← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

﴿الآخرة﴾ (٦٠) - لِلْكَافِرِينَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِوُجُودِ حَشْرٍ وَلاَ نَشْرٍ وَلاَ حِسَابٍ، صِفَةَ السُّوءِ وَالنَّقْصِ، التِي تحَمِلُهُمْ عَلَى تَفْضِيلِ الذُّكُورِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ عَلَى الإِنَاثِ، لِبَقَاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَللاسْتِظْهَارِ وَالاسْتِنْصَارِ بِهِمْ، وَصِفَةِ النَّقْصِ هَذِهِ هِيَ التِي تَدْفَعُهُمْ إِلَى وَأْدِ البَنَاتِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْهُنَّ خَشْيَةَ العَارِ أَوِ الفَقْرِ. وَللهِ تَعَالَى الصِّفَةُ العُلْيَا، التِي يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ، لأنَّهُ تَعَالَى الوَاحِدُ الأَحَدُ، المُنَزَّةُ عَنْ حَاجَتِهِ لِلوَلَدِ، وَلَهُ صِفَاتُ الكَمَالِ وَالجَلاَلِ، وَالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ وَالإِرَادَةِ، لاَ إلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَهُوَ العَزِيزُ المَنِيعُ، تَكَبُّراً وَجَلالاً، لاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَهُوَ الحَكِيمُ الذِي لاَ يَفْعَلُ إِلاَّ مَا تقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البَالِغَةُ. مَثَلُ السَّوْءِ - صِفَتُهُ القَبِيْحَةُ مِنَ الجَهْلِ وَالكُفْرِ.

стр. 1962

﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ (٦١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ بِأَنَّهُ يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ مِنَ البَشَرِ، مَعْ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لاَ يُعْجِّلُ بِمُؤَاخَذَتِهِمْ بِأَفْعَالِهِمْ، وَبِمَا كَسَبُوا، وَلُوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لأَهْلَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ عَلَى ظَهْرِهَا مَخْلُوقاً يَدِبُّ عَلَيْهَا. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَحْلُمُ عَلَى العُصَاةِ، وَيَسْتُرُ عَلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَلاَ يُعَاجِلُهُمْ بِالعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى اليَوْمِ المُحَدَّدِ لَهُمْ، فَإِذَا جَاءَ الأَجَلُ لاَ يُمْهَلُونَ لَحْظَةً وَاحِدَةً.

стр. 1963

(٦٢) - وَيَجْعَلُونَ للهِ بَنَاتٍ وَشُرَكَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لأَحَدِهِمْ بِنْتٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، وَيَقُولُون، كَذِباً عَلَى أَنْفُسِهِمْ: إِنَّ لَهُمُ العَاقِبَةُ الحُسْنَى عِنْدَ اللهِ، إِذا بُعِثُوا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَجَمَعُوا عَمَلَ السُّوءِ (الكُفْرَ وَنِسْبَةَ البَنَاتِ وَالشُّرَكَاءِ للهِ) ، مَعَ تَمَنِّيهِم البَاطِلَ المُحَالَ، بِأَنْ يُجَازِيهِمْ اللهُ عَلَى ذَلِكَ جَزَاءً حَسَناً، وَهَذا مُسْتَحِيلٌ وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: لاَ شَكَّ (لاَ جَرَمَ) أَنَّ لَهُمْ، عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، النَّارَ، وَأَنَّهُ سَيَجْعَلُ بِهِمْ إِلَيْهَا، وَيُنْسَونَ فِيهَا فَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَداً. لاَ جَرَمَ - لاَ شَكَّ - أَوْ حَقّاً. مُفْرَطُونَ - مُقْدَّمُونَ وَمُعَجَّلٌ بِهِمْ إِلَى النَّارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: أَفْرَطَهُ إِلَى كَذَا أَيْ قَدِّمْهُ.

стр. 1964

﴿الشيطان﴾ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦٣) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الأُمَمِ الخَالِيَّةِ رُسُلاً يَدْعُونَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَيَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ مُعَزِيّاً وَمُسَلِيّاً: لَقَدْ كَذَبَّتْ الأُمَمُ رُسُلَهَا فَلَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالمُرْسَلِينَ قَبْلِكَ أُسْوَةٌ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ تَكْذِيبُ قَوْمِكَ لَكَ. وَالذِينَ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ الذِي زَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَضَلاَلٍ، وَعِبَادَةِ أَوْثَانٍ وَأَصْنَامٍ وَفَسَادٍ فِي الأَرْضِ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُجَازِي اللهُ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ جَزَاءً عَادِلاً عَلَى مَا كَذَّبُوا وَكَفَرُوا، وَيُلْقَوْنَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلاَ يَمْلِكُ الشَّيْطَانُ لَهُمْ خَلاَصاً، وَلاَ نَصْراً فَيَذُوقُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ. تَاللهِ - قَسَمٌ يَعْنِي وَاللهِ.

стр. 1965

﴿الكتاب﴾ (٦٤) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ القُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ دِينِ اللهِ، وَلِيَعْرِفُوا الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ التِي بَعَثَهُ اللهُ بِهَا. وَالقُرْآنُ هُدًى لِلْقُلُوبِ الضَّالَّةِ، وَرَحْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَهُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ.

