← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17871

الإشارة في أصول الفقه - ط العلمية

أبو الوليد الباجي

Полный текст (41 стр.). Показаны 36–41 · переход к 41.

стр. 36

والكلام ها هنا في استصحاب الحال، وهو على ضربين: أحدهما: استصحاب حال الفعل، وذلك إِذا ادَّعى في المَسْأَلة أحد الخَصْمَيْن حكمًا شرعيًا. وادّعى الآخر البقاء على حكم العقل، وذلك مثل أن يسئل المَالِكِيُّ عن وجوب الوِترِ، فيقول: الأصل بَرَاءَة الذِّمَّة، وطريق اشتغالها الشرع، فمن ادَّعى شرعًا يوجب ذلك، فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة من الاستدلال. والثاني: استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل استدلال دَاوُدَ على أن أم الولد يجوز بيعها لأنَّا قد أجمعنا على جَوَاز بَيْعِهَا، قبل الحَمْل، فمن ادَّعى المنع من ذلك، فعليه الدليل، وهذا غير صحيح من الاستدلال، لأن الإجماع لا يتناول موضع الخِلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حُجَّة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله، كلفظ صاحب الشرع إِذا تناول موضعًا خاصًّا لم يجز الاحتجاج به في الموضع الذي لا يتناوله. فَصْلٌ إِذا ثبت ذلك، فليس في العَقْل حَظْر، ولا إِباحة، وإنما تثبت الإِباحة أو التحريم بالشرع، والباري -سبحانه- يحلِّل ما شاء، ويحرّم ما شاء، هذا قول جمهور أصْحَابنا. وقال أَبُو بَكْرِ الأَبْهرِيُّ: الأشياء في العَقْل على الحَظْر، وقال أَبُو الفَرَجِ المَالِكِيُّ: الأشياء في العقل على الإباحة، والدليل على ما نقوله إنه لو كان العقل يوجب إِباحة شيء من هذه الأعيان، أو حظره لاستحال أن ينقله الشرع عما يقتضيه في العقل، لاستحالة ورود الشرع لما ينافي العقل، كما يستحيل أن يرد نفي أن الاثنين أكثر من الوَاحِدِ. فَصْلٌ مَن ادَّعى نفي حكم وجب عليه الدليل، كما يجب ذلك على من أثبته. وقال دَاوُدُ: لا دليل على النافي، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: الآية ١١١] الآية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: الآية ١١١].

стр. 37

فَصْلٌ صفة المجتهد أن يكون عارفًا بموضع الأدلّة ومواضعهما من جهة العقل، ويكون عارفًا بطريق الإيجاب، وطريق الوضع في اللغة والشرع، ويكون عالمًا بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالمًا بأحكام الخطاب من العموم، والأوامر والنواهي، والمفسر والمجمل، والنّص والنسخ، وحقيقة الإجماع، عالمًا بأحكام الكتاب، عالمًا بالسُنَّة والأخبار والآثار وطرقها، والتمييز بين صحيحها وسقيمها، عالمًا بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم وبما أَجْمَعُوا عليه، واختلفوا فيه، عالمًا بالنحو والعربية بما يفهم به معاني كلام العرب، ويكون مع ذلك مأمونًا في دينه، موثوقًا به، فإِذا كملت هذه الخصال، وكان من أهل الاجتهاد جاز له أن يُفْتي، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه فيه. بَابُ أَحْكَامِ التَّرْجِيحِ الترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوّة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما. والدليل على صحّة ذلك إِجماع السلف على تقديم بعض أخبار الرواة على أخبار سائرهم، ممن يظن به الضبط، والحفظ والاهتمام بالحادثة. فَصْلٌ إِذا ثبت ذلك، فالترجيح يقع في الأخبار التي تتعارض، ولا يمكن الجمع بينها، ولا يعرف المتأخّر منها، فيحمل على أنه ناسخ في موضعين: أحدهما: الإسناده والثاني: المتون. فأما الترجيح بالإسناد، فعلى أوجه: الأول: أن يكون أحد الخبرين مرويًّا في قضية مشهورة متداولة عند أهل النقل، ويكون المعارض له عاريًا عن ذلك، فيقدم الخبر المروي في قضية مشهورة، لأن النفس إِلى ثبوته أسْكن والظن في صحّته أغلب. والثاني: أن يكون راوي أحد الخبرين أحفظ وأضبط، وراوي الذي يعارضه دون ذلك، وإن كان جميعًا يحتج بحديثهما فيقدم خبر أحفظهما وأتقنهما، لأن النَّفْس أسكن إلى روايته، وأوثق بحفظه. والثالث: أن يكون رواة أحد الخَبرين أكثر من رواة الخبر الآخر، فيقدّم الخبر الكثير الرواة، لأن السهو والغلط أبعد عن الجماعة، وأقرب إلى الواحد.

