← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17882

الاصطلام - ط المنار

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (658 стр.). Показаны 631–658 · переход к 636.

стр. 631

قالوا: وعن عمر مثله، وكان شاور فيه عبد الرحمن بن عوف. أما المعنى: قالوا: الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام فيكون سبباً لوجوب الكفارة في الجملة. دليله: الأخذ. دليله: سائر المحظورات، والدليل على أنها من محظورات الإحرام، أن الدلالة محرمة عليه بالإجماع وقد صارت محرمة بالإحرام بدليل أنه إذا حل زالت الحرمة. ودليل الحرمة أيضاً أن الدال فلا يجوز له الأكل من الصيد، وصورته محرم دل حلالاً على قتل صيد فقتله حرم على الدال أكله، فعرفنا أن الدلالة من محظورات الإحرام فصارت سبباً لوجوب الجزاء، وهذا لأن الكفارة وجبت بجناية على إحرامه بارتكاب محظوره، وقد وجد هذا في مسألتنا فوجب الجزاء. وأما تحقيقهم في المسألة: قالوا: تحريم القتل والاصطياد معلول بإزالة أمن ثبت للصيد بالإحرام، والدلالة في إزالة الأمن عن الصيد بمنزلة الرمي والأخذ، لأن أمنه عن الصائد في حالته تلك بتواريه عن عين الصائد، ألا ترى أنه لا يبقى آمناً

стр. 632

في تلك الحال بعد علمه به، وإنما يكتسب أمناً آخر بفوته والفرار الذي يحدثه. يبينه: أن الخلاف في الطير والفرخ والبيض واحد، ولا يأمن البيض عن الصائد بعد علمه به، فثبت أن الأمر يزول بالدلالة وإذا كان وجوب الجزاء معلولاً بإزالة الأمن وقد زال ذلك بالدلالة فوجب بها الضمان، وشبهواً هذا بالمودع إذا دل السارق على سرقة الوديعة حين سرقها يجب عليه الضمان، وكذلك إذا ترك الحفظ صار جناية في حقه على الخصوص، كذلك المحرم قد التزم هذا الأمر، وإذا تركه صار جناية في حقه على الخصوص. قالوا: ولا يلزم إذا دل على الصيد فلم يأخذه المدلول حيث لا يجب عليه شيء بنفس الدلالة، لأنه إذا لم يأخذه المدلول عاد الأمن إلى الصيد فصار كما لو أخذ الصيد ثم أرسله سقط عنه الضمان لما ذكرنا. قالوا: وأما إذا دل/ عليه ثم رجع عن الدلالة ونهاه عن أخذه لا يبرأ عن الضمان لأن زوال الأمن كان بعلم الصائد بمكانه وذلك السبب قائم وإن رجع هو عن دلالته ونهاه عن الأخذ فلم يبرأ عن الضمان. قالوا: وكذلك نقول في المودع إذا مكن السارق من أخذ الوديعة ثم نهاه باللسان لا يبرأ، وإنما يبرأ إذا حفظه باليد فعجز، لأنه لما أثبت اليد عليه فقد عاد إلى المال ما كان ثابتاً من قبل وهو الحفظ المؤمن للوديعة فبرئ عن الضمان الواجب بإزالة أمن الحفظ فقياس هذا من مسألتنا أن لو ذهب الدال وأخفى الصيد بأن كان بيضاً أو فرخاً فأخفاه من المدلول فإنه يبرأ عن الضمان في هذه الصورة. دليله: مسألة الوديعة وتقريره وبيان وجه تأثيره ما سبق.

стр. 633

قالوا: وليس كالدلالة على قتل المسلم، لأن دم المسلم وماله غير مضمون أمانه على أحد ولا حفظه حتى يقال يجب الضمان بإزالة الأمن أو ترك الحفظ. فإن قلتم: ((مضمون بعقد الإسلام)). قال: ليس في الإسلام ضمان شيء من هذا الباب إنما يجب عليه بحق الدين أن لا يؤذي مسلماً، فلا جرم وجب بتركه الجزاء الذي هو بمعصية الله تعالى على الإطلاق، وذلك الإثم وإذا لم يكن فيه ضمان فكان الواجب من الكفارة وغيرها متعلقاً بتعقد يقع على العين، والدلالة ما اتصلت بالعين جناية عليه وإنما يتصل بالعين مباشرة الأخذ أو الإتلاف، وإذا كان المباشرة والأخذ مختارين في الإتلاف والأخذ كانت إضافة السبب مقصورة عليهما ولم تجب على صاحب الدلالة فصار حرفهم في المسالة: أن ترك الحفظ سبب ضمان العين بضمان الحفظ وإزالة الأمن سبب ضمان العين بضمان الأمن فالأول في الوديعة، والثاني في الإحرام، ومثل هذا لا يوجد في عقد الإيمان فبقى مجرد ارتكاب المعصية بالدلالة على المعصية، وأما الضمان فكان مقصوراً على من يوجد منه العدوان المتصل بالعين. قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب على وجه البدل على المتلف، ولهذا يدخل فيه الصوم، وهذا لأنه لم يوجد عقد ولا التزام أمان حتى يصير بالقتل جانياً على عقده، وإنما الله حرم هذه الصيود في الحرم لمحض حقه أو لحق الصيد على ما سبق. وإذا أتلفه كان الواجب عليه بدل المتلف لحق الله تعالى. وفي مسألتنا إنما تجب الكفارة على وجه الجزاء على ارتكاب المحظور ولهذا دخل فيه الصوم، وهذا لأن الواجب إذا كان في مقابلة المحل لا يجوز أن يدخل فيه الصوم، لأنه لا مماثلة بين الصوم والمحل، وأما إذا كان جزاء عن ارتكاب

