← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وزيادة ربع دينار- لا يقطع؛ لأن النصف من جميع المال حقه؛ فيجوز أن يقع جميع [المال] المأخوذ من نصيبه عند القسمة، أو إن كان أثلاثاً - يقع جميع الثلثين في نصيبه؛ فيشترط أن يأخذ ربع دينار زائداً عليه. ولو سرق رجلٌ نصاباً من حرز، وأحد بعض ذلك النصاب ملك رجل، والبعض ملك رجل آخر - يجب القطع، كما لو كان الكل لواحد. ولو سرق مسلم من بيت المال شيئاً: قال صاحب "التلخيص": لا قطع عليه. قال أصحابنا: هذا إذا كان له فيه شبهة؛ بأن سرق من خمس خُمس الغنيمة أو الفيء سهم المصالح، أو من تركة مسلم مات، ولا وارث له - لا قطع عليه؛ فقيراً كان السارق أو غنياً؛ لأنه ما من مسلم إلا وله في بيت المال حق؛ بخلاف ما لو زنى بارية من بيت المال - يجب عليه الحد، لأنه يستحق النفقة في مال بيت المال، ولا يستحق الإعفاف. رُوي أن عاملاً لعمر ﵁ كتب إليه في رجل سرق من [مال] بيت المال، فكتب: لا تقطعه، فنه ما من أحد إلا وله فيه حق، وكذلك لو سرق من مال الصدقة، وهو فقيرٌ - لا قطع عليه، وإن سرق مما لا شبهة له فيه؛ بأن سرق من نصيب اليتامى من خُمس الخمس مفرزاً، أو من نصيب الفقراء من مال الصدقة، وهو غني - قُطعَ، وإن كان في ذلك البيت أخماسٌ من موضع آخر؛ لأن القطع لا يسقط بكون المال له فيه شبهة في الحرز؛ إذا لم يكن له في المسروق شبهة؛ كالمودع إذا سرق مال المودع من بيت فيه وديعته - يجب القطع. أما الذمي: إذا سرق من مال بيت المال - تقطع يده؛ لأنه لا حق له فيه؛ إنما الحق فيه للمسلمين. فإن قيل: أليس أن الذمي إذا اضطر - يجب على الإمام أن ينفق عليه من بيت المال؟ قيل: بلى، ولكن ينفق عليه من بيت المال بشرط الضمان، كالمضطر يأكل مال الغير؛ بشرط الضمان، ولا يصير ذلك شبهة في سقوط القطع؛ إذا سرق ماله لغير ضرورة. قال الشيخ ﵀: يحتمل أن يقال: لا يقطع الذمي؛ إذا سرق من خمس الخمس سهم المصالح، وعلى الإمام أن يُطعمه منه عند الضرورة، بلا ضمان؛ لأن النبي ﷺ كان يعطي الكفار منه، فإن سرق من مال مسلمٍ، لا وارث له - قُطع، لأنه

стр. 3047

مصروف إلى بيت المال إرثاً للمسلمين؛ فلا حق للذمي فيه، ولو سرق ستر الكعبة أو باب المسجد، أو اسطوانة منه، أو شيئاً مما جُعل في المسجد للزينة - قطع؛ روي أن عثمان قطع سارقاً سرق قبطية من منبر رسول الله ﷺ . وعند أبي حنيفة: لا قطع في شيء منها. أما ما كان في المسد لمنفعة الناس كالحصر والقناديل، فإن سرقه مسلم - لا قطع عليه؛ لأنه لمنفعة -المسلمين، وإن سرقه ذمي - قطع. قال الشيخ ﵀: هذا في قناديل السرج، أما علق [فيه] للزينة من القناديل - يقطع سارقها؛ كالستور، والأبواب، ولو سرق شيئاً موقوفاً - ففي وجوب القطع وجهانَ؛ سواء قلنا: الملك فيه زال إلى الله تعالى أو إلى الموقوف عليه: أصحهما: يجب القطع؛ لأنه مالٌ محرز؛ كأستار الكعبة. والثاني: لا يجب؛ لأن الملك فيه ناقصٌ. قال الشيخ- ﵀: ولو سرق الموقوف عليه العين الموقوفة - لا يقطع، وإن سرق من غلة الوقف، أو ثمرة الشجرة الموقوفة المحرزة؛ نُظر: إن كان السارق من أهل الوقف؛ بأن كان وقفاً على كافة الناس، أو كان وقفاً على جماعة [متعينين، وهو منهم، أو على جماعة] موصوفين كالفقراء، وهو فقيرٌ - فلا قطع عليه، وإن لم يكن من أهل الوقف بأن كان وقفاً على متعينين، وليس هو منهم، أو على الفقراء، وهو غنيٌّ - قطع. ولو سرق بكرة البئر المسبلة - قطع، قال الشيخ ﵀: وهو عندي كحصر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس، ولو سرق واحدٌ من الغانمين شيئاً من مال الغنيمة قبل إفراز الخمس - لا قطع عليه؛ سواء كان حراً أو عبداً؛ لأن له حقاً في أربعة أخماسها وفي خمسها؛ لأنه مال بيت المال، ولو سرق منه أجنبي - فهو كما لو سرق مال بيت المال، لأن سهم بيت المال فيه، ولو سرق بعد إفراز الخمس - لا يخلو: إما أن يون سرق من الأربعة الأخماس أو من الخمس: فإن سرق من الأربعة الأخماس التي هي سهم الغانمين:

стр. 3048

فإن كان السارق من الغانمين - لا قطع عليه؛ كما لو سرق مالاً مشتركاً بينه وبين غيره، وكذلك: لو لم يكن من الغانمين؛ ولكن له في الغانمين ولدٌ أو والدٌ أو عبدٌ - فلا قطع عليه، وكذلك: لو كان السارق امرأة، ولها زوج فيهم، وقلنا: لا قطع على أحد الزوجين بسرقة مال صاحبه- فلا قطع عليها، وإن لم يكن له فيهم أحدٌ منهم - عليه القطع، وإن سرق من الخمس - فلا فرق بين أن يكون السارق من الغانمين أو لم يكن؛ فينظر: إن كان قبل إفراز خمس الخمس سهم المصالح - فلا قطع عليه؛ لأن سهم بيت المال فيه، وإن كان بعد إفراز سهم المصالح [بأن] سرق من أربعة أخماس الخمس -[يجب] عليه القطع. قال الشيخ ﵀: إلا أن يكون ممن له فيه سهم - فلا قطع. ولو كان له على رجل دين، فسرق رب الدين مال المديون - نظر: إن لم يقصد الاستيفاء - قطع، وإن قصده- نُظر: إن كان من عليه الحق وفياً - قطع، وإن كان جاحداً أو مماطلاً - لم يقطع؛ وإن أخذ أكثر من حقه - فالمذهب أنه لا يُقطع؛ لأنه كان له دخول ملكه؛ فلم يكن المال محرزاً في حقه، وقيل: إن كانت الزيادة منفصلة قدر نصاب- قطع. والمضطر إلى المجاعة إذا لم يجد طعاماً، فسرق - لا قطع عليه [قال عثمان ﵁: لا قطع في عام المجاعة]. ولو سرق مستحق الزكاة شيئاً من مال الزكاة: فإن قلنا: [الزكاة] تتعلق بالعين - لم يقطع، وإن قلنا: بالذمة - فكما لو سرق [من] مال المديون. ولو سرق خمراً أو خنزيراً أو كلباً أو جلد ميتة لم يُدبغ - لا قطع عليه؛ لأنه ليس بمالٍ، ولو سرق إناء قيمته نصابٌ، وفيه خمرٌ - قطع؛ كما لو كان فيه بول، وقيل في إناء الخمر: لا يقطع؛ لأن ما فيه [مستحق الإراقة]، فيصير شبهة في دفعه. ولو سرق طنبوراً، أو مزماراً، أو صنماً - نظر: إن كانت محلولة [أو] مغيرة، لا تصلح لمباح، أو تصلح، ولكنه بعد الحل والتغيير لا يبلغ نصاباً - لا يجب القطع، وإن كان يبلغ نصاباً- ففيه وجهان:

стр. 3049

أحدهما: يقطع؛ لأنه مالٌ متقوم. والثاني: لا يقطع؛ لأنه آلة المعصية؛ كالخمر. أما إذا حله، ثم أخرجه - يجب القطع، وكذلك: إذا كان [على الصنم حليةٌ تبلغ نصاباً - يقطع، ولو سرق إناء من ذهب أو فضة- يقطع؛ لأنه يتخذ للزينة، لا للمعصية، والله أعلم. باب قطاع الطريق قال الله تعالى: ﴿نَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ] ....﴾ الآية [المائدة ٣٣]. قُطاع الطريق: الذين يعترضون القوم بالسلاح مجاهرةً- يحل قتالهم؛ لأنهم أسوأ حالاً من البغاة، وإذا علم الإمام من رجل أنه يعترض الرفقة، ويخيف السبيل - يجب على الإمام طلبه وحبسه؛ حتى لا تقوى شوكته، فيكثر منه الفساد، ومن خرج لقطع الطريق، فقتل نفساً - يجب عليه القتل حتماً وإن أخذ نصاباً من المال - تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ سواء أخذ ذلك النصب من ملك واحد، أو من أملاك مختلفة. وإن قتل وأخذ المال - يقتلُن ويصلبن ظاهر الآية التخيير، وهي على ترتيب الجرائم ويروي عن ابن عباس ﵁ مثل ما قلنا في معنى الآية. وعند أبي حنيفة: إن قتل وأخذ المال - يتخير الإمام بين أن يجمع عليه [القطع والقتل] [أو القتل] والصلب، وأبو يوسف معنا، والسلاح ليس بشرط، حتى لو خرجوا بالخشب واللطم، حيث لا يلحقهم الغوث- فالحكم كذلك؛ وسواء قطعوا الطريق على جماعة، أو على واحد. ولو خرج [واحد أو] جماعة في المِصْرِ، فحاربوا، أو العساكر أغاروا على أحد طرفي البلاد] إذا خرجوا فحاربوا الطرف الآخر، أو خرجوا بالليالي مكابرة على الدور - فحكمهم حكم قطاع الطريق إذا كان لا يلحقهم الغوث؛ إذا استغاثوا، أما إذا خرج جماعة في بلدة أو قرية، أو بين قريتين، بحيث يلحقهم الغوث أو استغاثوا- فلا يكون حكمهم حكم قُطاع الطريق؛ فمن أخذ منهم مالاً - فهو الغاصب والناهب؛ يضمن ما أخذ.

стр. 3050

وعند أبي حنيفة: لا يجب عقوبة قطاع الطريق على من حارب في المصر. وأبو يوسف معنا. وإذا خرج النساء لقطع الطريق - يقام عليهن ما يقام على الرجال. وعند أبي حنيفة ﵀: لايجب على النساء عقوبة قُطاع الطريق؛ حتى قال: لو خرج جماعة من الرجال، وفيهم امرأة أو صبي لا تقام العقوبة على الرجال البالغين. وأبو يوسف معنا؛ فنه يعاقب البالغون من الرجال. ولو قطع جماعة من المراهقين الطريق - لا عقوبة عليهم، وعليهم ضمان المال، ومن خرج مع قطاع الطريق؛ فكشر وهيب، وكان ردءاً لهم؛ ولكنه لم يقتل، ولم يأخذ المال - لايجب عليه عقوبة قطاع الطريق، ولكن يعر ويحبس، حتى يتوب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قيل: أراد به الحبس، وقيل: أراد به التغريب، وقيل: نفيه أن يرتكب ما يوجب عقوبةً، ثم يهرب، فنفيه: أن يُتْبع ويطلبن حتى لا يقر في موضع حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد؛ يروى هذا عن ابن عباس. وعند أبي حنيفة: يجب على الردء عقوبة قطاع الطريق، حتى لو كانوا مائة، فقتل واحد إنساناً - يقتل الكل، ولو أخذ واحد منهم نصاباً من المال - يقطع الكل. قلنا: هذا حد يجب بسبب الجريمة؛ فلا يجب على غير المباشر؛ كما لا يجب حد الشرب على الساقي. ومن أمسك إنساناً، حتى قتله آخر، أو أمسك امرأة، حتى زنى بها آخر، لا يجب القتل والحد على الممسك، ولا يجب القطع على قاطع الطريق؛ حتى يأخذ نصاباً من المال، وكذلك: لا يجمع بين القتل والصلب حتى يأخذ مع القتل نصاباً، وهو ربع دينار. ولو أخذ رجل ثلث دينار، ومعه [ردء] أخذ سدس دينار- يقطع من أخذ الثلث، ولا قطع على من أخذ السدس، ولا يكمل نصابه بما أخذ رقيقه. وإذا وجب القطع على قاطع طريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد، وإذا قطع [منه] أحد العضوين - لا يؤخر قطع الآخر حتى يبرأ الأول لأنه حد واحد، وإن كان فقيد اليد اليمنى - تقطع رجله اليسرى، ولا تقطع [يده اليسرى]؛ لأن الحد لم يتعلق بها؛ كالسارق إذا كانت يده ناقصة بإصبع - تقطع يده الناقصة، ولا تقطع رجله.