стр. 1966

(٦٥) - بَعْدَ أَنْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ وَأَوْعَدَ الكُفَّارَ بِالنَّارِ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، عَادَ تَعَالَى إِلَى التَّذْكِيرِ بِالدَّلاَئِلِ عَلَى وُجُودِهِ سُبْحَانَهُ، وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَالَ: وَكَمَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ حَيَاةً لِلقُلُوبِ المَيِّتَةِ، كَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ المَاءَ حَيَاةً لِلأَرْضِ، فَهُوَ يُنْزِلُ المَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضُ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَيُنْبِتُ فِيهَا الزُّرُوعَ وَالأَشْجَارَ وَالنَّبَاتَ، وَيُخْرِجَ الثِّمَارُ وَالحُبُوبَ، وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ الكَلاَمَ، وَيَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ.

стр. 1967

﴿الأنعام﴾ ﴿سَآئِغاً﴾ ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ (٦٦) - وَإِنَّ لَكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، فِي الأَنْعَامِ لآيَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَدَلاَلَةٌ عَلَى حِكْمَةِ الخَالِقِ، وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ. فَهُوَ تَعَالَى يَسْقِي النَّاسَ مِمَّا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامُ لَبَناً خَالِصاً صَافِياً، طَيِّبِ المَذَاقِ وَالطَّعْمِ، لاَ يَغُصُّ بِهِ شَارِبٌ، وَلاَ تَشْمَئِزُ مِنْهُ نَفْسُهُ (سَائِغاً) ، بَعْدَ أَنْ يَتَحَوَّلَ طَعَامُ الحَيَوَانِ فِي بَطْنِهِ إِلَى دَمٍ وَلَبَنٍ وَفَضَلاَتٍ (فَرْثٍ) ، فَيَجْرِي كُلٌّ إِلَى مَوْضِعِهِ خَالِصاً لاَ يَشُوبُهُ الآخَرُ وَلاَ يُخَالِطَهُ، وَلاَ يُؤَثِرُ عَلَيْهِ. فَرْثٌ - مَا فِي الكَرْشِ مِنَ الثُّفْلِ. لَعِبْرَةً - لَعِظَةً وَدَلاَلَةً عَلَى قُدْرَةِ اللهِ.

стр. 1968

﴿ثَمَرَاتِ﴾ ﴿والأعناب﴾ (٦٧) - وَيَتَّخِذُ النَّاسَ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ أَشْرِبَةً، مِنْهَا النَّبِيذُ المُسْكِرُ (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ) ، وَمِنْهَا الرِّزْقُ الحَسَنُ: كَالدِّبْسِ وَالعَصِيرِ وَالخَلِّ. . . إلخ وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَعِبْرَةٌ لَهُمْ بَالِغَةُ الدَّلاَلَةِ عَلَى بَدِيعِ صُنْعِ اللهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّكَرُ هَوُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتَي النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ، وَالرِّزْقُ الحَسَنُ هُوَ مَا أُحِلَّ مِنْهُمَا) . السَّكَرُ - المُسْكِرُ أَوِ الخَمْرُ.

стр. 1969

(٦٨) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَلْهَمَ النَّحْلَ، وَأَرْشَدَهَا (أَوْحَى إِلَيْهَا) أَنْ تَجْعَلَ لَهَا بُيُوتاً فِي الجِبَالِ تَأْوِي إِلَيْهَا، وَفِي الأَشْجَارِ، أَوْ فِيمَا يَعْرِشُهُ النَّاسُ مِنَ الأَشْجَارِالمَرْفُوعَةِ عَلَى العَرَائِشِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى وَمِمَّا يَعْرِشُونَ هُوَ مِمَّا يَبْنِي النَّاسُ مِنَ الخَلاَيَا لِلنَّحْلِ) . أَوْحَى - أَلْهَمَ وَأَرْشَدَ وَسَخَّرَ. بُيُوتاً - أَوْكَاراً تَبْنِيهَا لِتَضَعَ العَسَلَ فِيهَا.

стр. 1970

﴿الثمرات﴾ ﴿أَلْوَانُهُ﴾ (٦٩) - ثُمَّ هَدَاهَا اللهُ إِلَى أَنْ تَأْكُلَ مِنَ كُلِّ الثَمَرَاتِ، وَأَنْ تَسْلُكَ الطُّرُقَ التِي جَعَلَهَا اللهُ مُذَلَّلَةً لَهَا مُسَهَّلَةً عَلَيْهَا، حَيْثُ شَاءَتْ فِي الفَضَاءِ الوَاسِعِ، وَأَرْشَدَهَا اللهُ إِلَى الاهْتِدَاءِ إِلَى أَوْكَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا. وَيُخْرِجُ مِنْ بُطُونِ هَذِهِ النَّحْلِ شَرَابٌ (عَسَلٌ) ، مُخْتَلِفُ الأَلْوَانِ، بِحَسَبِ المَرَاعِي التِي يَأْكُلُ مِنَهَا النَّحْلُ، وَهَذَا العَسَلُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَمْرَاضٍ تَعْرِضُ لَهُمْ. وَفِي إِلْهَامِ اللهِ لِهَذِهِ الحَيَوَانَاتِ الضَّعِيفَةِ الخِلْقَةِ، إِلَى بِنَاءِ البُيُوتِ وَجَمْعِ العَسَلِ وَالشَّمْعِ. . . آيَةٌ لِقَوْمٍ يِتَفَكَّرُونَ فِي ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ القَادِرِ الحَكِيمِ. ذُلُلاً - مُذَلَّلَةً مُسَهَّلَةً لَكِ.

