٣٣]. أو الإباحة كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: الآية ٢] لأنه إذا ورد بعد الحظر فهو للإباحة على الأصح (١)، وقد يرد للتعجيز نحو: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٣]، وللتهديد نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: الآية ٤٠]، وللخبر نحو: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: الآية ٧٥] كما أن الخبر قد يأتي بمعنى الأمر نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٣].
فروع:
- الأول: الأمر يدل على إجزاء المأمور به عند الجمهور (٢).
- الثاني: اختلف هل يقتضي الأمر فعل المأمور به على الفور أم لا؟ (٣).
- الثالث: اختلف هل يقتضي التكرار أم لا؟ (٤)
- الرابع: إذا نسخ الأمر، فاختلف هل يحتج به على الجواز أم لا؟.
الفصل الثاني: في النهي
إذا ورد مجردًا عن القرائن حمل على التحريم عند مالك وأكثر العلماء، وقيل على الكراهة، وإذا ورد بقرينة حمل على ما تدل عليه القرينة من تحريم أو كراهة (٥).
فروع:
- الأول: النهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات خلافًا للقاضي أبي بكر فيهما وفرق فخر الدين بين العبادات فيقتضي الفساد وبين المعاملات فلا يقتضي (٦).
- الثاني والثالث: يقتضي النهي الفور والتكرار على الأصح ليحصل الانتهاء من زمان وروده إلى الأبد.
- الرابع: الأمر يقتضي النهي عن الأضداد المأمور به كلها، والنهي يقتضي الأمر بضد واحد من أضداد المنهي عنه.
стр. 37
الباب العاشر: في معاني الحروف
يحتاج إليها الفقيه، وجرت عادة الأصوليين بذكرها:
- الباء: على ثمانية أنواع: للإلصاق، وهو للتعدي، وللاستعانة وللقسم، وللمصاحبة، وللتعليل، وزائدة، وظرفية، وزاد بعض الكوفيين للتبعيض.
- اللام: على خمسة أنواع: للملك، وللاختصاص، وللاستحقاق، وللتعليل، وللتأكيد وهي المفتوحة.
- الواو: على خمسة أنواع: واو العطف، وهي تقتضي الجمع بين الشيئين من غير ترتيب في الزمان، وواو الحال، وواو القسم، وواو رب، وواو الناصبة للفعل.
- الفاء: على ثلاثة أنواع: عاطفة، وفاء رابطة، وناصبة للفعل، وهي تقتضي الترتيب، والتسبب، والتعقيب.
- ثُمَّ: للعطف، وللترتيب، والمهملة.
- لكن: للاستدراك، ويسميها أهل المنطق باستثناء (١).
- حتى: للغاية (٢).
- مِنْ: على أربعة أنواع: للتنويع، ولابتداء الغاية، ولبيان الجنس، وزائدة (٣).
- إلى: لانتهاء الغاية، وقيل بمعنى مع.
- الكاف: للتشبيه، والتعليل.
- في: للظرفية والسببية (٤).
- أو: لها خمسة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والإباحة والتنويع (٥).
- إِمَّا: المكسورة المشددة، لها أربعة معان: الشك، والإبهام، والتخيير، والتنويع.
- أما: المفتوحة المشددة للتفصيل.
стр. 38
- ألَا: للتنبيه، والاستفتاح، وللعرض، والتخصيص.
- إِنَّ: المكسورة المشددة، والمفتوحة المشددة، كلاهما للتأكيد.
- أنْ: المفتوحة المخففة، أربعة أنواع: مصدرية، ومخففة من الثقيلة، وزائدة، وحرف عبارة وتفسير.
- إِنْ: المكسورة المخففة، أربعة أنواع: شرطية، ونافية، وزائدة، ومخففة من الثقيلة.
- لمَّا: على نوعين: نافية، وحرف وجوب لوجوب.
- لوْ: على نوعين: للتمني، ولامتناع شيء لامتناع غيره، وهي للشرطية، فإذا دخلت على النفي صيرته إثباتًا، وإن دخلت على الإثبات صيرته نفيًا (١).
لوْلَا: على نوعين: للعرض وللتحضيض، ولامتناع شيء لوجود غيره (٢).
стр. 39
الفن الثالث من علم الأصول في الأحكام الشرعية
وفيه عشرة أبواب:
الباب الأول: في أقسام الأحكام
وهي خمسة: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه ومباح.
- فالواجب: ما طلب فعله طلبًا جازمًا.
- والمندوب: ما طلب الشرع فعله طلبًا غير جازم.
- والمحرم: ما طلب الشرع تركه طلبًا جازمًا.
- والمكروه: ما طلب الشرع تركه طلبًا غير جازم.
- والمباح: ما لم يطلب الشرع فعله ولا تركه (١).
وهذه الحدود صح من تحديدها بالثواب والعقاب كقولهم للواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب لوجهين:
أحدهما: إن الثواب والعقاب ليس أحدهما وصفًا ذاتيًا للأحكام، وإنما هما جزاء عليهما، فلا يجوز الحد بهما.
والثاني: إن العقاب قد يعدم إذا عفا اللَّه، والثواب قد يعدم إذا عدمت النية. ومثل ذلك يَردُّ على من قال: إن الواجب ما ذم تاركه، والمحرم ما ذم فاعله.
الباب الثاني: في أسماء هذه الأقسام ودرجاتها
أما الواجب: فهو الفرض، والمفروض، والمكتوب، والمحتوم، والمستحق.
стр. 40
وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت وجوبه بدليل قطعي، والواجب: ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه (١).
وينقسم الفرض قسمين: فرض عين: وهو ما يجب على كل مكلف، كالصلاة، والصيام، وفرض كفاية: وهو الذي إذا قام به بعض الناس سقط عمن سواهم كالصلاة على الجنائز، وطلب العلم، والجهاد، فإن تواطأ الجميع على تركه أُثِموا (٢).
وأما المندوب: فهو المتطوع، وهو على درجات أعلاها السنة، ودونها المستحب، وهو الفضيلة ودونها النافلة، وقد يقال نافلة في المندوب على الأعيان وهو الآكد، كالوتر والفجر، وصلاة العيدين، وقد يكون على الكفاية كالآذان والإقامة، وبما يفعل بالأموات من المندوبات.
وأما الحرام: فهو المُحرَّم والممنوع، والمحظور، والمعصية، والسيئة، والذنب، والإثم (٣)، وهو على درجتين: صغائر وكبائر وقد يقال فيه مكروه (٤).
وأما المكروه: فقد تغلظ كراهيته حتى يقرب من الحرام، وقد تخف.
وأما المباح: فهو الحلال والجائز (٥) وقد يعبر عنه بلا جناح، ولا حرج، ولا إثم ولا بأس.
الباب الثالث: في الواجب الموسع والمخيَّر
ينقسم الواجب بالنظر إلى الوقت قسمين: مضيق وموسع.
- والموسع: هو أن يكون وقت الفعل يسع أكثر منه، وقد يكون محدودًا كأوقات الصلوات، وقد يكون غير محدود، بل موَسَّعًا بطول العمر كالحج، ويتعلق الوجوب بجميع الوقت عند جمهور المالكية، وقيل بجزء من الوقت غير معين، ويعينه المكلف بفعله ويعزي إلى الشافعية إنكار الواجب الموسع، لأنهم يقولون إن الوجوب يتعلق بأول الوقت، ويعزي إلى الحنفية إنكاره، لأنهم يقولون إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت (٦).
стр. 41
- وأما الواجب المخير، فمثل كفارة اليمين، خير فيها بين الإطعام والكسوة والعتق، والواجب متعلق بواحد منها غير معين ويُعَيِّنُه المكلف بفعله، وقالت المعتزلة: الثلاثة كلها واجبة، وهو اختلاف في عبارة (١) الواجب المرتب هو الذي لا تجزي الخصلة الثانية منه مع القدرة على الأولى كالعتق والصيام والإطعام في كفارة الظهار.
الباب الرابع: في شروط التكليف
وهي: العقل، والبلوغ، وحضور الذهن، وعدم الإكراه، والإسلام، أو بلوغ الدعوة.
- فالعقل: تحرز من الجمادات والبهائم والمجانين والنائمين (٢).
- والبلوغ: تحرز من الصبيان، ولا يعترض على هذا بوجوب الزكاة في مال الصبي وغرمه لما أتلف، فإن وليه هو المخاطب بذلك.
- وحضور الذهن: تحرز من الناسي (٣).
