Полный текст (1 072 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بها واحد ولم يؤت بالفعل. وهذا كمثل العامة: (إذا قيل للنعامة: احملي، قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها: طيري، قالت: أنا جمل)، وهذا من المحال لأنهم إذا أعملوها عمل (وجدت) طالبناهم بفاعل ومفعولين، ولا سبيل لهم إلى إيجاد ذلك؛ وإن أعملوها عمل الظروف لزمهم رفع اسم واحد، وبقي المنصوب بلا ناصب؛ إلا أن يرجعوا إلى الحق، وقد مضى ذكره.
وإن كان قولهم (فإذا هو إياها) محفوظا عن العرب فهو من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد حكى أبو زيد الأنصاري: (قد كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها). فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحمل عنه. ألا ترى أنهم قد حكوا أن من العرب من ينصب بـ (لم) ويجزم بـ (لن) و (كي)؛ حكى ذلك اللحياني، وليس ذلك مما يلتفت إليه.
стр. 527
ومثل ذلك، في الشذوذ، خفض بعض العرب بـ (لعل) وحكوا:
... ... .... ....
لعل أبي المغوار منك قريب
فلم يلتفت سيبويه إلى مثل هذا ولا حكاه؛ والكوفيون حكوه وقاسوا عليه، وتكلموا على الخبر بأي شيء يرتفع، وبنوا عليه مسائل.
ومثله، مما قبله الكوفيون ولم يقبله سيبويه، قولهم: جاء القوم إلا زيد، بالرفع، ولم يقبله [١١٣/ب] البصريون.
ومن ذلك قولهم: (يا اللهم) فجمعوا بين الميم في آخر الاسم و (يا) في أوله، وهذان الحرفان عند البصريين يتعاقبان.
стр. 528
ومثله من رواية الكوفيين: بعبد الله زيد مأخوذا. وفيك زيد راغبا؛ فنصبوا الخبر مع الظرف الناقص وأجازوا ذلك. وقال الفراء؛ شبهت العرب الصفة الناقصة بالتامة. وقال الكسائي: أرادوا المصدر، كأنهم قالوا: فيك رغبة زيد.
ومثل ذلك إجازة الكوفيين: يا عبد الله وزيدا، بنصب زيد عطفا على عبد الله، وهو عند البصريين لحن.
ومثل إجازتهم عطف الظاهر على المضمر المخفوض. فأجازوا: مررت بك وزيد، وأجمع البصريون على أن هذا لحن. ومثل هذا، مما لم يجزه البصريون، كثير، وإنما ذكرت لك بعضه لتعلم أن قولهم (فإذا هو إياها) من هذا الجنس فلا تستوحش من رد سيبويه إياه؛ إذ كان فاسدا في القياس.
وإما أن يكون (فإذا هو إياها) لغة لم تبلغ سيبويه فأنكرها، كما أنكر أبو عمرو بن العلاء على ابن خيرة البصري (حفرت
стр. 529
له إراتك) جمع إرة، وهي حفرة، و (استأصل الله عرقاتهم) بنصب التاء؛ لأن أبا عمرو لم يسمع هذه اللغة فاتبع القياس لأنها تاء الجميع فسبيلها أن تكسر في موضع النصب، وهو مذهب أكثر العرب، إلا أن قوما ربما شبهوها في مثل هذا المنقوص بلام الفعل فنصبوها في موضع النصب، وهو من الغلط والتوهم، كما يقول بعضهم: حلأت السويق فيهمز وكما قالوا: هذا جحر ضب خرب، وأنكر سيبويه ما لم يره مطابقا للقياس ولا رأى له وجها يقارب الصواب، ولم ير وجه الصواب فيه فيلزمه ويقطع بحجة.
وكان قصاراهم الالتجاء إلى السماع، والفزع إلى أعراب أحضروا فسئلوا عن ذلك، وسيبويه [١١٤/آ] إذ ذاك غريب طارئ عليهم، وهم مع القوم قاطنون.
وقال أصحابنا: قد كانوا أعطوا جعلا على متابعة الكسائي. وقالوا أيضا: إنما قصد الكسائي والفراء بالسؤال عنها حين علموا أنه غير جائز عنده؛ ليخالفوه ويرجعوا إلى السماع، فينقطع
стр. 530
المجلس عن النظر والقياس، لأن خبره قد كان عندهم.
ومع هذا فإن الكسائي، والفراء، وأصحابهما لا يدفعون أن قوله (فإذا هو هي) صواب جيد، وأنه الوجه؛ فلا معنى لقولهم: (أخطأت) إذا جاء بما هو صواب عندهم.