стр. 3051

أما إذا قطع الطريق وأخذ المال، وهو فقيد اليد اليمنى والرجل اليسرى - حينئذ: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن ما يبدأ به معدوم؛ [فيتعلق القطع] بما بعده. وإذا أخذ المال، وقتل، وقطع الطريق - فإنه يقتل ويُصلب. واختلفوا في كيفيته -فالصحيح من المذهب: أن يقتل [ثم يُصلب مستور العورة. وفيه قول آخر: أنه يصلب حياً، وهو قول أب حنيفة ﵀: لأن عقوبة] قطع الطريق تُقام عليه حياً. والأول المذهب؛ لأنه لا عقوبة فوق القتل، والصلب [للاعتبار زجراً] للناس عن مثل فعله، فإن قلنا: يُصلب بعد القتل - فكم يترك على الصلب؟ فيه وجهان: أحدهما - قاله ابن أبي هريرة-: حتى يسيل صديده؛ إلا أن يتأذى به الأحياء؛ فينزل، ولا يغسل، ولا يصلي عليه. وهذا لا يصح؛ لأن فيه تعطيل فرض الله تعالى من الغُسل، والصلاة، والدفن. والثاني- وهو الأصح-: يُنزل على الصلب ثلاثاً؛ إن كان الزمان بارداً، أو معتدلاً، ثم يُنزل وإن كان في شدة الحر - ينزل إذا خيف عليه التغير قبل الثلاث، [ويدفع إلى أهله؛ ليقيموا عليه فرض الغسل والصلاة عليه والدفن]، وإن قلنا: يصلب حياً - اختلفوا في كيفية قتله، منهم من قال: يُطعن حتى يموت مصلوباً، وهو قول الليث بن سعد، ومنهم من قال: يترك بلا طعام، ولا شراب، حتى يموت، ومنهم من قال: يترك ثلاثاً حياً، ثم ينزل، فيُقتل، وهو قول أبي يوسف، فإن مات قبل الصلب - ففيه وجهان: أحدهما: قاله الشيخ أبو حامد الإسفرائيني - أنه لا يُصلب؛ لأن الصلب تبع للقتل، وسقط القتل؛ فسقط الصلب. وإن قتل في قطع الطريق - يقتل حتماً، ثم يغسل، ويصلي عليه، ويدفن، والقتل حتمٌح حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإن جرح إنساناً في قطع الطريق - نظر: إن كانت جراحة لا يثبت فيها القود؛ كالجائفة ونحوها - فلا يقتص، وعليه أرشها، وإن قطع يداً أو رجلاً أو عضواً يقاد منه - وهل يتحتم؟ فيه قولان:

стр. 3052

أحدهما: يتحتم؛ حتى لا يسقط بالعفو؛ كالقتل. والثاني - وهو الأصح-: لا يتحتم؛ لأنه تغليظ لا يتبعض؛ يثبت في النفس، فلا يثبت فيما دون النفس؛ كالكفارة؛ ولكنه بالخيار؛ إن شاء اقتص، وإن شاء عفا، ولو أتلف مالاً في قطع الطريق - يجب عليه الضمان وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان، وكذلك قال: لو قطع طرفاً - فلا قصاص، ولا أرش؛ لأن الطرف كالمال. قلنا: قاطع الطريق ظالمٌ؛ لا شبهة له في مال أهل الرفقة، ولا في طرفه؛ ما لا شبهة له في نفسه، فإذا أخذ بقتل نفسه يؤخذ بقطع طرفه وضمان ماله، وإذا قتل في قطع الطريق خطأ، بأن رمى إلى شخص، فأصاب غيره، أو شبه عمدٍ - فلا قتل عليه، وتجب الدية على العاقلة، وإذا قتل عمداً - تحتم قتله، ففيه معنى الحدود، لأنه لا يسقط بالعفو، واستيفاؤه إلى السلطان لا إلى الولي، وفيه معنى القصاص؛ لأنه قتل بإزاء قتل، وأيهما يغلب؟ فيه قولان، وفائدته تتبني في أنه هل تُراعى فيه الكفارة والمماثلة أم لا؟ مثل إن قتل حر عبداً، أو مسلمٌ ذمياً، أو قتل الأب ابنه؛ إن غلبنا جهة الحدود - فيقتل به، وإن غلبنا جهة القصاص - فلا قتل عليه، وتجب الدية وقيمة العبد، ولا خلاف أنه لو قتل عبد نفسه - لا يقتل؛ كما لو أخذ مال نفسه - لا يُقطع، ولو قتل جماعةً في قطع الطريق؛ إن غلبنا جهة الحدود - قُتل بهم جميعاً، ولا يجب شيء من الدية، وإن غلبنا جهة القصاص - قُتل بالأول، وللباقين الدية، فإن عفا الأول - لا تسقط، ولو قتله أجنبي غير الإمام: إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، إلا التعزير؛ لتفويته على الإمام، وإن غلبنا القصاص - عليه الدية لورثته. قال الشيخ ﵀: ولا قود؛ لأن قتله محتومٌ، ولو مات إن غلبنا الحد - فلا شيء عليه، وإن غلبنا القصاص - تؤخذ الدية من تركته. ولو قتل في قطع الطريق بمثقل أو قطع عضو -هل يستوفي بذلك الطريق؟ إن غلبنا الحد - فلا؛ بل تُحز رقبته؛ كالمرتد، وإن غلبنا القصاص- يقتل بذلك الطريق. وإذا وجبت العقوبة على قاطع الطريق، فهرب- يطلب، فيتبع؛ حتى يظفر به؛ فيقام عليه الحد، فإن تاب قبل القدرة عليه - سقط عنه ما لزمه بسبب قطع الطريق؛ لقوله [ ]: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، فإن كان قد قتل - سقط تحتم القتل، ولا يسقط القصاص، فالولي إن شاء

