، فكما أن الغني يفعل كل شيء ويجتهد حتى لا يزول غناه، فكذلك ينبغي للفقير أن يفعل مثل ذلك حتى لا يزول فقره، فيسأل الله زوال غناه إلى فقره، أو يتعرض بالمعايش والاكتساب والأسباب للاستغناء، والتكثر بالدنيا للعيال، وعفة النفس عند الضيقة. ومن شرط الفقير أن يقف مع كفايته، ولا يأخذ فوقها بحال، ويكون أخذه لذلك القدر امتثالاً لأمر الله تعالى، وخوفًا من الوقوع في إثم قتل النفس، قال الله : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ [النساء: ٢٩] لأن منعه لنفسه حقها حرام،

стр. 622

وهو القوت من الطعام والشراب والكسوة والقدر الذي تقوم به البنية، ولا يضعف عن أداء الأوامر من الاتيان بشرائط الصلاة وأركانها وواجباتها عليه، ويترك ما هو حظها، فإن كانت قسمته إليه من غير أن يكون هو فيه بفعل الله ، فلا يتعرض للحظ أبدًا إلا أن يكون مريضًا فيوصف له شيء من الحظوظ، فيتناوله على وجه التداوي، فيصير الحظ حينئذ حقًا في حال مرضه، كالقوت في حال صحته. وينبغي أن يكون استلذاذه بفقره أكثر من استلذاذ الغني بوجود غناه. وينبغي له أن يؤثر ذله وخموله وعدم قبول الناس له وقصدهم إليه وازدحامهم لديه. ومن شرطه أن يكون قلبه أقوى بصفاء الحال عند خلو يده من المال، فكلما قل الفتوح كثر طيب قلبه وقوته ونوره، وازداد فرحه بشعار الصالحين، وأما إذا أظلم ذلك قلبه وأوحشه وأسخطه على ربه، فليعلم أنه مفتون قد أحدث في فقره ذنبًا عظيمًا، فليتب إلى الله ويستغفره، ويخلد إلى التفتيش والتنقير ولوم النفس، ومن حق الفقير أن يكون كلما كثر عياله كان قلبه في باب أمر الرزق أسكن وبربه أوثق، يتمثل أمر ربه في الكسب لهم في الظاهر، ويسكن إلى وعد ربه في الباطن، ويقطع بأن لهم رزقًا عند الله قد وعد به وقدره، وهو سائقه إليهم على يده أو يد غيره، فليتنح من الوسط ولا يكون فضوليًا، فيدخل بين الخلق وخالقهم، بل يمتثل الأمر فيهم، ولا يعترض ولا يسخط ولا يتهم الرب، ولا يشك في وعده، ولا يشكو إلى أحد، بل يكون شكواه إلى ربه وإنزال حاجته به ، وكلامه وسؤاله له في توفيقه بالصبر وأداء الأمر في حقهم، والرضا بما قضى عليهم بإضافتهم، وإلزامه له مؤنتهم، ويسأله تسهيل رزقهم وتيسيره، فهو قريب مجيب، إنما يبتلى عبده ليرده بالبلية إليه ، لأنه يحب الملحين له بالسؤال، لأن بالسؤال يتميز الرب من المربوب والسيد من العبد والغنى من الفقير، ويخرج العبد من الكبر والاستنكاف والتعظيم والنخوة إلى التواضع والذلة والافتقار، فإن تحقق ذلك من العبد تحققت الإجابة سريعًا عاجلاً مع ما يدخر له من الثواب في العقبى. ومن آدابه: ألا يكون له هم الوقت المستقبل، بل يكون بحكم وقته لا يتطلع للوقت الثاني، بل يحفظ الحال وحددها وشرائطها وآدابها مطرقًا غاضًا عما سواها، لا أعلى منها ولا دونها، ولا يشده إلى حال غيره، ربما كان هلاكه فيها وهي لأهلها سلامة