وأما قول ثعلب: (إنه إنما أدخل العماد في قوله: فإذا هو إياها، لأن إذا مفاجأة، وهو بمعنى رأيت ووجدت، فلذلك جاز معه العماد) فهو خطأ؛ لأن العماد عند البصريين والكوفيين لا يكون إلا فضلة يجوز إسقاطها، ثم يسميه البصريون الفصل، وذلك مثل قولك: كان زيد هو القائم، إذا جعلت (هو) عمادا نصبت القائم، ألا ترى أنك لو حذفت (هو) كان الكلام سديدا، ولو حذفت (هو) من قولك (فإذا هو إياها) لبطل الكلام؛ لأن (فإذا إياها) لا معنى له؟!. فقد تبين لك أن (هو) ههنا، لا يكون عمادا، ولو كان عمادا، كما زعم، لكانت مستغنى عنها؛ وهذا كاف فيما قصدنا له، وبالله التوفيق.
وأقول: إني لم أسمع، في هذه المسألة، أحسن من قول الكندي- ﵀: المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة، ولا أبلغ.
стр. 531
وسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، من الحارث بن كعب، مولى لهم.
стр. 532
مسألة
سأل عنها علي بن أبي زيد الفصحي
أبا محمد القاسم بن علي الحريري
قال: ما يقول سيدنا- أدام الله توفيقه- في انتصاب لفظي بعض الشعراء، وهو قوله:
تعيرنا أننا عالة
ونحن صعاليك أنتم ملوكا [١١٤/ب]
فعلى ماذا عطف قوله (ونحن)؟ وعلى أي وجه يعمل المتنبي وغيره من الشعراء نحو (أسمر مقبلها) و (أبيض مجردها)؟. وهل هما من الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين أم لا؟ فإن
стр. 533
الشريطة في الصفة المشبهة باسم الفاعل أن لا تكون جارية على (يفعل) من فعلها نحو: حسن وكريم؛ فإن حسنا ليس على زنة يحسن، و (أسمر) على زنة يسمر ويسمر؛ فإن اللغتين قد حكيتا وليس هذا شرطها تنعم بإيضاحها.
стр. 534
الجواب
اللهم إنا نعوذ بك أن نعنت، كما نستعيذك أن نعنت، ونبرأ إليك من أن نفضح، كما نستعصمك من أن نفضح، ونستمنحك بصيرة تشغلنا بالمهمات عن الترهات وتنزهنا عن التعلم للمباهاة والمباراة، ونسألك اللهم أن تجعلنا ممن إذا رأى حسنة رواها، وإن عثر على سيئة واراها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقفت على السؤالين الملوح بشر مصدرهما وهجنة مصدرهما؛ إذ كان رسول الله ﷺ نهى عن الأغلوطات، وزجر عن تطلب السقطات والعثرات. وكان ابن سيرين ﵀ إذا سئل عن عويص اشمأز منه وقال: سل أخاك إبليس عن هذا.
ومع هذا فإني كرهت رد السؤال، ولرب عي أفصح من لن
стр. 535
لاسيما إذا لم يأت بحسن.
أما السؤال الأول فهو من مسائل المعاياة وأسئلة الإعنات، ولا عيب أن يجهله النحوي المدرس فضلا عمن لا يدعي ولا يلبس؛ وهو من الأبيات التي جرى فيها التقديم والتأخير لضرورة الشعر، وتقديره: تعيرنا أننا عالة صعاليك ملوكا أنتم ونحن. و (عالة) فيه جمع عائل المشتق من عال يعول؛ وانتصاب (صعاليك) به، و (ملوكا) صفتهم.
وأما (أسمر) و (أبيض) فإنما أعملا لمجيء الفصل بينهما على افعل وافعال [١١٥/آ] المخالفين لزنتيهما؛ فهذا ما حضرني من الجواب. ولعلني نكبت فيه عن طريق الصواب.
قلت: وما أرى هذا الجواب مستقيما؛ لأن الملوك لا تكون صفة للصعاليك. وقوله في تقديره: (صعاليك ملوكا أنتم ونحن) لا معنى له. وإنما الصواب أن يقال: إن (عالة) بمعنى عالني الشيء: إذا أثقلني، أي: تعيرنا بأنا عالة ملوكا، أي: نثقلهم بطرح كلنا عليه في حال تصعلك؛ فـ (صعاليك) منصوب على
стр. 536
الحال. وقوله (ونحن) مبتدأ، و (أنتم) خبره، أي: ونحن مثلكم فكيف تعيرنا؟ قال الله : ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾، ويقول النحاة: أبو يوسف أبو حنيفة. وتقدير الشعر: تعيرنا أننا عالة ملوكا صعاليك ونحن أنتم. وفي (عال) بمعنى أثقل جاء قول أمية بن أبي الصلت:
لا على كوكب ينوء ولا ريـ .... ـح جنوب ولا نرى طخرورا
ويسوقون باقر السهل للطو .... د مهازيل خشية أن تبورا
عاقدين النيران في ثكن الأذ .... ناب منها لكي تهيج البحورا
سلع ما ومثله عشر ما .... عائل ما وعالت البيقورا
يصف سنة مجدبة. أي: أثقلت البقر بما حملت في أذنابها من
стр. 537
السلع والعشر، وكانوا يعقدون ذلك في أذنابها، ثم يشعلون فيها النار وهم يعلون بها في الجبال فتتجاءر البقر [١١٥/ب] ويكون ذلك استسقاء لهم فيمطرون، فيما زعموا.