стр. 3053

قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن كان قد قتل، وأخذ المال - يسقط عنه الصلب وتحتم القتل، وبقي القصاص، وإن كان أخذ المال - يسقط عنه قطع اليد، والرجل وإن قتل الأب الابن في قطع الطريق، أو الحر عبداً، أو المسلم ذمياً، وأوجبنا عليه القتل: فإذا تاب قبل القدرة - سقط القتل أصلاً، ووجبت الدية والقيمة، وإن تاب بعد القدرة عليه - فهل يسقط ما وجب بسبب قطع الطريق من تحتم القتل، والصلب، والقطع - فعلى قولين؛ كالزاني، والسارق، وشارب الخمر إذا تاب هل يسقط عنه الحد؟ فيه قولان: أصحهما: لا يسقط، فإن قلنا: يسقط بالتوبة [ما يجب] في غير المحاربة، فلابد من مضي زمان يوثق بتوبته؛ لأن الله تعالى قال في الزاني: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء: ١٦] وقال في السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]- علق العفو بالتوبة والإصلاح، وقد يُظهر التوبة للتقية، فلا يُعلم صحتها، حتى يقترن بها الإصلاح: من مضي زمان يوثق بتوبته، وفي المحارب يسقط عنه الحد بإظهار التوبة والدخول في الطاعة؛ لأنه خارج من يد الإمام ممتنع؛ فلا تُحمل توبته على التقية. ولو شهد رجلان من أهل الرفقة على قوم؛ أنهم قطعوا الطريق علينا، وأخذوا كذا من أموالنا - لا تُقبل؛ لأنهم يشهدون لأنفسهم، فإن لم يقولا علينا بل قالا: قطعوا [الطريق] على هؤلاء، وأشاروا إلى أصحابهما، وأخذوا منهم كذا وكذا يقبل، ولا يسألهما الحاكم - هل كنتما معهم أم لا؟ هذا كما لو شهد احد الشريكين للآخر، وقال: هذا العبد بيننا - لا يُقبل، ولو شهد لشريكه بنصفه - يُقبل، وكذلك: لو شهد عدلان من الفقراء؛ أن فلاناً أوصى للفقراء بثلث ماله - يقبل ولو قالا: وصى لنا بثلثه - لا يقبل. فصل في اجتماع الحدود إذا اجتمع على واحد حدود من جنس واحد؛ وإنما يتصور ذلك في القذف، بأن يقذف جماعة بكلمات، فعليه لكل واحد حد لواحد - لا يقام عليه حد الآخر، حتى يبرأ جلده عن حد الأول. أما إذا زنى مراراً - لا يجب عليه إلا حد واحدٌ، وكذلك: لو شرب مراراً، أو سرق مراراً - لا يجب عليه إلا حد واحد، وقطع واحد، ولو زنى مرة، فحد، أو شرب مرة،