стр. 623

ونعمة، كالأغذية فمن الأغذية ما يزيد الشخص عافية ولآخر سقمًا وبلاء، فلا ينبغي للمريض أن يتناول شيئًا منها إلا بأمر الطبيب، فكذلك ينبغي للفقير ألا يختار حالة لنفسه حتى يدخل فيها من غير أن يكون هو فيها، بفعل المولى قدرًا محضًا وإرادة مجردة، لا يحل نفسه في شيء من الحالات والمقامات وينزلها به فيضل ويردى، حتى يأتيه أمر الذي أمات وأحيا، وينقله منها فعل الذي منع وأعطى، وأفقر وأغنى، وأضحك وأبكى، لأن ذلك أليق به وإلى ربه أقرب وأدنى، هكذا تقدم ومضى أمر من سلف من أولى العلم من أهل الطريقة، فيما خلا فيهم الاقتداء، وإلى رب الخليقة المنتهى. ومن أدب الفقير: أن يكون مستعدًا لورود الموت متهيئًا له منتظرًا مترقبًا في الساعات كلها ليكون ذلك عونًا له على الرضا بفقره وحمل ما حل به من الأذى، لأن به يقصر الأمل وتنكسر النفس ويزول منها وهج الشهوات الدنيا، قال النبي ﷺ : "أكثروا من ذكر هادم اللذات، أعني الموت". ومن آدابه: أن يخرج من قلبه ذكر المخلوقين. ومن آدابه: أن يتخلق مع الغني إذا دخل عليه بما تصل يداه إليه من القوت أو فاكهة وإن كان شيئًا يسيرًا، لأنه بقلبه محترز عن الأسباب فهو بالإيثار أولى من الغنى الذي هو في أسر غناه إلا أن يكون ذا عيال في ضيقة، فلا يضيق على عياله بإيثاره ذلك للغنى، إلا أن يكون يعلم من عياله الإيثار وطيب النفس بذلك والموافقة والصبر والرضا والمعرفة واليقين، والأنوار تظهر من قلوبهم على ألسنتهم وجوارحهم وأنفسهم فحينئذ لا يبالي في البذل والمنع والإيثار والإمساك. ومن أدب الفقير: ألا يترك الاحتياط في الورع في حال ضيق اليد، فلا يخرج إلى ما لا يحل في الشرع لفقره، فيخرج من العزيمة إلى الرخص، لأن الورع ملاك الدين، والطمع هلاكه، وتناول الشبهات فساده، كما قال بعض الصالحين: من لم يصحبه الورع في فقره أكل الحرام وهو لا يدري، فعليه ألا يخلد إلى التأويلات في دينه في حالة فقره، بل يرتكب الأشق والأحوط الذي هو العزيمة. * * *

стр. 624

(فصل: في سؤال الفقير) فمن أدب الفقير ترك السؤال للخلق ما دام يجد عنه مندوحة، فإن ألجأته الضرورة والحاجة المحقرة، فيسأل بقدر الحاجة فتكون حاجته كفارته، فحينئذ يسلم له السؤال. وينبغي ألا يسأل لأجل نفسه ما أمكنه بل لعياله على ما قدمناه، فإن كان بيده دانق وهو محتاج إلى درهم لم يسلم له السؤال حتى يصرف الدانق ويخلو عن المعلوم جدًا كما قيل: لا يظهر من الغيب شيء مادام في الجيب شيء. ومن شروط سؤاله للخلق ألا يراهم بل تكون إشارته إلى الله ، ويرى الخلق كالولاء والأمناء المتصرف فيهم المفعول فيهم فلا يتخذهم أربابًا من دون الله ، فيكون معنى سؤاله لهم إخبارًا أو استخبارًا، إخبارًا بحاله وعياله لا شكوى من ربه، واستخبارًا هل وقع لنا إليك شيء هل أجل عليك شيء هل أذن لك يا وكيل يا خازن، يا أمين يا مملوك يا فقير يا من أنا وهو سواء فيما في يديه المالك له غيرنا كلنا في عياله، فإذا سأل على هذا الوجه يسلم له السؤال وإلا فلا، ولا كرامة لكل مشرك دجال مراء عابد الأصنام، خارج عن أهل الطريقة مدع كذاب منافق زنديق، ثم إن أعطى شكر وإن منع صبر، هكذا تكون صفات الفقير الصادق، ولا يستوحش بالرد ولا يتغير فيسخط ويعترض ويذم الراد له فيظلمه، لأنه مأمور ووكيل، والوكيل هو الذي يتصرف فيما في يده بإذن آمره وموكله المعطى، وهو الله ، بل يرجع إليه ، فيسأله التيسير والتسهيل، ليسخر له القلوب ويذل له الصعاب، يدر له الأرزاق ويسوق إليه الأقسام، ويرفع عنه الجوع والعذاب والتبذل إلى العبيد والأرباب، ولعله قبض أيدي الخلق عنه بالعطاء ليرده إليه، فيلازم الباب ويرفع بدعائه وتضرعه الحجاب، فيكون هو المعطى له دون العباد. * * * (فصل: في آداب العشرة) وينبغي له أن يحسن العشرة مع إخوانه، فيكون منبسط الوجه غير عبوس، ولا مخالفًا لهم فيما يريدون عنه بشرط ألا يكون فيه خرق للشرع ومجاوزة للحد وارتكاب للإثم، بل يكون مما أباحه الشرع وأذن فيه الرب، ولا يكون مماريًا ولا لجوجًا، ويكون أبدًا مساعدًا للإخوان على الشرط الذي ذركنا ومتحملاً عنهم ما يخالفونه فيه، ويكون