وأما (أسمر) و (أبيض) و (أحمر) فغنهم أجروا هذا الضرب مجرى الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ وكذلك (أجب) في قوله:
ونمسك بعده بذناب عيش .... أجب الظهر ليس له سنام
يجوز في (الظهر) الرفع والنصب والجر. وكذلك تقول في مؤنث أحمر: مررت برجل حمراء جاريته، كما تقول: حسنة جاريته، أجروا حمراء مجرى حسنة، وشبهت هذه بالصفة المشبهة باسم الفاعل في أنها تذكر وتؤنث وتجمع، وأنها تدل على معنى ثابت، وشبه (أفعل التفضيل) أيضا بالصفة المشبهة إذا لم يكن مصحوبا بـ (من) وكان صفة لما ذكرناه نحو (أجب).
стр. 538
وهذه مسائل جرت بين أبي جعفر النحاس
وبين أبي العباس بن ولاد
وبعث قولهما إلى ابن بدر ببغداد، ومال مع أبي العباس على أبي جعفر ميلا مفرطا وكأنه قد ارتشى.
وقال لي شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀ وقد وقفته على هذه المسائل واغتبط بها غاية- الاغتباط-: (أبو جعفر النحاس يسلك في كلامه طريق النحاة، وأبو العباس له ذكاء)، وصدق ﵀، وستقف من كلام الرجلين على ما يدلك على صحة ما قال.
ابتدأ أبو جعفر فقال لابن ولاد: كيف تبني من رجا يرجو (افعللت) و (افعليت) و (افعلوت)؟.
فقال أبو العباس: أما افعليت فارجويت [١١٦/آ]، وأما افعلوت فارجووت، وأما افعللت فارجووت أيضا.
فقال أبو جعفر: هذا كله خطأ:
أما ارجويت في افعليت فلا يعرف في كلام العرب (افعليت)؛
стр. 539
ولو جاز أن يكون ارجويت افعليت للزم أن تقول في (أغزيت): (أفعيت)؛ لأن من زعم ان الراء من (جعفر) زائدة لزمه أن يقول: هو (فعلر) وأن يقول في (ضرب) هو (فعب)، ولا يقوله احد.
قلت: هذه العبارة في قوله: (لأن من زعم أن الراء من جعفر زائدة) ليس بجيدة؛ لأنها توهم أن من الناس من يقول ذلك وكان الصواب أن يقول: إذ لو زعم أن الراء من جعفر.
ثم قال: وإما ارجووت في افعلوت وافعللت فأعجب في الخطأ من الأول؛ لأنا لا نعلم خلافا بين النحويين أن الواو إذا وقعت طرفا فيما جاوز الثلاثة من الفعل أنها تقلب ياء كما قالوا في (أفعلت) من غزوت: أغزيت، وفي استفعلت استغزيت. والوجه عند أبي جعفر أن لا يبنى من (رجا) إلا افعللت فيقال: ارجويت، فتقول: ارجويت أرجوى ارجواء وأنا مرجو مثل احمررت أحمر احمرارا وأنا محمر، إلا أنك تقلب في ارجويت
стр. 540
أرجوي، وتدغم في أحمر يحمر، وهو كثير في كلام العرب، نحو: ابيضضت واصفررت.
قال محمد بن بدر: إنما قال في (افعليت) ارجويت بالياء؛ لأنها مبدلة من الواو، والمبدل من الحرف زائد بمعنى البدل، والزائد يمثل على لفظه.
قلت: هذا خطأ؛ لأن هذا لو صح لقبل في باع وقال: وزنه (فال).
قال ابن بدر: وأما جوابه في (افعلوت) ارجووت، وفي (افعللت) ارجووت أيضا، فإنه تمثيل على الأصل قبل الإعلال، وسبيل كل ممثل أن يتكلم بالمثال على [١١٦/ب] الأصل ثم ينظر في إعلاله بعد. فافعللت على الأصل: ارجووت، وعلى الإعلال: ارجويت. ومن قال (كينونة): فيعلولة ذهب إلى الأصل، ومن قال: فيعولة ذهب إلى اللفظ. وإذا بنوا مثال (عصفور) من غزا قالوا: (غزوو)؛ فالفراء يتركه على هذا
стр. 541
ولا يعله، وسيبويه يعله بعد ذلك فيقول: غزوي.
قال ابن بدر: وقول أبي جعفر: (لو جاز أن يكون ارجويت افعليت إلى قوله لا يقوله أحد) فغث لا معنى له ولا للإتيان به وجه؛ لأنه يجري كالهذيان. ثم تمادى في أذاه والإسخاف به.
