Полный текст (3 626 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من غيبة الأول-: فهو للثاني.
وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من غيبة الأول-: فهو منفي عنهما، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأربع سنين فأقل من غيبة الأول-: يحتمل كونه منهما؛ فيرى معهما القائف.
هذا إذا كان غائباً غيبة-: لا تحتمل وصوله إليها في هذه المدة.
فإن احتمل عوده ووصوله إليها، فأتت به لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني-: فهو للأول بكل حال، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني-: يرى القائف، وإن كان لأكثر من أربع سنين من غيبة الأول فكل موضع جعلنا الولد للثاني-: فللزوج أن يمنعها من إرضاع الولد، إلا اللبأ، فإن النفس لا تعيش بدونه، وإن لم تكن مرضعة سواها-: لم يكن له منعها من الإرضاع.
وهل يجب عليه نفقتها في زمان الإرضاع؟ نظر:
إن لم تحتج إلى الخروج، ولم يقع الخلل في التمكين-: يجب.
وإن وجد شيء من ذلك-: فلا نفقة لها.
وإن وجب عليها الإرضاع، حتى لا يجوز للزوج منعها لعدم المرضعة، فأذن فيه-: هل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان؛ كما لو سافرت بإذنه في حاجتها.
ولو مات أحد الزوجين، وهي حائل - نظر:
إن مات الأول-: عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، وإن مات الثاني أو فرق بينهما-: تعتد بثلاثة أقراء، أو بثلاثة أشهر، إن اكنت ممن لا تحيض.
وإن ماتا معاً-: تعتد عن الزوج أولاً عدة الوفاة، ثم تعتد عن الثاني بالأقراء.
ولو مات الثاني، أو فرق القاضي بينهما، وشرعت في عدته، ثم مات الزوج، أو طلقها-: فأي العدتين تقدم؟ فيه وجهان:
أحدهما: عدة الثاني؛ لأنها سابقة.
والثاني: عدة الأول؛ لأنها وجبت بنكاح صحيح، ولو لم تدر أيهما مات أولاً-: فهو كما لو ماتا معاً.
وإن كانت حاملاً-: تقدم عدة من الحمل منه، والله أعلم بالصواب.
стр. 2592
بَابُ الاسْتِبْرَاءِ
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "عِدََّةُ أُمِّ الْوَلَدِ، إِذَا هَلَكَ َسِّيدُهَا، حَيْضَةُ".
إذا أعتق الرجل أم ولده، أو مات عنها، وليست تحت زوج، ولا في عدة زوج أو أعتق جارية قد وطئها-: يجب عليها الاستبراء؛ لأنها كانت فراشاً للمولى، ومتى زال الفراش بعد الدخول-: تعقب التربص؛ كالحرة يفارقها زوجها ثم إن كانت حاملاً-: فاستبراؤها بوضع الحمل.
وإن كانت حائلاً- نظر: إن كانت ممن تحيض-: فاستبراؤها بقرء واحد.
وعند أبي حنيفة: استبراء أم الولد بثلاثة أقراء، ووافقنا من استبراء الأمة: فإن كانت من ذوات الأشهر-: ففيه قولان:
أصحهما: تستبرئ لشهر واحد؛ كالتي تحيض: [تستبرئ بقرء واحد].
والثاني: بثلاث أشهر؛ لأن الحيضة الواحدة تدل على براء الرحم، وأقل مدة تدل على براءة الرحم من حيث الزمان: ثلاثة أشهر؛ لأن الماء لا يظهر أثره في الرحم قبل مضي ثلاثة أشهر، فإن كانت ممن تحيض-: فالقرء طهر أم حيض؟ فيه قولان:
قال في القديم: طهر؛ كما في العدة.
وقال في الجديد- وهو المذهب-: إنه حيض؛ لأن النبي- ﷺ جعله حيضاً في سبي "أوطاس"، ولأن الحيض أدل على براءة الرحم، بخلاف العدة؛ فإن الأقراء فيها متعددة، فتتخللها حيض دالة على براءة الرحم.
فإن قلنا بقي طهر، فيشترط طهر كامل.
فإن حصل العتق في الحيض، فحتى تطهر وتحيض، وإن حصل في الطهر، فحتى تحيض وتطهر، فإذا رأت الدم، حل لها أن تنكح.
فإن قلنا: هو حيض، فيشترط حيضة كاملة، وإن كانت ممن تحيض، فارتفع حيضها، فحكمها في الانتظار حكم المطلقة، إذا ارتفع حيضها، فلو مرت بأم الولد حيضة، أو مدة
стр. 2593
الاستبراء قبل العتق، ثم أعتقها سيدها، أو مات عنها، هل يحسب عن الاستبراء أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يحسب؛ لأن وقته بعد زوال الملك كالمنكوحة إذا مرت بها أقراء، ثم طلقها زوجها-: لا يحسب ذلك عن العدة.
والثاني: يحسب؛ لأنه فراش يثبت بالوطء؛ فيزول بتكره؛ بدليل أنه يجوز له تزويجها قبل الإعتاق: فإن قلنا: لا يحسب، فلو مات أو أعتقها، وهي حائض-: لا تحسب تلك الحيضة حتى تطهر عنها، ثم تحيض وتطهر، وإن غرتها ريبة الحمل في حال الاستبراء-: فلا يجوز لها أن تنكح بعد مضي مدة الاستبراء حتى تزول الريبة.
وإن غرتها الريبة بعد الاستبراء، فنكحت قبل زوال الريبة-: ففيه قولان كالحرة المرتابة، إذا نكحت.
ولو زوج أم ولده، ثم مات السيد عنها، أو أعتقها-: لا استبراء عليها؛ وكذلك لو كانت في عدة الغير؛ لأنها صارت فراشاً لغيره، فهي مشغولة بحق الغير، فإن مات الزوج بعده، أو طلقها-: تعتد عن الزوج عدة الحرائر؛ وكذلك: لو مات السيد والزوج معاً.
ولو مات الزوج قبل موت المولى أو إعتاقه-: فعليها أن تعتد بشهرين وخمس ليال، ولو مات السيد بعد موت الزوج- نظر: إن مات بعد مضي شهرين وخمس ليال-: فقد خرجت عن عدة الزوج، وهل عليها الاستبراء؟ فيه وجهان؛ بناءً على أنها هل تعود فراشاً بعد الخروج عن العدة؟ وفيه قولان:
إن قلنا: تعود فراشاً-: يجب الاستبراء؛ وألا فلا.
وإن مات السيد قبل مضي شهرين وخمس ليال-: فلا استبراء عليها.
ثم في القديم وأحد قولي الجديد تقتصر على عدة الإماء.
وفي الثاني: تكمل عدة الحرائر أربعة أشهر وعشراً.
ولو شككنا أن السيد مات أولاً أو الزوج- نظر: إن كان بين الموتين أقل من شهرين وخمس ليال-: فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من موت أحدهما، ولا استبراء عليها، لأن السيد: إن مات أولاً- فقد مات، وهي في نكاح الغير؛ فعليها أن تعتد من الزوج عدة الوفاة عدة الحرائر، وإن مات الزوج أولاً-: فقد عتقت في خلال المدة بموت السيد؛ فتكمل عدة الحرائر في قول.
وإن كان بين الموتين شهران وخمس ليال فأكثر، أو شككنا فلم ندر كان أقل أو أكثر-: يجب عليها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، فيها حيضة من موت الآخر منهما؛ شرطنا
стр. 2594
الاعتداد بأربعة أشهر وعشر؛ لاحتمال أن السيد مات أولاً، وشرطنا الحيضة؛ لاحتمال أن الزوج مات أولاً، وعادت فراشاً له بعد العدة.
وإن كانت ممن لا تحيض يكفيها أربعة أشهر وعشر.
وإذا شككنا أن السيد مات أولاً، أو الزوج-: لا نورثها من الزوج، ولا يوقف لها شيء؛ لأن الأصل فيها الرق.
ولو مات سيد أم الولد، وهي في عدة شبهة-: قيل: يجب عليها بعد تلك العدة الاستبراء بحيضة؛ لأنها لم تصر فراشاً لغير سيدها؛ بخلاف ما لو كانت في عدة نكاح لا استبراء عليها.
قال الشيخ: وفيه نظر؛ يحتمل ألا يجب عليها الاستبراء، إذا كانت في عدة شبهة.
ولو وطئ الرجل جارية-: يستحب ألا يبيعها قبل الاستبراء، ولو باعها-: يصح.
ولا يجوز تزويجها قبل الاستبراء.
وكذلك: أم الولد لا يجوز تزويجها قبل الاستبراء، فإن أراد السيد أن يتزوجها بعد ما أعتقها قبل الاستبراء-: يجوز.
وعند أبي حنيفة: الأمة الموطوءة يجوز للسيد تزوجها قبل الاستبراء؛ بناءً على أصله، وهو أن الأمة لا تصير فراشاً بنفس الوطء.
وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز بيعها قبل الاستبراء.
ولو باع رجل جارية، وظهر بها حمل، فقال البائع: هو مني، فإن صدقه المشتري-: فالبيع باطل، وإن كذبه-: لم يقبل قول البائع؛ كما لو ادعى بعد البيع؛ أنه كان أعتقه-: لا يقبل، وإن أقر بوطئها عند البيع- نظر: إن كان قد استبرأها، ثم باعها، فأتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء-: فالولد لاحق به، والبيع باطل، والجارية أم ولده.