стр. 625

صبورًا على أذاهم غير حقود، لا ينطوي لأحد منهم على دخلة وغش ومكر، غير مغتاب لهم في حال غيبته، ولا يكون سيء المحضر، ويذب عن أخيه في حال غيبته، ويستر العيوب على إخوانه ما أمكنه، وإن مرض أحد منهم عادة، فإن شغله عن ذلك شاغل مضى إليه فهنأه بالعافية، وإن مرض هو ولم يعده بعض إخوانه اعتذر عنه، فإذا مرض لم يقابله بذلك، بل يعوده ويصل من قطعة، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه. وإذا أساء أحدهم إليه اعتذر عنه عند نفسه ويرجع بالملامة على نفسه، ولا يرى ملكه ممنوعًا عن غيره من الإخوان، ولا يتحكم في ملكهم بغير إذنهم، ولا ينسى الورع في جميع حركاته وسكناته، وإن انبسط معه أحد من إخوانه في شيء من ماله أجابه إلى ذلك مسرعًا مستبشرًا فرحًا مسرورًا متقلدًا منه في ذلك منة، حيث جعله أهلاً لمباسطته معه وإنزال حاجته به، ولا يستعير من أحد شيئًا إن أمكنه، وإن استعار أجد منه شيئًا لا يسترده ما أمكنه لأنه ما استعار منه إلا لحاجته، ولا يليق بالفتوة استرداد المعار، كما لا يحسن في الشرع استرجاع الهدية والهبة، فإن لم يقدر على ذلك فليسرع إعارته، ولا يمنعه من ذلك ولو كل يوم، إذ لا يليق بحاله أن ينفرد عن أحد من الناس بما له، لأنه ليس في رق شيء من الأشياء فلا يملكه شيء، فكل من ملك شيئًا فذلك الشيء يملكه، لأن المرء عبد لمن زمامه بيده، بل يرى الأشياء التي في يده ملكًا لله وهو وبقية الناس عبيدًا لله ، والكل متساو في ملكه ، وأما ما كان في يد الغير فيستعمل فيه حكم الشرع والورع وحفظ الحدود، لئلا يصير في زمرة المباحية الزنادقة. وينبغي له إذا مسته محنة أو فاقة أن يستر حاله عن إخوانه ما أمكنه، لئلا يشغل قلوبهم بسببه، فيتكلفوا له، وكذلك إن مسه هم أو أصابه حزن لا يظهر ذلك لإخوانه، ولا يشوش عليهم ما هم فيه من الفرح والسرور، والراحة ولذة العيش، وإن رأى إخوانه منزولاً بهم هم وغم وقد أظهروا فرحًا وسرورًا، ساعدهم في الظاهر من إظهار النشاط والاستبشار، ويكتم عنهم ما هم فيه من الاستيحاش والحزن والهم، فلا يقابلهم بما يكرهون، ولا يختلف عنهم في شء من ذلك. وينبغي له في أدب حسن العشرة إذا استوحش من شيء أن يتكلم في حسن الخلق،

стр. 626

ويرد قلبه إليه لتزول وحشته. وينبغي له أن يعاشر كل أحد من حيث هو لا يكلفه مجاوزة حده وموافقته، بل يتابعه هو فيما عليه ذلك الإنسان ما لم يكن فيه خرق للشرع، قال النبي ﷺ : "أُمرنا معاشر الأنبياء أن نحدث الناس على قدر عقولهم". وينبغي له أن يعاشر من دونه بالشفقة عليه، ومن فوقه بالإجلال، ومن هو مثله بالإفضال والإيثار والإحسان. * * * (فصل: في آداب الفقراء عند الأكل) من ذلك ألا يأكلوا بالشره ولا على الغفلة، بل يذكروا الله بقلوبهم عند الأكل ولا ينسونه. ومن ذلك ألا يمدوا أيديهم عند الطعام قبل من هو فوقهم. ومن ذلك ألا يقولوا لغيرهم كل، ولا يضعوا مما بين أيديهم شيئًا بين يدي غيرهم، لا على طريق الخدمة ولا على طريق الانبساط إلا صاحب الطعام، فإنه مسلم له ذلك لأنه نوع خدمة منه، ولا يقولوا لصاحب الطعام كل معنا، وإذا أُقعد موضعًا فلا يختار غيره ويقعد حيث يؤمر، ولا يرفع يده من الطعام ما دام يأكل من معه لئلا يحتشم صاحبه فيحمله على الامتناع. ولاغ ينبغي أن يرفع الطعام من بين يدي الفقير ما دام يأكل وما دام عينه عليه، ويساعد الأصحاب على الأكل بقدر ما لا يكون مخالفة وإن لم يكن به شهوة. ولا ينبغي أن يلقم على المائدة أحدًا، وإن عرض عليه الماء لا يرد الساقي ولو بقطرة واحدة، ولو قام صاحب الطعام بالخدمة لا يمنع، ولو أراد صب الماء على يده فلا يمنعه. وينبغي أن يأكل مع الأغنياء بالتعزز، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ولا لخطر الأكل بباله إلا إذا حضر، فحينئذ يأكل ولا يساعد نفسه في اشتهاء شهوة، ولعلها لم تكن مقسومة، فلا ينالها فيبقى محجوبًا بها عن الله تعالى، ويشتغل بها عن