قلت: أما قول ابن بدر في ارجووت إنه تمثيل على الأصل فغير صحيح؛ لأن ذلك لم ينطق به في الأصل كما نطق بـ (كينونة)، كما قال:
يا ليت أنا ضمنا سفينه
حتى يعود الوصل كينونه
وإنما يمثل بالأصل ما لا يصح تمثيله على اللفظ، كقولك في (عدة): إنه فعلة. ولا تقول: (علة)؛ وفي (غد): إنه فعل، ولا تقول: هو (فع). ثم إنه لم يسأل عن تمثيل الأصل، وإنما
стр. 542
سئل عما يصح أن ينطق به فيه، فماله اقتصر على تمثيل الأصل وترك ما ينبغي أن يقال؟!.
стр. 543
المسألة الثانية
قال أبو جعفر: سألني هذا الفتى فقال: كيف تقول: ضرب زيد؟ فقلت ضرب زيد. فقال: كيف تتعجب من هذا الكلام؟ فقلت: ما أكثر ما ضرب زيد!! فقال: فلم لم يجز التعجب من المفعول بلا زيادة كما جاز التعجب من الفاعل بلا زيادة؟
فقلت: لأن التعجب يكون الفعل فيه لازما، فإذا قيل: أخرجه إلى باب التعجب، فمعناه: اجعل الفاعل مفعولا، كما تقول: قام زيد، ثم تقول: ما أقوم زيدا؛ فمعناه على مذهب الخليل: شيء أقوم زيدا. فإذا جئنا إلى ما لم يسم فاعله لم يجز أن نتعجب منه حتى نزيد في الكلام لأنه لا فاعل فيه.
فقال: ليس يخلو المتعجب منه في حال الزيادة من أن يكون كان فاعلا في الأصل أو مفعولا. فإن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك بأنا لا [١١٧/آ] نتعجب إلا من الفاعل؛ وإن كان فاعلا فقد لزمك أن نتعجب منه، على ما قدمت من القول، بلا زيادة.
стр. 544
فقلت: ألزمتني ما لم أقل؛ إن كان مفعولا في الأصل فقد نقضت قولك، وإلا فقد قلت: إني لا أتعجب منه إلا على كلام آخر، فكيف تلزمني أن تعجبت منه؟
فقال: أما قولك: إني ألزمتك ما لا يلزمك فدعوى لا بينة معها. وأما قولك: إني لا أتعجب منه إلا بزيادة، فليس يخلو تعجبك من أن يكون واقعا عليه في نفسه، أو على الزيادة؛ فإن كان واقعا عليه فقد لزمك ما ألزمتك؛ وإن كان واقعا على الزيادة فقد تعجبت مما لم أسألك عن التعجب منه.
فإن قلت: إني إنما تنكبت التعجب منه، وتعجبت من الزيادة التي لم تسألني التعجب منها لأنه لا يجوز التعجب منه إذ كان مفعولا قلنا: ولم لا جاز ذلك؟ وصرت في هذا إذا سألتك [لم] لا تتعجب منه تعجبت من غيره وهي الزيادة.
فقلت: قد أجبناك فيما مضى من الكلام لم لا يجوز أن يتعجب منه، فليس لإعادتنا إياه معنى.
قال: قد نقضت العلة التي اعتللت بها في ترك الجواز.
стр. 545
وهو أنه مفعول وأريناك أن ذلك فاسد؛ فإن كانت عندك زيادة فزد.
قلت: هذه المطالبة محال، أن يتعجب من المفعول بما بينا من أن المفعول لا يتعجب منه. فيجب على من أنكر هذا أن يتعجب من المفعول، فكأنه يجعل المفعول مفعولا، وهذا محال.
فقال: نحن إذا قلنا: اجعل الفاعل مفعولا ساغ لنا ذلك في الفاعل إذا تعجبنا منه، ولم يكن في الأصل مفعولا، كان ذلك جائزا فيما قام مقامه وهو مال يسم فاعله، وإلا لم يكن في موضعه ولا في مقامه.
قلت: هو وإن قام مقامه في أنا نحدث عنه كما نحدث عن الفاعل فنحن نعلم أنه مفعول في الأصل؛ فكيف يقال: أقمه مقام المفعول؟! وأيضا فإن أقمناه [١١٧/ب] مقام المفعول فإن الفاعل هو المحدث للفعل، وليس كذلك ما يقوم مقامه.
فقال: قد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة؛ فإنك إن زدت فيه فهو مفعول في الحقيقة، اللهم إلا أن تكون تزعم أنك لم تتعجب منه البتة
стр. 546
وإنما تعجبت من غيره، ونحن لم نسألك عن التعجب من غيره.
قلت: هذا الذي ألزمتنيه من قولك: (فقد لزمك بهذا القول ألا تتعجب منه على حال من الأحوال بزيادة ولا بغير زيادة) يبين نقضه أنه لا يجوز أن تقول: ما أحمر زيدا، فإذا زدت فيه وقع التعجب فقلت: ما أشد حمرة زيد!!
فقال: أما تشبيهك (أحمر) ونحوه بباب الثلاثي فإنه خطأ؛ وذلك أنهم قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكون لونا ولا خلقة؛ وذلك أن الخليل زعم في قوله: (ما أحمر زيدا) وما أشبهه أنهم لم يتكلموا به لأنه صار عندهم بمنزلة اليد والرجل؛ لأنك لا تقول: ما أيداه ولا ما أرجله! فخالف باب الثلاثي لهذه العلة؛ فقد بان بقول الخليل الفرق بين هذين؛ وشبهت بين شيئين غير مشتبهين.