- واختلف هل يعد عدم الإكراه شرطًا في التكليف أم لا؟ والأظهر في مذهب مالك أنه شرط.
- ولا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان، واختلف هل مخاطبون بفروع الشريعة في حال كفرهم أم لا؟ فقال قوم: إنهم مكلفون بها إذا بلغتهم دعوة الرسول ﷺ . وقال قوم: لا يكلفون بالفروع حتى يُسْلِمُوا، مع الاتفاق أنها لا تصح منهم ولا تقبل منهم حتى يؤمنوا، وقال فخر الدين بن الخطيب: "ثمرة الخلاف راجعة إلى مضاعفة العذاب في الآخرة" (٤).
الباب الخامس: في أوصاف العبادات
وهي ستة: اثنان متقابلان وهما: الأداء والقضاء، واثنان متقابلان وهما: الصحة والفساد، واثنان متقابلان وهما: الرخصة والعزيمة.
стр. 42
- فأما الأداء: فهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا.
- والقضاء: إيقاعها بعد وقتها المعين لها شرعًا.
واختلف هل وجوب القضاء بالأمر الأول أو بامر جديد؟ (١).
والعبادات على ثلاث أقسام: منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات الخمس، ومنها ما لا يوصف بها كالنوافل، ومنها ما يوصف بالأداء وحده.
- وأما الصحة: فهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحة عند المتكلمين وغير صحيحة عند الفقهاء. وإنما الخلاف في التسمية لا في الحكم (٢)، والصحة أعم من الإجزاء، لأن الإجزاء لا يوصف به إلا الواجب (٣).
- والفساد نقيض الصحة: وتكون في العبادات وفي العقود كالبيع والنكاح، وهو أعم من البطلان، لأن البطلان لا يوصف به إلا العبادات، وقيل هما مترادفان وهو يوجب الإعادة في الواجب، وعدم ترتيب المقصود في العقود (٤).
- وأما الرخصة: فهي إباحة فعل المحرم أو ترك الواجب لسبب اقتضى ذلك، وقد تنتهي للوجوب كأكل المضطر الميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر.
- والعزيمة: هي ما لزم العباد من فعل أو ترك (٥).
الباب السادس: في الحسن والقبح
وهما يطلقان بثلاث إطلاقات:
- أحدها: إن الحسن ما وافق الطبع أو الغرض والقبيح ما خالفه (٦).
- والثاني: إن الحسن ما كان صفة كمال والقبح ما كان صفة نقص، ولا خلاف أن الحسن والقبح بهذين الإطلاقين لا يفتقر فيهما إلى ورود شرع.
стр. 43
- والثالث: إن الحسن ما مدحه اللَّه، والقبيح ما ذمه اللَّه وعاقب عليه، وفي هذا وقع الخلاف، فقال الأشعري: إنه لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، وقالت المعتزلة: بل العقل اقتضى ثبوته قبل الرسل صلوات اللَّه عليهم، ولا يفتقر في معرفته إلى شرع، إلا أنهم جعلوه ثلاثة أقسام:
- قسم علمه العقل ضرورة، كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار.
- وقسم علمه العقل نظرًا، كحسن الصدق الضار والكذب النافع.
- وقسم لم يصل إليه العقل، كوجوب صيام آخر يوم من رمضان وتحريم أول يوم من شوال.
فالأولان ورد الشرع مؤكدًا لما علمه العقل فيهما، والثالث ورد الشرع فيه مظهرًا لما لم يصل العقل إليه مع أن حسن جميعها وقبحه كان ثابتًا لها قبل الشرع (١)، وعند الأشعري أن الشرع هو الذي أنشأ الحسن أو القبح في الجميع، فإنه لا يثبت حكم قبل ورود الشرائع. وقال الأبهري: الأشياء قبل ورود الشرع على المنع وقال أبو الفرج على الإباحة (٢) وتوقف غيرهما (٣).
الباب السابع: فيما تتوقف عليه الأحكام
وهي ثلاثة: وجود السبب، ووجود الشرط، وانتفاء المانع (٤).
- أما السبب: فهو ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه عدمه لذاته كدخول رمضان سبب في وجوب الصوم.
- وأما الشرط: فهو ما يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا عدمه لذاته كالصحة والإقامة في وجوب الصيام، فإن الإنسان قد يكون صحيحًا مقيمًا ولا يجب عليه الصيام في غير رمضان.
- وأما المانع: فهو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود الحكم ولا عدمه لذاته كالحيض مع الصيام.
стр. 44
فالمعتبر من المانع وجوده، ومن الشرط عدمه، ومن السبب وجوده وعدمه، وإنما قلنا في كل واحد منها لذاته تحرز مما يلزم بسبب غيره لتوقف الحكم على جميعها.
تكميل:
الشرط المذكور هنا الشرعي، فإن الشروط على أربعة أقسام:
- شرعية كالطهارة مع الصلاة.
- وعقلية، كالحياة مع العلم.
- و (كالغذاء) مع الحياة في بعض الحيوانات.
- ولغوية، وهي التي أدواتها (إنْ) وما في معناها، و (لَوْ) و (إِذَا). فـ (إِنْ) تختص بالمشكوك و (إِذا) تدخل على المشكوك والمعلوم، و (لو) على الماضي بخلافهما.
قال شهاب الدين القرافي "إن للشروط اللغوية أسباب يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العلم".
الباب الثامن: في أقسام الحقوق
وهي ثلاثة:
- حق للَّه تعالى فقط كالإيمان والصلاة (١).
- وحق للعبد فقط، وهو ما يسقط إذا أسقطه العبد كالديون (٢).
- وقسم اختلف هل يغلب فيه حق اللَّه، أو حق العبد كحد القذف (٣).
الباب التاسع: في الوسائل
موارد الأحكام على قسمين: مقاصد ووسائل.
- فالمقاصد هي المقصودة لنفسها.
- والوسائل هي التي توصل إلى المقاصد، فحكمها حكم مقاصدها إذا كانت لا يوصل إليها إلا بها، فالوسيلة للواجب واجبة كالسعي إلى صلاة الجمعة والوسيلة إلى
стр. 45
الحرام حرام، وكذلك سائر الأحكام، وإذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (١).
الباب العاشر: في تصرفات المكلفين في الأعيان
وهي أحد عشر نوعًا:
- الأول: إنشاء ملك في غير مملوك كالاصطياد وإحياء الموات.
- الثاني: نقل ملك من ذمة إلى ذمة، فقد يكون بعوض كالبيع والإجارة والسلف وبغير عوض كالهبة والصدقة والعمرى والغنيمة.
- الثالث: إسقاط حق، فقد يكون بعوض كالخلع والعفو عن الجاني على مال وبغير عوض كالعفو لوجه اللَّه والعتق.
- الرابع: القبض، وهو إما بإذن الشارع كاللقطة، أو بإذن غيره كقبض المبيع بإذن البائع، وقبض الرهون وغيرها.
- الخامس: الإقباض، وهو الرفع، وقد يكون بالفعل كرفع الثوب إلى مشتريه، أو بالنية فقط، كقبض الوالد وإقباضه من نفسه لولده.
- السادس: الالتزام، كالنذور والضمان.
- السابع: الخلط، وهي الشركة على اختلاف وجوهها.
- الثامن: الاختصاص بالمنافع كإقطاع الأراضين.
- التاسع: الإذن، إما في الأعيان كالضيافة أو في المنافع كالعارية.
- العاشر: الإتلاف، وهو لإصلاح الأجساد كأكل الأطعمة وذبح البهائم أو للدفع، كقتل الحيوان المؤذي أو لحق اللَّه تعالى كقتل الكفار وكسر الصلبان، وآلات اللهو.
- الحادي عشر: التأديب والزجر، وهو إما مقدر كالحدود أو غير مقدر كالتعزير.
стр. 46
الفن الرابع من علم الأصول في أدلة الأحكام
الباب الأول: في حصر الأدلة
وهي على الجملة ثلاثة أنواع: نص، ونقل مذهب، واستنباط.
- فالنص: هو الكتاب والسنة.
- ونقل مذهب: هو الإجماع وأقوال الصحابة.
- والاستنباط: هو القياس وما أشبهه.