وإن أتت لستةأشهر فصاعداًمن وقت الاستبراء-: لم يلحقه؛ لأنه لو كان في ملكه-: كان لا يلحقه، ثم ينظر: إن لم يكن المشتري وطئها، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من وطئه-: فالولد مملوك له.
وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من وطئه-: فهو يلحق بالمشتري، والجارية تصير أم ولده.
وإن لم يكن البائع قد استبرأها- نظر: إن لم يكن المشتري وطئها-: فهو البائع، والبيع باطل.
وإن وطئها، وأتت به لستة أشهر فصاعداً من وطئه، وكان لدون أربع سنين من وطئها-: فهي كالحرة أتت بولد على فراشين؛ يرى القائف.
стр. 2595
فَصْلُ فِي اسْتِبْرَاءِ الأَمَةِ
رُوِيَ عَنْ رَسُولِ الله- ﷺ : "أَنَّهُ نَهَىعَامَ سَبْيِ "أَوْطَاسِ" أَنْ تُوطَأَ حَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً".
من ملك أمة- لا يجوز له أن يطأها حتى يستبرئها، سواء ملكها بابتياع، أو اتهاب، أو قبول وصية وارث، أو سبي، أو كمل ملكه عليها، بأن كانت مشتركة بينه وبين غيره، فملك نصيب صاحبه، وسواء كانت الجارية صغيرة أو كبيرة، بكراً أو ثيباً، ملكها من رجل أو امرأة.
وقال مالك: إن كانت ممن توطأ-: يجب الاستبراء؛ وألا فلا.
والاستبراء بوضع الحمل إن كانت حاملاً، وإن كانت حائلاً- فبحيضة كاملة، إن كانت ممن تحيض، وإن كانت ممن لا تحيض- ففيه قولان:
أحدهما: بشهر واحد.
والثاني: بثلاثة أشهر؛ كما ذكرنا في أم الولد.
وإنما ينقضي الاستبراء بوضع الحمل في المسبية.
أما المشتراة إن كان حملها من زوج أو وطء شبهة-: فهذه معتدة [اشتراها]، فإذا وضعت خرجت عن العدة، وهل تخرج عن الاستبراء؟ فيه قولان:
أحدهما: تخرج؛ كالمسبية، إذا وضعت حملها.
والثاني: لا تخرج؛ لأن العدة كانت من الزوج، فلا يداخلها الاستبراء؛ كما أن العدة لا تنقضي بوضع حمل من غير صاحب العدة، بخلاف المسبية؛ فإن حملها من كافر؛ فلا يكون له من الحرمة ما يمنع من انقضاء الاستبراء، وإن كان حملها من زنا-: فلا ينقضي الاستبراء بوضعه.
فإن كانت ترى الدم على الحبل، وقلنا: إنه حيض: فإذا مرت بها حيضة على الحبل-: تحسب عن الاستبراء على الصحيح من المذهب، وإن قلنا: ليس ذلك بحيض، أو كانت لا ترى الدم-: فيشترط أن يمر بها حيضة بعد وضع الحمل.
ولو ملكها حائضاً-: لا تحسب تلك الحيضة عن الاستبراء، حتى يمر بها حيضة كاملة في ملكه، ولو حاضت بعد الملك قبل القبض- نظر: إن ملكها بإرث-: تحسب تلك
стр. 2596
الحيضة، وإن ملكها بهبة؛ فلا تحسب؛ لأن الملك لا يحصل في الهبة قبل القبض، وإن ملكها بابتياع أو وصية-: فالمذهب: أنه يحسب؛ لأن عدم القبض لا يمنع الملك، وإن حاضت في زمان الخيار: فإن قلنا: الملك في زمان الخيار للبائع-: فلا تحسب تلك الحيضة، وإن قلنا: للمشتري أو موقوف-: فعلى وجهين:
أحدهما: تحسب؛ لأنها حاضت في ملكه، وجواز الفسخ لا يمنع الاستبراء؛ كما لو اشتراها وبها عيب لم يعلم به.
والثاني: لا تحسب؛ لأن الملك غير تام في زمان الخيار.
وكذلك: لو وضعت الحمل في زمان الخيار: الأصح أنه لا يحسب عن الاستبراء حتى تمضي مدة النفاس، ثم تحيض وتطهر.
وكما لا يجوز الوطء في زمان الاستبراء-: لا يجوز اللمس، ولا النظر بشهوة في المملوكة بغير السبي، وفي المسبية وجهان:
أحدهما: لا يحل شيء منها؛ كما في المشتراة.
والثاني: يحل ما سوى الوطء من الاستمتاعات؛ بخلاف المشتراة، والفرق: أن المشتراة والمملوكة بغير السبي يحتمل أن تكون أم ولد للغير؛ فلم يحصل له فيها الملك، فلم يحل له الاستمتاع، أما المسبية: فأسوأ أحوالها أن تكون أم ولد الحربي، فلا يمتنع به الملك، غير أنه يمنع من وطئها، حتى لا يؤدي إلى اختلاط الإنساب، وليس في سائر الاستمتاعات هذا المعنى.
وكذلك: لو وطئت زوجته بالشبهة-: لا يحل له وطؤها قبل انقضاء العدة.
وهل يحل له التلذذ بها من غير الوطء؟ فعلى وجهين.
وهل يجوز للمشتري تزويجها قبل الاستبراء؟ نظر:
إن كان البائع قد وطئها-: لا يجوز، إلا أن يزوجها من البائع، وإن لم يكن البائع وطئها، أو وطئها واستبرأها-: ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ كما لا يجوز له أن يطأها.
والثاني: وهو الأصح-: يجوز؛ كالبائع لو أراد تزويجها-: [كان له] وبه قال أبو حنيفة.
وكذلك: لو أعتقها المشتري في الحال، ثم أراد أن يزوجها من البائع، أو من غيره،
стр. 2597
أو أراد أن يتزوجها بنفسه قبل الاستبراء هل يجوز؟
الأصح: جوازه، فإن جوزنا تزويجها قبل الاستبراء: فلو زوجها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول-: هل يجوز للسيد وطؤها قبل الاستبراء؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو اشترى جارية معتدة عن الغير، أو في نكاح الغير-: لا استبراء عليها في الحال؛ لأنها مشغولة بحق الغير، فإذا انقضت عدتها، أو كانت مزوجة، فطلقها زوجها قبل الدخول، أو بعدما دخل بها-: طلقها وانقضت عدتها، هل يجب الاستبراء على المشتري؟ فيه قولان.
وكذلك: لو زوج الرجل أمته، فطلقها زوجها قبل الدخول أو بعده، وانقضت عدتها، أو وطئت بالشبهة، فانقضت عدتها-: هل يب على السيد الاستبراء أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب، ويجوز له وطؤها؛ لأن ملكه لم يزل؛ كما يوز تزويجها.
والثاني: يجب؛ لأن الحل قد زال، ثم حدث؛ كما لو باعها ثم اشتراها.
وأصل هذا: أن العلة في وجوب الاستبراء ماذا؟ ذكر شيخي- ﵀ معنيين:
أحدهما: حدوث ملك الرقبة، مع فراغ محل الاستمتاع؛ فعلى هذا: لا يجب الاستبراء في هذه المواضع؛ لأنه لم يوجد في بعضها حدوث الملك، ووجد في بعضها ولكن من غير فراغ محل الاستمتاع.
والثاني: حدوث ملك حل الفرج؛ فعلى هذا: يجب الاستبراء من هذه المواضع.
ولو اشترى أمة مجوسية أو مرتدة، فمرت بها حيضة-: هل يحسب ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يحسب؛ كما لو كانت معتدة.
والثاني: يحسب؛ لأنها غير مشغولة بحق الغير؛ كما لو كانت محرمة.
ولو ارتدت الأمة في دوام الملك، ثم أسلمت، هل يجب الاستبراء؟ فيه وجهان، بناءً على المسألة الأولى؛ فإن قلنا هناك: يحسب الاستبراء في الردة- فههنا: لا يحسب، وإن قلنا هناك: لا يحسب- فههنا: يحسب، وهو الأصح.
ولو ارتد السيد، ثم أسلم: إن قلنا: زال ملكه بالردة: يجب استبراء الأمة؛ وألا فعلى وجهين؛ كما لو ارتدت الأمة.
والأصح: أنه لا يجب؛ لأنه زال ملكه عن استمتاعها بالردة.
ولو أحرمت الأمة، فلا استبراء عليها بعدما تحللت؛ كما لو شرعت في صوم أو صلاة، وكذلك: لو حاضت أو نفست، ثم طهرت-: لا يجب الاستبراء.
стр. 2598
ولو باع جاريته، ثم ردت إليه بعيب، أو إقالة، أو خيار رؤية، أو فسخ بالتحالف، أو وهبها من ولده وسلم، ثم رجع من الهبة-: يجب عليها الاستبراء.
وقال أبو حنيفة: لا يجب في الإقالة بعد القبض.
ولو فسخ البيع بخيار شرط، أو خيار مكان: إن قلنا: الملك في زمان الخيار للمشتري يجب الاستبراء، وإن قلنا: للبائع، أو موقوف-: لا يجب.
ولو رهنها، ثم انفك-: لا يجب الاستبراء؛ لأنها لم تحرم عليه من جميع الوجوه؛ فإنه يجوز له بعد الرهن أن يقبلها، وينظر إليها بالشهوة.
ولو كاتبها، فعجزت، وفسخت الكتابة-: يجب الاستبراء؛ لأنه زال ملكه عن استمتاعها، ثم عادت إليه.