стр. 634

محظور يجوز أن يدخله الصوم، لأن الصوم يصلح أن يكون واجباً عن ارتكاب محظور ولأن الصوم حسنة وارتكاب المحظور سيئة، والله تعالى قد شرع الحسنات مذهبة للسيئات، وإذا كان الواجب في صيد الحرم على طريق البدل عن المتلف لم يجز أن يجب ضمانات عن متلف واحد، وإذا وجب على المباشر بارتكاب المحظور بقتله لم يجز أن يجب على الدال. وفي مسألتنا لما كان الواجب جزاء على ارتكاب محظور يجوز أن يجب على المباشر بارتكاب المحظور بالقتل، ويجب أيضاً على الدال بارتكابه المحظور بدلالته، لأن كل واحد منهما مرتكب محظور. وقال أبو زيد في ((الأمالي)) جواباً عما إذا دل ولم يقتل المدلول: إن الضمان من حيث إنه وجب بارتكاب محظور يكون كفارة وجزاء عن الجناية، ومن حيث إنه لم يجب جزاء عن صيد مضمون يجب بدلاً عنه فيجب بالطريقين جميعاً كفارة وبدل، فمن حيث إنه يدل لم يجز أن يجب إذا كان المبدل سليماً على حاله ولا يجب إلا بعد فوته، ومن حيث إنه كفارة يجوز أن يجب إذا فات المبدل على القاتل لإتلافه بدلاً عنه، وعلى الدال الكفارة بجنايته على إحرامه. الجواب: أما الآثار عن الصحابة: فقد روينا عن ابن عمر مثل مذهبنا، وعليه يدل القياس الجلي. وأما قولهم: ((إن الدلالة من محظورات الإحرام)). قلنا: أما إذا دل محرماً على الصيد ليقتله فإنما كان محظوراً لأنه دلالة

стр. 635

على المعصية، والدلالة على المعصية معصية، وهو مثل أن يدل ظالماً على مسلم ليقتله. وأما إذا دل حلالاً على صيد ليقتله فإنما كانت الحظرية بالنص وهو حديث أبي قتادة المعروف: ((أنه كان في رهط في المحرمين وكان حلالاً فمر به حمار وحشي فشد لعيه وقتله وجاء به إلى أصحابه فأبوا أن يأكلوا حتى يسألوا النبي ﷺ فلما سألوه قال: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)). ولولا هذا النص لا تجب الدلالة ولا يجب الأكل أيضاً، فسلم هذان الحكمان في هذه الصورة/ للنص، فأما في الصورة الأولى فمجرد الدلالة على المعصية، بدليل الدلالة على قتل المسلم ليقتله المدلول. وأما قولهم: ((إنه بعقد الإحرام التزام أمان الصيد)). قلنا: يجوز أن يقال إنه ما التزم شيئاً بعقد الإحرام إنما هو شارع في حج عليه أو حج متنقل به، وإنما الله تعالى حظر عليه أشياء في عقدة

стр. 636

الإحرام فنظرنا إلى المحظور فوجدناه بالقتل ثم نظرنا فوجدنا واجب القتل لا يجب بالدلالة على القتل بحال، وعلى أنا إن سلمنا أنه التزام الأمان في حق الصيود ولكن عن القتل والاصطياد ولم يوجد واحد واحد منهما. قالوا: ((بل التزام كل ما ينافي أمانه)). قلنا: لا، بل القتل متعين، لأن الشارع نص على القتل، وغير القتل لا يحرم تحريم القتل، وأما حظرية الدلالة كانت بالوجه الذي قدمنا ثم نقول: إذا كان الواجب بارتكاب المحظور فأوجبوا الجزاء وإن لم يقتل المدلول. وقولهم: ((إنه إذا لم يقتل المدلول عاد الأمان)). قلنا: هذا أضعف كلام يكون، لأن جنايته على إحرامه قد تحققت من حيث الدلالة وتخويف الصيد قد وجد وهو جناية مستقلة بنفسها فوجد وإن لم يتصل به القتل بدلالة أن الإثم في هذه الصورة على الدال مثل الإثم عند اتصال القتل بالصيد فينبغي أن تجب الكفارة وحين لم تجب عرفنا أن الدلالة غير موجبة للجزاء بحال. أما عذرهم الأخير في سلوك طريقة الشبهين. فهذه طريقة يسلكها هذا القائل في كثير من المسائل، وهي بعيدة عن مناهج الفقهاء، لأن حق الفقيه ترجيح أحد الشبهين على الآخر ومداخلة المعاني الصحيحة على أصول الشرع ليتبين له قطع الحادثة عن أحد الشبهين وإلحاقها بالشبة الآخر وإنما سلوك طريقة الشبهين نوع عجز يعدم صاحب المعنى، وعلى أنا نقول: إن الضمان عن الحيوان المضمون يكون بدلاً عنه كضمان الشاة والبقرة ونفس المسلم.