فيجب على العالم أن ينظر المسألة أولًا في الكتاب فإن لم يجدها نظرها في السنة، فإن لم يجدها نظرها فيما أجمع عليه العلماء أو اختلفوا فيه، فأخذ بالإجماع ورجع بين الأقوال في الخلاف، فإن لم يجدها في أقوالهم استنبط حكمها بالقياس وبغيره من الأدلة وعددها على الجملة عشرون ما بين متفق عليه ومختلف فيه وهي: الكتاب والسنة، وشرع من قبلنا، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع (العشرة) من الصحابة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وقول الصحابة، والقياس والاستدلال، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والأخف بالأخف، والاستقراء، والاستحسان، والعوائد، والمصلحة، وسد الذرائع، والعصمة.
الباب الثاني: في الكتاب العزيز
وهو أصل الأدلة وأقواها، ونعني به القرآن العظيم، المكتوب بين دفتي المصحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا بالقراءة المشهورة.
فقولنا: المكتوب بين دفتي المصحف، لأنه الذي اجتمع عليه الصحابة فمن بعدهم وما هو خارج عن ذلك فليس من القرآن.
стр. 47
وقولنا: نقلًا متواترًا تحرزًا من آيات ليست في المصحف نقلها الآحاد ولا يحتج بها عند مالك، لأنها لم تنقل نقل القرآن من التواتر، ويحتج بها عند أبي حنيفة كأخبار الآحاد.
وقولنا: بالقراءة المشهورة نعني به القراءات السبع وما في مثلها أو يقاربها في الشهرة وصحة النقل كقراءة يعقوب وابن محيصن وتحرزنا بذلك من القراءة الفاذة (١).
ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاثة شروط:
- أحدها: أن يوافق خط المصحف.
- والثاني: أن ينقل نقلًا صحيحًا مشهورًا.
- والثالث: أن يوافق كلام العرب ولو في بعض اللغات أو بعض الوجوه.
وقد وقع في القرآن ألفاظ من غير لغة كالمشكاة والإستبرق (٢) ووقع فيه الحقيقة والمجاز جريًا على منهاج كلام العرب (٣).
الباب الثالث: في السُّنَّة
وهي ثلاثة أنواع: قول النبي ﷺ وفعله وإقراره (٤).
- فأما قوله ﷺ فيحتج به كما يحتج بالقران، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، ولقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: الآية ٣٢] ويجري فيه ما يجري في القرآن من المباحث اللغوية فإنها إنما تنصرف في الأقوال.
- وأما فعله ﷺ فينقسم قسمين: قربات وعادات.
فإن كان عادات كالأكل واللباس والقيام والقعود فهو دليل على الجواز (٥) فإتباعه ﷺ في كيفية ذلك وصفته حسن.
وإن كان من القربات فهو ثلاث أوجه:
- أحدها: أن يفعله بيانًا لغيره، فحكمه حكم ذلك المبين، فإن بيَّن واجبًا فهو واجب، وإن بيِّن مندوبًا فهو مندوب.
стр. 48
- والثاني: أن يفعله امتثالًا لأمر، فحكمه حكم ذلك الأمر من الوجوب والندب (١).
- والثالث: أن يفعله ابتداء من غير سبب، فاختلف هل هو على الوجوب أو الندب؟.
فروع:
الأول: إذا ثبت حكم في حقه ﷺ ثبت في حق أمته إلا أن يدل دليل على تخصيص ذلك به (٢).
الثاني: يقع بفعله ﷺ جميع أنواع البيان من بيان المجمل، وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ.
الثالث: إذا تعارض قوله ﷺ وفعله، فاختلف هل يرجح القول أو الفعل والأرجح ترجيح القول لأنه يدل بصيغته، وهذا إذا لم يعلم التاريخ فإن علم نسخ المتأخر المتقدم (٣).
- وأما إقراره ﷺ فهو أن يسمع شيئًا فلا ينكره أو يرى فعلًا فلا ينكره مع عدم الموانع، فيدل ذلك على جوازه (٤)، وأما ما فعل في زمانه فلم ينكره، فإن كان مما لا يجوز في العادة أن يخفي عليه فهو كإقراره، وإن كان مما يجوز أن يخفي عليه فلا حجة فيه.
إلحاق:
يناسب هذا الفصل شرع من قبلنا من الأنبياء ﵈، واختلف هل شرع لنا أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
- أحدها: أن شرع جميعهم شرع لنا.
- والثاني: أن شرع جميعهم ليس شرعًا لنا.
- والثالث: التفرقة بين إبراهيم الخليل ﵇ وغيره، فيكون شرعه شرعًا لنا بخلاف غيره (٥).
стр. 49
وهذه الأقوال إنما هي في المسائل التي لم يثبت حكمها في شرعنا فأما ثبت في شرعنا فهو على ما ثبت فيه سواء وافق شرع من قبلنا أو خالفه.
الباب الرابع: في الخبر
وهو الكلام المحتمل للتصديق والتكذيب، وهذه العبارة أولى ممن قال الصدق والكذب (١) لأن خبر اللَّه ورسوله ﷺ لا يحتمل إلا الصدق وخبر الكاذب كمسيلمة لا يحتمل إلا الكذب، وفائدة هذا الباب معرفة نقل السنة وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في التواتر
نقل الخبر على نوعين: متواتر، ونقل أحاد.
- فأما التواتر فهو خبر ينقله جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب قال فخر الدين بن الخطيب: "إنَّ عددهم غير محصور خلافًا لمن حصرهم في اثنتي عشر أو في أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة أو غير ذلك والأربعة ليست منه عند الجمهور (٢) وعلى أنه قد قال ابن حزم: "إن نقل الاثنين العدلين يوجب العلم".
والتواتر يفيد العلم بشرطين:
أحدهما: أن يستوي طرفاه وواسطته في كثرة الناقلين.
والآخر: أن يكون مستندًا إلى أمر معلوم بالحس تحرزًا من الظنون ومن المعلوم بالنظر (٣).
تنبيه:
يحصل العلم بالخبر بطرق غير التواتر وهي كون المخبر عنه معلومًا بالضرورة، أو بالاستدلال، أو خبر رسوله ﷺ ، أو خبر مجموع الأمة، أو القرائن عند أبي المعالي وأبي حامد (٤).
الفصل الثاني: في أخبار الآحاد
وأما نقل الآحاد فهو خبر الواحد أو الجماعة الذين لا يبلغون حد التواتر، وهو لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن، وهو حجة عند مالك وغيره بشروط منها:
стр. 50
- أن يكون الراوي حين السماع مميزًا سواء كان بالغًا أو غير بالغ (١).
- وأن يكون عند التحديث عاقلًا بالغًا مسلمًا عدلًا، والعدالة هي اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر واجتناب المباحات القادحة في المروءة، والصحابة كلهم عدول (٢) وتثبت العدالة بالاختبار أو التزكية، واختلف هل يكفي في التعديل والتجريح واحد أم لا؟ (٣)
وتقبل رواية الفاسق ومجهول الحال، واختلفوا في قبول رواية المبتدع (٤).
- ومنها أن يكون الراوي فقيةا اشترطه مالك خلافًا لغيره (٥).
- ومنها أن لا يثبت كذب الخبر لمخالفته لما علم بالتواتر أو الضرورة أو الدليل القاطع، أو أن يكون شأنه أن يتواتر ولم يتواتر (٦).
ولا يقدح في الرواية تساهل الراوي في غير الحديث، ولا جهله بالعربية، ولا مخالفة الناس لروايته، ولا كون مذهب على خلاف روايته (٧).
الفصل الثالث: في النظر في كيفية الرواية وألفاظ الراوي
- أما كيفية الرواية فست مراتب، أعلاها السماع من الشيخ، ثم القراءة عليه ثم السماع عليه، ثم المناولة، ثم الإجازة بالمشافهة، ثم الإجازة بالمكاتبة.
- وأما ألفاظ الراوي، فإن كان من الصحابة فألفاظه ست مراتب:
الأول: أن يقول سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول، أو حدثني أو أخبرني أو قال لي، فهذا نص في تلقيه لذلك من رسول اللَّه ﷺ .
أو أخبر أو حدّث، وهذه ظاهرة في التلقي منه ﷺ وعلى ذلك يحمل وليس نصًّا.
ومثله أمر رسول اللَّه ﷺ بكذا أو نهى عن كذا، فهذه محتملة هل سمعه منه أم لا؟
стр. 51
الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، فيتطرق إلى هذا احتمال ثانٍ وهو هل أمر به رسول اللَّه ﷺ أو غيره إلا أن قالها أبو بكر الصديق فيعلم أنه لم يأتمر عليه أحد غير رسول اللَّه ﷺ .