ولو اشترى زوجته الأمة-: ينفسخ النكاح، ويجوز له وطؤها قبل الاستبراء؛ لأنه بناء فراش على فراش.
ولو اشتراها بشرط الخيار- نص الشافعي- ﵁ على أنه لا يجوز له وطؤها في زمان الخيار؛ لأنه لا يدري أنها منكوحته أو مملوكته.
وقيل: له الوطء في زمان الخيار؛ لأنها لا تخرج من أن تكون منكوحة أو مملوكة.
ولو طلق- زوجته الأمة طلاقاً رجعياً أو بائناً، ثم اشتراها في العدة- قال الشيخ: لا يجوز له وطؤها قبل الاستراء؛ لأنه اشتراها، وهي محرمة عليه، وإن أراد تزويجها-: فلا يجوز إلا بعد مضي قرأين، إن كانت مدخولاً بها قبل الشراء.
ولو اشترى أمة وطئها البائع-: لا يجب على المشتري إلا استبراء واحد، ولو اشتراها من رجلين، وقد وطئاها في طهر واحد، هل يكتفي باستبراء واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد استبراء، ولا يتداخلان، كالعدتين من شخصين.
والثاني: يكتفي باستبراء واحد، وإن اجتمع جماعة على وطئها في طهر واحد؛ لأنالمقصود من الاستبراء معرفة براءة الرحم؛ ولهذا لا يجب الاستبراء بأكثر من حيضة واحدة، وبراءة الرحم عن الكل تحصل باستبراء واحد، والله أعلم بالصواب.
стр. 2599
كِتَابُ الرِّضَاعِ
قال الله ﵎: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾
стр. 2600
[النساء: ٢٣] وروي عن عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدةِ".
إذا ولدت امرأة ولداً من نكاح، أو وطء شبهة، أو ملك يمين، ونزل لها لبن، فأرضعت بذلك اللبن صبياً-: تصير المرضعة أما للصبي، وصاحب اللبن أباً، وأولادهما إخوة له، ويحرم عليه بالرضاع ما يحرم بالنسب.
وقال إسماعيل بن علية: لبن الفحل لا يحرم، ويروى ذلك عن ابن الزبير.
والدليل على أن لبن الفحل يحرم: ما روي عن عائشة- ﵂ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَاذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الحِجَابُ، قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله- ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَقَالَ: "إِنِّهُ عَمُّكِ فَاذَنِى لَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ! فقَالَ رَسُولُ الله- ﷺ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة، ﵂.
стр. 2601
وسئل ابن عباس عن رجل له امرأتان، أرضعت إحداهما غلاماً، والأخرى جارية، هل يتزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد".
ولا يتعلق بالرضاع من أحكام النسب إلا شيئان: تحريم النكاح، والمحرمية، وهي: أنه يجوز للرجل أن يخلو بالمحرمة عليه بالرضاع، وأن يسافر بها.
أما الميراث، ووجوب النفقة، وحصول العتق وغيرها من أحكام النسب-: لا يتعلق شيء منها بالرضاع، ولا تثبت حرمة الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات.
стр. 2602
وقال ابن أبي ليلى، [وأبو ثور] تثبت بثلاث رضعات، وقال مالك، وأبو حنيفة: تثبت برضعة واحدة.
стр. 2603
والدليل على أن عدد الخمس شرط: ما روي عن عائشة- ﵂ أنها قالت: "كان فيما أنزل الله في القرآن: ﴿عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسُ مَعْلُومَاتُ﴾ فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن.
وروي عن عبد الله بن الزبير؛ أن النبي- ﷺ قال: "لا يحرم المصة ولا المصتان، ولا الرضعة ولا الرضعتان".
стр. 2604
ويشترط وجود هذه الرضعات قبل استكمال المولود سنتين بالأهلة، حتى لو وجد
стр. 2605
بعضها بعد الحولين-: لا تثبت الحرمة عند أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهراً؛ لقول الله- : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥].
والمراد منه عند الآخرين: أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع؛ بدليل قوله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
стр. 2606
فجعل تمام الرضاعة في الحولين؛ فدل على أن ما بعد الحولين بخلافه.
والحولان أربعة وعشرون شهراً، ثلاثة وعشرون منها بالأهلة، سواء خرجت ناقصة أو كاملة، والشهر الأول ينكسر، فيكمل بالشهر الخامس والعشرين- ثلاثين يوماً.
وتفريق الرضعات الخمس شرط، وهو: أن ترضع، ثم تترك الصبي، فيذهب أو تقطع الأم عليه، فتذهب لشغل، ثم يرضع بعده أخرى؛ هكذا تتم خمس رضعات، وإن لم يصل في كل دفعة إلى جوفه إلا قطرة.
أما إذا لم يقطعه قطع ترك، بل كان الصبي يمتص، ثم يترك، فيلهو، أو يعرض، ثم يلتقم-: فهي رضعة واحدة حتى لو أنفد جميع ما في أحد الثديين هكذا، ثم حولته الأم إلى الثدي الآخر في الحال، فأنفد ما فيها-: فهي رضعة واحدة؛ كما لو حلف ألا يأكل في اليوم إلا مرة، فأكل لقمة واحدة، وترك وذهب لشغل، ثم أكل بعده-: حنث، ولو أطال الأكل على مائدة، وهو في خلاله يشرب ويتكلم وينفد الخبز، فيذهب، ويأتي به، وينقل من لون إلى لون-: فلا يحنث، وكلها أكلة واحدة.
وإن ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى في الحال-: فهي رضعة في حق كل واحدة.
وقيل: لا تعد رضعة؛ لأن جميعها رضعة واحدة، فيحصل في كل واحدة دون رضعة-: فلا يتعلق به حكم.
والأول أصح؛ لأن شرط الرضعة أن يقطعها، ولا يعود إليها إلا بعد ساعة، وقد وجد، فانتقاله إلى ثدي آخر-: لا يؤثر؛ كانتقال الأكل من الأكل إلى الشرب.
وكذلك: لو أرضعت في الحولين أربع رضعات، ووصل إلى جوفه بعض الخامسة، فقبل إتمامه تم الحولان-: فالمذهب: أن التحريم يثبت؛ لأن ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر، وقيل: لا يثبت؛ لأنه ما لم يقطع لا تكون رضعة، وليس بصحيح.
ولو شكت هل أرضعته خمس رضعات أو أقل، أو شكت هل وصل اللبن إلى جوفه
стр. 2607
في بعضها-: فلا تثبت الحرمة بالشك، ولو وصل إلى جوفه، فقاء في الحال-: تثبت الحرمة؛ كما يحصل الفطر، ويثبت التحريم بالوجود، وهو: أن يحلب، فيصب في الفم، حتى يصل إلى جوفه، وبالسعوط، وهو: ما يصب في الأنف، حتى يصل إلى الدماغ؛ لأنه جوف التغذي، وهل يثبت بالحقنة؟ فيه قولان، وكذلك: لو صب في إحليله حتى وصل إلى المثانة:
أحدهما-: وهو اختيار المزني-: يثبت؛ كما يحصل به الفطر.
والثاني: لا يثبت؛ لأنه لا يصل إلى جوف التغذي، ولا يحصل به إنبات اللحم، وإنشاز العظم، إنما الحقنة للإسهال.
فإن قلنا: يثبت، فلو ارتضع من الثدي مرتين، وأوجر مرة، وأسعط مرة، وحقن
стр. 2608
مرة-: فهي خمس رضعات، ولو كان على بطنه جراحة، فصب فيها حتى وصل إلى الجوف-: فهو كالحقنة.
وإن كان في أمعائه خرق، فوصل إلى المعدة-: يثبت قولاً واحداً.
وكذلك: لو كان على رأسه مأمومة، فصب فيها فوصل إلى الدماغ-: يثبت ولو صب في أذنه-: لم يثبت؛ لأنه لا ينفذ منها إلى الدماغ، وكذلك: لو صب في عينه؛ كالصائم، إذا اكتحل-: لا يحصل به الفطر.
وعند أبي حنيفة: لا يثبت التحريم بالحقنة والسعوط والصب في الجرح.
ولو حلب من الثدي لبن في خمس دفعات، وأوجر الصبي في خمس دفعات-: فهي خمس رضعات.
ولو حلب في خمس دفعات، وأوجر دفعة واحدة-: فهي رضعة واحدة.
ولو حلب دفعة واحدة، وأوجر خمس دفعات متفرقة-: ففيه قولان:
أصحهما: هي رضعة واحدة؛ لأنه انفصل عن الأم دفعة واحدة.
والثاني: خمس رضعات؛ لأن الإناء كالثدي، وقد وصل من الإناء إلى باطن الصبي في خمس دفعات.
ومن قال بالأول-: أجاب بأن ما في الثدي لا يكون مجتمعاً، بل يحدث شيئاً فشيئاً، فيوجد التفريق حالة الخروج من الثدي، وحالة الوصول إلى جوف الصبي، بخلاف الإناء.
ولو حلب في خمس دفعات في إناء واحد، أو في خمس أوان، ثم خلط وأوجر الصبي خمس دفعات-: ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كالأول؛ لأن الحلبات إذا اجتمعت صارت كحلبة واحدة.
ومنهم من قال: وهو قول ابن سريج-: هي خمس رضعات قولاً واحداً؛ لوجود التفريق حالة الحلب، وحالة السقي.
ولو حلب من خمس نسوة لبن، وأوجر الصبي دفعة واحدة-: حصل من كل واحدة رضعة.