стр. 38

والرابع: أن يقول راوي أحد الخبرين: سمعت رسول اللَّه ﷺ والآخر يقول: كُتِبَ إلى النبي ﵇ -فيقدم خبر من سمع النبي ﵇ لأن السماع مِنَ العَالِمِ أقوى من الأخْذ بِكِتَابِهِ الوَارد. الخامس: أن يكون أحد الخبرين متفقًا على رفعه إلى رسول اللَّه ﷺ والآخر مختلفًا فيه فيُقَدَّمُ المتفق عليه، لأنه أبعد من الخَطَأ والسهو. السادس: أن يكون أحد الخبرين مختلف الرواية، فيروي عنه إثبات الحكم ونفيه، وراوي الآخر لا تختلف الرواية عنه، وإنما يروي عنه أحد الأمرين، فيُقَدَّم رواية من لم تختلف عليه، لأن ذلك دليل على حِفْظ الرواية عنه، وشدّة اهتمامهم بِحِفْظِ ما رواه، فكان أولى. السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة تَلَبَّسَ بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيًّا، فيقدم خبر صاحب القصَّة، لأنه أعلم بظاهرها وباطنها، وأشد إتقانًا بحفظ حكمها. الثامن: إِطباق أَهْلِ المدينة على العَمَل بموجب أحد الخبرين، فيكون أولى من خبر من يخالف عمل أهل المدينة؛ لأنها موضع الرِّسالة، ومجتمع الصحابة، فلا يتصل العمل فيها إِلا بأصحِّ الروايات. التاسع: أن يكون أحدُ الراويين أشدّ تقصِّيًا للحديث، وأحسن نسقًا له من الآخر، فيقدم حديثه عليه، لأن ذلك يدل على شدّة اهتمامه بحكمه، وبحفظ جميع أموره. والعاشر: أن يكون أحد الإسنادين سالمًا من الاضطراب، والآخر مضطربًا، فيكون السَّالم أولى، لأن ذلك دليل على إتقان رواته وحفظ جملته. الحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين يوافق ظاهر الكتاب، والآخر يخالفه، فيكون الموافق لظاهر الكتاب أولى. بَابُ تَرْجِيحَاتِ المتُونِ قد مضى الكلام في الترجيح من جهة الإسناد، والكلام ها هنا في الترجيح من جهة المَتْنِ، وذلك على أوجه:

стр. 39

أحدها: أن يسلم أحد الْمَتْنَينِ من الاضطراب والاختلاف، ويكون متن الحديث الثاني المُعَارض مضطربًا مختلفًا فيه، فيكون السالم من الاضطراب أولى، لأن ذلك دليل الحفظ والإتقان. والثاني: أن يكون ما تضمنه أحد الخبرين من الحكم منطوقًا به، والآخر محتملًا، فيُقَدَّمُ ما نطق بحكمه، لأن الغرض فيه أَبْيَنُ، والمقصود فيه أجْلَى. والثالث: أن يكون أحد الخبرين مستقلًا بنفسه، والآخر غير مستقل بنفسه، فيكون المستقلّ بنفسه أولى لأن المستقل يَتَيَقَّنُ المراد به، وغير المستقل بنفسه لا يتيقن المراد به، إِلا بعد نظر واستدلال. والرابع: أَنْ يُستَعْمَلَ الخبران في موضع الخلاف، فيكون أولى من استعمال أحدهما، واطِّرَاح الآخَر، لأن في ذلك اطِّرَاحُ أحد الدليلين، واستعمالهما أولى من اطراح أحدهما. والخامس: أن يكون أحد العمومين متنازعًا في تخصيصه، والآخر متفقًا على تخصيصه، فيكون المتعلق بعموم ما لم يجمع على تخصيصه أولى. والسادس: أن يكون أحد الخبرين يقصد به بيان الحكم، والآخر لا يقصد به بيان الحكم، فيكون ما قصد به بيان الحكم أولى؛ لأنه أبعد من الاحتمال. والسابع: أن يكون أحد الخبرين مؤثِّرًا في الحكم والآخر غير مؤثِّر، فيكون المؤثِّر أولى. والثامن: أن يكون أحدهما ورد على سبب، والآخر ورد على غير سبب، فيقدم ما ورد على غير سبب على الوارد على سبب، لأن معارضته للخبر لا تدل على أنه مقصور على سببه. والتاسع: أن يكون أحد الخبرين قد قضى به على الآخر في موضع من المواضع، فيكون أولى منه في سائر المواضع. والعاشر: أن يكون أحد المعنيين واردًا بألفاظ مُتَغَايرة، وعبارات مختلفة، فيكون أولى مما روي من أخبار الآحاد، بلفظ واحد، لأنه أبعد من الغلط والسهو والتحريف.