الخامسة: أن يقول كنا نفعل كذا، فيتطرق إليه احتمال هل كان في زمان النبي ﷺ أم لا (١).
وإذا قال غير الصحابي قال رسول اللَّه ﷺ فهذا مرسل، وهو حجة عند مالك وأبي حنيفة خلافًا للشافعي (٢).
واختلف هل ينقل الحديث بالمعنى، واشترط الذين أجازوه أن لا يزيد في المعنى ولا ينقص ولا يكون أخفى (٣).
- وأما ألفاظ غير الصحابي فعلى أربع مراتب: الأولى: حدثني أو أخبرني أو سمعته.
الثانية: أن يقال له أسمعت هذا فيقول نعم.
الثالثة: أن يقال له أسمعت هذا فيشير بإصبعه أو برأسه.
الرابعة: أن يقرأ عليه ولا ينكر ولا يتعرف بإشارة ولا غيرها (٤).
الباب الخامس: في النسخ
وهو يتطرق إلى الكتاب والسنة دون غيرهما، فلذلك ذكرناه عقبهما، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في حقيقته
ومعناه لغة: الإزالة كقولهم نسخت الشمس الظل، والنقل كنسخ الكتاب (٥) وحده شرعًا: الخطاب الدال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم مع تراخيه عنه (٦).
стр. 52
والفرق بينه وبين التخصيص من ثلاثة أوجه:
- الأول: أن النسخ بعد ثبوت الحكم بخلاف التخصيص.
- الثاني: أن النسخ متراخ عن المنسوخ، والتخصيص قد يكون متراخيًا ومتصلًا.
- الثالث: أن النسخ إبطال الجميع والتخصيص إخراج البعض (١).
الفصل الثاني: في حكمه
والنسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، وأنكره اليهود لعنهم اللَّه (٢) وقالوا يلزم منه البداء (٣) وهو محال على اللَّه، وقولهم باطل، والدليل على بطلانه من ثلاثة أوجه:
- الأول: ما اتفقت عليه الأمم من نكاح الأخوات غير التوأمة في زمان آدم، ثم تحريمه في جميع الملل (٤).
- الثاني: أن اليهود وافقوا على أن شريعتهم نسخت ما قبلها، فلما جاز ذلك يجوز أن ينسخها ما بعدها.
- الثالث: الفرق بين النسخ والبداء هو أن يظهر له ما كان خفيًّا عليه، والنسخ ليس كذلك، إنما هو كتحديد مدة للحكم مثل أن يأمر السيد عبده بعمل فإذا بلغ منه المقدار الذي أراد السيد، رفع يده عنه وأمر بعمل آخر (٥).
ولا يجوز النسخ إلا بثلاثة شروط:
- أحدها: أن يكون في الأحكام لا في الاعتقادات ولا في الأخبار إلا إذا اقتضت حكمًا (٦).
- والثاني: أن يكون في الكتاب والسنة، لأن الإجماع والقياس لا ينسخ واحد منهما ولا ينسخ (٧).
стр. 53
- والثالث: أن يكون الناسخ متأخرًا والمنسوخ متقدمًا، ويعرف ذلك بالنص على التأخير أو معرفة وقتهما أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر.
ويرفع النسخ بالنص على الرفع أو على ثبوت النقيض أو بالضد أو بإجماع الأمة على النسخ (١).
الفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ
- أما القرآن فينسخ بالقرآن (٢)، واختلف في نسخه بالسنة المتواترة (٣) ولا ينسخ بأخبار الآحاد خلافًا للقاضي أبي الوليد وبعض أهل الظاهر.
- أما السنة المتواترة فتنسخ بالقرآن أو بالسنة المتواترة لا بالآحاد (٤).
- وأما أخبار الآحاد فتنسخ بالقرآن أو بالسنة المتواترة أو بالآحاد (٥).
ويجوز نسخ الأثقل بالأخف وعكسه، والنسخ بالمثل والنسخ إلى غير بدل (٦) والمنسوخ بالقرآن على ثلاثة أنواع: منسوخ التلاوة والحكم، ومنسوخ التلاوة دون الحكم، ومنسوخ الحكم دون التلاوة (٧).
الباب السادس: في الإجماع
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في إجماع الأمة
وهو اتفاق العُلماء على حكم شرعي وهو حجة عند جمهور الأمة خلافًا للخوارج والروافض، وإجماع كل عصر حجة لا يشترط الأمة إلى يوم القيامة لانتفاء فائدة الإجماع (٨)، ولا يشترط انقراض العصر خلافًا لقوم.
стр. 54
وقال داود الظاهري: إجماع غير الصحابة ليس بحجة، ولا يعتبر إجماع العوام خلافًا للقاضي أبي بكر. والمعتبر في كل فن إجماع أهله وإن لم يكونوا من غير أهله ولا يعتبر منهم إلا المجتهدون لا المقلدون.
فروع:
- الأول: يجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد وفي العصر الثاني.
- الثاني: إذا اختلف أهل العصر الأول على قولين فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث خلافًا للظاهرية (١).
- الثالث: إذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون فهو حجة وإجماع ويسمى الإجماع السكوتي وقيل هو حجة وليس بإجماع.
- الرابع: يجوز عند مالك انعقاد الإجماع عن الدليل والأمارة والقياس (٢).
- الخامس: إذا نقل الإجماع بأخبار الآحاد فقيل هو حجة وقيل لا (٣).
الفصل الثاني: في بقية أنواع الإجماع
- أما إجماع أهل المدينة فهو حجة عند مالك وأصحابه وهو عندهم مقدم على الأخبار (٤) خلافًا لسائر العلماء، وهو من وجوه الترجيح عند الجميع (٥).
- وأما إجماع أهل الكوفة فقال به قوم لكثرة من دخلها من الصحابة وكذلك قال قوم بإجماع العترة وبإجماع الخلفاء الأربعة لفضلهم.
- وأما قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف، فإن انتشر ذلك القول في الصحابة فهو حجة كالإجماع السكوتي، وإن لم ينتشر فمذهب مالك أنه حجة، واختلف فيه قول الشافعي (٦).
- وأما إذا اختلف الصحابة على قولين فهما دليلان تعارضا فيرجح أحدهما بكثرة العدد أو بموافقة أحد الخلفاء الأربعة عليه، وإن استويا وجب الرجوع إلى دليل آخر.
стр. 55
الباب السابع: في القياس
وهو أكمل الرأي ومجال الاجتهاد، وبه تثبت أكثر الأحكام، فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواضع الإجماع معدودة، والوقائع غير محصورة، فاضطر العلماء إلى أن يثبتوا عنها بالقياس لعالم يثبت بنص ولا إجماع.
والقياس حجة عند العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلا الظاهرية، ونتكلم في حده ومواضعه، وشروطه، وأنواعه، ومفسراته:
الفصل الأول: في حده ومواضعه
- أما حده فهو: "حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما" (١).
فقولنا: معلوم نعني به الاشتراك بين المعلوم والمظنون، ويدخل فيه أيضًا الموجود والمعدوم (٢)، وأوجز من ذلك أن تقول القياس: "هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه لجامع بينهما فالمنطوق به هو المقيس عليه وهو الأصل، والمسكوت عنه هو المقيس وهو الفرع.
- وأما مواضعه فيدخل في الأحكام الشرعية وهو مقصودنا، وفي الأحكام العقلية، وفي الأحكام اللغوية ولا يدخل في الأسباب مثل أن يقول في طلوع الشمس أنه موجب للصلاة كغروبها (٣) ويدخل في المقدرات كالكفارات خلافًا لأبي حنيفة.
ولا يجوز القياس على الرخص خلافًا للشافعي (٤).
الفصل الثاني: في شروطه
وهي ثمانية منها ما يشترط في الأصل والفرع:
- الأول: أن يكون حكم الأصل شرعيًا.
- الثاني: أن يثبت بدليل شرعي.
- الثالث: أن يكون ثابتًا غير منسوخ.
стр. 56
- الرابع: أن يكون متفقًا عليه عند جميع العلماء أو عند الخصمين.
- الخامس: أن لا يكون الأصل فرعًا لأصل آخر، وفي هذا خلاف.
- السادس: أن لا يخرج الأصل عن باب القياس كالتعبدات من عدد ركعات الصلاة ومقادير الحدود وشبه ذلك، وما اختص به النبي ﷺ من الأحكام.
- السابع: أن يكون الوصف الجامع موجودًا في الفرع كما هو في الأصل.
- الثامن: أن لا يكون الفرع منصوصًا فإن القياس لا يعتبر مع وجود النص (١).