وإن أوجر في خمس دفعات-: ففيه وجهان:
إن قلنا: الإناء كالضرع-: يحصل من كل واحدة خمس رضعات؛ وإلا فمن كل واحدة رضعة.
стр. 2609
ولو كان الأصل خمس أمهات أولاد، أو أربع زوجات وأم ولد-: فأرضعن صبياً بلبنه كل واحدة رضعة-: لا تثبت الحرمة بينهن وبين الرضيع.
والمذهب: أنه تثبت بينه وبين صاحب اللبن؛ فيصير أباً للرضيع؛ لأنه وصل إلى جوفه خمس رضعات من لبنه.
وفيه وجه آخر: أنه لا تثبت؛ لأن الأمومة هي الأصل في الرضاع، ثم ينشز منها، والأمومة لم تثبت- ههنا- فلا تثبت الأبوة.
والأول المذهب.
وقيل: يجوز ثبوت حرمة الرضاع من أحد الجانبين دون الآخر؛ كما لو أرضعت امرأة بلبن رجل صبياً ثلاث رضعات، ثم نكحت زوجاً آخر، فأرضعت بلبن الثاني رضعتين-: تثبت الحرمة بينها وبين الرضيع، وإن لم تثبت بين صاحبي اللبن.
فإن قلنا: تثبت الأبوة، فهل يشترط أن تكون هذه الرضعات متفرقات في خمس أوقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول صاحب "التلخيص": يشترط؛ لأن التحريم لا يثبت في حقهن، إنما يثبت في حق الرجل؛ فيكون كالواحدة إذا أرضعت: لا يثبت التحريم، إلا في خمسة أوقات.
والثاني: لا يشترط اختلاف الأوقات؛ لأن وجود الرضعات من نسوة في وقت واحد-: كوجودها من امرأة واحدة في أوقات مختلفة؛ ألا ترى أن اللبن لو حلب من خمس نسوة في إناء واحد، وأوجر الصبي دفعة واحدة-: يكون من كل واحد رضعة، فإذا أثبتنا الحرمة بين الرضيع وصاحب اللبن-: فالمرضعات يحرمن على الرضيع لا لكونهن أمهات، ولكن لكونهن موطوءات الأب.
ولو كان لرجل أو لامرأة خمس بنات أو خمس أخوات، وأرضعن صبياً كل واحدة رضعة-: لا تثبت الحرمة بينه وبين المرضعات، وهل تثبت بين أب البنات وأم البنات والأخ؟ يترتب على المسألة الأولى: إن قلنا هنا: لا تثبت-: فههنا أولى؛ وإلا فعلى الوجهين:
أحدهما: وبه قال صاحب "التلخيص"-: تثبت.
والثاني: لا تثبت.
والفرق: أن صاحب اللبن هناك واحد، وههنا بخلافه.
والأصح ههنا: أنه لا تثبت؛ لأن ثبوت التحريم لكونه جداً للرضيعة، أو لكون الأخ
стр. 2610
خالاً لها، فإذا لم تصر المرضعة أماً، كيف يصير أبوها جداً، أو أخوها خالاً؛ بخلاف المسألة الأولى، وإن لم تثبت الحرمة بثوت الشركة في اللبن، فإذا أثبتنا الحرمة: فتحرمن المرضعات على الرضيع، لا لكونهن أمهات، ولكن لكون البنات أخوات له، ولكون الأخوات عمات له.
ولو كان لرجل أقرباء: أم وبنت، وأخت، وبنت أخت، وبنت أخ، فأرضعن مولوداً؛ كل واحدة رضعة في خمس أوقات-: فهل يثبت التحريم؟ يرتب على البنات، إن قلنا هناك: لا يثبت فههنا أولى؛ وإلا فوجهان: الأصح: أنه لا يثبت؛ والفرق: أن هناك أمكن نسبته إليه بجهة واحدة، فيقال: نافلته؛ وههنا: لا يمكن.
وقال صاحب "التلخيص": يثبت التحريم؛ فيكون الرضيع ولد أب الرجل، وهو جد له، ولا يكون ولداً لهن.
وعلى هذا الوجه: تحرم المرضعات على الرضيع، لا على معنى أنهن أمهات، بل على معنى أن أم الرجل زوجة أبيه، وأخت الرجل بنت أبيه، وبنت الرجل وبنت أخيه وبنت أخته نوافل أبيه، وإذا حرمت على أبيه، وحرمت على الرجل؛ لأنها تصير له كالأخت.
ولو تغير اللبن عن حاله بأن حمض-: تثبت به الحرمة؛ وكذلك: لو اتخذ منه الأقط والجبن، أو أخرج زبده، فأطعم الصبي من الزبد، أو المخيض، أو ثرد، أو عجن به دقيق، فخبز وأطعم الصبي-: تثبت له الحرمة.
وعند أبي حنيفة: لا تثبت.
ولو خلط اللبن بماء أو بمائع آخر، وأطعم الصبي-: نظر: إن كان اللبن غالباً-: يثبت به التحريم، وإن شرب بعضه.
وإن كان اللبن مغلوباً-: ففيه قولان:
أحدهما: لا تثبت الحرمة، وبه قال أبو حنيفة؛ كالمحرم إذا أكل طعاماً فيه طيب مستهلك-: لا تجب عليه الفدية.
والثاني- وهو الأصح-: تثبت؛ لأن اللبن قد وصل إلى جوفه وكونه مغلوباً لا يعدمه بخلاف الطيب؛ لأن المحرم ممنوع من التطيب، ولا يحصل التطيب بعد الاستهلاك.
فإن قلنا: تثبت، فاختلفوا فيه.
منهم من قال: إنما تثبت إذا كان فيه من اللبن ما يقع موقع الغذاء للصبي، فإن وقعت قطرة في جرة-: فلا تثبت، وإن شرب كله.
ومنهم من قال: تثبت كيفما كان؛ كالنجاسة تقع في أقل من قلتين من الماء: تنجسه،
стр. 2611
وإن كانت قليلة؛ فعلى هذا: إذا شرب بعضه-: هل يعد رضعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعد رضعة؛ كما في النجاسة يستوي بعضه وكله.
والثاني- وهو الأصح-: ما لم تشرب الكل لا يعد رضعة؛ لاحتمال أن يكون اللبن فيما بقي.
ولبن البهيمة لا يجوب التحريم؛ لأن الرضاع فرع النسب، ولا نسب في البهائم.
ولو حلب لبن امرأة، ثم أوجر صبي بعد موتها-: تثبت به الحرمة؛ لأن اللبن انفصل عنها، ولها حرمة.
أما إذا حلب لبنها بعد موتها، وأوجر الصبي، أو ارتضع الصبي من ثديها بعد موتها-: فلا يثبت به التحريم.
وعند أبي حنيفة: يثبت؛ كما لو مات صاحب اللبن، وأرضعت امرأته بلبنه صبياً بعد موته-: ثبت التحريم بينه وبين الميت.
قلنا: الأصل في الرضاع الأم، ومنها تنتشر الحرمة، وترتفع تلك الحرمة بموتها؛ كما أن وطء الميتة وتقبيلها [لا يثبت حرمة المصاهرة، وبالاتفاق: لو صب لبن امرأة في حلق صبي ميت] لا يثبت التحريم.
ولو نزل لرجل لبن، فأرضع به صبياً-: لا يثبت التحريم؛ لأن اللبن من أثر الولادة، والولادة تختص بالنساء، وما يخرج من الرجل بمنزلة عرق يسيل منه.
وإذا نزل للمرأة البكر لبن، فأرضعت به صبياً-: ثبت التحريم؛ لأنها محل الولادة.
ولو نزل للصبية لبن، فأرضعت ولداً- نظر: إن كان بعد استكمال تسع سنين-: يثبت به حرمة الرضاع، ولا يحكم ببلوغها؛ لأن الرضاع تلو النسب، فثبت بالإمكان.
وإن كان قبل استكمال تسع سنين-: لا تثبت الحرمة.
والخنثى المشكل إذا نزل له لبن لا يحكم بكونه أنثى بنزول اللبن-: فإذا أرضع به صبياً- توقف حكم الرضيع على تبين حال الخنثى بعلامة أو اختيار.
فإن اختار الذكورة-: لم يثبت التحريم، وإن اختار الأنوثة-: يثبت، فإذا اختار أحدهما-: لم يكن له أن يرجع عنه إلا أن يختار الذكورة، ثم ظهر بها حمل-: يتبين أنه أنثى، وتثبت حرمة الرضاع.
стр. 2612
ولو نزل لامرأة لبن على ولد من الزنا، فأرضعت به صبياً-: تثبت الحرمة بين الرضيع والمرأة، ولا تثبت بينه وبين الزاني؛ كما لا يثبت النسب؛ لأنه لا حرمة لماء الزاني، حتى لو كان الرضيع أنثى-: يجوز للزاني أن ينكحها، والورع ألا يفعل، ولو أتت امرأة بولد على فراش رجل، فأرضعت بذلك اللبن صبياً؛ ثم نفى الزوج الولد باللعان-: ينتفي عنه ولد الرضاع، فإن استلحق الولد يلحقه ولد الرضاع، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا تزوج رجل رضيعة، فأرضعتها أم الزوج من الرضاع أو النسب خمس رضعات، أو ابنته، أو أخته، أو امرأة أخيه بلبن أخيه، أو امرأة أبيه بلبن أبيه-: ينفسخ النكاح، وعلى الزوج لها نصف المسمى، إن كان صحيحاً، أو نصف مهر المثل، إن كان المسمى فاسداً وعلى المرضعة الغرم للزوج.