قلت: هذا الكلام فيه تطويل، لأني إنما شبهته بالألوان من أنهما جميعا لا يجوزان. وليس يلزمني إذا شبهت به من جهة أن أشبهه به من كل الجهات. فأنا أقول- إذا سئلت: كيف يتعجب
стр. 547
من قولنا: انطلق زيد-: لا يجوز؛ فقد صار لا يجوز في هذا كما لا يجوز (ما أحمر زيدا)؛ فهل يلزمني أن أكون شبهت اللون بغير اللون؟ وأنا إنما شبهته به من أن هذا لا يجوز كما أن هذا لا يجوز.
وأما قوله: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا أو خلقة من أعجب الكلام؛ لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي، أو مما [١١٨/آ] يكون أصله الثلاثي، وزيد عليه مثل أعطى وشبهه. وأيضا فإنه لا يعرف في الألوان فعل ثلاثي، فكيف يستثنى ما ليس يعرف في الكلام؟!
وأما ما كان خلقة وهو ثلاثي فلم يترك التعجب منه عند الأخفش إلا أن أصله أكثر من الثلاثة، وذلك (عور) و (حول)؛ والأصل عنده (اعورا) و (احول) و (اعوار) و (احوال). فلم ارآه ثلاثيا ولم يدر ما أصله استثناه من الثلاثي. ولو كان من الثلاثي لما قيل عور ولا حول، ولكان يقال (عار) و (حال)؛ فتنقلب الواو ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. وقولهم (عور) و (حول) يدل على أن
стр. 548
أصله اعوار واحوال واعور واحول. والذي يقول في هذا: إنه لم يتعجب منه وهو ثلاثي لا يعرف أصله؛ وهذا القول مشهور من قول الأخفش.
قال" أما قوله: إنه استثنى اللون والخلقة من الثلاثي، إنه من أعجب العجب، فليس ذلك بعجب لأني إنما استثنيت ذلك من الثلاثي؛ لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا، كقولك عور الرجل، فاستثنيت لك لهذه العلة.
وأما قولك: (انطلق زيد) لا يجوز أن يتعجب منه، فهذا نقض لما قدمته في الكتاب. وذلك أنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه، وجعلت ذلك علة التعجب منه وهو أنه فاعل، وجعلت علة الامتناع من التعجب أن يكون مفعولا؛ فقد لزمك أن تتعجب من زيد في قولك: انطلق زيد.
قلت: قوله: (إنما استثنيت من الثلاثي لأنه قد يأتي شيء بمعنى الخلقة يكون فعله ثلاثيا كقولك: عور الرجل) يدل على أنه لا يدري ما أصل (عور)؛ وقد بينا أن أصله عند النحويين [١١٨/ب] اعور واعوار.
стр. 549
وإنكاره منعنا أن نتعجب من (انطلق زيد) فهذا شيء قد أجمع النحويون على منعه إلا بزيادة؛ فما معنى إنكاره ما أجمع النحويون عليه؟!
وأما قوله: (إنك ذكرت أن الفاعل يتعجب منه وجعلت ذلك علة للتعجب منه وهو أنه فاعل) فنحن لم نقل: إنا تعجبنا منه لأنه فاعل، وإنما قلنا: إنه لا يتعجب من المفعول، وبينا لم ذلك. وأما الفاعل فإنه يتعجب منه في أكثر المواضع. وإنما منع الفاعل، في قولك: انطلق زيد، أن يتعجب منه؛ لأن الفعل قد جاوز ثلاثة أحرف، فلا يجوز أن ينقل إلا بزيادة نحو قولك ما أكثر انطلاق زيد، وما أشبهه.
قال محمد بن بدر النحوي: أعطي أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: (إنما معنى التعجب ان أجعل الفاعل مفعولا)؛ ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو أقمته وأجلسته، ونجد معنى التعجب والفاعل موجود كقولنا: جل الله وعز الله على معنى ما أجل الله وما أعزه!! لا على معنى الخبر بأنه صار جليلا، ولا بأنه صار عزيزا؛ وهكذا: عظم شأنك، وعلت منزلتك، إذا لم ترد الخبر. قال الله : ﴿كبرت كلمة
стр. 550
تخرج من أفواههم﴾، وقال جل وعلا: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، وقال ساعدة:
هجرت غضوب وحب من يتغضب .... وعدت عواد دون وليك تشعب
أي: ما أحبها متغضبة. وقال الشاعر:
لم يمنع الناس منهم ما أردت ولا .... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
أي: ما أحسن هذا أدبا. ومما حكاه النحويون من اللفظ ومعناه التعجب: لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولله دره، ولله أنت، وتالله
стр. 551
ولله؛ وأنشد سيبويه:
لله يبقى على الأيام ذو حيد .... بمشمخر به الظيان والآس [١١٩/آ]
وقال: هذا الرجل تعجب. و (ياللماء): تعجب، وأنشد:
لخطاب ليلى يالبرثن منكم .... أدل وأمضى من سليك المقانب
وأعطى علة أخرى قياسية فقال: لا يتعجب مما لم يسم فاعله؛ لأنه لا فاعل فيه. ويبطل هذه العلة قول العرب في (جن زيد): ما أجنه وما أعتهه، وما أشبه ذلك.