стр. 637

والدليل عليه: أن الواجب يتقدر بقدر المتلف. أما عندنا باعتبار المثل خلقة، وعندهم باعتبار القيمة، وأبدال المتلفات يتقدر بقدر، فأما الكفارات فلا. وأما الحظرية فكانت، لأن المتلف ليس له بحق له مثل مال الغير، وكذلك نفس المسلم فحظر الفعل لهذا المعنى ثم الواجب بدل، لأن المتلف حيوان مضمون، والواجب بإزاء الحيوان المضمون لابد أن يكون بدلاً عنه. وأما دخول الصوم إنما كان، لأن الواجب لله تعالى، والصوم يكون بدلاً في حق الله تعالى، وأما ضمان المال والنفس فإنما وجب لحق الآدمي فلا يستقيم أن يجب الصوم بدلاً عن حق الآدمي فلهذا افترقا. وأما فصل الوديعة فنقول: المودع في تلك الصورة لا يضمن بالدلالة بدليل أنه لو رأى سارقاً يسرق الوديعة أو غاصباً يأخذه فلم يمنعه يجب عليه الضمان ولا دلالة له ههنا. وفي مسألتنا: لو رأى واحداً يقتل صيداً فلم يمنعه لا شيء عليه، وكذلك في الوديعة لو نهى بعد الدلالة يسقط الضمان، وفي مسألتنا قد قلتم: إنه وإن نهى بعد الدلالة لا يسقط الجزاء وقد اعتذروا عن هذا الفصل. والأول معتمد، وهذا لأن المودع بعقد الوديعة ضمن حفظ الوديعة، لأنه عقد معقود على الحفظ وحين دل أو تركه حتى سرق فقد ترك الحفظ فإنما ضمن لهذا المعنى. والفقهاء قد سموا الضمان الواجب على المودع بهذا السبب ((ضمان تضيع)) وجعلوا المودع مضيعاً بما فعله وضمان الحفظ يضاد التضيع فكان التضيع موجباً للضمان بهذا الوجه. وأما المحرم لم يلتزم حفظ الصيود حتى يضمن بترك الحفظ.

стр. 638

وقولهم: ((إلتزام الأمن)). فقد أجبنا عن هذا. يبينه: أن التزامه الأمن للصيود مثل التزام المسلم أمن الناس عن أذاه بإسلامه. وقال النبي ﵇: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)). وقولهم: ((إن هناك لم يلتزم)). قلنا: إن عنيتم نص الالتزام فلم يوجد في الموضعين، وإن عنيتم دليل الالتزام ووجود الحظرية فقد وجد في الموضعين بلا فرقان ثم نقول: المودع لما أمكنه الحفظ حتى لا يأخذه السارق فصارت قدرة السارق على الأخذ بترك الحفظ، لأنه لو حفظه لم يقدر عليه فصار ترك الحفظ هو السبب في الأخذ، ألا ترى أنه يمكنه أن يحفظ مع أخذه. فأما الدلالة بعد علم المدلول لا يكون سبباً لأخذ الصائد فإنه بعد دلالته يتوصل الصائد إلى الصيد بقدرته واختياره فلم تبق دلالته جناية على الصيد حين الأخذ، وفي مسألتنا ومسألة المودع بقى ترك الحفظ جناية على الوديعة عند الأخذ فافترقا معنى، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 639

(مسألة) المحرم إذا قتل ما لا يؤكل لحمه من السباع/ وسائر الحيوانات لا يجب عليه الجزاء . وعندهم: يجب إلا في الخمس الفواسق وألحقوا الذئب، وإن لم يرد بها الخبر. لنا: حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﵇ قال: ((خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحرم: العقرب، والفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور)).