ثم نص- ههنا- على أ، عليها نصف مهر المثل للزوج.
ونص في شهود الطلاق: إذا رجعوا أن عليهم جميع مهر المثل، اختلف أصحابنا فيه: منهم من جعل فيهما قولين:
أحدهما: يجب في الموضعين جميع مهر المثل، لأنهم أتلفوا عليه البضع؛ فعليهم قيمته.
والثاني: يجب نصف مهر المثل؛ لأن الزوج لم يغرم للزوجة إلا نصف المهر.
ومنهم من فرق بينهما، فقال: على الشهود جميع المهر؛ لأنهم أوقعوا الحيلولة بينه وبين البضع، ويقرون أن لا فرقة؛ كالغاصب إذا أوقع الحيلولة بين المالك وملكه: يلزمه كمال القيمة، وههنا: بفعل المرضعة وقعت حقيقة الفرقة بين الزوجين، وحقيقة الفرقة قبل الدخول-: لا توجب إلا نصف المهر، وهذه الطريقة أصح، وعليها نفرع؛ وبه قال أبو إسحاق.
وقال أبو حنيفة: على المرضعة نصف المسمى كالزوج.
قلنا: الزوج عاقد، فيلزمه ما التزم بالعقد، والمرضعة متلفة؛ فيلزمها القيمة؛ كما لو اشترى شيئاً قيمته مائة بخمسين، فمن أتلفه يجب عليه المائة، ولا يجب على المشترى للبائع إلا خمسون، ولا فرق بين أن تقصد المرضعة بالإرضاع فسخ النكاح، أو لم تقصد؛ بأن كانت الصغيرة ضائعة تبكي، فأرضعتها.
وعند أبي حنيفة: إن لم تقصد-: فلا غرم عليها، ولو لم يوجد من جهة المرضعة
стр. 2613
فعل؛ بأن كانت نائمة، فدنت الصغيرة إليها، فارتضعت من ثديها-: ينفسخ النكاح، ولا شيء على صاحبة اللبن، ولا مهر للصغيرة؛ لأن ارتفاع النكاح من قبلها قبل الدخول.
ولو حلب أجنبي لبنها، وأوجر الصغيرة-: يجب الغرم على الأجنبي.
ولو جاء خمسة أنفس، وأرضع كل واحد منهم الصغيرة من لبن أم الزوج، أو من لبن أخته رضعة-: وجب على كل واحد منهم عشر المهر، وهو خمس؛ لتساويهم في الإتلاف.
فإن كانوا ثلاثة، فأرضعتها إحداهن رضعة، وأرضعتها كل واحدة من الأخريين رضعتين-: فيه وجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد ثلث النصف؛ لاشتراكهم في إفساد النكاح؛ كما لو طرح واحد قدر درهم من النجاسة في طعام، والآخر قدر درهمين-: فهما يستويان في الضمان.
والثاني: يوزع على عدد الرضعات؛ فعلى من أرضعهما رضعة الخمس من نصف المهر، وعلى كل واحد من الأخريين الخمسان؛ لأن الفسخ حصل بعدد الرضعات؛ فيوزع الضمان عليه.
ولو ارتضعت الصغيرة من أم الزوج رضعتين- وهي نائمة- ثم أرضعتها الأم تمام الخمس، فكم يسقط من مهرها؟ فعلى الوجهين:
أحدهما: يسقط من نصف المسمى نصفه، وهو الربع، ويجب الربع.
قال الشيخ: ويرجع على المرضعة بربع مهر المثل.
والوجه الثاني: يوزع؛ فيسقط من نصف المسمى خمسان، ويجب عليه ثلاثة أخماسه.
قال- ﵀ ويرجع بثلاثة أخماس نصف مهر المثل على المرضعة.
ولو تزوج أمة صغيرة مفوضة، فأرضعتها أم الزوج ينفسخ النكاح، وعلى الزوج المتعة للأمة الصغيرة، ويرجع على المرضعة بنصف مهر المثل لا بالمتعة.
وإن كانت أم الزوج نائمة، فارتضعت منها الصغيرة، فلا متعة لها، ولا شيء على الأم.
ولو كانت تحته كبيرة وصغيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة خمس رضعات: انفسخ
стр. 2614
نكاحهما؛ لأنهما صارتا أماً وبنتاً في حالة واحدة، ثم إن كان قبل الدخول بالكبيرة-: فلا مهر لها؛ لأنها هي المفسدة للنكاح قبل الدخول، ويجب للصغيرة نصف المسمى على الزوج، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على الكبيرة.
وإن كانت الكبيرة نائمة، فارتضعت منها الصغيرة-: لا مهر للصغيرة؛ لأن فسخ النكاح من قبلها، وعلى الزوج للكبيرة: نصف المسمى، ويرجع في مال الصغيرة بنصف مهر مثل الكبيرة، والكبيرة حرمة عليه على التأبيد؛ لأنها أم امرأته، ويجوز له نكاح الصغيرة؛ لأنها ربيبته التي لم يدخل بأمها.
أما إذا أرضعت الكبيرة الصغيرة، بعدما دخل بها الزوج-: ينفسخ نكاحهما- كما ذكرنا- وحرمتا عليه على التأبيد، ولا يسقط مهرهما، وعلى الزوج نصف المهر للصغيرة، ويرجع على الكبيرة بنصف مهر مثلها.
وإن كانت الكبيرة أمة تزوجها، فأرضعت الصغيرة، يتعلق الغرم برقبتها، وهو نصف مهر مثل الصغيرة؛ كما لو أتلفت مال إنسان-: يتعلق الضمان برقبتها.
وإن أرضعت أم ولده زوجته الصغيرة بلبنه-: ينفسخ النكاح، ولا غرم على أم الولد؛ لأن أم الولد إذا أتلفت شيئاً على سيدها لا يلزمها الضمان.
ولو كانت تحته ثلاث نسوة كبيرتان وصغيرة، فأرضعت كل واحدة من الكبيرتين الصغيرة أربع رضعات، ثم حلبتا لبناً، وخلطتا وسقتاها الرضعة الخامسة-: انفسخ نكاح الكل، وحرمت الكبيرتان عليه على التأبيد، أما الصغيرة: فإن كان الزوج قد دخل بالكبيرتين، أو بإحداهما حرمت على التأبيد، وعليه للصغيرة نصف المسمى، ويرجع على الكبيرتين بنصف مهر مثلهما على كل واحدة بالربع؛ لأن الفسخ كان من قبلهما.
وأما الكبيرتان: فإن كان قد دخل بهما- ثبت لكل واحدة منهما عليه جميع مهرها، ويرجع على كل واحدة بنصف مهر مثل صاحبتها؛ لأن فسخ نكاح كل واحدة كان منها ومن صاحبرتها، فيسقط ما قابل فعلها، ووجب على صاحبتها النصف لأجل فعلها.
وإن لم يكن دخل بهما-: ثبت لكل واحدة منهما ربع مهرها؛ لأن الفسخ قبل الدخول كان منها ومن صاحبتها، فيسقط ما قابل فعلها، ويرجع الزوج على صاحبتها بربع مهر مثلها؛ لأنها أتلفت عليه نصف البضع.
أما إذا أرضعت اللبن المخلوط في الرضعة الخامسة إحدى الكبيرتين-: فالحكم في التحريم ما ذكرنا، ويثبت للصغيرة نصف المسمى، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على الكبيرة التي أرضعتها.
стр. 2615
فأما الكبيرة التي لم تباشر إرضاع الخامسة: إن لم يكن مدخولاً بها-: فلها نصف المسمى على الزوج؛ لأن الفسخ جاء من غيرها، ويرجع الزوج بنصف مهر مثلها على المرضعة، وإن كانت مدخولاً بها-: فعلى الزوج لها كمال المسمى، ويرجع بكمال مهر مثلها على المرضعة.
وأما التي باشرت الإرضاع، فإن لم يكن مدخولاً بها-: فلا مهر لها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها، وإن كانت مدخولاً بها-: فلها جميع المهر.
ولو نكح صغيرتين، فأرضعهما أجنبية- نظر: إن أرضعتهما معاً- انفسخ نكاحهما؛ لأنهما صارتا أختين معاً، وحرمت الأجنبية عليه على التأبيد، لأنها صارت من أمهات نسائه، وعلى الزوج للصغيرتين لكل واحدة نصف المسمى، ويرجع على المرضعة بنصف مهر مثل كل واحدة منهما، ويجوز له أن ينكح كل واحدة من الصغيرتين على الانفراد، ولا يجوز أن يجمع بينهما؛ لأنهما أختان.
وإن أرضعتهما على الترتيب- فبإرضاع الأولى: لا ينفسخ نكاحها، فإن أرضعت الثانية-: انفسخ نكاح الثانية، لأنها صارت أختاً للأولى، وهل ينفسخ نكاح الأولى؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المزني، ومذهب أبي حنيفة-: ينفسخ نكاحها؛ لأن انعقاد الأخوة بينهما برضاع الثانية، فصارتا أختين معاً؛ كما لو أرضعت الكبيرة الصغيرة-: ينفسخ نكاحهما؛ لأنهما صارتا أماً وبنتاً.
والقول الثاني: لا ينفسخ نكاح الأولى؛ لأن الأخوة- وإن تمت بالثانية- ولكن سببها، وهو رضاع الأولى، كان متقدماً؛ فصار كما لو نكح امرأة، ثم نكح أختها-: لا يصح نكاح الثانية، ولا يرتفع نكاح الأولى؛ بخلاف ما لو أرضعت الكبيرة الصغيرة؛ لأن- ثم- تثبت الأمومة والبنوة معاً.