الفصل الثالث: في أنواعه
ونوضحها بثلاث تقسيمات:
القسم الأول: ينقسم القياس إلى نوعين قياس علة، وقياس شبه.
فقياس العلة: هو الذي يكون الجامع فيه بين الأصل والفرع وصفًا هو علة الحكم وموجب له كتحريم النبيذ المسكر بالقياس على الخمر، والجامع بينهما الإسكار وهو علة التحريم.
وقياس الشبه: هو الذي يكون الجامع فيه وصفًا ليس بعلة في الحكم كإيجاب النية في الوضوء بالقياس على التيمم والجامع بينهما أن كل واحد منهما طهارة من حدث، والطهارة من حدث ليست علة لوجوب النية وإنما هي وصف يشترك فيه الأصل والفرع (٢).
واتفق القائلون بالقياس على أن قياس العلة حجة، واختلفوا في الاحتجاج بقياس الشبه لضعفه، ولأنه ينقلب يقول الحنفي لا تجب النية في الوضوء بالقياس على إزالة النجاسة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما طهارة بالماء، وزاد بعض الأصوليين نوعًا ثلاثًا سموه قياس الدلالة، قال أبو المعالي: "لا معنى لِعَدِّه قسمًا على حدته، لأنه تارة يلحق بقياس العلة وتارة بقياس الشبه"، وزاد بعضهم قياس المناسبة وهو المبني على تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، وسنتكلم عليه في المصلحة.
القسم الثاني: ينقسم من وجه آخر إلى نوعين: قياس جلي وقياس خفي، وهو بالنظر إلى ذلك على درجات.
стр. 57
- الدرجة الأولى: إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه لأنه أولى كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: الآية ٢٣] (١).
- الدرجة الثانية: إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه، لأنه مثله كقول النبي ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغسل منه" (٢) فيحكم للمتغوط في الماء الدائم بحكم البول لأنه مثله في تنجيس الماء.
وقد اختلف: هل تسمى الدرجتان قياس أم لا تسمى لظهورها حتى أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به فيها معلوم قطعًا لا يحتاج إلى فكر ولا استنباط علة، ولا يخالف فيهما إلا معاندًا أو جاهلًا.
- الدرجة الثالثة: قياس العلة: وهو متفاوت في الخفاء والجلاء ألا ترى أن قياس الأرز على القمح في تحريم التفاضل لعلة الاقتيات والادخار عند مالك والطعمية عند الشافعي ليس في الظهور كقياس النبيذ على الخمر لعلة الإسكار.
- الدرجة الرابعة: قياس المناسبة، وهو أيضًا متفاوت.
- الدرجة الخامسة: قياس الشبه، وهو أيضًا متفاوت (٣).
التقسيم الثالث: تعرف العلة في قياس العلة بأمور بعضها أقوى من بعض، متفاوت درجات القياس لذلك:
- الأول: النص على العلة، كقول النبي ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ".
- الثاني: الإيماء بالفاء كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: الآية ٣٨] أو بالباء كقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: الآية ١٣] أو بالسلام كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: الآية ٥٦]، وإن كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾ [الحاقة: الآية ٣٣].
- الثالث: ترتيب الحكم على الوصف كقوله ﵇: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" (٤) معناه لأجل قتله (٥).
стр. 58
- الرابع: الإجماع على العلة (١).
- الخامس: دوران الحكم مع الوصف، وهو وجوده مع وجوده، وعدمه مع عدمه كالرجم مع الإحصان (٢).
- السادس: السبر والتقسيم، وهو أن يقال لا يخلو أن تكون علة كذا وكذا ويبطل أن تكون كذا، فيتعين أن يكون (٣).
- السابع: تقسيم المناط: وهو تعيين العلة من بين أوصاف مذكورة كما ورد في الحديث "أن أعرابيًا جاء يضربُ صدرَه، وينتف شعره، ويقول: هَلَكْتُ وأُهْلَكتُ واقعت أهلي في رمضان" (٤) فهذه جملة أوصاف تعين أن أمره بالكفارة إنما كان للجماع في رمضان لا لغيره من الأوصاف المذكورة (٥).
تكميل:
يقول الفقهاء تنقيح المناط وتخريج المناط وتحقيق المناط.
- فأما تنقيح المناط فقد بيناه، والمناط هو العلة.
- وأما تخريج المناط فهو تعيين العلة من أوصاف غير مذكورة، كقوله ﷺ : "لا تَبِيعوا البُرَّ بِالبُرِّ إلا مِثْلًا بِمِثْلِ" (٦)، فتنظر هل العلة فى ذلك الطعمية أو الاقتيات أو الكيل أو الوزن أو غير ذلك.
- وأما تحقيق المناط، فهو أن يتفق على تعيين العلة، ويطلب أن يثبت في محل النزاع (٧).
الفصل الرابع: في مفسدات القياس
وهي عشرة وبها ينقض الخصم قياص خصمه عند المناظرة:
стр. 59
- الأول: مخالف القياس لنص كتاب أو سنة، فإن خالف قدم الكتاب أو السنة لم يقدح ذلك فيه، لأن العموم يخصص بالقياس على خلاف في ذلك، وقيل يخصص وقيل يخصص بالجلي لا بالخفي.
- والثاني: مخالف الإجماع.
- والثالث: عدم ثبوت الوصف الجامع.
- والرابع: قصور العلة، وهو كونها لا تتعدى الأصل إلى سواه.
- والخامس: النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم والنقض في سائر الأدلة وجود الدليل دون المدلول، والنقض في الحدود وجود الحد دون المحدود وهو مفسد في الحدود، واختلف في إفساده في الأدلة والعلل.
- والسادس: العكس: وهو وجود الحكم بدون الوصف، وإنما يقدح إذا اتفق الخصمان على أن العلة واحدة فإذا وجد الحكم دونها دل على عدم اعتبارها، وأما إذا اتفقا على أن لذلك الحكم علتين أو أكثر فلا يقدح لاحتمال أن إحداهما خلفت الأخرى كالحيض يخلف الجنابة في وجوب الغسل لأنهما علتان في وجوب الغسل.
- السابع: القلب: وهو إثبات نقيض الحكم بالعلة بعينها، فإن ثبوت نقيضه معها يدل على استحالة ثبوته لأن النقيضين لا يجتمعان، وذلك مثل قول المالكي: الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يستقل بنفسه بالقياس على الوقوف بعرفة فيكون الصائم شرطا فيه فيقول: خصمه: الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يشترط فيه الصوم بالقياس على الوقوف بعرفة.
- الثامن: الفرق: وهو إبداء معنى مناسب للحكم يوجد في الأصل ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل كقول الحنفي: الوضوء طهارة بالماء فلا يفتقر إلى نية كإزالة النجاسة، فيجيبه الفارق بأن الوضوء طهارة حكمية وإزالة النجاسة طهارة عينية فافترق حكمهما، فإن كان الفرق غير مناسب لم يقدح في القياس كقول القائل: الأرز مقتات فيحرم فيه التفاضل كالقمح، فيقول الفارق: الفرق بينهما أن الأرز شديد البياض بخلاف القمح، فهذا خلاف لا يعتبر.
- التاسع: القول: بالموجب: وهو يقدح في جميع الأدلة من القياس وغيره، ومعناه أن يُسَلِّمَ الخصم الدليل الذي استدل به المستدل إلا أن يقول هذا الدليل ليس في محل النزاع، إنما هو في غيره فيبقي الخلاف بينهما، كقول الشافعي: المحرم إذا
стр. 60
مات لم يغسل ولم يمس بطيب لقول رسول اللَّه ﷺ في رجل مات وهو محرم لا تمسوه بطيب فينه يبعث يوم القيامة ملبيًا، فيقول المالكي: سلمنا ذلك الرجل وإنما النزاع في غيره، لأن اللفظ لم يرد بصيغة العموم.
- العاشر: نقص شرط من شروط القياس، وقد عددناها في مواضعها (١).
الباب الثامن: في الاستدلال
وهو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم، ويقال باصطلاحين:
- أحدهما: محاولة الدليل الشرعي أو غيرها من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المعلومة، وهو قصدنا هنا.
- والثاني: محاولة الدليل الشرعي وغيره من الأدلة المعلومة أو غيرها.
والثاني أعم والأول أخص وهو على ضربين:
- الضرب الأول: الاستدلال بالملزوم على لازمه، وباللازم على ملزومه.