стр. 640

(قال ابن عيينة: الكلب العقور: كل سبع يعقر وقد دعا رسول الله ﷺ على عتبة بن أبي لهب: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، فافترسه الأسد). وروى ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث وزاد فيه أن النبي ﵇ قال: ((والكلب العقور والسبع العادي)). رواه أبو داود في سننه، وروى هذا الحديث (أبو عيسى) في جامعه، واللفظ: ((يقتل المحرم السبع العادي ثم قال: وهو حديث حسن)). والخبر الثاني نص. والاستدلال بالخبر الأول حسن. وقول ابن عيينة في نهاية الحسن. فإن حملوا الحديث على حال الاعتداء فهو باطل، لأنه إذا كان المراد من الحديث هذه الحالة لم يكن لتخصيص الذكر معنى، لأن غير السبع يكون بمثابته وذلك مثل جمل الصائل وحمار الوحش إذا عدى أو أشباه ذلك. ومن جهة المعنى نقول: سبع مؤذي بطبعه فيجوز للمحرم قتله ولا شيء عليه.

стр. 641

دليله: الذئب، والقياس في الذئب في غاية القوة، لأن النص لم يأت به في خبر ما، وإنما أبيح قتله لأنه سبع عادي وكذلك في سائر الحيوانات، وهذا لأن هذا الحيوان إذا كان مؤذياً بطبعه عادياً بجبلته فيكون قتله في الحقيقة دفعاً لأذاه فصار كما لو قصد المحرم فقتله المحرم فإنه لا يكون عليه شيء، فكذلك ههنا. ويدل عليه: أن طبيعته باعثة له على الأذى فصار كما لو تحقق منه الأذى، وهذا كالكفار المحاربين يجوز قتلهم لمحاربتهم فلو لم يحاربوا يجوز قتلهم ابتداء، لأن كفرهم حامل إياهم على الحراب والقتال، فصار كما لو تحقق منهم الحراب والقتال. وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذه الحيوانات صيود، لأن كل مستوحش ممتنع صيد، ولأن كل حيوان جاز اصطياده لنوع منفعة فهو صيد، فهذه الحيوانات وإن كانت لحومها لا تؤكل فيجوز اصطيادها لجلودها أو للإنتفاع بعظامها وشعورها، وإذا جاز الاصطياد لمنفعة مطلوبة كان صيداً. قال الشاعر: صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدك الأبطال فقد جمع بين الأرانب والثعالب لا تؤكل)، فدل أن الصيد لا يختص بما يؤكل لحمه.

стр. 642

قالوا: وأما الأذى فلا يوجد من هذه السباع سوى خمس الفواسق إلا على الندور فلأنها تبعد في العادة عن الناس وليست بحيوان يساكن الناس ولا هي تكون بقرب من العمرانات فيقل منها الأذى ولا يكثر بخلاف الخمس الفواسق، لأن الحية والعقرب والفأرة مما يساكن الناس في بيوتهم، وكذلك الكلب يكون فيما بين الناس ويؤذيهم والغراب والحدأة والذئب تطوف حول العمرانات فيوجد منها أدى الاستلاب، ولأن الذئب في العادة يكون يقصد أغنام الناس وأطفالهم فيكثر الأذى من هذه الحيوانات، وأما ما سواها من السباع فلا يكثر عادة، وإنما يوجد نادراً فلا يلحق بالخمس الفواسق، وهذا إنما يلحق بها إذاكان في معناها فإذا لم يكن في معناها فلا، وقد بينا أنها ليست في معناها، وأما الذئب فإنها في معنى الخمس الفواسق فألحقت بها. الجواب: أما دعواهم أن هذه الحيوانات صيود. فلا نسلك ذلك، وعندنا الصيد كل حيوان يؤكل لحمه، فأما ما لا يؤكل لحمه فلا يؤكل صيداً بحال. قالوا: فقد كانت هذه الحيوانات مأكولة عند العرب، لأنهم كانوا يأكلون كل ما دب ودرج إلا أم حبين فكانت صيوداً عندهم ثم جاء الشرع بالتحريم بعد ذلك فكان الشرع مغيراً للأحكام دون الأسامي فبقى اسم الصيد على ما كان من قبل. قلنا: العرب لا تعرف الصيد إلا مأكول اللحم، وقد روي عن ابن

стр. 643

أبي عمار أنه قال لجابر في الضبع: أصيد هو؟ قال: نعم، قال: عن رسول الله؟ قال: نعم. وإنما كان السؤال كان عن حل الأكل وذكره باسم الصيد، وإذا كان اسم الصيد عندهم لمأكول اللحم فإذا لم يكن مأكولاً لا يكون صيداً. وقولهم: ((إن الشرع غير الحكم دون الاسم)). قلنا: الإسلام التي يبني عليها الأحكام إنما يعتبر فيها مورد الشرع لا مورد اللغة. وأما قولهم: ((إنه حيوان متوحش ممتنع)). قلنا: قد تركتم وصفاً آخر وهو أن يكون مستوحشاً ممتنعاً مأكول اللحم. وقولهم: ((إن كان ما يصطاد فهو صيد)). قلنا: الناس لا يقصدون بالصيد إلا مأكول اللحم/ فأما غيرهم فإن قصدوها فإنا يقصدونها لا لاصطياد لكن لدفع الأذى، وأما المنافع التي ذكروها من الانتفاع بالجلود والشعور وغير ذلك فهو اتباع اللحوم ولا يعتبر ذلك على الانفراد وقد ذركنا هذا في كتاب الطهارة في الأوساط. وأما الذي قالوا: ((إن الأدى لا يكثر من هذه الحيوانات عادة)). قلنا: نحن نعمل قطعاً أن الأسود والنمور يقصدون من يقدر عليه من