стр. 1971

﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ (٧٠) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَصَرُّفِهِ فِي عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي أَنْشَأَهَمُ مِنَ العَدَمِ، وَوَقَّتَ أَعْمَارَهُمْ بِآجَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، حِينَمَا تَحِينُ آجَالُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَعْجَلُ وَفَاتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَتَأَخَّرُ، حَتَّى يُدْرِكَهُ الهَرَمُ فَيَصِيرَ إِلَى أَرْذَلِ العُمْرِ، فَتَضْعُفَ قُوَاهُ، وَتَضْعُفَ ذَاكِرَتُهُ، وَيُصِيبَهُ الخَرَفُ، فَيَنْسَى مَا كَانَ يَحْفَظُ، وَتَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الأُمُورُ لِضَعْفِ قُوَاهُ العَقْلِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَالِماً. وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُلَِّ شَيءٍ، قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. أَرْذَلِ الْعُمُرِ - أَرْدَؤُهُ وَأَخَسُّهُ (الخَرَفُ أَوِ الهَرَمُ) .

стр. 1972

﴿أَيْمَانُهُمْ﴾ (٧١) - وَاللهُ تَعَالَى جَعَلَ النَّاسَ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ، فَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنِ الذِينَ فَضَّلَهُمُ اللهُ بِالرِّزْقِ الوَفِيرِ لِيَقْبَلُوا فِي إِشْرَاكِ مَمَالِيكِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ بَشَرٌُ مِثْلُهُمْ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا فَضلَ عَنْهُمْ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى عَبِيدِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَيَتَسَاوَوا هُمْ وَإِيَّاهُمْ فِي المَلْبَسِ وَالمَطْعَمِ وَالمَسْكَنِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرْضُوا بِهَذِهِ المُسَاوَاةِ، مَعْ أَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ. فَكَيْفَ يَرْضَوْنَ للهِ مَا لاَ يَرْضَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ؟ وَكَيْفَ يُشْرِكُونَ عَبِيدَ اللهِ مَعَهُ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ؟ وَكَيْفَ يَجْحَدُ هؤلاءِ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ - أَفَهُمْ فِي الرِّزْقِ مُسْتَوُونَ؟ لاَ.

стр. 1973

﴿أَزْوَاجاً﴾ ﴿أَزْوَاجِكُم﴾ ﴿الطيبات﴾ ﴿أفبالباطل﴾ (٧٢) - وَاللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلنَّاسِ أَزْوَاجاً مِنْ جِنْسِهِمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، يَأْنَسُونَ بِهِنَّ، وَتَقُومُ بِهِنَّ جَمِيعُ مَصَالِحِهِمْ، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْهُنَّ بَنِينَ وَأَحْفَاداً (حَفَدَةً - أَوْلاَدَ الأَوْلاَدِ) وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ (مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ وَمَشْرَبٍ. . .) وَكُلُّ هَذا مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُ الكَافِرُونَ بِاللهِ، وَيَجْحَدُونَ نِعَمَهُ، وَيُضِيفُونَهَا إِلَى غَيْرِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِالأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ (بِالبَاطِلِ) ؟ َحَفَدَةً - أَبْنَاءَ البَنِينَ - أَوْ خَدَماً وَأَعْوَاناً.

стр. 1974

﴿السماوات﴾ (٧٣) - إِنَّ هَؤلاءِ المُشْرِكِينَ يَنْسَوْنَ نِعَمَ اللهِ كُلَّهَا عَلَيْهِمْ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ وَالأَوْثَانَ، وَمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِرِزْقٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَلاَ مِنَ الأَرْضِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْزِلَ المَطَرَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ زُرُوعاً أَوْ شَجَراً أَوْ ثَمَراً؛ وَلاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَوْ أَرَادَهُ (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ) .

стр. 1975

(٧٤) - وَإِذْ ثَبَتَ لَكُمْ عَدَمُ نَفْعِ غَيْرِ اللهِ لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَمْثَالاً، وَلاَ تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ (فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ) فَهُوَ سُبَحَانَهُ يَعْمَلُ وَيَشْهَدُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، وَأَنْتُمْ بِجَهْلِكُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، وَلاَ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاِ إِلهَ إِلاَّ هُوَ.