والملزوم ما يحسن معه "لو" واللازم ما يحسن معه "اللام" نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: الآية ٢٢]، وكقولنا: إن كان هذا الطعام مهلكًا فهو حرام، تقديره: لو كان مهلكًا لكان حرامًا، ويتصور في ذلك أربع صور: اثنان منتجان وهما: الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم، وبعدم اللازم على عدم الملزوم.
واثنان عقيمان لا ينتجان وهما: الاستدلال بعدم الملزوم أو بوجود اللازم إلا أن يكون اللازم مساويًا للملزوم ينتج الأربعة نحو: لو كان هذا إنسانًا لكان ضاحكًا.
ثم إن الملازمة قد تكون قطعية وظنية، والموجود هنا ما كان منفيًّا في اللفظ والمعدوم ما كان ثابتًا في اللفظ، لأن "لو" تنفي الثابت وتثبت المنفي (٢).
- الضرب الثاني: السبر والتقسيم: وهو حصر الأقسام بين النفي والإثبات حتى يحصل المطلوب، كقولنا: لا يخلو أن يكون كذا وكذا، وباطل أن يكون كذا وكذا
стр. 61
يثبت ضده وهو كذا، أو يبطل جميع الأقسام، وكل واحد من الضربين حجة صحيحة وهما الشرط المتصل والمنفصل (١) المذكوران في العقليات.
الباب التاسع: في الاستصحاب، والبراءة الأصلية، والأخذ بالأخف، والاستقراء، والاستحسان
- أما الاستصحاب: فهو بقاء الأمر والحال والاستقبال على ما كان عليه في الماضي وهو قولهم: "الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يدل الدليل على خلاف ذلك" وهو حجة عند المالكية وأكثر الشافعية خلافًا للحنفية والمتكلمين (٢).
- وأما البراءة الأصلية، فهي ضرب من الاستصحاب، ومعناها: البقاء على عدم الحكم حتى يدل الدليل عليه، لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الأحكام، وهي حجة خلافًا للمعتزلة وأبي الفرج والأَبْهَري المالكيين (٣).
- وأما الأخذ بالأخف، فهو ضرب من البراءة الأصلية، ومعناه: الأخذ باخف الأقوال حتى يدل الدليل على الانتقال إلى الأثقل، وهو حجة عند الشافعية.
- وأما الاستقراء: فهو تتبع الحكم في مواضعه، فيوجد فيها على حالة واحدة حتى يغلب على الظن أنه محل النزاع على تلك الحالة، وهي حجة عند الشافعية (٤).
- وأما الاستحسان، فهو حجة عند أبي حنيفة خلافًا لغيره حتى قال الشافعي: "من استحسن فقد شرع" (٥) ثم اختلف الناس في معناه، فقال الباجي: "هو القول بأقوى الدليلين" وعلى هذا يكون حجة إجماعًا. وقيل: هو الحكم بغير دليل، وعلى هذا يكون حرامًا إجماعًا، لأنه اتباع للهوى، وقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه. وأشبه الأقوال إنه ما يستحسنه المجتهد بعقله.
стр. 62
الباب العاشر: في العوائد والمصلحة المرسلة، وسدّ الذرائع، والعصمة
- أما العوائد: فهي غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة في جميع الأقاليم، وقد تختص ببعض البلاد أو بعض الفرق، فيقضي بالعادة عند المالكية خلافًا لغيرهم، وذلك ما لم تخالف الشريعة.
- وأما المصلحة، فهي على ثلاثة أقسام:
قسم شهد الشرع باعتباره، وهو قياس المناسبة المبني على النظر المصلحي من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فهذا حجة عند جميع القائلين بالقياس، ومن ذلك ما فعله عمر ﵁ من الديوان وإحداث السجن وغير ذلك.
وقسم شهد الشرع بعدم اعتباره كالمنع من غراسة العنب لئلا يعصر منه خمرًا، فهذا لا يقول به.
وقسم لم يشهد الشرع باعتباره ولا بعدم اعتباره، وهو المصلحة المرسلة، وهو حجة عند مالك خلافًا لغيره (١) وقال أبو حامد: "إن وقعت في محل الحاجة والتتمة لم يعتبر، كان وقعت في محل الضرورة فيجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد، والضرورة هي الخمسة التي اتفقت عليها الشرائع، وهي حفظ الأديان والنفوس والأنساب والأموال والعقول" (٢)، واشترط أبو حامد في المصلحة أن تكون كلية قطعية مع كونها ضرورية (٣).
- وأما سد الذرائع بمعناه: حسم مادة الفساد بقطع وسائله، والذرائع هي الوسائل، وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها معتبر إجماعًا كسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب اللَّه.
وقسم غير معتبر إجماعًا كالمنع من الشركة في سكنى الديار مخافة الزنى.
وقسم مختلف فيه كبيوع الآجال فاعتبرها مالك خلافًا لغيره.
стр. 63
تنبيه:
ينقل أهل المذهب عن مالك أنه انفرد باعتبار العوائد والمصلحة والذريعة وليس كذلك، فإن العادة هي العرف، وهو معتبر في المذاهب، والمصلحة قد اعتبرها أهل المذاهب قسمًا منها، وإنما انفرد مالك بقسم، فحاصل هذا أنه اعتبر المصلحة والذريعة أكثر من غيره لا أنه انفرد بهما.
- وأما العصمة، فمعناها أن يقول اللَّه لنبي أو لعالم: "احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب لأني عصمتك من الخطأ".
وقد اختلف الناس في ذلك، فقال بوقوع ذلك مويس بن عمران والروافض، وقالت المعتزلة: وذلك ممتنع، وتوقف الشافعي ووافقه فخر الدين بن الخطيب (١).
стр. 64
الفن الخامس من علم الأصول في الاجتهاد، والتقليد، والفتوى، والتعارض والترجيح
وفيه عشرة أبواب:
الباب الأول: في الاجتهاد
وهو استفراغ الوسع في النظر في الأحكام الشرعية (١)، وهو واجب عند مالك، وجمهور العلماء على تفصيل نذكره بعد هذا.
فروع:
- الأول: لا خلاف في جواز الاجتهاد بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ وأما اجتهاد غيره في زمانه، فان كان غائبًا عنه جاز، وإن كان حاضرًا معه ففيه خلاف (٢).
- الفرع الثاني: قال الشافعي وأبو يوسف وغيرهما: يجوز أن يحكم النبي ﷺ بالاجتهاد، وقال آخرون لم يكن متعبدًا به لأن الوحي يغني عن الاجتهاد (٣).
- الفرع الثالث: إذا نُقل عن المجتهد قولان، فإن علم التاريخ عُدَّ الثاني رجوعًا عن الأول. وإن لم يعلم حكي عنه القولان ولم يحكم عليه برجوع، وإن كان في وقت واحد بمعنى أن المسألة عنده محتملة للقولين، وإن أشار أبى ترجيح أحدهما نقل عنه، وإلا نقل عنه القولان (٤).
стр. 65
- الفرع الرابع: إذا أفتى المجتهد في مسألة ثم سئل عنها مرة أخرى، فإن كان ذاكرًا لاجتهاده الأول أفتى به، كان نسيه استأنف الاجتهاد، فإن أداه إلى خلاف الأول أفتي بالثاني (١).
الباب الثاني: في شروط المجتهد
وهي على الجملة أربعة: التكليف، والثاني العدالة، والثالث جودة الحفظ، والرابع المعرفة بما يتوقف عليها الاجتهاد من العلوم (٢)، وهي خمسة فنون:
- أولها: كتاب اللَّه تعالى فلا بد من حفظه، وتجويد قراءته ولو بحرف واحد من الأحرف السبعة، وفهم معانيه لا سيما آيات الأحكام، ومعرفة المكي والمدني منه، ومعرفة المحكوم، والناسخ والمنسوخ منه وغير ذلك من علومه.
وقال قوم من الأصوليين: لا يشترط حفظه للقرآن ولا حفظه لآيات الأحكام منه بل العلم بمواضعه لينظر فيها الحاجة إليها (٣)، وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الأحكام قد تخرج من غير الآيات المعلومة فيها فيضطر إلى حفظ الجميع.
والآخر: أن من زهد في حفظ كتاب اللَّه كما ينبغي أن يكون إمامًا في دين اللَّه، كيف وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّه المَتِينُ، وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَنَبَأ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارِ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَن ابْتَغَى الهُدَى مِنْ غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ" (٤) حسبك هذا الوعيد لمن تركه وابتغى الهدى من غيره.