стр. 644

بني آدم فإن تركت القصد مع القدرة فذلك نادر، ولهذا المعنى تسمى سباعاً عادية يعني أنها تعدو على الناس ويقصدونها بالأذى. يبينه: أن قصد الحيات ربما يكون أقل من قصد الأسود والنمور وما يشببهها ومع ذلك يباح قتلها. وقولهم: ((إنها تبعد من الناس)). قلنا: هذا أمر يختلف، فإنها قد تقرب وقد تبعد فلا يجوز بناء الحكم على هذا الدنا فإنها تبعد تارة وتقرب أخرى فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر قصده من يقدر عليه وهذا موجود في السباع، والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 645

(مسألة) جماعة محرمون اشتركوا في قتل صيد فعليهم جزاء واحد عندنا. وعندهم: على كل واحد جزاء كامل. لنا: ما روى عن ابن عمر ﵁ أنه سأله جماعة قتلوا ضبعاً عن الواجب عليهم، قال: ((عليكم جزاء واحد)). وأما المعنى: نقول: ضمان حيوان معصوم يتقدر بقدر الحيون فيكون الواجب واحداً وإن تعدد المتلف.

стр. 646

دليله: إذا قتل جماعة صيداً في الحرم. والفقه أن الضمان في مقابلة المتلف بدليلين: أحدهما: لأن ضمانه لأمانه فإن الله تعالى أمن الصيود عن الحرمين كما أمن الصيود في الحرم، والأمان في الحيوان المباح قتله يوجب الضمان بدليل أهل الحرب، وإذا كان الضمان بهذا الطريق فلابد أن يكون في مقابلة المتلف. والثاني: أن الواجب يقتدر بقدر المتلف، أما عندنا فإن الضمان بالمثل خلقة يكون معدلاً على قدر المتلف وصفاته، وكذلك على أصلكم تجب القيمة بقدر المقتول حتى إذا كان المقتول حيواناً كبيراً يجب بقيمته وإن كان صغيراً يجب بقيمته، والواجب المعدل بقدر المتلف لا يتضاعف بتعدد المتلفين. دليله: سائر الضمانات. ودليله: المقتول خطاً أو عمداً. وأما حجتهم: قالوا: الواجب جزاء الجناية وجناية كل واحد منهم كامل فيجب عليه جزاء كامل. دليله: إذا انفرد، وإنما قلنا: إن الواجب جزاء الجناية، لأن الواجب كفارة، والكفارة جزاء الجناية لا لتمحيص الإثم مثل سائر الكفارات، ولهذا كانت الكفارة بما هو عبادة، لأن العبادة سبب لتمحيص الآثام بدليل

стр. 647

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وهذا لأن الإحرام عقد يوجب تحريم أفعال عليه وتلك الأفعال محظورات هذا العقد فيصير بارتكاب المحظور جانباً على إحرامه فيلزمه الجزاء ليكون في مقابلة جنايته، وهذا لأن ارتكاب الجناية مخيل في إيجاب الجزاء الزاجر عنها. ويدل عليه أن الصوم يدخل في جزاء قتل الصيد ولو كان الواجب على طريق بدل المتلف وجب أن لا يكون للصوم مدخل فيه، لأن البدل واجب بشرط المماثلة ولا مماثلة بين الصيد والصوم فثبت بما قلناه أن الواجب بإزاء الجناية ثم الدليل على كمال الجناية كمال الإحرام وإذا كمل الإحرام فلابد من الحكم بكمال الجناية، لأن كمال الإحرام يوجب كمال الحظرية وكمال الحظرية يوجب كمال الجناية وكمال الجناية يوجب كمال الجزاء، وهذا كالجماعة إذا قتلوا واحداً فإنه يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة كذلك ههنا، وكان المعنى ما بينا. قالوا: وأما التعديل بالمحل فإنما كان كذلك، لأن هذه الجناية لها محل فيكون قدرها بقدر المحل فعند زيادة المحل تزداد الجناية وعند نقصان المحل تنتقص الجناية. وأما استواء الكفارة في قتل الآدمي فإنما كان لأنها مقدرة شرعاً فلا تزداد ولا تنتقص، وأما ههنا فالواجب هو القيمة وإن كان جزاء الجناية فجاز أن تنتقص وتزداد أخرى. وقد سلك أبو زيد طريقة الشبهين وقال: إن الواجب يشبه جزاء