стр. 552
وأما قوله: (أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو خلقة) فاستثناؤه ما لم يكن لونا ولا خلقة من أعجب الكلام، ثم قال: (لأنه لا يتعجب إلا من الثلاثي أو ما يكون أصله الثلاثي ثم زيد عليه مثل أعطى). وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد لا يتعجب إلا من الثلاثة. ألا ترى أن قائلا لو قال: إنما صلاة الظهر أربع لم يكن في قوله دليل على أن غيرها من الصلوات لا يكون أربعا، أو قال: إنما في الرقة ربع العشر، لم يكن هذا دليلا على أن غير الرقة لا يكون فيه ربع العشر؛ وهذا موضع من مفهوم الخطاب أنت معذور في جهله إذ لست من أهله.
وأقول: لا يخفى على العلماء ميل هذا الرجل وحيفه على أبي جعفر، وتخليطه فيما يتكلم به. ألا تراه يقول: (وليس في قوله: (إنما يتعجب من الثلاثي) دليل على أنه أراد: لا يتعجب إلا من الثلاثة ظنا منه أن هذا كلام أبي العباس، وأخذا في الجواب عنه؛ وهذا إنما هو كلام أبي جعفر. وأما ابو العباس فإنما قال: (قد أجمعوا على أن الثلاثي يتعجب منه بلا زيادة ما لم يكن لونا أو
стр. 553
خلقة)، فأنكر عليه أبو جعفر استثناءه اللون والخلقة من الفعل الثلاثي؛ لأن الألوان ليس فيها فعل ثلاثي. ولو قال أبو العباس: إنما يتعجب من الثلاثي، لأنحصر التعجب في الثلاثي، وليس هذا كقوله: إنما صلاة الظهر أربع، وإنما ذلك لمن يمنع أن يكون أقل من أربع أو أكثر.
وقوله: (هذا موضع من مفهوم الخطاب [١١٩/ب]) خطاب من ليس بمفهوم الخطاب. وقوله: (أعطى أبو جعفر علة قياسية في التعجب فقال: إنما معنى التعجب أن أجعل الفاعل مفعولا، قال: ونحن نجعل الفاعل مفعولا ثم لا يكون تعجبا نحو: أقمته وأجلسته)؛ وهذا لا يلزمه لأنه لم يقل: لا يصير الفاعل مفعولا إلا في التعجب، إنما قال: إن قولك: ما أحسن زيدا أخرجت فيه الفعل الذي كان لازما فجعلته متعديا، وكان الأصل: حسن زيد، فصار فاعل (حسن) مفعول (أحسن). وما أورده عليه، من الكلمات التي معناها التعجب، لا يرد عليه لأنه إنما يتكلم في التعجب المبوب له؛ ألا ترى أن من تكلم في باب التأكيد لا يرد عليه ما يجيء فيه معنى التأكيد من (إن) و (اللام)، وما أشبه هذا.
стр. 554
ثم قال محمد بن بدر: وقوله (مثل أعطى وما أشبهه) ركاك في العبارة، كما قال: لا يجوز التعجب من قولنا: انطلق زيد، كما لا يجوز ما أحمر زيدا، فهلا قال: لا يجوز، كما لا يجوز أن تصلي الظهر ثلاثا ولا المغرب أربعا؛ فإنه أظهر.
قلت: وأين هذا من ذاك؟ إنما شبه ممتنعا في التعجب بممتنع فيه، وأنه يتعجب من القبيلين بأشد ونحوه.
ثم قال محمد بن بدر: على أن بعض النحويين قال: لا يجوز التعجب من (أفعل) إلا على شريطة. قال: وأما قوله أيضا: (فلا يعرف في الألوان فعل ثلاثي) فقد قال سيبويه: أدم يأدم أدمة، وأدم يأدم، وشهب يشهب، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب، وكهب يكهب، وصدئ يصدأ صدأة، وسود يسود؛ وأنشد لنصيب:
стр. 555
سودت فلم أملك سوادي وتحته .... قميص من القوهي بيض بنائقه
وقال غيره: ذرئت عينه ذرءا والذرأة: البياض؛ وقال الراجز:
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنهض في تشددي
وقال الشاعر: [١٢٠/آ]
стр. 556
لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر .... كما كل ضبي من اللؤم أزرق
وأما قوله: (إنما ترك الأخفش التعجب في عور وحول لأن أصله اعور واحول) فخلاف ما عليه أهل العلم؛ لأنهم مجمعون على أن الأصل الثلاثي وما فيه الزيادة فرع، فـ (حول) أصل لـ (احول واحوال).