- وثانيها: حفظ حديث رسول اللَّه ﷺ ، وأحاديث أصحابه، وحفظ أسانيدها، ومعرفة الرجال الناقلين لهما، على أن أئمة المحدثين ﵃ وجزاهم خيرًا، قد قاموا بوظيفة معرفة الناقلين، وتجريحهم وتعديلهم، وتمييز الحديث الصحيح من غيره، وتدوينه في تصانيفهم حين كفوا من بعدهم مؤنة معرفة الأسانيد والرجال، وصار ذلك للمجتهد صفة كمال.
стр. 66
وقال قوم: لا يشترط في المجتهد حفظ الحديث (١)، وهذا أيضًا خطأ، فإن أكثر الأحكام منصوصة في الحديث، فإذا لم يعرف الحديث أفتى بالقياس أو غيره من الأدلة الضعيفة وخالف النص النبوي.
- وثالثها: المعرفة بالفقه، وحفظ مذاهب العلماء في الأحكام الشرعية ليقتدي في مذاهبه بالسلف الصالح، وليختار في أقوالهم ما هو أصح وأرجح، ولئلا يخرج عن أقوالهم بالكلية، فيخرق الإجماع، وقد كان مالك على جلالته يقتدي بمن تقدمه من العلماء، ويتبع مذاهبهم.
- ورابعها: المعرفة بأصول الفقه، فإنه الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد (٢).
- وخامسها: المعرفة بما يحتاج إليه من علوم لسان العرب من النحو واللغة ليفهم بذلك القرآن والحديث إذ هما بلسان العرب (٣).
وأما معرفته بغير ما ذكرنا من العلوم فليست شرطًا في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولكنها صفةكمال، ومن أراد الاجتهاد في فن من الفنون فلا بد له من معرفته ومعرفة رواته.
الباب الثالث: في تصريف المجتهدين في الأحكام
الأحكام الشرعية ضربان: عقلية وهي أصل الدين، وسمعية وهو فروع الفقه.
- فأما أصول الدين كإثبات الصانع ووحدانيته وصفاته، وإثبات النبوة وغير ذلك، فإن الحق فيها في قول واحد وما عدا ذلك باطل، وعلى ذلك اتفق العلماء إلا الجاحظ والعنبري فإنهما قال: "كل مجتهد مصيب في أصول الدين"، بمعنى نفي الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد للحق.
- وأما الفروع فهي على ثلاثة أضرب:
ضرب لا يسوغ الاجتهاد فيه لأنه علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان وتحريم الخمر، فمن خالف في شيء من ذلك فهو مخطئ بإجماع ويكفر، لأن المخالفة في ذلك تكذيب للَّه ولرسوله ﷺ .
стр. 67
وضرب لم يعلم من الدين ضرورة، ولكنه أجمع عليه جميع الأمة في جميع الأعصار والأمصار كوجوب الصداق في النكاح، وتحريم المطلقة ثلاثًا إلا بعد زوج، وغير ذلك، فهذا ضرب من خالف فيه فهو مخطئ بإجماع وهو فاسق.
وضرب يسوغ فيه الاجتهاد وهي المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين فأكثر، ففي التصويب في هذا الضرب اختلاف العلماء، فقال قوم: "إن الحق في ذلك كله واحد وما عداه باطل، ولكن المخطئ فيه غير مأثوم" وهو مذهب الشافعي وقال قوم: "كل مجتهد مصيب"، وهو قول أبي حنيفة وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأكثر المتكلمين، ونقل عن مالك القولان (١).
الباب الرابع: في التقليد
ومعناه: قبول قول الغير من غير دليل (٢)، وقد اختلف العلماء في جوازه، وفي ذلك تفصيل:
- أما أصول الدين، فمنع أكثر المتكلمين من التقليد فيها، وأجازه أكثر المحدثين وغيرهم (٣).
- وأما فروع الفقه التي علمت من الدين ضرورة فلا يجوز التقليد فيها لاشتراك الناس في العلم بها.
وأما الفروع التي لا تعلم إلا بالنظر والاستدلال، فيجوز للعامي الذي لا يعرف طرق الأحكام أن يقلد عالمًا ويعمل بقوله عند الجمهور.
فروع:
الأول: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:
- أحدها: أن يعتقد فيمن يقلده العلم والفضل.
- الثاني: لا يتبع رخص المذاهب.
- الثالث: لا يجمع بين المذاهب على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد.
стр. 68
الثاني: إذا فعل المكلف فعلًا مختلفًا في تحريمه غير مقلد لأحد، فاختلف هل هو آثم بناء على القول بالتحريم، أو غير آثم بناء على القول بالجواز.
الثالث: يقلد غير العلماء فيما يختص بهم من المعارف والصنائع، فمن ذلك تقليد القائف في إلحاق النسب، وتقليد القاسم في القسم، وتقليد التاجر في قيم المتلفات، وتقليد الخارص فيما يخرصه، وتقليد الراوي فيما يرويه، وتقليد الجزار في الذكاة.
الباب الخامس: في الفتوى والنظر في صفة المفتي والمستفتي
- أما المفتي فيجب أن يجتمع فيه شروط الاجتهاد على القول بوجوب الاجتهاد. . وأما على القول بعدم وجوبه فالمفتي ينقل أقوال إمامه الذي يقلد كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهذا هو الشأن في زماننا فيجب أن يحقق قول إمامه في النازلة التي أفتى بها.
- وأما المستفتي فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام.
- وأما العالم، فإن كان عالمًا لم يبلغ درجة الاجتهاد جاز له أن يستفتي ويقلد إمامًا كان بلغ درجة الاجتهاد فأكثر أهل السنة أنه لا يجوز له التقليد وأجازه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري مطلقًا، وأجازه محمد بن الحسن أن يقلد من هو أعلم منه لا من هو مثله (١).
فروع:
- الفرع الأول: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي من شاء على الإطلاق، لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في علمه وعدالته ويكفيه في معرفة حاله خبر الواحد.
- الفرع الثاني: إن وجد المستفتي عالمًا واحدًا قلده، كان وجد اثنين فأكثر فقيل يقلد واحد منهم، وقيل يختار أعلمهم وأفضلهم.
- الفرع الثالث: إن استفتى رجلين فأكثر فاختلفوا في الفتيا، فقيل يأخذ يقول من شاء منهم، وقيل يجتهد في أيهم أفضل فيأخذ بقوله، وقيل يأخذ بالقول الأحوط (٢).
стр. 69
الباب السادس: في تعارض الأدلة
إذا تعارض دليلان فأكثر ففي ذلك ثلاثة طرق:
- الأول: العمل بهما، وذلك بالجمع بينهما على قدر الإمكان ولو من وجه واحد، وهذا أولى الطرق لأنه ليس فيه إطراح لأحدهما.
- الثاني: ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المذكورة بعد.
- الثالث: نسخ أحدهما بالآخر وشرط معرفة المتقدم والمتأخر منهما.
فإن عجز عن الجمع والترجيح تساقط الدليلان ووجب التوقف أو تقليد مجتهد آخر عشر على الترجيح، وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: "يتخير في العمل بأيهما شاء"، وقال الأبهري: "يتعين الحظر"، وقال أبو الفرج: "تتعين الإباحة" بناء على أصله أن "الأشياء على الإباحة".
الباب السابع: في الترجيح
اتفق جمهور العلماء على القول بالترجيح بين الأدلة، وأنكره بعض الناس والصحيح القول به، وإنما يتاتى في المظنونات، وأما القطعيات فلا يتأتى فيها لتعذر التفاوت بين القطعيين، إذ ليس بعض المعلومات أقوى وأغلب من بعض وإن كانت بعضها أجلى وأقرب حصولًا وأشد استغناء عن التأمل.
فإذا تقرر هذا، فلا يخلو أن يكون الدليلان المتعارضان قطعيين، أو ظنيين، أو أحدهما قطعي والآخر ظني:
فإن كانا قطعيين، كالنصوص المتواترة، فللمجتهد حالتان: الجمع بينهما إن أمكن، والنسخ إن علم (التأويل).
وإن كانا ظنيين، كالظواهر والعمومات ونصوص أخبار الآحاد فلها ثلاثة أحوال: الجمع إن أمكن، والنسخ إن علم التاريخ، والترجيح.
وإن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًّا، فإن جهل التاريخ تعين المعلوم، وإن تاخر المعلوم نسخ المظنون، كان تأخر المظنون لم ينسخ المعلوم (١).