стр. 648

الجناية من وجه ويبه بدل المتلف من وجه، وقد أشرنا إلى ذلك في المسألة الأولى. وقال أيضاً: إن الواجب كفارة القتل، والجماعة إذا اشتركوا في تقل صيد مثل الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد من بني آدم ثم هناك الموجود من كل واحد قتل كامل، كذلك ههنا الموجود من كل واحد قتل كامل فإذا كمل القتل كمل الكفارة، وبيان كمال القتل قد ذكرناه في ربع القصاص. قالوا: وأما الجماعة إذا قتلوا صيداً في الحرم/ فإنه لا يجب عليهم جزاء واحد، لأنه واجب على طريق البدل عن المتلف، والمتلف واحد فيكون البدل واحداً وهذا لأنه لم يوجد منه عقد حتى يكون القتل جناية على العقد، وإنما الصيد في الحرم أمن بأمان الله تعالى فإذا قتله وجب البدل لله تعالى مثل من قتل صيداً مملوكاً يجب الضمان لصاحب الملك. وأما ههنا فإن هذا جزاء الجناية بدليل ما سبق. قالوا: ولهذا لا يدخل الصوم في جزاء الصيد في الحرم ويدخل في جزاء الصيد في الإحرام. وربما يقولون: إن الواجب في صيد الحرم حق الصيد والواجب في صيد الإحرام حق الله تعالى زجراً لا جبراً، لأن الجبر في حق الله تعالى لا يتصور. الجواب: قولهم: ((إن الواجب جزاء الجناية)).

стр. 649

لا نسلم ذلك، بل الواجب بدل المتلف على ما سبق بيانه. والأولى أن نقول: إن الواجب ضمان المتلف على جهة البدل وتضمن ذلك نوع جزاء على الجناية، وهو كالقصاص عندكم ضمان المتلف بالمثل لكن تضمن الجزاء على الجناية، وبيان هذا في ربع القصاص، وعلى أنا قلنا أنه بدل المتلف على الإطلاق فيمكن تمشيته لما بينا أنه حيوان مضمون ولأنه ضمان معدل مقدر بقدر المتلف. أما قولهم: ((إنه يسمى كفارة)). قلنا: لا عبرة بالأسامي وجزاء صيد الحرم كفارة، وقد سلموا أنه بدل المتلف وعلى أنه يسمى كفارة، لأنه تضمن نوع جزاء على الجناية على ما سبق. وأما قولهم: ((إنه يجب بارتكاب محظور)). قلنا: هذا يوجد في صيد الحرم، ومع هذا قد سلموا أنه بدل، وعلى أن الدية واجبة بفعل محظور أو بتقدير فعل محظور وهي بدل قطعاً. وأما كفارة قتل الآدمي فقد ذكر أبو علي الطبري صاحب ((الإفصاح)) قولاً للشافعي أن جماعة لو قتلوا واحداً لا يجب عليهم إلا كفارة واحدة، وعلى أن هاك لا يمكن إيجابها على الأبعاض، ألا ترى أنها لا تجب بالجناية على بعض الجملة بحال، وههنا يمكن إيجابها أبعاضاً ألا ترى أنه

стр. 650

يجوز أن يجب بالجناية على البعض وهو الطرف، ولأن الكفارة لما كانت جزاء الجناية لم تتقدر ولم يعدل بقدر المتلف حتى إن المتلف صغيراً كان أو كبيراً أو قليل القيمة أو كثير القيمة تكون الكفارة واحدة بخلاف مسألتنا على ما سبق. وقولهم: ((إن الجناية تزداد بزيادة المحل وتنتقص بنقصان المحل)). قلنا: إن كان هذا صحيحاً فهلا قلتم في كفارة قتل الآدمي يكون هكذا؟ وأما دخول الصيام فإنما كان لأن الواجب حق الله تعالى فلهذا دخل الصيام أو يجوز ضمان حق الله تعالى بالصيام وإنما لا يجوز في حق الآدمي. وأما قولهم: ((لا ممثالة بين الصوم والصيد)). قلنا: العبرة بالمماثلة شرعاً، والشرع في الابتداء أوجب المثل إذا أمكن ثم إذا صار الأمر إلى القيمة على تدريج فقد حقق معادلة بين الصوم والطعام من حيث الحكم لا من حيث الحس والمعقول، وعلينا الانقياد لذلك شئنا أو أبينا، وعندنا يدخل الصوم في جزاء صيد الحرم أيضاً. وأما قولهم: ((إنه وجد من كل واحد منهم قتل كامل)). فقد أجبنا عن هذا في القصاص، والله أعلم. * * *

стр. 651

(مسألة) لا حصر إلا حصر العدو عندنا. وهذا اللفظ مروى عن ابن عباس وهو قول ابن عمر ﵃. وعندهم: يثبت الإحصار بالمرض كما يثبت بالعدو. لنا: حديث عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي ﵇ وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: ((نعم، قالت: كيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني)).