стр. 3054

فحد، ثم زنى أو شرب ثانياً - يحد ثانياً. وإن ارتكب الثاني قبل أن يبرأ عن حد الأول - لا يقام الثاني ما لم يبرأ، ولو أن عبداً قذف رجلين - هل يوالي عليه بين الحدين؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يوالي عليه؛ لأنهما حدان؛ كما في حق الحر؛ لا يوالي بين الحدين. والثاني: يوالي؛ لأنه ليس فيه إلا الموالاة بين ثمانين جلدة، وذلك لا يمتنع كما في حق الحر. ولو اجتمع حدان، موجبهما مختلفٌ نظر: إن كان أحدهما قتلاً - يقام ما دونه أولاً، ثم يقتل في الحال - مثل إن وجب عليه حد شرب أو حد قذف وقتل بسبب ردة، أو رجم بسبب زنى - يقام عليه الحد، ثم يقتل للردة، أو يرجم للزنى في الحال. وكذلك: لو اجتمع عليه قطع بسبب [سرقة أو قصاص] وقتل يقطع، ثم يقتل في الحال. وإن كانت الحدود كلها دون القتل - لا يوالي بينهما، بل يُتأنى بينهما حتى يبرأ الأول؛ مثل: إن وجب عليه حد القذف، وحد الزنا، وهو بكرٌ - يقام عليه حد القذف، أولاً، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، وإنما قدمنا حد القذف؛ لأنه حق الآدمي، ومبناه على الضيق لشحه، وقيل: إنما قدمنا؛ لأنه أقل. وإن وجب عليه حد القذف والشرب - يقام حد القذف أولاً، ثم إذا برأ - يقام حد الشرب، وقيل: يقدم حد الشرب؛ لأنه أقل، ثم إذا برأ - يقام حد القذف، والأول أصح، ولا فرق على الوجهين بين أن يتقدم القذف أو الشرب. ولو وجب عليه جلد بسبب الشرب، أو الزنا [أو] قطع السرقة؛ سواء تقدم [الزنا] أو تأخر - يقدم الجلد، ثم يترك حتى يندمل، ثم يقطع. ولو وجب عليه قطع اليد والرجل بسبب قطع الطريق - تقطع يده ورجله في مكان واحد؛ لأنه حد واحد؛ كما يوالي بين الجلدات في الحد الواحد، ولو أخذ المال في قطع الطريق، وقطع يسار إنسان يُقطع أولاً يساره قصاصاً، ثم يترك حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وكذلك: لو سرق، وقطع يسار إنسانٍ - لا يوالي بين القطعين، بل تقطع يساره قصاصاً، ثم إذا برأ تقطع يمينه للسرقة.

стр. 3055

ولو قطع يمين إنسان، وأخذ نصاباً فيقطع الطريق -تقطع بمينه قصاصاً، ويسقط قطعها عن قطع طريق، وتقطع رجله اليسرى في الحال، ولا ينتظر؛ لأن قطع العضوين بحد واحد، وإن كان مستحقاً علبه. وكذلك: لو سرق، وأخذ المال في قطع الطريق، تقطع اليد والرجل في مكان واحد، وقيل: يؤخر قطع الرجل حتى تندمل اليد؛ لأن قطع اليد - وجب بغير سبب قطع الرجل؛ فهما سببان مختلفان، والأول المذهب. وإذا قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى من إنسان في قطع الطريق، وأخذ المال - يقطع عن القصاص، ويسقط القطع بسبب أخذ المال. وإذا اجتمع عليه حد القذف، والشرب، وحد الزنا، وهو بكر، وقطع اليد والرجل بسبب السرقة وقطع الطريق وقيل: القصاص يبدأ بحد القذف، ثم يترك حتى يبرأ، ثم يُحد للشرب، ويحبس، حتى يبرأ، ثم يحد للزنى، ويحبس حتى يبرأ، ثم تقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى بسبب السرقة، وقطع الطريق، ولا ينتظر بينهما، ثم يقتل في الحال قصاصاً، فإن مات - سقطت الحدود، لوولي القتيل الدية، وإن كان القتل الواجب مع هذه الحدود بسبب المحاربة- هل يجب التفريق بين هذه الحدود أم يجوز أن يُوالي بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب التفريق؛ كما لو كان القتل في غير المحاربة. والثاني: وهو قول أبي إسحاق -: يجوز أن يوالي بين الكل، بخلاف القتل في غير المحاربة فإنه غير متحتم، فإذا أتى ربما يعفو، فيسلم نفسه، والقتل في المحاربة، متحتم؛ فلا معنى للتفريق، وترك الموالاة. وعند أبي حنيفة يقام عليه حد القذف، ثم يقتل فعنده: جميع الحدود تدخل في القتل إلا حد القذف، وفيه دليل على أن حد [القذف] حق للآدمي. باب تحريم الخمر قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. ورُوي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [كل مسكر [خمر]، وكل