قال سيبويه: (وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء) فضرب واستضرب مأخوذان من الضرب، لا أن ضرب من استضرب، ولا استضرب من ضرب.
قلت: هذا لا يلزم أبا جعفر لأنه رد على الأخفش لا عليه، وإنما يلام لو نقل عن الأخفش ما لم يقل. وأيضا، فإن ما ذكره عن سيبويه لا يلزم منه تخطئة الأخفش فيما ذهب إليه؛ لأنه لم يقل: إن عور مأخوذ من اعوار واعوار، ولا إن حول مأخوذ من احول واحوال؛ وإنما قال: إنه في معناه، فكما لم يتعجب من ذاك لم يتعجب من هذا.
ثم قال محمد بن بدر: وأما قوله (ولو كان من الثلاثي لما
стр. 557
قيل: حول وعور، ولقيل: حال وعار، بالقلب) فليس كما توهم وإنما صحت الواو لأنهم أرادوا بـ (حول) من المعنى ما أرادوا بـ (احول)، فأجروه مجراه، لا أن أصل فعل افعل ولا أفعال؛ ألا ترى أنهم قالوا: احتال واعتاد، واقتاد، بالإعلال، وإنما أصحوه حين أرادوا معنى ما يصح فقالوا: اجتوروا، واعتونوا، واحتوشوا؛ لأنهم أرادوا معنى تجاوروا، وتعاونوا، وتحاوشوا، لا أن أحدهما أصل للآخر؛ فهكذا عور وحول. يدل على هذا أنهم إذا أرادوا غير هذا المعنى أعلوه فقالوا: عار [١٢٠/ب] زيد عين عمرو، وسادها؛ وأنشدوا بيت نصيب على وجهين:
سودت ولم أملك سوادي وتحته .... قميص من القوهي بيض بنائقه
قال: وأما قوله: (فتقلب الواو؛ لحركتها وحركة ما قبلها) فيلزمه أن يقول في (أدلو): (أدلا) لحركتها وحركة ما قبلها؛
стр. 558
والوجه: لحركتها وانفتاح ما قبلها.
قال: وأما قول الأخفش فإنما أراد به أن افعل وافعال الأصل في الاستثقال؛ لا أن حول مأخوذ منهما، وهذا قول سيبويه استغنوا عن حمر باحمر، كما استغنوا عن فقر بافتقر، والمستغنى به هو الفرع، والمستغنى عنه هو الأصل.
قلت: قوله: (إن الأخفش أراد أنهما الأصل في الاستثقال) فأي استثقال في عور وحول؟ وليس ما قاله بمعنى ما قال سيبويه في حمر واحمر، ثم استدرك خطأه فقال: على أن افعل وافعال مطردان في الألوان نحو: اسود واسواد، وابيض وابياض، واصفر واصفار، إلا أن افعل أكثر لأنه أصل في الاستثقال.
قال: وأما حول وعور فمن باب الأدواء لأنهما عيبان، والعيب أشبه بالأدواء، وليس افعل وافعال في باب الأدواء كثيرا؛ لا يكادون يقولون في اجرب اجراب، ولا في اجذم
стр. 559
اجذام، وإنما يجرونه مجرى الداء نحو: جرب، وضلع، وشتر، وهو أدخل في الداء منه في الألوان، إلا أنهم يشبهون الشيء بالشيء إذا قاربه، فيقولون: حول، وعور، وجرب، كما قالوا: وجع، وضمن، وزمن، ولا نكاد نجد في الألوان اسما على (فعل)؛ لا يقولون: حمر، ولا صفر، ولا شهب. قال: فهذا يقوي أن العيوب مخالفة للألوان التي لا يمتنع فيها افعل وافعال، وافعال لا يمتنع من الألوان لأنه مبني له، وأما العيوب [١١٢١/آ] فأقرب إلى الأدواء؛ هكذا ذكر سيبويه.
قلت: قوله: (لا نكاد نجد في الألوان اسما على فعل)، مع أنه أنشد قول نصيب: (سودت ...)، من العجب.
ثم قال محمد بن بدر: إنما لم يتعجبوا من (ضرب زيد) وأشباهه إلا بالزيادة كراهة أن يلتبس، ففرقوا بين التعجب من فعل الفاعل المفعول. وذلك أنهم فرقا بين فعل الفاعل وفعل
стр. 560
المفعول في غير التعجب، وأرادوا ان يفرقوا بينهما أيضا في التعجب. فلو قالوا في (ضرب زيد): ما أضرب زيدا! لالتبس فعل الفاعل بفعل المفعول، فأتوا بالزيادة ليصلوا إلى الفرق بينهما.