стр. 40

والحادي عشر: أن يكون أحد الخبرين ينفي النقص عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ والآخر يضيقه إِليهم، فيكون النافي أولى، لأنه أشبه بفضلهم ودينهم، وما وصفهم اللَّه به، وأثنى عليهم به. بَابُ تَرْجِيحِ المَعَانِي قد مضى الكلام في ترجيح الأخبار، والكلام ها هنا في ترجيح المعاني. وذلك أنه قد تتعارض قياسات في حكم حادثة، أو يتردّد الفرع بين أصلين يصحّ حمله على أحدهما بعلّة مستنبطة منه، ويصح حمله على الثَّاني بعلَّة مستنبطة منه، فيحتاج الناظر إِلى ترجيح إحدى العِلَّتَيْنِ على الأخرى، وذلك على أحد عشر ضربًا. الأوَّل: أن تكون إِحدى العلتين منصوصًا عليها، والأخرى غير منصوص عليها، فتُقَدَّم المنصوص عليها، لأن نص صاحب الشرع دليل على صحتها. والثاني: أن تكون إِحدى العِلَّتين لا تعود على أصلها بالتخصيص والثانية تعود على أصلها بالتخصيص، فالتي لا تعود على أصلها بالتخصيص أولى، لأن التعليق بالعُمُومِ أولى استنباطًا ونطقًا. الثالث: أنْ تكون إحدى العِلَّتين موافقة للفظ الأصل، والأخرى مخالفة له فتُقَدَّم الموافقة، لأن الأصل شاهد بلفظها. الرابع: أن تكون إِحدى العلّتين مُطَّردة منعكسة، والأخرى غير مُطَّردة غير منعكسة، فتُقَدَّم المُطَّردة المنعكسة، لأن العلّة إِذا اطردت، وانعكست غلب على الظن تعلق الحكم بها لوجوده بوجودها، وانعدامه بعدمها. والخامس: أن تكون إِحدى العِلَّتَيْن يشهد لها أصول كثيرة، والأخرى لا يشهد لها إِلا أصل واحد، فَالَّتِي شهد لها أصول كثيرة أولى، لأن غلبة الظن إنما تحصل بشهادة الأصول لها، فكلما كثر ما شهد لها من الأصول غلب على الظن صحتها. والسادس: أن يكُون أحد القياسين رد الفرع إِلى الأصل من جنسه، والآخر رد الفرع إِلى الأصل من غير جنسه، فيكون قِيَاسُ مَن رد الفرع إِلى جنسه أولى، لأن قياس الشيء على جنسه أولى من قياسه على مخالفة. السَّابع: أن تكون إحدى العلّتين واقفة وأخرى متعدية، فَتَقْدِيم المتعدية أولى.

стр. 41

الثامن: أن تكون إحداهما لا تعمّ فروعها والأخرى تعمّ فروعها، فتكون العامّة أولى. التاسع: أن تكون إحدى العلَّتين عامَّة والأخرى خاصة، فتكون العامة أولى، لأن كثرة الفرع تجري مجرى شهادة الأصول لها. العاشر: أن تكون إحدى العلّتين منتزعة من أصل منصوص عليه، والأخرى منتزعة من أصل لم ينصّ عليه، فتكون المُنْتَزَعَة من أصل منصوص عليه أولى. الحادي عشر: أن تكون إِحدى العِلَّتَين أقل أوصافًا، والأخرى كثيرة الأوصاف، فتُقَدَّمُ القليلة الأوصاف، لأنها أعم فروعًا، ولأن كل وصف يحتاج في إثباته إِلى ضرب من الاجتهاد، وكلما استغنى الدليل به على كثرة الاجتهاد كان أولى. . كملت الإشارة لأبي الوليد الباجي في [أصول الفقه] بحمد اللَّه وحسن عونه، وذلك في يوم السابع من رمضان عام اثنتين وتسعين وسبعمائة، على يد الفقير إلى اللَّه -تعالى- الحسن بن مسعود الحاجيّ الممتكاوي غفر اللَّه له، ولوالديه وللمسلمين آمين، والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وصحبه وسلم، تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين ورضي اللَّه تعالى عن الصحابة أجمعين آمين.