стр. 627

طاعته ومراقبة حاله، فإذا عرض عن ذلك واشتغل بحاله كان سليمًا، فإن كانت مقسومة ثم حضرت اشتهاها وتناولها وشكر الله تعالى ولا يجعل الأكل همه ويعلق قلبه به ويجعله حديثه، بل يمهد مع نفسه بأنها مريضة، ومن حالها الاحتماء عن الطعام والشراب والشهوات حتى يبرأ المرض فالمرض هواها وإرادتها ومناها، والرب طبيبها ومداويها، فإذا بعث الطعام والشراب على يد مملوكه تناولهما وعلم أن دواءها وعافيتها في ذلك دون غيره، واشتغل بحفظ الحال والمراقبة وإخراج الأشياء من القلب والارتكان إلى شيء من الأشياء والطمأنينة إليه أبدًا في جميع حركاته وسكناته. * * * (فصل: في آدابهم فيما بينهم) من ذلك ألا يمنع شيئًا يكون له من أصحابهم من ثيابهم وسجاداتهم وركوبهم وما يجري مجراه، ولو وطئ أحد منهم سجادته بقدمه لا يستوحش منه، ولا يضع قدمه على سجادة غيره، ولا يبسط سجادته على سجادة من هو فوقه في الرتبة، ولو مد أحد يده إلى كتفه لا يمنعه، ولا يمد هو يده إلى كتف غيره، ولا يستخدم أحدًا من الفقراء، ويخدم هو بنفسه كل أحد، ويغمز أرجل الفقراء، ولو أراد أحد أن يغمز رجله لا يمنعه، وإن دخلوا الحمام فليس في آداب الفقراء أن يمكنوا القيم من دلكهم، ولو أراد بعضهم ذلك بعض أمكنه منه ولا يمنعه، وإذا نظر فقير إلى شيء من خرقته أو سجادته أو غير ذلك فليدفعه إليه في الوقت وليؤثره به. ولا ينبغي أن يجعل الفقراء في انتظاره عند الأكل، وكذلك في كل شيء لا يؤذي قلب أحد بأن ينتظره ما أمكنه، فإن المنتظر مستثقل، وإذا أراد أن يقدم إلى فقير طعامًا، فيجب ألا يحبسه في الانتظار، لأن الانتظار الرقة ذل. ولا ينبغي أن يدخر شيئًا مما يمكنه، وإذا لم يكن الطعام كثيرًا فلا يأكل إلا بعد أن يفضل منهم، ويجتهد في تقديم الطعام إلى الفقراء، أن يكون أنظف ما يمكنه وأوفق لهم، وإن كان في قوم فلا ينبغي أن ينفرد عنهم بأكل شيء ولا يأخذ شيء، فإن فتح له بشيء ينبغي أن يطرحه في الوسط، وإن مرض وهو بين قوم فاحتاج إلى تخصيصه بدواء، فينبغي له أن يستأذن الجماعة في ذلك، وإذا نزل برباطه أو مدرسة وفيها شيخ أو خادم فينبغي أن يكون بحكم ذلك الشيخ، ولا يفعل شيئًا إلا باستطلاع رأيه، وإذا ورد

стр. 628

على قوم وهو بحكم فينبغي أني وافقهم على ما هم عليه. ولا ينبغي أن يرفع صوته بين الفقراء بتسبيحه وقراءته بل يخفي ذلك عنهم ويستتر به أو ينقل ذلك إلى تفكر واعتبار عبادة باطنة، وإن كان من الخواص ذوي الأسرار فلا كلفة عليه في ذلك، لأن ربه يتولاه ويهيئ له ويأمره وينهاه في ذلك، ويسخر له قلوب الجماعة ويعطفها عليه ويملؤها من حبه تارة وهيبته واحترامه أخرى. وكذلك لا ينبغي أن يرفع صوته بغير ذلك من الكلام بينهم، وإذا كان بين قوم فينبغي ألا يسار أحدًا دونهم، ولا يتكلم بين الفقراء بشيء من حديث الدنيا والمأكولات ما أمكنه. ومن شرطه أيضًا ألا يكتب بين الفقراء شيئًا ما أمكنه ووجد من ذلك بدًا، بل يشتغل بالعمل المكتوب ومراقبة قلبه وحفظ حاله والتفكر فيهما، ولا يكثر من النوافل بين أيديهم، وإذا صام الجماعة وافقهم في ذلك، وكذلك إذا أفطر وافقهم في ذلك، ولا ينفرد عنهم بالصوم، ولا ينام بين الفقراء وهم أيقاظ، إلا أن يغلب عليه النوم، فيتفرد عنهم ويضطجع بقدر ما تنكسر فورته. ولا ينبغي له أن يتقدم بمشيئة شيء واختياره على الفقراء إذا أمكنه، وإن طالبه الفقير بشيء فلا يرده ولو بقليل، ولا يؤذي قلبه بطول الانتظار، وإذا شاوره أحد فلا يعجل عليه بالجواب فيقطع عليه كلامه، بل يمهله حتى ينهي جميع ما في قلبه، ولا يجيبه بالرد والإنكار، فإذا فرغ من ذلك ورآه غير صواب قابله أولاً بالموافقة، وقال: هذا وجه، ثم يبين له ما هو أصوب منه عنده برفق لا بمخاشنة ووحشة. ومن آدابهم ألا يمدحوا الطعام حال الأكل ولا يذموه. * * * (فصل: في آدابهم مع الأهل والولد) من ذلك حسن الخلق والإنفاق عليهم بالمعروف بما أمكنه، وإذا ملك في اليوم ما يكفيه ليومه فلا يحبس شيئًا لغد، وله إلى ذلك القدر حاجة في الحال، فإن فضل من ذلك شيء فليدخره لغد للعيال لا لنفسه، فلا يأكل إلا تبعًا لهم، بل يكون كالوكيل والخادم لعياله والمملوك مع سيده، ويعتقد بخدمته عياله والكد عليهم والقيام بمصالحهم أداء أمر الله وطاعته، وليعزل خدمة نفسه من الوسط، ويؤثر عياله على نفسه، وإذا أكل