стр. 1976

﴿رَّزَقْنَاهُ﴾ ﴿يَسْتَوُونَ﴾ (٧٥) - مَثَلُكُمْ فِي إِشْرَاكِكِمْ بِاللهِ الأَوْثَانَ وَالأَصْنَامَ، مَثَلُ مَنْ سَوَّى بَيْنَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ عَنِ التَّصَرُّفِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ حُرٍّ يَمْلِكُ مَالاً يُنْفِقُ مِنْهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُرِيدُ، فَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ هَذِينِ الرَّجُلَيْنِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَفَاوُتٍ فِي القُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ، كَذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الإِلهِ القَادِرِ عَلَى الرِّزْقِ وَالإِفْضَالِ، وَبَيْنَ الأَصْنَامِ التِي لاَ تَمْلِكُ شَيْئاً، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ.

стр. 1977

﴿مَوْلاهُ﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾ (٧٦) - وَضَرَبَ اللهُ تَعَالَى مَثَلاً لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَلِلألِهَةِ التِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَغَيْرِهَا، مَثَلَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَخْرَسُ أَصَمُّ لاَ يَفْهَمُ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى مَنْ يَعُولُهُ وَيَلِي أَمْرَهُ، وَإِذَا أَرْسَلَهُ مَوْلاَهُ فِي أَمْرٍ لاَ يَرْجِعُ بِنَجَاحٍ وَلاَ تَوْفِيقٍ. وَالآخَرُ رَجُلٌ سَوِيٌّ، سَلِيمُ الحَوَاسِّ، عَاقِلٌ يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَنْفَعُ غَيْرَهُ، يَأْمُرُ النَّاسَ بِالعَدْلِ، وَهُوَ عَلَى سِيرَةٍ صَالِحَةٍ، وَدِينٍ قَوِيمٍ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ؟ وَكذَلِكَ الصَّنَمُ لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَنْطِقُ وَلاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ، وَهُوَ عَالَةٌ عَلَى َمْن يَصْعَنُهُ، وَهُوَ لاَ يَعْقِلُ وَلاَ يَنْطِقُ، فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا الصَّنَمُّ مَعَ اللهِ القَادِرِ القَاهِرِ، مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرُ أَمْرِ الوُجُودِ كُلِّهِ؟ . وَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ عِبَادَهُ بِالعَدْلِ - وَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ. أَبْكَمُ - أَخْرَسُ خِلْقَةً. هُوَ كَلٌّ - عِبْءٌ وَعِيَالٌ.

стр. 1978

﴿السماوات﴾ (٧٧) - وَللهِ عِلْمُ مَا غَابَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، مِمَّا لاَ سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهِ حِسّاً، وَلاَ فَهْمِهِ عَقْلاً، وَهُوَ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِعِلْمِ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيَامِ القِيَامَةِ. وَحُدُوثِ السَّاعَةِ التِي يَقِفُ الخَلاَئِقُ فِيهَا بَيْنَ يَدَي اللهِ لِلْحِسَابِ، كَرَجْعِ البَصَرِ، وَطَرْفَةِ العَيْنِ، فِي السُّرْعَةِ، فَاللهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ شَيْئاً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ . وَاللهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ. كَلَمْحِ البَصَرِ - كَخَطْفَةِ البَصَرِ، أَوِ اخْتِلاَسِ النَّظَرِ.

стр. 1979

﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ﴿الأبصار﴾ (٧٨) - ثُمَّ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى مِنَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي إِخْرَاجِهِمْ مِنْ بُطُونِ أُمْهَاتِهِمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً، ثُمَّ بَعْدَ هَذا يَرْزُقُهُمُ السَّمْعَ، الذِي يُدْرِكُونَ بِهِ الأَصْوَاتَ، وَيُمَيِّزُونَهَا، وَالأَبْصَارَ التِي يَرَوْنَ بِهَا، وَالأَفْئِدَةَ (العُقُولَ) ، التِي يَتَدَبَّرُونَ بِهَا الأُمُورَ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى الإِنْسَانَ هَذِهِ الجَوَارِحَ لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَشُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ بِاسْتِعْمَالِ هَذِهِ النِّعَمِ، فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ. وَإِذَا أَخْلَصَ العَبْدُ المُؤْمِنُ الطَّاعَةَ للهِ، كَانَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا للهِ .

стр. 1980

﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ ﴿لآيَاتٍٍ﴾ (٧٩) - أَلَمْ يَنْظُرْ، هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ، إِلَى الطَّيْرِ مُذَلَّلاَتٍ لِلطَّيَرَانِ فِي الفَضَاءِ، بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، مَا يُمْسِكُهُنَّ فِي جَوِّ السَّمَاءِ عَنِ الوُقُوعِ إِلاَّ اللهُ بِقُدْرَتِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي ثِقَلِ أَجْسَامِهَا مَا يَقْتَضِي وُقُوعَها. وَلَوْ سَلَبَها اللهُ مَا أَعْطَاهَا مِنَ القُدْرَةِ عَلَى الطَّيَرَانِ لَمْ تَسْتَطِعِ النُّهُوضَ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّه دَلاَلاتٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ.