стр. 652

(وفي الباب عن جابر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر). والاستدلال أنه لو حل الخروج لم يكن للاشتراط معنى، وقد قال كل من يرى الخروج بالمرض جائزاً أن الاشتراط باطل. وقد قال كل من لا يرى الخروج بالمرض جائزاً بأن الاشتراط صحيح. ولأن الإحرام عقد لازم في ذاته بدليل أنه لا يمكنه الخروج عنه باختياره ولو جاز الخروج عنه بعذر لكان إذا خرج باختياره بغير عذر لصح خروجه ولكنه يأثم مثل سائر العبادات. وهذا لأن عدم العذر تأثيره في التأثيم، والعذر تأثيره في الإطلاق بلا إثم، فأما إمكان الخروج في الموضعين يكون واحداً فلما لم يمكنه الخروج عنه إلا بطريقة المشروع عرفنا أنه عقد لازم بعينه وإذا كان لازماً بعينه فالأصل أن كل ما يمكنه الصبر عليه حتى

стр. 653

ينقضي يلزمه الصبر عليه ثم إذا مضى خرج عن الإحرام بطريقة المشروع محافظة على لزومه بعيه والمريض يمكنه أن يصبر عليه حتى يبرأ، وكذلك في حصر العدو يمكنه أن يحارب حتى يجد المسلك أو يصبر حتى ينصرف العدو إلا أن في العدو جاز التحلل بنص الكتاب/ والسنة والمرض ليس بمنزلته لا صورة ولا معنى. أما الصورة معلومة، والمعنى فلأن الخوف من العدو يزول بالتحلل، والمسألة مصورة في مثل هذا الموضع وهو أن يكون العدو مانعاً من المضي على وجهه وإذا رجع من وجهه إلى وطنه لم يتعرض له وهو مثل ما كان في حق الرسول ﷺ بالحديبية حتى قال الأصحاب: لو لم يكن على هذا الوجه أو كان العدو من الجوانب كلها لا يجوز له التحلل والخوف من المرض لا يزول بالتحلل. وقد قال الأصحاب في العبارة عن هذا: حال لا يفارقه بالإحلال فلا يطلق له التحلل. دليله: الضلال، وهذا لأن الله تعالى أباح التحلل عند إحصار العدو ولينجو عن شر العدو بالرجوع فلم يجز قياس المرض عليه، لأنه لا نجاة من شر المرض بالرجوع وهو أيضاً دونه، لأن العدو إذا كان على الطريق لم يمكنه المضي على وجهه أصلاً، وفي المريض يمكنه المضي على وجهه إلا أنه بمشقة. والحرف هو الأول وهو أن إباحة التحلل للخلاص من العدو ولا خلاص من المرض بالتحلل فلم يكن مثله ولم يطلق له الخروج إلا بشرط زائد وهو شرط التحلل فيفوت اللزوم بهذا الشرط شرعاً، لأنه كان اللزوم بإطلاق الإحرام شرعاً فيفوت شرطه شرعاً كالبيع لا يلزم مع العيب ويلزم مع الجهل بالجزء فإذا شرط العلم بالجزء عند العقد التحق بالعيب حتى إذا لم يكن له علم بها

стр. 654

يرد العلم على بائعها وكان ذلك لأن الجهل بالجزء دون العيب فلم يلتحق به في حكمه إلا بشرط مقرون بالعقد، كذلك ههنا. وأما حجتهم: (تعلقوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قالوا: والإحصار هو المرض، يقال: أحصر بالمرض وأحصر بالعدو.) وذكره ثعلب في فصيح الكلام، وذكره الزجاج في معاني القرآن. فصار نص القرآن متناولاً لكل واحد منهما بل تناوله للمرض أظهر وأبين. قالوا: وروى الحجاج بن عمر أن النبي ﵇ قال: ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى))، رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو، وقال عكرمة: قد ذكرت ذلك لابن عباس وابن عمر فقالا: صدق.

стр. 655

والمعنى أن المرض سبب لمنعه من المضي في موجب إحرامه فيفيد له الإحلال قياساً على العدو، وإنما قلنا إنه يمنعه، لأن الخلاف في مرض مقعد يقعده عن الذهاب والركوب أو ضلا أو منعه إلا بزيادة مرض فأباح له الشرع التحلل وإن أمن تلك الزيادة. قالوا: وهذا المعنى معقول، وهو إذا عجز عن المضي على وجه ازداد مدة الإحرام لأنه لابد من الصبر مدة المرض في الإحرام ثم إذا برأ من المرض لابد من الذهاب وفعل العمرة إن كان محرماً بعمرة وإن كان محرماً بحجة فلابد من الصبر مدة المرض ثم إذا عوفي وقد فاته الحج فلابد من التحلل من الحج بالطواف والسعي كما يتحلل فائت الحج في سائر المواضع فيحتاج إلى مدة طويلة في الإحرام وفي زيادة مدة الإحرام زيادة لزوم مشقة تلحقه من جنس ما التزم بأصل الإحرام فالشرع جعل له خيار المخلص عن هذه الزيادة بفسخ الأصل ترفيهاً له ورحمة عليه ثم مثل هذا قد يؤثر في إطلاق فسخ العقود اللازمة مثل البيع فإن المشتري إذا لزمه زيادة ثمن على ما سمي ثبت له الخيار وذلك بأن يجد عيباً بالمبيع فإنه التزم الثمن بإزاء جميع أجزاء المبيع فإذا كان بعض أجزاء المبيع فايئاً فصار حصته من الثمن تلزمه على سبيل لم يرض به فثبت له الخيار، كذلك ههنا، وهذا لأن الإحرام