стр. 629

أكل بشهوتهم، ولا يحملهم على متابعة شهوة نفسه، وإذا كان في ذات يده شيء يصلح لشتائه وهو في الصيف محتاج لثمنه صرفه في وجه حاجته في الصيف، وإن وجد كفاية يومه وكان فيه فضل للكسب في يومه لكفاية غد لعياله لم يشتغل بذلك، بل يقف مع الكفاية في يومه، لأن الوقوف مع الكفايات واجب، وأخر تدبير غد إلى غد، فإن كان له قوة في التوكل وصبر على مقاساة الشدائد والقلة والجوع والضر، وتقصر قوة عياله عن ذلك، فلا يجوز له أن يدعوهم إلى حالة نفسه، بل يتحرك ويكتسب لأجلهم، وإن رأى من أهله الطاعة لله وحسن السيرة والعبادة، فعليه بكسب الحلال وإطعامهم الحلال المباح حتى يثمر ذلك الطاعة والصلاع، ولا يطعمهم الحرام فإنه يثمر العصيان والجناح، وليجتهد في ذات نفسه بإصلاح العمل والصدق وطهارة الباطن حتى يصلح الله أمره بينه وبين عياله في حسن الصبر وحسن الطاعة له ولله والموافقة له، وتعود بركة صلاحه على عياله، قال النبي ﷺ : "من أصلح ما بينه وبين الله ، أصلح الله تعالى ما بينه وبين الناس" وأهله وعياله من جملة الناس. وإذا نزل به ضيف فيجب أن يطعم عياله مما يطعم الضيف إذا كان بذات يده سعة ومكنة فليوفر ذلك بحيث يعم الجميع ويكفيهم ويفضل عنهم، فإن كان هناك فقر وقلة وضيق يد وعلم من عياله الإيثار والرضا بذلك، فحينئذ يؤثر الضيفان، فإن فضل عنهم شيء تناولوه على وجه التبرك، فإن الله تعالى سيخلف عليهم ويوسع ما لديهم، فإن الضيف ينزل برزقه ويرحل بذنوب أهل البيت، كما جاء في الحديث. وإذا دعا الفقير إلى دعوة وله عيال وليس له ما يصلح شأنهم فليس من الفتوة أن يضيع عياله ويمضي إلى الدعوة ويؤثر شهوته على فاقة عياله، ولا يستقيم في الطريقة والشريعة أخذ الزلة والخيبة لأجل العيال من الدعوة، فليمتنع من الحضور وليصبر مع أهله، فإن كان في صاحب الدعوة فتوة وعلم بأن للضيف عيالاً، فينبغي له ألا يفرده بالاستحضار، بل يفرغ قلب الضيف عن شغل عياله بأن يكفيه ذلك، ويحمل إليهم ما يحتاجون إليه، ويعلم ضيفه بذلك.