ولو كانت تحته أربع رضيعات، فأرضعتهن أجنبية على الترتيب، فبإرضاع الأولى لا ينفسخ نكاحها، وإذا أرضعت الثانية- انفسخ نكاحها، وهل ينفسخ نكاح الأولى؟ فعلى قولين:
إن قلنا: لا ينفسخ، فإذا أرضعت الثالثة والرابعة- انفسخ نكاحها، ونكاح الأولى باق بحاله.
وإن قلنا: ينفسخ نكاح الأولى بإرضاع الثانية: فإذا أرضعت الثالثة-: لا ينفسخ نكاحها، فإذا أرضعت الرابعة-: انفسخ نكاح الكل.
стр. 2616
وعلى هذا: لو نكح صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة-: انفسخ نكاح الصغيرة؛ لأنها صارت أختاً للكبيرة، وهل ينفسخ نكاح الكبيرة؟ فيه قولان.
وكذلك: لو أرضعتها جدة الكبيرة، أو بنت أخيها، أو بنت أختها-: انفسخ نكاحها، وفي نكاح الكبيرة قولان:
فإن قلنا: ينفسخ، يجوز له نكاح كل واحدة على الانفراد، ولا يجوز الجمع؛ لأنه يكون جمعاً بين الخالة وبنت أختها، والعمة وبنت أخيها.
ولو نكح كبيرة وثلاث صغائر، فأرضعت الكبيرة الصغائر الرضعة الخامسة- نظر: إن كان بعد الدخول بالكبيرة- انفسخ نكاح الكل، وحرمن جميعاً عليه على التأبيد، سواء أرضعتهن معاً، أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة صارت من أمهات نسائه، والصغائر بنات امرأة دخل بها الزوج، وعليه المسمى للكبيرة، ونصف المسمى لكل صغيرة، ويرجع على الكبيرة بنصف مهور أمثالهن.
وإن كان قبل الدخول بالكبيرة- نظر: إن أرضعتهن معاً بأن حلبت وأوجرت في حلوقهن دفعة واحدة-: انفسخ نكاح الكل؛ لأنهن يصرن أخوات معاً، وحرمت الكبيرة على التابيد، ولا مهر لها، وله أن ينكح كل واحدة من الصغائر على الانفراد، ولا يجمع بينهن.
فإن أرضعتهن على الترتيب. فإن أرضعت الأولى حرمت الكبيرة على التأبيد، وانفسخ نكاح تلك الصغيرة، فإذا أرضعت الثانية: لا ينفسخ نكاحها، فإذا أرضعت الثالثة-: انفسخ نكاحها؛ لأنها صارت أختاً للثانية، وهل ينفسخ نكاح الثانية؟ فيه قولان:
فإن قلنا: لا ينفسخ-: ليس له نكاح واحدة من الأختين، ما دامت هذه الواحدة في نكاحه، وكل من انفسخ نكاحها-: فلها نصف المسمى، ويرجع الزوج على الكبيرة بنصف مهر مثلها.
ولو أرضعت واحدة أولاً، ثم أرضعت اثنتين معاً-: انفسخ نكاح الكل.
ولو أرضعت اثنين معاً أولاً، ثم واحدة-: انفسخ نكاح الأوليين مع الكبيرة، ولا ينفسخ نكاح الثالثة.
ولو كانت تحته كبيرة وثلاث صغائر، وللكبيرة ثلاث بنات مراضع، فجاءت البنات، فأرضعن الصغائر- نظر: إن كان بعد الدخول بالكبيرة، حرمن جميعاً على التأبيد؛ سواء أرضعن معاً، أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة جدة نسائه، والصغائر نوافل زوجته التي دخل بها، ويرجع الزوج بتمام مهر الكبيرة عليهن جميعاً، إن أرضعن معاً، وإن أرضعن على الترتيب: فيرجع على الأولى.
стр. 2617
وأما الصغائر: فلكل واحدة نصف المسمى على الزوج، ويرجع الزوج على كل مرضعة بنصف مهر مثل من أرضعتها، فإن كان قبل الدخول بالكبيرة- نظر: إن أرضعتهن معاً انفسخ نكاح الكل، وحرمت الكبيرة على التأبيد، وعلى الزوج للكبيرة ولكل واحدة من الصغائر نصف المسمى، ويرجع على كل مرضعة بنصف مهر مثل من أرضعتها من الصغائر، وسدس مهر مثل الكبيرة، لأن انفساخ نكاحها من الكل.
وإن أرضعتهن على الترتيب، فإذا أرضعت واحدة واحدة-: انفسخ نكاح الكبيرة، ونكاح تلك الصغيرة، ولكل واحدة نصف المسمى، ويرجع الزوج على المرضعة بنصف مهر مثل كل واحدة منهما.
فإذا أرضعت الأخريين: إما معاً، أو على الترتيب-: لا ينفسخ نكاحهما؛ لنهما ليستا بأختين، ولا اجتمعتا مع الجدة في النكاح، وللزوج نكاح الصغيرة الأولى عليهما، ولو نكح رجل صغيرتين وكبيرتين، فأرضعت الكبيرتان الصغيرتين؛ كل واحدة منهما واحدة: فإن كان بعد الدخول بالكبيرتين-: حرمن جميعاً على التأبيد، وإن كان قبل الدخول بهما، سواء أرضعتا معاً أو على الترتيب، حرمت الكبيرتان على التأبيد، وانفسخ نكاح الصغيرتين، وله أن يجمع بينهما بعد ذلك.
ولو أرضعتهما إحدى الكبيرتين على الترتيب-: انفسخ نكاح الصغيرة الأولى مع الكبيرة دون الثانية.
ثم إذا جاءت الكبيرة الثانية، وأرضعتهما على الترتيب- نظر: إن أرضعت على ترتيب الأولى-: لم ينفسخ نكاح الصغيرة الثانية؛ لأن الكبيرة الثانية خرجت عن نكاحه بإرضاع الأولى؛ فلم يوجد اجتماع الأم، والبنت في نكاحه، وإن أرضعت على خلاف ترتيب الأولى-: انفسخ نكاح الكل، وله أن ينكح كل صغيرة على الانفراد، ولا يجمع بينهما.
ولو تزوج رجل صغيرة، وطلقها، ونكح كبيرة، ثم أرضعت الكبيرة تلك الصغيرة-: ينفسخ نكاح الكبيرة، وحرمت عليه على التأبيد، لأنها صارت من أمهات نسائه.
ولو كانت تحته كبيرة، فطلقها، وتزوجت المرأة رضيعاً، وأرضعته بلبن الزوج الأول-: انفسخ النكاح بينها وبين الصغير؛ لأنها أمه وحليلة أبيه، وحرمت على الأول على التأبيد؛ لأنها صارت حليلة ابنه حتى لو تزوج رجل أم ولده من عبده الرضيع، فأرضعت زوجها بلبن السيد-: ينفسخ النكاح بينهما، وحرمت على السيد على التأبيد؛ لأنها صارت حليلة ابنه.
ولو نكحت كبيرة رضيعاً، ففسخت النكاح بعيب وجدت بالزوج، ثم نكحت زوجاً آخر، وأرضعت الزوج الأول بلبن الزوج الثاني-: انفسخ النكاح بينها وبين الثاني؛ لأن
стр. 2618
الأول صار ابناً للثاني، وهي حليلة ابنه، فحرمت عليهما على التأبيد.
وكذلك: لو جاءت امرأة أخرى للزوج الثاني، وأرضعت الأول بلبنه-: انفسخ نكاح من كانت زوجة للرضيع، حتى لو كان للزوج الثاني امرأة قد فارقها، فأرضعت الصغير بلبنه-: فكذلك، والله أعلم.
فَصْلُ
إذا نكحت امرأة في عدة الغير، فأتت بولد، وأرضعت بذلك اللبن صبياً-: فالرضيع تبع للمولود.
فإن كان المولود ابناً للأول: فالرضيع للأول، وإن كان المولود للثاني-: فالرضيع كذلك.
وإن لم يحتمل منهما بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الزوج الأول، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني-: فهو منفي عنهما؛ كذلك الرضيع.
وإن احتمل كون الولد منهما-: يرى القائف؛ فأيهما ألحقه به-: كان الرضيع ابناً له، فإن لم يكن هناك قائف، أو ألحقه القائف بهما، أو نفاه عنهما، أو أشكل عليه-: يوقف حتى يبلغ المولود، فينتسب، وإن بلغ مجنوناً، فحتى يفيق، فينتسب إلى أحدهما.
ثم الرضيع يكون ابناً له: فإن مات قبل الإفاقة، وله ولد-: فولده يقوم مقامه في الانتساب، وإذا مات، وله أولاد؛ انسب بعضهم إلى أحدهما، والبعض إلى الآخر-: فهو على الإشكال.
فإذا مات ولا ولد له، أو مات صغيراً-: فالرضيع هل له أن ينتسب؟ فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ كما لا يعرض على القائف، بل يكون الرضيع ابناً لهما جميعاً؛ لأن اللبن قد يكون من الوطء؛ كما يكون من الولادة، وهما قد اشتركا في الوطء.
ويجوز أن يكون للمولود الواحد آباء من الرضاع؛ بخلاف النسب.