فإن قال: فقد قالت العرب في (جن زيد): ما أجنه!! وهذا يبطل علتك قيل له: إن قولهم (ما أجنه) محمول على المعنى، فاستجازوا فيه ما استجازوا فيما حمل عليه. ألا ترى أن جن زيد فهو مجنون داخل في حيز الأوصاف التي لا تكون أعمالا. وإنما تكون خصالا في الموصوفين بغير اختيارهم، مثل: كرم فهو كريم، ولؤم فهو لئيم: خصال لا يفعلها الموصوف؟؛ فهكذا جن زيد فهو مجنون، إنما هي خصلة في الموصوف لا اختيار له فيها، فأجرى مجرى رقع فهو رقيع، وبلد فهو بليد إذ كان داخلا في معناه. والدليل على صحة هذا أن العرب لا تتعجب من (افعل)، لا يقولون: ما احمره، ولا ما اسوده، ولا ما افطسه ويتعجبون من: أحمق، وأرعن، وألد، وأنوك، فيقولون: ما أحمقه! وما أرعنه وما ألده وما أنوكه؛ لأن أحمق بمنزلة بليد، وألد بمنزلة
стр. 561
مَرِسَ، وأنوك بمنزلة جاهل، فحملوه على المعنى؛ فهكذا (جن زيد) حمل على المعنى لأن العرب تشبه الشيء بالشيء، ويحمل على المعنى إذا واقفه واقترب منه. فمن ذلك قولهم: (حاكم زيد عمرو)، برفع الاثنين جميعا؛ لأن كل واحد منهما فاعل؛ قال أوس [١٢١/ب]:
تواهق رجلاها يداه ورأسه .... له قتب خلف الحقيبة رادف
وقال القطامي:
فكرت تبتغيه فصادفته .... على دمه ومصرعه السباعا
لأن السباع قد دخلت في المصادفة. وقال:
стр. 562
لن تراها- وإن تأملت- إلا .... ولها في مفارق الرأس طيبا
لأن الطيب قد دخل في الرؤية.
وأقول: إنما قالوا: ما أجنه؛ لأن (جن) لا فاعل له، فهو في المعنى تعجب من الفاعل؛ لأنه لا يقال: جنة، إنما يقال: أجنه.
قال محمد بن بدر: فإن قال: فقد قالوا: ما أسرني بكذا وكذا، وهذا دليل على أنه يجوز أن يتعجب من (ضرب زيد) قيل له: ليس في هذا دليل يدل على جواز التعجب من (ضرب زيد)؛ لأنه يجوز أن يكون (ما أسرني) تعجبا من سررت، ويكون محمولا على ما قدمنا ذكره في (جن زيد)، فيكون منزلة: بر حجك فهو مبرور.
قال: ويجوز أن يكون (ما أسرني بكذا) تعجبا من سار، كما يقال: زيد سار، أي: حسن الحال في نفسه وأهله وماله، وفرس سار، أي: حسن الحال في جسمه ولحمه، وضيعة سارة، بمعنى آهلة عامرة، فيكون سار بمعنى قولك: (ذو سرور) ثم يتعجب منه على هذا، كما قالوا: عيشة راضية، أي: ذات رضى، ورجل
стр. 563
طاعم كاس، أي: ذو طعام وسكوة؛ قال الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها .... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فيكون (ما أسرني) جاريا على ما قدمنا، غير خارج عما رتبنا.
стр. 564
المسألة الثالثة
قال أبو جعفر: كيف تأمر من قوله : ﴿لقد جئتم شيئا إدا﴾، ومن قوله : ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؟
فقال أبو العباس: هاتان مسألتان:
أما (إدا) فلا يؤمر منه؛ لأنه اسم موضوع للداهية والأمر العظيم.
قال أبو جعفر: قد قالت العرب: أد يؤد [١٢٢/آ]، فنطقت بالفعل، ثم صرفه النحويون فقالوا في الأمر منه: أد يا هذا، بالإدغام، والضم والكسر؛ وبالإظهار نحو: اودد مثل اردد.
قال أبو العباس: التصريف فيها دعوى تحتاج إلى برهان.
قال أبو جعفر: لا يحتاج إلى ذلك. وقد حكوا لها نظائر من المضاعف، منها قول أحمد بن يحيى: (تول: ازرر عليك
стр. 565
قميصك، وزره، وزره، وزره، مثل: مد، ومد، ومد).
قال أبو العباس: هذه الأشياء لا تصرف قياسا، ولا يشبه بعضها ببعض إلا بسماع من العرب، إذ لو كان هذا لجاز أن نقول: وذر يذر، وودع يدع قياسا على قام يقوم، وضرب يضرب؛ وإنما نصرف منه ما صرفت العرب، ونترك منه ما لم تصرفه العرب اقتداء بها.
قال أبو جعفر: ليس هذا قول أحد من النحويين علمناه. وذلك أنه لا يمتنع القياس في شيء من المضاعف على رد يرد فنقول: سن يسن، وأد يؤد، كما قلنا رد يرد، ولو كنا لا ننطق إلا بما نطقت العرب، ولا نقيس على كلامها لبطل أكثر الكلام. ولا يجوز قياس وذر يذر، وودع يدع على المضاعف لأنه معتل قل استعمالهم الماضي فيه؛ لاستثقالهم الواو حتى تبدل، فيقولون في وحد: أحد؛ فلما استثقلوا الواو، وكان ترك في
следующие страницы →