стр. 630

والواجب على الفقير أن يؤدب أهله بملازمة ظاهر العلم والشريعة، ولا يمكنهم من مخالفة العلم في القليل والكثير. ولا ينبغي له أن يسلم أولاده إلى السوق وتعلم الحرف، بل يعلمهم أحكام الدين ويحملهم على ترك طلب الدنيا، إلا أن يغلب عليه الفقر وقلة الصبر وانكشاف الحال والفضيحة والرجوع إلى الخلق في القوت وما يسد به الخلة، فليشغل أهله وولده ونفسه بالكسب وتحصيل ما يحصل به الغنى عن الناس، فهو أفضل من غيره مع حفظ الحدود، ويعرف أولاده وجوب مراعاة حق الوالدين ومجانبة العقوق، ويعرف أهله مراعاة حقه، وفضيلة الصبر مع وطاعته وغير ذلك على ما بينا في باب آداب النكاح. * * * (فصل: في آدابهم في السفر) وقد ذكرنا في كتاب الأدب في أثناء الكتاب أنه يجب أن يكون سفر المؤمن الخروج من أوصافه المذمومة إلى صفاته المحمودة، فيخرج من هواه إلى طلب رضا مولاه بتصحيح تقواه، فإذا أراد الفقير أن يسافر من بلده، فأول شيء يجب عليه أن يرضي خصومه ويستأذن والديه أو من هو في حكمهما في وجوب الحق عليه من العم والخال والجد والجدة، فإذا رضوا بذلك خرج، فإن كان ذا عيال وفي سفره عنهم مضرة عليهم وضيقة، فلا يسلم له السفر إلا بعد إصلاح أمورهم أو يستصحبهم معه، قال النبي ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت". ومن شرط الفقير إذا سافر أن يكون قلبه معه، لا يكون قلبه ملتفتًا إلى علاقة وراءه، ولا يكون قلبه متعلقًا بمطالبة أمامه، فحيثما نزل يكون قلبه معه ويكون قلبه خاليًا عن الأشياء كما قيل عن إبراهيم بن دوحة أنه قال: دخلت مع إبراهيم بن شيبة البادية فقال لي: اطرح ما معك من العلائق، فطرحت كل شيء إلى دينارًا، فقال: لا تشغل سري، اطرح ما معك، فطرحت الدينار، فقال: لا تشغل سري، طرح ما معك من العلائق، فذكرت أن معي شسوعًا للنعل فطرحتها، فوالله ما احتجت في الطريق إلى شسع إلى وجدته بين يدي فقال ابن شيبة: هكذا من عامل الله تعالى بالصدق.

стр. 631

ولا ينبغي أن يقصر في سفره من أوراده التي كان يفعلها في حضره، لأن السفر لهم زيادة في أحوالهم، فلا ينبغي أن يحصل له خلل في أعمالهم وأحوالهم بسفره، وإنما الرخص للضعفاء والعوام، وما للأقوياء والخواص بالرخص، بل العزيمة شأنهم أبدًا في جميع أحوالهم، والتوفيق شامل لهم، والرحمة نازلة عليهم، والحرس قائم معهم والحفظ دائم لهم، والحبيب جالس معهم، والأنس به زائد، والغنى بهم قائم، والأمداد متداركة ومتواترة، والنظر لهم لازم، والجنود لهم متكاثفة متتابعة ومشتبكة لديهم، فالسفر أقوى لهم وألين وأحسن بما هم بصدده، إذ فيه البعد من الأسباب التي هي الأرباب، والخلق الذين هم الأصنام، وأضل من الصلبان وأشد من الشيطان. وينبغي للفقير أن يراعي قلبه في أول سفره، ولا يخرج عن الغفلة، ويجتهد في سفره حتى لا ينسى بقلبه ربه في سفره. ولا ينبغي له أن يكون سفره لغرض من أغراض الدنيا بوجه من الوجوه، بل يكون سفره لطاعة من الطاعات، إما للحج أو للقاء شيخ أو زيادة موضع من المواضع المقدسة الشريفة، وإذا سافر الفقير فوجد قلبه بموضع من المواضع ورآه فيه أصفى من الكدرات، وعيشه أوفى، فيلزم ذلك الموضع، ولا يزول عنه إلا بأمر جزم أو فعل محضر وقدر، فينتج حينئذ إلى ما يؤمر به، أو يحمله القدر إذا كان من المفعولين فيهم الزائل الهوى والإرادات والأماني، الفانين عنهم المرادين المحبوبين. وإذا ظهر لفقير جاه وقبول ببعض المواضع، فينبغي له أن يخرج منه ويشوش على نفسه ذلك القبول، لئلا ينفى به عن الله ويحجب عنه، فيكون الخلق نصيبه، وهذا إنما يكون مع وجود الهوى، وأما مع زواله فلا وجود للخلق ولا لقبولهم أثر، فهم خارجون عن القلب وبينهما حجب وحرس يحفظون القلب عن دخول الخلق إليه، لئلا يحصل الشرك فيتشعث التوحيد. وينبغي للفقير أن يعاشر اصحابه في سفره بحسن الخلق وجميل المداراة، وترك المخالفة واللحاح في جميع الأشياء، ويشتغل بخدمتهم، ولا يستخدم منهم أحدًا. وينبغي أن يكون أبدًا في سفره على الطهارة وإن لم يجد الماء يتيمم ما أمكنه ذلك، كما يستحب له في حضره أن يكون على الطهارة، لأن الوضوء سلاح المؤمن، كما جاء في الخبر، وهو أمان له من الشياطين وكل مؤذ.