والقول الثاني- وهو الأصح-: لا يكون ابناً لهما؛ لأن الرضيع تابع للنسب، فلما لم يلحق النسب بهما-: لا يلحق الرضيع بهما، ولكن له أن ينتسب؛ لأن الانتساب يكون بالطبع وميل القلب، ويميل قلب الإنسان إلى من ارتضعت بلبنه، ويؤثر ذلك في أخلاقه، ولذلك قال النبي- ﷺ "أنا سيد ولد آدم، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد، وأرضعت في بني زهرة".
стр. 2619
فافتخر بالرضاع؛ كما افتخر بالنسب.
فإن قلنا: يكون ابناً لهما-: فلا يجوز له أن ينكح انة واحد منهما.
وإن قلنا: لا يكون ابناً لهما، وأثبتنا للرضيع الانتساب-: فهل يجبر عليه؟ اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: يجبر عليه؛ كالمولود.
ومنهم من قال- وهو المذهب-: لا يجبر عليه؛ بخلاف المولود: لأن النسب يثبت حقوقاً له وعليه؛ من النفقة، والميراث، والشهادة، وغيرها، والرضاع لا يتعلق به إلا تحريم النكاح، ويمكنه الامتناع عن ذلك؛ ولذلك تثبت أبوة الرضاع من جماعة، ولا يثبت النسب إلا من واحد، فإذا خيرناه، فانتسب إلى أحدهما-: كان ابنه من الرضاع، ولا يكون محرماً لبنت الآخر، والاحتياط والورع: ألا ينكحها، فلو نكح-: لم يبطل.
وإن قلنا: ليس له الانتساب، أو لم ينتسب-: فهل له أن يتزوج ابنة واحد منهما؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها- وهو الأصح- لا يحل له نكاح ابنة واحد منهما؛ لأنا تيقنا أن إحداهما أخته؛ فهو كما لو اختلطت أخته من النسب بأجنبية-: لا يحل له نكاح واحدة منهما.
والثاني: أنه يتزوج بنت من شاء منهما، فإذا تزوجها، حرمت الأخرى عليه؛ لأن الأخوة مشتبهة فيهما، فإذا تزوج إحداهما-: تعينت الأخوة في الأخرى، فحرم نكاحها على التأبيد؛ كما لو اشتبه عليه ماء طاهر وماء نجس، فتوضأ بأحدهما باجتهاده، تعينت النجاسة في الآخر؛ فلا يجوز له أن يتوضأ به.
والثالث: له أن يتزوج بنت أيهما شاء، وإذا طلقها-: له أن ينكح الأخرى؛ لأن التحريم غير متعين في واحدة؛ كما يصلي بالاجتهاد إلى جهة، ثم يصلي صلاة أخرى باجتهاد آخر إلى جهة أخرى، ولا يجوز أن يجمع بينهما؛ لأن الحظر يتحقق في الجمع؛ كرجلين رأيا طائراً، فقال أحدهما: إن كان هذا غراباً، فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً، فعبدي حر، ولم يتبين لهما، فلكل واحد منهما أن يبني على يقين نفسه، ويتمسك بملكه، فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد منهما-: يحكم بعتق أحدهما.
стр. 2620
فَصْلُ
إذا فارق الزوج امرأته، أو مات عنها، ولها منه لبن أرضعت به صبياً-: تثبت به الحرمة بينه وبين صاحب اللبن، سواء كان قبل انقضاء عدتها، أو بعده، وإن بقي ذلك اللبن عشر سنين أو أكثر، إذا لم ينقطع، وإن انقطع، ثم عاد-: فكذلك على ظاهر المذهب، سواء عاد بعد مضي أربع سنين من وقت الطلاق أو قبله.
وقيل: إن عاد بعد مضي أربع سنين، فأرضعت به صبياً-: لا يثبت التحريم بينه وبين الزوج، كما لو أتت بولد: لا يلحقه، وبه كالبكر، إذا نزل لها لبن، فأرضعت به صبياً: كان ابناً لها من الرضاع، لا أب له.
ولو تزوجت امرأة، فنزل لها لبن قبل أن يطأها الزوج، أو بعدما وطئها قبل أن يكون من ذلك الوطء لبن، فأرضعت به صبياً-: يكون الرضيع ابناً لها دون الزوج.
وإذا فارق الرجل زوجته، وانقضت عدتها، فنكحت زوجاً آخر، وأتت منه بولد، فأرضعت بذلك اللبن صبياً-: يكون الرضيع ابناً للثاني؛ سواء كان لها لبن من الأول إلى أن أرضعت الثاني، أو لم يكن؛ لأن حكم الأول قد انقطع بالولادة من الثاني، وإن كان لها لبن من الأول، فأرضعت به صبياً قبل أن تلد للثاني- نظر: إن كان قبل أن أصابها الثاني أو بعده قبل أن تحبل منه أو بعد ما حبلت، وكان من أوائل الحبل، وقالت القوابل: لا يكون لذلك لبن-: فهو لبن للأول؛ سواء زاد اللبن أو لم يزد، وسواء انقطع ثم عاد، أو لم ينقطع؛ كما لو لم يوجد نكاح الثاني.
وإن قالت القوابل: يتصور نزول اللبن بهذا الحبل، بأن كان قد قرب من الولادة؛ فلا يخلو: إما إن كان اللبن لم ينقطع من الأول، أو انقطع ثم عاد.
فإن لم ينقطع- نظر: إن لم يزد لبنها بهذا الحمل-: فالرضيع ابن للأول.
وإن زاد لبنها-: ففيه قولان:
قال في القديم: هو ابن لهما جميعاً؛ لأن اللبن كان موجوداً من الأول؛ فزاد بسبب الثاني.
وقال في الجديد- وهو الأصح، وهو اختيار المزني-: هو ابن للأول؛ لأن اللبن من الأول يقين، والزيادة تحتمل من الثاني، ويحتمل أن يكون الفضل طعامأً أكلته، فلا تثبت حرمة الرضاع بالشك.
أما إذا انقطع اللبن، ثم عاد في الوقت الذي ينزل فيه اللبن على الحمل، فأرضعت به صبياً: ففيه ثلاثة أقاويل:
стр. 2621
أصحهما: أنه لبن للأول، ما لم تلد من الثاني؛ لأن اللبن غذاء للولد لا للحمل، والولد كان من الأول.
والقول الثاني: هو لبن للثاني؛ لأن انقطع لبن الأول تعين، والسبب من الثاني، وهو الحمل، ظاهر؛ فصار كما لو نزل بعد الولادة.
والثالث: هو لبنهما جميعاً؛ لأن لكل واحد أمارة تدل على أن اللبن له.
ولو أنها زنت، وحبلت من الزنا، وبها لبن من الزوج، فأرضعت به صبياً: فإن قالت القوابل: لا يتصور نزول اللبن بهذا الحمل، فهو لبن الأول.
وإن قلن: يتصور-: فهو على التفصيل الذي ذكرنا.
فكل حالة قلنا في النكاح: يكون لبناً للأول أولهما-: فههنا: يكون للأول.
وكل حالة قلنا: يكون للثاني-: فههنا: يكون للمرأة، ولا أب له.
وعلى هذا: لو نزل للبكر لبن، فنكحت، واللبن قائم، ووطئها الزوج وحبلت، وقالت القوابل: يتصور نزول اللبن به-: فكل حالة قلنا في النكاح: يكون لبناً للأول-: فههنا: يكون للأم، وإن قلنا: يكون للثاني أولهما-: فههنا يكون للزوج، والله أعلم بالصواب.
بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الرِّضَاعِ
رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتاً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ، وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إلَى النَّبِيِّ- ﷺ وهو بالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله- ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ " فَفَارقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ".
يثبت الرضاع بشهادة رجلين، ورجل وامرأتين، وأربع نسوة؛ لأنه مما يطلع عليه
стр. 2622
النساء غالباً؛ كالولادة، ولا يثبت بأقل من أربع نسوة؛ هذا إذا شهدوا على فعل الرضاع، أو على أن بينهما حرمة الرضاع.
أما الإقرار بالرضاع: فلا يثبت إلا برجلين؛ لأن الإقرار يكون باللسان، فيطلع عليه الرجال.
وعند مالك: يثبت الرضاع بشهادة امرأتين.
وعند الزهري والأوزاعي: يثبت بامرأة واحدة.
وعند أبي حنيفة: يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ولا يثبت بشهادة أربع نسوة.
ولو شهدت المرضعة مع ثلاث نسوة-: يقبل إذا لم تشهد على فعل نفسها، بل قالت: بينهما أخوة الرضاع، أو هما ارتضعا مني، فأما إذا شهدت أني أرضعتها-: لا يقبل؛ على
стр. 2623
أصح الوجهين؛ كما لا تقبل شهادتهما على ولادتها.
والثاني: يقبل؛ لأنها لا تجر إلى نفسها نفعاً بهذه الشهادة؛ بخلاف ما لو شهدت على ولادتها؛ لأنها تثبت لنفسها بذلك حقاً، وهو النفقة.
وتقبل شهادة أم المرضعة وابنتها كالمرضعة، ولو ذكرت المرضع وحدها-: لا تثبت الحرمة، ولكن الورع أن يفارقها، وإلى هذا أشار النبي- ﷺ حيث قال لعقبة بن الحارث: "كيف وقد قيل"؟.
وإن شهدت أم المرأة وابنتها على حرمة الرضاع بينها وبين زوجها- نظر: إن كان الزوج يدعي الرضاع، وهي تنكر-: يقبل؛ لأنها شهادة على الولد وعلى الوالدة.