стр. 3056

مسكر] حرامٌ" والخمر المتخذة من العنب والرطب - حرام باتفاق الأمة، يحد شاربه،

стр. 3057

وإن شرب قطرة ويفسق ويكفر مستحله، وهي نجسة، لا يجوز بيعها، أما المطبوخ من غير العنب والرطب، أو المتخذ من التمر والزبيب ونقيع الحنطة والشعير: إن كان مسكراص - فهو عندنا خمرٌ نجسٌ؛ لا يحل شرب شيء منه، وإن قل. وعند أبي حنيفة: يحل شرب قليله، ويحرم السكر منه. والدليل على تحريمه: خبر ابن عمر وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر كثيره - فقليله حرام" وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "ما أسكر

стр. 3058

الفرق منه - فملء الكف منه حرام"، وعن ابن عمر قال: "خطب عمر على منبر

стр. 3059

رسول الله ﷺ فقال: "إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة والشعير، والعسل". والخمر: ما خامر العقل، وعندنا: إذا شرب منه شيئاً، وإن قل - يحد شاربه؛ سواء كان ممن يستحله أو لا يستحله، ولكن لا يكفر مستحله؛ لاختلاف العلماء فيه، وهل يُفسق؟ نظر: إن كان ممن يقول بإباحته - لا يفسق، ولا ترد شهادته، وإن كان ممن يقول بتحريمه - يُفسق، وتُرد شهادته؛ بخلاف الحد أقمنا على الفريقين؛ لأنه على الأمام، وتُرد

стр. 3060

الشهادة [لارتكاب] محظور عقيدته، ومن يستبيحه لم يرتكب محظور عقيدته، فلم ترد شهادته، ودُردي الخمر حرام، يجب به الحد، وكذلك: لو كان ثخيناً، فأكله بخبز، أو شربها لدواء - يجب الحد، وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد في هذه المواضع، ولو احتقن الخمر - لا يحد، ولو استعطه - ففيه وجهان: أحدهما: لا يحد؛ كما لو احتقن. والثاني: يحد؛ لأنه يُطرب؛ كما لو شرب. ولو شرب جاهلاً؛ بأن رأى في [كوز لم يظن] أنه خمرٌ، فشرب - لا حد عليه. ولا يُحد الشارب حتى يقر بأنه شرب الخمر، أو شهد الشهود؛ أنه شربها قصداً، أو شرب من إناء شرب منه قوم، فسكروا - حينئذ يحد. أما إذا رأوه سكرانا، أو وُجد منه ريح الخمر - فلا يحد؛ لاحتمال أنه كان مكرهاً عليه. فصل في حد الخمر رُوي عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "أتى رسول الله ﷺ بشارب، فقال: "اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: بكثوه، فبكثوه، ثم أرسله"، فلما كان أبو بكر ﵁ سأل من حضر ذلك الضرب، فقوموا أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته، ثم عمر، حتى تتابع الناس في الخمر، فاستشار، فضرب ثمانين.

стр. 3061

ورُوي عن ثور بن يزيد الديلي أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار في الخمر، فقال له عليُّ ﵁: أرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر ﵁-في الخمر ثمانين". حد شارب الخمر أربعون جلدة، إن كان حراً، وإن كان عبداً - فعشرون.

стр. 3062

وعند أبي حنيفة يُجلد الحر ثمانين جلدة؛ لأن عمر جلد ثمانين. والزيادة على الأربعين - عند الآخرين - كان على وجه التعزير أدى إليه اجتهاده؛ بدليل أنه لما آل الأمر إلى عليٍّ ﵁ جلد أربعين. ولو شرب مراراً، فلم يُحد لا يحد إلا أربعين، وتتداخل الحدود، فإن شرب، فحُد، ثم شرب ثانياً - يحد ثانياً. ولو ضرب الشارب بالنعال وأطراف الثياب والأيدي قدر أربعين جلدة - جوز؛ وبالسياط يجوز؛ لأن الصحابة ﵃ ضربوا بالسياط. ولو جلد الإمام إنساناً في قذف أو زنى، فمات - لا شيء عليه. ولو ضربه في الخمر، فمات [نظر: إن ضرب بالأيدي والنعال، وأطراف الثياب والصفع، فمات - لا يضمن، وإن جلده بالسياط أربعين - هل يضمن؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يضمن] كما في حد القذف، وكما لو ضرب بالأيدي والنعال. والثاني: يضمن: لأنه كان بالاجتهاد، وكان بشرط سلامة العاقبة. رُوي عن عليٍّ -[﵁]- أنه كان يضرب أربعين، ويقول ليس احد أقيم عليه الحد، فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً الحق قتله إلا حد الخمر؛ فإنه شيءٌ رأيناه بعد النبي - صلى الله عليه وسمل - فمن مات منه - فديته: إما قال: في بيت المال، وما قال: على عاقلة الإمام.