стр. 632

وينبغي ألا يصحب الأحداث المردان في السفر على الخصوص، فإنهم أقرب إلى مصافاة الشياطين والقبول منها وإلى الشر والفتن والغش ومتابعة الهوى وهنات النفس والتهمة وفي صحبتهم خطر عظيم، إلا أن يكون الفقير ممن يقتدى به من الشيوخ والعلماء الله وأبدال أنبيائه المحفوظين الأئمة الهداة الربانيين معلمي الخير المؤدبين المنذرين للخلق والمهذبين لهم، السفراء بين الحق والخلق، والجهابذة، فحينئذ لا يبالي بمن يصحبه من الأحداث والشيوخ. وإذا دخل بلدًا وفيه شيخ، فينبغي أن يبدأ بسلامه عليه وخدمته له، وينظر إليه بعين الإكبار والحشمة والتعظيم، لئلا يحرم فائدته، وإذا فتح له بشيء فلا يستأثر به دون أصحابه، وإذا وقع أحدهم عذر وقف معه ولا يضيعه، والله الموفق للصواب. * * * (فصل: في آدابهم في السماع) من ذلك الا يتكلفوا السماع ولا يستقبلوه بالاختيار، فإذا اتفق السماع فمن حق المستمع أن يقعد بشرط الأدب ذاكرًا لربه بقلبه مشتغلاً بحفظ قلبه من طوارق الغفلة والنسيان، فإذا قرع سمعه شيء يرى القارئ للقرآن كأنه مستنطق من قبل الحق فيما يرد عليه من تعريفات الغيب إياه، مما يوجب ترغيبًا أو ترهيبًا أو إيناسًا أو عتابًا أو زيادة في القيام بعبادته أو غيره، بادر إلى ما يرد عليه، وقابل الإشارة عليه بالبدار، وإن كان السماع بحيث يصير كأن لسان القارئ لسانه، وصار كأنه يخاطب هو الحق بما يقرأ القارئ، فما يحصل مما يجده في قلبه من ذلك يكون موافقًا لحق العبودية وآداب الشريعة، وفي الجملة لا يكون في الطريقة ولا في علم الحقيقة شيء يخالف آداب الشريعة، وإذا كان في القوم شيخ حاضر في السماع، فالواجب على الفقير السكون ما أمكنه ومراعاة حشمة ذلك الشيخ، فإن ورد عليه أمر غالب فبقدر الغلبة يسلم إليه الحركة، فإذا سكنت الغلبة فالأولى له السكون مراعاة لحشمة الشيخ. ولا ينبغي للفقير أن يتقاضى القارئ ولا القوال، إن استبدل القول الذي هو أدنى بالذي هو خير، يعني الأبيات بالقرآن على ما هو عادة أهل الزمان اليوم، فلو صدقوا في قصدهم وتجردهم وتصرفهم لما انزعجوا في قلوبهم وجوارحهم بغير سماع كلام الله ، إذ هو كلام محبوبهم وصفته، وفيه ذكره ذكر الأولين والآخرين، والماضين

стр. 633

والغابرين والمحب والمحبوب والمريد والمراد، وعتاب المدعين لمحبته ولومهم وغير ذلك، فلما اختل صدقهم وقصدهم وظهرت دعواهم من غير بينة، وزورهم وقيامهم مع الرسم والعادة من غير غريزة باطنة وصدق السريرة والمعرفة والمكاشفة والعلوم الغريبة، والاطلاع على الأسرار والقرب والأنس، والوصول إلى المحبوب، والسماع الحقيقي وهو الحديث، والكلام الذي هو سنة الله مع العلماء به والخواص من الأولياء والأبدال والأعيان، وخلت بواطنهم من ذلك كله، وقفوا مع القول والأبيات والأشعار التي تثير الطباع وتهيج ثائرة العشاق وبالطباع لا بالقلوب والأرواح. فينبغي للفقير في الجملة: أعني فقير الحق ، وفقير الخلق: أعني فقير المعنى، وفقير الصورة: أعني فقيرًا من الدنيا وفقيرًا من العقبى والأكوان، ألا يتقاضى القارئ وا لقول بالتكرار والإعادة، بل يكل ذلك إلى الحق سبحانه إن شاء قبض من ينوب عنه في التقاضي، أو يلهم القوال بالتكرار إذا كان الفقير المستمع صادقًا وله في التكرار دواء ومصلحة. ولا ينبغي للفقير أن يستعين بغيره في حال السماع، فإن سأل الفقراء منه المساعدة في الحركة فليساعدهم، وذلك ضعف في الحال، وإذا سمع الفقير آية أو بيتًا فلا يجب أن يزاحمه أحد، ويجب أن يسلم له وقته، وإن خولف فزوحم فالأولى للمزاحم له التسليم، وإذا تحرك الفقير على آية أو بيت، فيجب أن يسلم له وقته، وإن وقع للحاضرين عليه إشراف ورأوا فيه تقصيرًا أو نقصانًا فالواجب عليهم الستر عليه والحمل عنه، فإن اقتضى الوقت تنبيه فلينبه بالرفق أو بالقلب لا باللسان، وهاهنا يحتاج إلى قوة حال وصفاء باطن وعلم دقيق واطلاع وآداب كاملة ومحافظة شديدة حميدة، وإذا خرج في حال سماعه من خرقة أو من شيء من ثيابه، فلا يخلو إما أن يكون قد تخلق به مع القارئ فهو للقارئ على الخصوص أو يطرحه في الوسط فيكون حكمه إليه، فيقال له: ما الذي أدرت به؟ فإن قال: قصدت به أن يكون بحكم الفقراء كان ذلك خلقًا منه معهم فهو لهم بحكم الفتوح، وذلك إليهم يرون فيه رأيهم، وإن قال: أردت به موافقة شيخ طرح خرقته، فهذا ضعيف الحال جدًا ركيك الأمر حقًا، لأنه إنما ينبغي أن يوافق الشيخ في حكم خروجه عن خرقة من قد وافق الشيخ في وجده وحالته، وذلك بعيد جدًا أن يتفق اثنان منهم في حال، والذي جرت به العادة بين الفقراء واستمر به الرسم بينهم اليوم في المرافقة في طرح الخرقة، فليس له أصل، ثم إذا جرى منه ذلك