وإن كانت المرأة تدعيه-: فلا يقبل؛ لأنها تشهد للولد والوالدة، وعلى عكسه: لو شهد الرجل وابنته: فإن كان الرجل يدعيه-: لا يقبل، وإن كانت المرأة تدعيه-: يقبل.
نظيره: لو شهد أبو المرأة وابنها حسبة على أن زوجها طلقها-: يقبل، وإن شهدا على الدعوى، وكانت المرأة تدعي الطلاق-: لا يقبل، وإذا شهد الشاهد على فعل الرضاع؛ بأن
стр. 2624
امرأة أرضعتهما- فلا يثبت حتى يقول: أشهد أنه ارتضع من ثديها، وأنها أرضعته خمس رضعات متفرقات في الحولين، وصل كلهن إلى جوفه.
ويجوز له أن يشهد كذلك، إذا رآه التقم ثديها وامتص.
ولو صرح بأنه التقم ثديها وامتص، ولم يقل: وصل إلى جوفه-: لا يقبل.
ولو شهد على أن بينهما حرمة الرضاع، أو أنه ابنها من الرضاع-: قيل: يقبل.
والصحيح: أنه لا يقبل؛ لأن الناس مختلفون فيما تثبت به حرمة الرضاع.
ولو رأى امرأة أخذت صبياً تحت ثيابها وأرضعته، لم يجز له أن يشهد بالرضاع؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك لبناً من غيرها في شيء اتخذته، كهيئة الثدي ترضعه منه.
ولو أقر رجل أن فلانة أختي من الرضاع، ثم رجع، فأراد أن ينكحها، أو امرأة أقرت أن فلاناً أخي أو عمي من الرضاع، ثم رجعت، وأرادت أن تنكحه، أو تقارا، ثم رجعا-: لا يقبل رجوعهما، ولا يجوز أن ينكحها.
وعند أبي حنيفة: إن أصرا عليه-: لا يجوز أن ينكحها، وإن رجعا-: يجوز.
وبالاتفاق لو أقر إخوة النسب، أو أقر الزوج بالطلاق، ثم رجع-: لا يقبل رجوعهما.
ولو تقار الزوجان على أن بينهما حرمة رضاع، وفرق بينهما، ثم إن كان قبل الدخول-: فلا مهر للمرأة، وإن كان بعد الدخول-: فلها مهمر المثل.
وإن أقر أحد الزوجين، وأنكر الآخر، ولا بينة عليه- نظر: إن أقر الزوج، وأنكرت المرأة يحكم بانفساخ النكاح بقوله، ولكن لا يقبل-: قوله في حقها، حتى يجب لها نصف المسمى، إن كان قبل الدخول.
وإن كان بعد الدخول-: فتمام المسمى.
ثم إن كان قبل الدخول، أو كان بعده، والمسمى أكثر من مهر المثل-: له تحليفها، فتحلف على العلم؛ أنها لا تعلم حرمة الرضاع بينهما، فإن نكلت-: حلف الزوج على البت، ثم لا شيء لها، إن كان قبل الدخول وإن كان بعده-: فلا يجب أكثر من مهر المثل؛ كما لو أقام الزوج بينه على دعواه.
وإن ادعت المرأة حرمة الرضاع بينها وبين الزوج، وأنكر الزوج- نظر: إن ادعته بعد التمكين-: لا يقبل قولها، وإن كان قبل التمكين- نظر: إن زوجت بإذنها، وعينته في الإنذن-: لا يقبل قولها، وإن زوجت دون إذنها، أو أذنت، ولم تعين الزوج-: يقبل قولها مع يمينها؛ على الصحيح من المذهب.
стр. 2625
ولو أقرت أمة لغير سيدها بأخوة الرضاع-: يقبل، فإذا اشتراها ذلك الرجل-: لا يحل له وطؤها.
وإن أقرت لسيدها: إن كان بعد التمكين-: لا يقبل، وإن كان قبله-: فعلى وجهين.
وكذلك: لو ادعت أني موطوءة أبيك، ولو ادعت أخوة النسب-: لا يقبل، والله أعلم بالصواب.
стр. 2626
كِتَابُ النَّفَقَةِ
[بَابُ/ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله ﵎: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وروي عن عائشة- ﵂ أن هنداً جاءت النبي- ﷺ فقالت: يا رسول الله،
стр. 2627
إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلُ شَحِيحُ، وَإِنَّهُ لا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرَّاً، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءُ؟ فَقَالَ- ﷺ : "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".
الأسباب التي توجب نفقة الإنسان على غيره ثلاثة:
النكاح، وملك اليمين، والقرابة:
أما النكاح-: فتجب به نفقة المرأة على الزوج، فقيرة كانت أو غنية، ولا تجب نفقة الزوج عليها؛ لأنها ممنوعة من الخروج والكسب بسببه.
стр. 2628
وكذلك: [في ملك اليمين] تجب نفقة المملوك على المالك، ولا تجب نفقة المالك عليه.\
أما القرابة: فتجب فيها النفقة من الجانبين عند الحاجة؛ لأنها بسبب البعضية، وهي تشمل الجانبين.
وكل من تجب له النفقة هو من تجب له الكسوة والمسكن، ولا تقدير لهذه النفقات، إنما هي على قدر الكفاية، إلا نفقة الزوجة؛ فإنها مقدرة، ويختلف تقديرها بيسار الزوج وإعساره؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 2629
وعند أبي حنيفة: يعتبر فيها حال المرأة من كونها زهيدة أو رغيبة، ويجب تقدير كفايتها.
وإن كانت المرأة مخدومة لا يخدم مثلها نفسها في عادة بلدها-: فيجب على الزوج لها خادم يخدمها، سواء كان الزوج موسراً أو معسراً، حراً أو عبداً أو مكاتباً، كما تجب النفقة عليهم.
وإن لم تكن مخدومة، أو كانت أمة-: فلا يجب على الزوج لها خادم، إلا أن تكون مريضة؛ فعلى الزوج يقيم لها من يمرضها.
فإذا أرادت غير المخدومة أن تتخذ لنفسها خادماً، وتنفق عليها من مال نفسها-: ليس لها ذلك إلا بإذن الزوج، لأن الدار له، فليس لها أن تدخل داره أحداً بغير إذنه.
وإذا أوجبنا الخادم على الزوج-: فلا يجب أكثر من واحد؛ لأن الكفاية تقع به، إلا أن تمرض؛ فلم تقع الكفاية بواحد فيضم إليه آخر، ولا يجب تمليكه، بل إن شاء نصب جارية له تخدمها، وإن شاء استأجر حرة أو أمة تخدمها، ولا يجوز أن يكون الخادم إلا امرأة، أو ذا رحم محرم.
وهل يجوز أن يكون من اليهود أو النصارى؟ فيه وجهان:
стр. 2630
أحدهما: يجوز؛ لأنهم يصلحون للخدمة.
والثاني: لا يجوز؛ لأن النفس تعاف منهم، ولو حملت مع نفسها خادماً يخدمها، حرة أو أمة-: ليس للزوج إبدالها إلا برضاها؛ لأنها ألفتها، ويشق عليها مفارقتها، إلا أن يظهر منها خيانة- فللزوج إخراجها وإبدالها بغيرها.
وإذا حملت مع نفسها خادمة-: يجب على الزوج نفقتها وكسوتها، ولا تجب نفقة الخادم إلا ههنا؛ لأنه إن أمر جاريته بخدمتها-: فعليه نفقتها بسبب الملك.
وإن استأجر امرأة تخدمها-: فلا نفقة لها، إنما لها الأجرة.
ولو حملت مع نفسها أكثر من خادم-: فللزوج ألا يرضى بالزيادة على الواحد.
ولو استأجرت امرأة تخدمها-: فلها طلب الأجرة من الزوج، فإن كانت ملكاً لها-: فلا.
ولو قالت: أنا أخدم نفسي؛ فأعطني الأجرة-: له ألا يرىض؛ لأنها تصير مبتذلبة، بخلاف ما لو طلقها في دارها، فلها أن تطلب أجرة السكنى، ولو قال الزوج: أخدمك بنفسي، لها ألا ترضى؛ لأنها تحتشم منه، [وتعني بهذه الخدمة: ما يئول لخاصتها]؛ نحو حمل الماء إلى المستحم، وصب الماء على يدها، وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما ما كان من مهن البيت من الكنس والطبخ والغزل: فليس شيء منها على المرأة، ولا على خادمها، سواء كانت مخدومة أو لم تكن، إلا أن تتبرع بشيء منها، بل إصلاح ذلك على الزوج، وإن شاء فعل بنفسه، وإن شاء فعل بغيره.
فَصْلُ فِي تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ
قال الله ﵎: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية: [الطلاق: ٧].
تقدير نفقة المرأة تختلف باختلاف حال الزوج: فإن كان موسراً-: يجب عليه كل يوم مدان، وإن كان متوسطاً-: فمد ونصف، وإن كان معسراً-: فمد، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو ذمية، وذلك لأن الله تعالى أوجب النفقة على قدر حاله، ولم يبين المقدار، فقسناه على ما قدره الشرع من الكفارات، وأكثر ما أوجبه الله تعالى لكل مسكين مدان في فدية الأذى، وأقل ما أوجبه مد في كفارة الجماع [في رمضان. فاعتبرناه بها، وأوجبنا على المتوسط ما بينهما.
والمرجع في اليسار والإعسار إلى العرف].
следующие страницы →