стр. 1981

﴿الأنعام﴾ ﴿أَثَاثاً﴾ ﴿وَمَتَاعاً﴾ (٨٠) - جَعَلَ اللهُ لِلنَّاسِ بُيُوتَهُمْ سَكَناً لَهُمْ يَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَيَسْتَتِرُونَ بِهَا، وَيَنْتَفِعُونَ مِنْهَا. وَجَعَلَ لَهُمْ مِمَّا عَلَى جُلُودِ الأَنْعَامِ مِنْ أَشْعَارٍ وَأَصْوَافٍ وَأَوْبَارٍ (أَوْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ جُلُودِهَا) بُيُوتاً يَسْتَخْفُونَ حَمْلَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ وَفِي إِقَامَتِهِمْ، كَمَا جَعَلَ النَّاسَ يَتَخِّذُونَ مِنْ أَصْوَافِ الأَغْنَامِ وَأَوْبَارِ الجِمَالِ، وَأَشْعَارِ المَاعِزِ أَثَاثاً لِبُيُوتِهِمْ (مِنْ فُرُشٍ وَبُسُطٍ) ، وَثِيَاباً يَلْبَسُونَهَا، وَمَالاً لِلتِّجَارَةِ، وَمَتَاعاً يَتَمَتَّعُونَ بِهِ إِلَى أَنْ تَحِينَ آجَالُهُمْ، (إِلَى حِينٍ) . تَسْتَخِفُّونَهَا - تَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا، تَجِدُونَهَا خَفِيفَةً عَنِ الحَمْلِ. يَوْمَ ظَعْنِكُمْ - وَقْتَ تِرْحَالِكُمْ. أَثَاثاً - مَتَاعاً لِبُيُوتِكُمْ كَالفُرُشِ. مَتَاعاً - تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَايِشِكُمْ وَمَتَاجِرِكُمْ.

стр. 1982

﴿ظِلاَلاً﴾ ﴿أَكْنَاناً﴾ ﴿سَرَابِيلَ﴾ (٨١) - وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ مِمَّا خَلَقَ، مِنَ الشَّجَرِ وَالجِبَالِ، ظِلاَلاً يَفِيئُونَ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الجِبَالِ كُهُوفاً يَسْتَكِنُّونَ فِيهَا، وَمَعَاقِلَ (أَكْنَاناً) ، وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَاباً وَأَرْدِيَةً وَأَغْطِيَةً (سَرَابِيلَ) تَقِيهِمُ الحَرَّ (مِنَ القُطْنِ وَالصُّوفِ وَالكِتَّانِ. . . وَغَيْرِهَا) ، وَسَرَابِيلَ تَقِيهِمْ بَأْسَ الحَدِيدِ وَالسِّلاَحِ فِي الحَرْبِ وَالقِتَالِ، (هِيَ الدُّرُوعَ مِنَ الحَدِيدِ المُصَفَّحِ وَالزَّرَدِ وَالجُلُودِ وَغَيْرِهَا. . .) وَهَكَذا يَجْعَلُ اللهُ لَكُمْ مَا تَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى أُمُورِكُمْ، وَمَا تَحتَاجُونَ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عَوْناً عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَتُسْلِمُونَ إِلَيْهِ. الإِسْلاَمُ - اسْتِسْلاَمٌ وَسَكَنٌ وَرُكُونٌ. ظِلالاً - أَشْيَاءَ تَسْتَظِلُّونَ بِهَا.؟ أَكْنَاناً - مَوَاضِعَ تَسْتَكِنُّونَ فِيهَا (كَالغِيرَانِ) . سَرَابِيلَ - مَلاَبِسَ أَوْ دُرُوعاً. تَقَيكُمْ بَأْسَكُمْ - تَقِيكُمُ الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ أَثْنَاءَ القِتَالِ.

стр. 1983

﴿البلاغ﴾ (٨٢) - فَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى غَيِّهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ بَعْدَ أَنْ بَيَّنْتَ لَهُمْ وَوَضَّحْتَ، وَأَبْلَغْتَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ. . . فَلاَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ، وَلاَ تُهْلِكَ نَفْسَكَ حُزْناً عَلَيْهِمْ، فَأَنْتَ مُكَلَّفٌ بِإِبْلاغِهِمْ رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ أَدَّيْتَ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ.

стр. 1984

﴿نِعْمَتَ﴾ ﴿الكافرون﴾ (٨٣) - وَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ هَذِهِ النِّعَمِ، وَمَعْ هَذا فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَأَصْبَحَ أَكْثَرُهُمْ كَافِرِينَ.

стр. 1985

(٨٤) - وَحَذِّرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي يَبْعَثُ اللهُ فِيهِ الخَلْقَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلَيْهَا هُوَ نَبِيُّها، يَشْهَدُ عَلَيْهَا، بِمَا أَجَابَتْهُ بِهِ حِينَمَا بَلَغَهَا رِسَالَةَ رَبِّهِ، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا - بَعْدَ شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ - بِالكَلاَمِ وَالاعْتِذَارِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بُطْلاَنِ مَا سَيَعَتَذِرُونَ بِهِ وَكَذِبَهُ، وَلاَ يُطلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَرْضُوا رَبَّهُمْ، وَيُزِيلُوا عَتَبَهُ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، لأنَّهُ قَدْ فَاتَ أَوَانُ العِتَابِ وَالاسْتِرْضَاءِ. وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ - لاَ يُطْلَبُ مِنْهُمُ اسْتِرْضَاءُ رَبِّهِمْ.