стр. 70
فروع أربعة:
- الفرع الأول: إذا تعارض ظاهر من الكتاب وظاهر من السنة ففي ذلك ثلاثة أقوال: قيل يقدم القرآن، وقيل تقدم السنة لأنها مفسرة للكتاب، وقيل: متوقف (١).
- الفرع الثاني: إذا تعارض نصان، أو ظاهران وأحدهما أقرب إلى الاحتياط أخذ بالأحوط عند كثير من الفقهاء خلافًا للقاضي أبي بكر (٢).
- الفرع الثالث: إذا تعارض نصان، أو ظاهران، وانضم إلى أحدهما قياس يوافقه رجح على الآخر (٣).
- الفرع الرابع: إذا تعارض الأصل والغالب فاختلف أيهما يرجح، وترجيح الغالب أكثر.
الباب الثامن: في ترجيح الأخبار
وهي إما في الإسناد، وإما في المتن:
- فأما الترجيح في الإسناد فيكون بعشرين وجهًا وهي:
أن يكون أحدهما يشهد لهما القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع أو دليل العقل للعمل به، أو يكون في قضية مشهورة والآخر ليس كذلك، أو يكون رواته أكثر أو أحفظ، أو يكون مسموعًا من النبي ﷺ والآخر مكتوب عنه، أو متوقف على رفعه إليه ﷺ ، أو تتوقف روايته على إثبات الحكم به، أو يكون راويه صاحب القضية أو يعضده إجماع أهل المدينة على العمل به، أو تكون روايته أحسن نسقًا، أو يكون سالمًا من الاضطراب والآخر ليس كذلك، أو يكون راويه من أكابر الصحابة، أو يكون فقيهًا أو عالمًا بالعربية، أو عرفت عدالته بالاختبار أو بتعديل الجمع الكثير، أو ذكر سبب عدالته ولم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو له اسم واحد لا يختلط بغيره، أو يكون مدنيًا أو متأخر الإسلام ليعلم أن ما رواه غير منسوخ (٤).
стр. 71
- وأما الترجيح في المتن فيكون بخمسة عشر وجهًا وهي:
أن يكون نصًّا في المراد، أو سالمًا من الاضطراب، أو يكون مستقلًا بنفسه مستغنيًا عن الإضمار أو غير متفق على تخصيصه، أو ورد على غير سبب وقضي به على الآخر في موضع، أو ورد بعبارات مختلفة لمعنى واحد، أو يتضمن نفي النقص عن الصحابة ﵃ أو يكون فصيح اللفظ، أو لفظه حقيقة، أو يدل على المراد من وجهين، أو تأكد لفظه بالتكرار أو يكون ناقلًا عن حكم العقل، أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على خلافه مع الاطلاع عليه، أو كان مما تعم به البلوى والآخر ليس كذلك (١).
الباب التاسع: في ترجيحات الأقيسة
قد ذكرنا في باب القياس أن مراتب القياس متفاوتة في القوة والضعف، وأن منه الجلي والخفي، فإذا تعارض قياسان قُدِّم الأقوى على الأضعف، والجلي على الخفي، والأجلى على ما هو أقل جلاء منه، ويُقَدَّم قياس العلة على قياس المناسبة، ويقدم قياس المناسبة على قياس الشبه.
ويترجح قياس العلة على قياس العلة بخمسة عشر وجهًا وهي:
النص على علته أو الاتفاق على علته، أو تكون علته أقل خلافًا، أو مطردة منعكسة، أو تشهد لها أصول كثيرة، أو تكون متعدية والأخرى قاصرة، أو تعم فروعها، أو هي أعم، أو منتزعة من أصل منصوص عليه، أو تكون أقل أوصافًا، أو تكون بعض مقدماته يقينية، أو تكون علته وصفًا حقيقيًا، أو يكون أحد القياسين فروعه من أصل جنسه أو لا يعود على أصله بالتخصيص، أو يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى بالإجماع أو بالتواتر والآخر ليس كذلك (٢).
الباب العاشر: في أسباب الخلاف بين المجتهدين
وهي ستة عشر بالاستقراء، على أن هذا الباب انفردنا بذكره لعظم فائدته، ولم يذكره أهل الأصول في كتبهم.
السبب الأول: تعارض الأدلة .
стр. 72
وهو أغلب أسباب الخلاف، وقد تكلمنا عليه في بابه.
السبب الثاني: الجهل بالدليل .
وأكثر ما يجيء في الأخبار لأن بعض المجتهدين يبلغه الحديث فيقضي به، وبعضهم لا يبلغه فيقضي بخلافه، فينبغي للمجتهد أن يكثر من حفظ الحديث وروايته لتكون أقواله على مقتضى الأحاديث النبوية، ولذلك كثرت مخالفة أبي حنيفة ﵀ للحديث لقلة روايته له فرجع إلى القياس، بخلاف أحمد بن حنبل فإنه كان متسع الرواية للحديث فاعتمد عليه وترك القياس، وأما مالك والشافعي فإنهما أخذا بالطرفين، وقد قال الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
السبب الثالث: الاختلاف في صحة نقل الحديث .
بعد بلوغه إلى كل مجتهد، إلا أن منهم من صح عنده فعمل بمقتضاه، ومنهم من لم يصح عنده إما لقدح في سنده، أو لتشديده في شروط الصحة، كثيرًا ما يجري ذلك لمالك ﵀ فإنه من أشد أهل العلم تحفظًا في نقل الحديث.
السبب الرابع: الاختلاف في نوع الدليل هل يحتج به أم لا ؟
فهذا السبب أوجب كثيرًا من الخلاف، وذلك كعمل أهل المدينة وهو حجة عند مالك فعمل بمقتضاه، وليس حجة عند غيره فلم يعملوا به، كالقياس وهو حجة عند الجمهور فعملوا به. وليس حجة عند الظاهرية فلم يعملوا به.
وقد استوفينا الكلام على ذلك كله في فن الأدلة.
السبب الخامس: الاختلاف في قاعدة من الأصول ينبني عليها الاختلاف في الفروع كحمل المطلق على المقيَّد وشبه ذلك.
السبب السادس: الاختلاف في القراءات في القرآن ، فيأخذ مجتهد بقراءة، ويأخذ غيره بأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: الآية ٦] قرئ بالنصب فاقتضى غسل الرِجْلَيْنِ لعطفه على الأيدي، وقرئ بالخفض فاقتضى مسحهما لعطفه على الرؤوس إلا أن يتاول على غير ذلك.
السبب السابع: في اختلاف الرواية في ألفاظ الحديث ، كقوله ﷺ : "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (١) روي بالرفع فأخذ به مالك والشافعي، وبالنصب فأخذ به أبو حنيفة.
стр. 73
السبب الثامن: اختلاف وجه الإعراب مع اتفاق القراء في الرواية ، مثل قوله ﵇: "أكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (١)، فبعضهم جعل الأكل مصدرًا مضافًا إلى المفعول، فحرم أكل السباع، وبعضهم جعله مضافًا إلى الفاعل بعد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: الآية ٣] فأجاز أكل السباع.
السبب التاسع: كون اللفظ مشتركًا بين معنيين ، فأخذ بعض المحدثين بمعنى، وغيره بمعنى، كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: الآية ٢٢٨] فحملها مالك والشافعي على الإطهار وأبو حنيفة على الحيض لاشتراك اللفظ بين المعنيين.
السبب العاشر: الاختلاف في حمل اللفظ على العموم أو الخصوص مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: الآية ٢٣] يحمل على الزوجات والمملوكات أو على الزوجات خاصة.
السبب الحادي عشر: الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو على المجاز.
السبب الثاني عشر: الاختلاف هل في الكلام مضمر أم لا . كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤] فعله الجمهور على إضمار (فأفطر) خلافًا للظاهرية.
السبب الثالث عشر: الاختلاف هل الحكم منسوخ أم لا ؟ وهذا أوجب كثيرًا من الخلاف.
السبب الرابع عشر: الاختلاف في حمل الأمر على الوجوب أو على الندب ، وهذا أيضًا أوجب كثيرًا من الخلاف.
السبب الخامس عشر: الاختلاف في حمل النهي على التحريم أو على الكراهة.
السبب السادس عشر: الاختلاف في فعل النبي ﷺ - هل يحمل على الوجوب أو على الندب أو الإباحة.
كملت المقدمة المباركة بحمد اللَّه وحسن عونه، وصلى اللَّه على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد للَّه رب العالمين