стр. 634

مع ضعفه فحكم خرقته المطروحة إلى ذلك الشيخ في رسم العادة لا في العلم والشريعة، أو في مقتضى الطريقة والحقيقة، وإن قال صاحب الخرقة،: أردت موافقة القوم الحاضرين فهذا أيضًا أضعف من الأول، لأنه إنما ينبغي أن يكون الاشتراك في الفعل عند الاتفاق في الحال والوجد، وقلما يتفق ذلك للقوم حتى يستووا في الشرب والحال، فيرجع في ذلك إلى القوم، فما يكون حكم خرقهم فله أسوتهم في ذلك، فإن قال لم يكن لي في الوقت قصد ولا نية، يقال: فالآن هو بحكمك فاحكم فيه بما شئت، وليس لأحد من الحاضرين ولا للشيخ إن كان حاضرًا في ذلك حكم البتة، إذ ليس صاحبه فيه محقًا، ولا له قصد ولا لذلك أصل في الطريقة، فإن قال: وردت عليَّ في الوقت الإشارة بالخروج من الخرقة من غير قصد إلى شيء على التعيين، فقد يكون لهذا في الطريقة أصل لأن من خلع عليه السلطان خلعة، فالواجب على المخلوع عليه أن ينزع ملبوسه ثم يلبس الخلعة، فهذا حكم هذا الفقير أن يخرج من خرقته ويلبس ما خلع عليه الباري من الأنوار والقرب والألطاف، ثم إن حكم خرقته إلى الشيخ الحاضر إن كان هناك، وإلا فللحاضرين من الفقراء أن يفردوا القارئ أو القول بها، وقد قيل: إن ذلك إلى الفقير، وهو أولى بحكم خرقته من غيره، فأما معارضة الحاضرين من أرباب الدنيا ليشتروا الخرقة ثم ترد إلى صاحبها فذلك غير محمود في الطريق وغير مرضي، اللهم إلا أن يكون المشتري فيه فتوة وإيمان بالقوم يريد أن يتخلق معهم، وه ٩ ونوع من المعاوضة والسؤال بالتلطف، ولكنه مذموم جدًا، لأنه في حال خروجه عن الخرقة أظهر صدق من نفسه في الحال، وبرجوعه إلى الخرقة فاضح لنفسه ومكذب لها، وذلك غير مرضي. ولا ينبغي لمن خرج من خرقته أن يعود إليها ويقبلها، فإن كان ذلك بإشارة شيخ بأن أمره بأخذها فإنه يأخذها فإنه يأخذها جهرًا امتثالاً لأمر الشيخ، ثم يخرج منها بعد ذلك فيتخلق بها مع غيره، وإذا وقع شيء في الوسط للجماعة فالواجب التسوية بينهم، فإن كان فيهم شيخ ورأى تخصيص قوم أو واحد من الحاضرين، فحكم ذلك إلى الشيخ يتبع رأيه فيه، فلو طرح خرقته فردت عليه فكانت طريقته ألا يرجع إلى شيء خرج منه، وعاد الفقراء إلى خرقتهم، فإن كان له شيخ كان له ألا يرجع إلى خرقته ويلزم طريقته، فلا يرجع إلى ما خرج منه، ولا ينقض حالته اتباعًا لأحوال الجماعة، وإن كان واحدًا من الفقراء فالأظرف من حاله والأليق بها أن يوافق الجماعة في الحال، فيعود إلى خرقته

стр. 635

لئلا يخجل القوم ويستحيوا ويمقتوه، ثم بعد ذلك يخرج منها إلى الحاضرين وهو الأولى، وإن دفعها إلى غائب عن المجلس جاز. وهذا آخر ما ألفنا من آداب القوم على وجه الاختصار والإقلال والإمكان في الوقت، وأما ما يتعلق بدخول الرباط والسقايات والبس الحذاء وأشياء أحدثوها ووصفوها وسموها بينهم، فذلك يستفاد من ممارستهم ومخالطتهم والاستخبار والإشارة منهم، فلم نسطره في الكتاب، وقد ذكرنا معظم ذلك في كتاب الأدب في الشرع في أثناء الكتاب. * * *
следующие страницы →