стр. 1986

﴿رَأى﴾ (٨٥) - وَحِينَ يَرَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأَشْرَكُوا بِهِ، وَكَذَّبُوا رُسَلَهُ، العَذَابَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلاَ يُنْجِيهِمْ مِنْهُ شَيءٌ، إِذْ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ بِالاعْتِذَارِ فَيَعْتَذِرُونَ فَيُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ، بِهَذَا العُذْرِ، وَلاَ يُمْهَلُونَ لِلتَّوْبَةِ، لأَنَّ وَقْتَ التَّوْبَةِ قَدْ فَاتَ، فَيَأْخُذُهُمُ العَذَابُ سَرِيعاً دُونَ إِبْطَاءٍ، وَيَكُونُ عَذَابُهُمْ مُسْتَمِرّاً مُتَوَاصِلاً فِي شِدَّتِهِ، لاَ يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً، وَلاَ يُخَفَّفُ وَلاَ يَفْتُرُ. لاَ يُنْظَرُونَ - لاَ يُمْهَلُونَ وَلاَ يُؤَخَّرُونَ.

стр. 1987

﴿رَأى﴾ ﴿نَدْعُوْا﴾ ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ (٨٦) - وَحِينَ يَرَى المُشْرِكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ آلِهَتَهُمُ الذِينَ أَشْرَكُوهُمْ بِالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ، يَقُولُونَ للهِ العَظِيمِ الجَبَّارِ: رَبَّنَا هؤلاءِ هُمُ الذِينَ كُنَّا نَعْبُدُهُمْ مِنْ دُونِكَ. وَيَسْأَلُونَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا سَبَبَ كُفْرِهِمْ وَضَلاَلِهِمْ، وَصَرْفِهِمْ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ الحَقِّ، فَيَرُدُّ هؤلاءِ المَعْبُودُونَ عَلَى المُشْرِكِينَ قَائِلِينَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْكُمْ بِعِبَادَتِنَا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَعْبُدُونَا وَلَكِنْ عَبَدْتُمْ أَهْوَاءَكُمْ.

стр. 1988

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (٨٧) - وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ يَجِدُ المُشْرِكُونَ أَنْفُسَهُمْ فُرَادَى ضِعَافاً أَمَامَ اللهِ القَوِيِّ الجَبَّارِ، وَيُعَايِنُونَ العَذَابَ وَيَتَلَفَّتُونَ فَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَاصِراً مِنْ دُونِهِ، وَيَتَذَكَّرُونَ كُفْرَهُمْ وَإِجْرَامَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، فَيَذِلُّونَ وَيَسْتَكِينُونَ للهِ. (وَقِيلَ إِنَّ الأَرْبَابَ هُمُ الذِينَ يُلْقُونَ السَّلَمَ للهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّهُمْ جَمِيعاً العَابِدُونَ وَالمَعْبُودُونَ يَلْقَونَ السَّلَمَ للهِ العَظيمِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ) . وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمْ وَتَلاَشَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ افْتِرَاءً وَكَذِباً عَلَى اللهِ. السَّلَمَ - الاسْتِسْلاَمَ وَالانْقِيَادَ لِحِكْمَةِ اللهِ.

стр. 1989

﴿زِدْنَاهُمْ﴾ (٨٨) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَقَامُوا بِصَدِّ النَّاسِ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ فَيَزِيدُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَذَاباً، يُعَذِّبُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيُعَذِّبُهُمْ عَلَى صَدِّ النَّاسِ عَنِ الإِيمَانِ، وَعَلَى الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ. (وَهَذا دَلِيلٌ عَلَى تَفَاوُتِ الكُفَّارِ فِي العَذَابِ) .

стр. 1990

﴿الكتاب﴾ ﴿تِبْيَاناً﴾ (٨٩) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِكُفَّارِ قَوْمِكَ مَا سَيَحْصُلُ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِذْ يُحْضِرُ اللهُ نَبِيَّ كُلِّ أُمَّةٍ لِيَكُونَ شَاهِداً عَلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ دَعَاهَا إِلَى اللهِ، وَأَنْذَرَها عِقَابَهُ، وَحَذَّرَهَا عَذَابَهُ، ثُمَّ نَأْتِي بِكَ لِتَشْهَدَ عَلَى قَوْمِكَ (هَؤُلاءِ) ، وَمَا أَجَابُوكَ بِهِ حِينَ دَعَوْتَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ. وَقَدْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ عِلْمَ كُلِّ شَيءٍ يَحْتَاجُهُ النَّاسُ، فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، وَفِي أُمُورِ مَعَاشِهِمْ، وَهُوَ هُدًى لِلْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مْنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، إِذْ يَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ الخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَفِيهِ بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ الجَنَّةَ.