стр. 656

لازم بعينه في الجملة محتمل للفسخ مثل المبيع سواء فصار حكمه مثله على الوجه الذي قلناه. قالوا: وأما إذا ضل الطريق فعندنا المحصر لا يتحلل إلا بهدى ينحر عنه. وفي المرض وحصر العدو نجد هذا، ومن ضل الطريق لا يجد من يبعثه وإن وجد لزمه الذهاب معه لأنه يهديه إلى الطريق فيزول العذر حتى إذا كان الرجل راعياً بحيث يمكنه أن يبعث معه الهدى ولا يمكنه الذهاب معه وهو لا يعرف الطريق بنفسه فإنه يتحلل ويبعث بالهدى مثل مسألتنا سواء. قالوا: وأما عدم مفارقة المرض إياه ومفارقة العدو لا تعتبر ولا توجب الفرقان بعد أن ظهر العجز وتحقق في الوجهين جميعاً. فصار حرفهم أن المبيح للتحلل عند حصر العدو ليس هو مفارقة الحال بالإحلال لكن المبيح زيادة مدة الإحرام عليه وذلك يزول بالتحلل في الموضعين، وعلى أنكم جعلتم مفارقة الحال بالإحلال علة التحلل، ونحن نقول: إن صح هذا فقد جعلتم عدمه علة لعدم الحكم، وبالإجماع عدم العلة لا يوجب عدم الحكم بل يبقى موقوفاً على قيام الدلالة، كما كان قبل العلة فصار/ حقيقة ما قلتموه احتجاجاً بلا دليل. الجواب: إن الأمة أجمعت على أن الآية نزلت في حصر العدو، والدليل القطعي عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. وأيضاً يقال: أمن من العدو، وفي المرض يقال: برأ وعوفي منه.

стр. 657

وقد ذكر الفراء أنه يقال: أحصر من العدو والمرض جميعاً، وكذلك أشار القتبي إليه، وإذا كان اللفظ صالحاً لهما كان متعيناً في حصر العدو بإجماع المفسرين. وأما الخبر: قلنا: روى عكرمة وحجاج بن عمرو، وعبد الله بن رافع ذكره معمر ولم يذكره عكرمة في هذه الرواية فيوجب هذا وهنا في الحديث. وعلى أنه محمول على ما إذا كان شرط أن محله حيث يحبسه، ألا ترى أنه قال: ((فقد حل)) فإنما يحل بغير تحلل في هذه الصورة. وأما الذي قالوا من ((زيادة مدة الإحرام)). فمن ضعيف، لأنه بإحرامه التزم مواجب إحرامه طالت المدة أو قصرت إلى أن يتحلل على قضية إحرامه، وهذا لأن هذه العوارض غير مأمونة من مرض وعدو وغير ذلك فيحن أطلق الإحرام من غير اشتراط فقد التزم مواجبه على علاته وحالاته فتوهم زيادة مدة الإحرام لا تجوز له أن يطلق له الخروج، ولأنه كيف يستقيم التعليل بهذا، وعندكم إذا تحلل يلزمه حجة وعمرة؟ فلا يجوز أن يباح له التحلل للفرار من وجوب زيادة لم

стр. 658

يلتزمها ثم يكون التحلل موجباً زيادة نسك في الأصل هو فوق زيادة المدة، فدل أن ما ظنوه علة ضعيفة. وأما البيع لا يشبه الإحرام، ألا ترى أنه يشترط ما يفسخ به البيع عند فقده من صفة الخبر والكتابة فيصح شرطه، ومثل هذا الشرط لا يصح في الحج عندهم بحال فثبت أن التحلل لحصر العدو ليس إلا بالنص والمرض مخالف له على ما سبق. والذي اعترض به على ما قلناه، ليس بشيء، لأنه مآل كلامه أنه يتخلص بالتحلل من زيادة مدة الإحرام، وقد ذكرنا فساد هذا المعنى. والذي قالوا: ((إن العدم لا يكون علة)). قلنا: نحن لم نجعله علة لكن بينا المفارقة بين عذر العدو وعذر المرض وقد تبين .. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. * * * ((تم ربع العبادات بحمد الله تعالى وحسن توفيقه في أواخر شوال من شهور سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، والله المستعان على إتمامه بمنه ولطفه. الحمد لله وصلواته على الأنبياء الطاهرين وخص محمداً بأفضل التحية والسلام وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم المعين)). * * *