стр. 1991

﴿الإحسان﴾ ﴿وَإِيتَآءِ﴾ (٩٠) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي كِتَابِهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ، وَيَنْدُبُ إِلَى الإِحْسَانِ وَالفَضْلِ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحْمِ وَإِعْطَاءِ ذَوِي القُرْبَى مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَيَنْهَى عَنِ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَالفَوَاحِشِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، مِمَّا يَأْتِيهِ العَبْدُ سِرّاً وَخِفْيَةً وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالخَيْرِ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَالشَّرِّ، لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطْرَةِ مِنْ وَحْيٍ قَوِيمٍ أَصِيلٍ، فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ. العَدْلِ - الاعْتِدَالِ وَالتَّوَسُّطِ فِي الأَمْرِ. الإِحْسَانِ - إِتْقَانِ العَمَلِ، أَوْ نَفْعِ الخَلْقِ. الفَحْشَاءِ - الذُّنُوبِ المُفْرَطَةِ فِي القُبْحِ. المُنْكَرِ - مَا تُنْكِرُهُ العُقُولُ مِنَ المَسَاوِئِ. البَغْيِ - الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي وَالتَّطَاوُلِ عَلَى النَّاسِ.

стр. 1992

﴿عَاهَدتُّمْ﴾ ﴿الأيمان﴾ (٩١) - وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ وَمِيثَاقِهِ إِذَا وَاثَقْتُمُوهُ، وَعَقْدِهُ إِذَا عَاقَدْتُمُوهُ، فَأَوْجَبْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ حَقّاً لِمَنْ عَاقَدْتُمُوهُمْ وَوَاثَقْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ (وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ يَلْتَزِمُ بِهِ الإِنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ) وَأَشْهَدْتُمُ اللهَ عَلَى الوَفَاءِ بِهِ. وَلا تُخَالِفُوا مَا عَقَدْتُمْ فِيهِ الأَيمَانَ، وَشَدَّدْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ شَاهِداً وَرَاعِياً عَلَيْكُمْ فِي الوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْكُمْ مِنْ وَفَاءٍ وَحَلْفٍ، وَبِرٍّ وَحَنْثٍ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تَفْعَلُونَ. كَفْيلاً - شَاهِداً أَوْ رَقِيباً أَوْ ضَامِناً.

стр. 1993

﴿أَنكَاثاً﴾ ﴿أَيْمَانَكُمْ﴾ ﴿القيامة﴾ (٩٢) - قِيلَ إِنَّهُ كَانَتْ فِي مَكَّةَ امْرَأَةٌ مُلْتَاثَةُ العَقْلِ تَغْزِلُ غَزْلَهَا فِي النَّهَارِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَنْقُضُهُ فِي اللَّيْلِ (أَنْكَاثاً) ، وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى فِعْلَ هَذِهِ المَرْأَةِ المُلْتَاثَةِ العَقْلِ مَثَلاً لِلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ تَحْقِيراً لَهُمْ، وَتَقْبِيحاً لِفِعْلِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: وَلاَ تَكُونُوا يَا أَيُّهَا القَوْمِ فِي نَقْضِكُمْ أَيْمَانَكُمْ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، وَإِعْطَائِكُمْ رَبَّكُمُ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ، كَمَنْ تَنْقُضُ غَزْلَهَا بَعْدَ إِبْرَامِهِ حَمَاقَةً وَجَهْلاً. إِذْ تَجْعَلُونَ أَيْمَانَكُمُ التِي تَحْلِفُونَهَا عَلَى أَنَّكُمْ مُوفُونَ بِالعَهْدِ الذِي عَاهَدْتُمْ عَلَيْهِ، وَسِيلَةً لِلْخِدَاعِ، وَلِغِشِّ مَنْ عَاقَدْتُمُوهُمْ لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ تَضْمِرُونَ الغَدْرَ وَعَدَمَ الوَفَاءِ، إِذَا وَجَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَ الجَمَاعَةِ التَي تَعَاقَدْتُمْ مَعَهَا، وَأَكْثَرُ عَدَداً، فَإِذَا وَجَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَ الجَمَاعَةِ التِي تَعَاقَدْتُمْ مَعَها، تَحَالَفْتُمْ مَعَهُ، وَحَنِثْتُمْ بِأَيْمَانِكُمْ التِي أَقْسَمْتُمُوهَا لِلجَمَاعَةِ الأُوْلَى (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) . وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ، وَيَبْلُوَ إِيمَانَكُمْ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ - مِنء بَعْدِ إِبْرَامٍ وَإِحْكَامٍ. أَنْكَاثاً - أَنْقَاضاً مَحْلُولَةَ الفَتْلِ. دَخَلاً بَيْنَكُمْ - مَفْسَدَةً وَخِيَانًَ وَخَدِيعَةً بَيْنَكُمْ. أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ - أَنْ تَكُونَ جَمَاعَةٌ. هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ - أَكْثَرُ عَدَداً وَأَعَزُّ نَفَراً أَوْ أَوْفَرُ مَالاً. يَبْلُوَكُمْ - يَخْتَبِركُمْ.

стр. 1994

﴿وَاحِدَةً﴾ ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ﴾ (٩٣) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ، يَاأَيُّهَا النَّاسُ، أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَوَفَّقَ بَيْنَكُمْ، وَأَزَالَ مَا بَيْنَكُمْ مِنِ اخْتِلاَفٍ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، ثُمَّ يَسْأَلُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا الجَزَاءَ الأَوْفَى.

стр. 1995

﴿أَيْمَانَكُمْ﴾ (٩٤) - وَلاَ تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ، التِي تَحْلِفُونَها فِيمَا تَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، خَدِيعَةً تَغُرُّونَ بِهَا النَّاسَ (دَخَلاً بَيْنَكُمْ) فَإِنَّكُمْ بِعَمَلِكُمْ هَذَا تَكُونُونَ قَدْ وَقَعْتُمْ فِي ثَلاَثٍ مِنَ المَحْضُورَاتِ: أ - أَنَّكُمْ تَضِلُّونَ وَتَبْتَعِدُونَ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى، بَعْدَ أَنْ رَسَخَتْ أَقْدَامُكُمْ فِيهَا (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) . ب - أَنَّكُمْ تَكُونُونَ قُدْوَةً سَيِّئَةً لِسِوَاكُمْ، وَتَسُنُّونَ سُنَّةً لِغَيْرِكُمْ فِيهَا صَدٌّ لِلنَّاسِ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ. ج - أَنَّكُمْ سَتُعَاقَبُونَ عَلَى فِعْلِكُمْ هَذا فِي الآخِرَةِ جَزَاءَ مَا اجْتَرَحْتُمْ مِنْ مُجَانَبَةِ الحَقِّ، وَالإِعْرَاضِ عَنْ أَهْلِهِ.

стр. 1996

(٩٥) - وَلاَ تَطْمَعُوا فِي أَنْ تَأْخُذُوا مُقَابِلَ نَقْضِ العَهْدِ المَذْكُورِ عِوَضاً يَسِيراً مِنْ عُرُوضِ الدُّنيا الفَانِيَةِ، فَهُوَ قَلِيلٌ مَهْمَا كَانَ كَثِيراً، فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُحَافِظِينَ عَلَى العُهُودِ، بِجَزِيلِ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ. (وَهَذِهِ الآيَاتُ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَبَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ فِي مَكَّةَ، ثُمَّ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَنْقُضُوا مَا بَايَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ، جَزَعاً مِمَّا رَأَوُا مِنْ غَلَبَةِ قُرَيْشٍ، وَاسْتِضْعَافِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلِمَا كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ وَعْدٍ بِجَزِيلِ العَطَاءِ إِنِ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ) .

стр. 1997

(٩٦) - مَا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا يَنْفَدُ وَيَفْنَى، وَمَا تَحْصُلُونَ عَلَيْهِ نَتِيجَةَ الغَدْرِ وَنَقْضِ العَهْدِ، وَالحَنْثِ بِالأَيْمَانِ، كُلُّهُ يَنْفَدُ، لأَنَّهُ عَرَضٌ زَائِلٌ، أَمَّا ثَوابُ اللهِ لَكُمْ فِي الجَنَّةِ فَهُوَ بَاقٍ، وَلاَ انْقِطَاعَ لَهُ وَلاَ نَفَادَ، لأَنَّهُ دَائِمٌ لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ. وَيُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيَجْزِي الصَّابِرِينَ عَلَى صَبْرِهِمْ، وَهُوَ أَحْسَنُ أَعْمَالِهِمْ، لأَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ تَحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ، وَهُوَ أُسُّ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَحِينَ يَجْزِي اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعِدُهُمْ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ. يَنْفَدُ - يَنْقَضِي وَيَفْنَى وَيَزُولُ.

стр. 1998

﴿صَالِحاً﴾ ﴿حَيَاةً﴾ (٩٧) - مَنْ عَمِلَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَامَ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللهِ، مُصَدِّقٌ كُتُبَهُ وَرُسُلَهُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعِدُهُ بِأَنْ يُحْيِيَهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، تَصْحَبُهَا القَنَاعَةُ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، وَالرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ، إِذْ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ رِزْقٍ إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ بِتَدْبِيرِ اللهِ تَعَالَى وَقِسْمَتِهِ، وَاللهُ مُحْسِنٌ كَرِيمٌ، لاَ يَفْعَلُ إِلاَّ مَا فِيهِ المَصْلَحَةُ، وَفِي الآخِرَةِ يَجْزِيهِ اللهُ الجَزَءَ الأَوْفَى، وَيُثِيبَهُ أَحْسَنَ الثَّوَابِ، جَزَاءَ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَمَا تَحَلَّى بِهِ مِنْ إِيمَاٍن.

стр. 1999

﴿القرآن﴾ ﴿الشيطان﴾ (٩٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ وَعِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ بِأَنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِذَا أَرَادُوا قِرَاءَةَ القُرْآنِ. اسْتَعِذْ بِاللهِ - اعْتَصِمْ بِاللهِ وَالْجَأْ إِلَيْهِ.

стр. 2000

﴿سُلْطَانٌ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٩٩) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ الشَّيْطَانَ لاَ سُلْطَةَ لَهُ وَلاَ سُلْطَانَ عَلَى المُؤْمِنِينَ المُتَوَّكِلِينَ عَلَى اللهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ ذَنْبٍ لاَ يَتُوبُونَ مِنْهُ. سُلْطَانٍ - تَسَلُّطٌ أَوْ وِلاَيَةٌ.
следующие страницы →