стр. 3063

ولو ضرب في الخمر ثمانين، فمات: إن قلنا: من مات في حد الشرب - يجب ضمانه-: ههنا: يجب تمام الدية وإن قلنا: لا يجب- فيجب نصف الدية؛ لأن نصفه حد؛ لا يجب ضمانه، ونصفه في حكم التعزير؛ فيجب ضمانه. وإن جلد في القذف إحدى وثمانين، فمات - فلا قود، وكم يجب من الدية؟ فيه قولان: أحدهما تجب نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه عشر جراحات، وجرحه أجنبي جراحة واحدة، ومات منهما - يجب على الأجنبي نصف الدية؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون. والثاني: يجب جزء من أحد وثمانين جزءاً من الدية؛ بخلاف الجرح؛ لأن نكاية الجراحة تكون في الباطن، وقد تكون نكاية جراحة [واحدة] أكثر من نكاية عشر جراحات، فاستويا، والضرب بالسوط يلاقي الظاهر؛ فقلما يقع التفاوت بين الضربات، فتوزع الدية على أعدادها، وكذلك: لو ضرب في الخمر أحداً وأربعين، فمات، وقلنا: لا يجب ضمان من مات في حد الخمر - فكم يجب من الضمان؟ فعلى قولين: أحدهما: نصف الضمان. والثاني: جزء من أحد وأربعين جزءاً من الدية. وإذا أقام الإمام الحد على رجل بشهادة شخصين، فبانا عبدين، أو مراهقين، أو امرأتين، أو كافرين، أو فاسقين؛ فمات المحدود- تجب الدية. وكل موضع أوجبنا الدية في خطإ الإمام - تكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه قولان: أحدهما: على عاقلته كخطإ غير الإمام - تكون على عاقلته. والثاني: تكون في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام يكثر؛ فلو أوجبنا على العاقلة أدى إلى الإجحاف بهم. فإن قلنا: تجب الدية على عاقلته - فتجب الكفارة في ماله، وإن قلنا: تجب الدية في بيت المال - ففي الكفارة وجهان: أحدهما: تجب في بيت المال؛ كالدية. والثاني: تجب في ماله؛ لأن الكفارة لا يجري فيها التحمل؛ بدليل أنها لا تجب على

стр. 3064

العاقلة، فإذا ضمنت عاقلة الإمام أو بيت المال - فهل يرجع على الشاهدين أم لا؟ نظر: إن بانا فاسقين فسقا مستتراً - لا يرجع؛ لأنهما يقولان: نحن صدقنا فيما قلنا، وإسرارُ الفسق كان واجباً علينا، وإن بانا عبدين، أو كافرين، أو امرأتين - فهل يرجع عليهما؟ فيه وجهان: أحدهما: لايرجع، كما لو بانا فاسقين. والثاني: يرجع؛ لأن إظهار حالهما - كان واجباً عليهما، فإذا لم يظهرا- فقد فرطا؛ فضمنا. فإن قلنا: [يرجع] يرجع على الكافر، والمرأة [في الحال] وفي العبد - يتعلق برقبته أم بذمته؟ فيه وجهان؛ أصحهما: [يتعلق بذمته؛ لأنه لم يمحض جناية، وهل يرجع على المراهق أم لا؟ [إن قلنا] يتعلق برقبة العبد - يرجع في مال المراهق، وإن قلنا: بذمة العبد - لا يرجع على المراهق أصلاً؛ كما لا يلزمه دين المعاملة. وإن بانا فاسقين فسقاً ظاهراً - فهو ما لو بانا كافرين. فكل موضع أوجبنا الضمان على الإمام: إما على عاقلته أو في بيت المال - فكذلك إذا باشر الإمام القتل أو الضرب بنفسه، أو أمر الجلاد به، ولم يعلم الجلاد خطأ، فإن كان الجلاد عالماً بخطئه - فالضمان على الجلاد، فلو قال الجلاد: إني علمت أن الإمام مخطيء، ولكني علمت بقول بعض العلماء - فعليه الضمان، لأنه لم يكن له الاجتهاد. ولو أمر الإمام الجلاد بقتل رجل في موضع اجتهاد واعتقادهما أن لا قود عليهما؛ مثل: أن يأمر بقتل المسلم بالذمي، أو الحر بالعبد، فقيل: عليهما القود. قال الشيخ ﵀: هذا على قولنا: إن أمر السلطان إكراه، ويجب القود على المُكرِه والمكرَه جميعاً، فلو قال الجلاد: إني ظننت أن الإمام رجع عن ذلك إلى قول من يوجب القود وأنه يأمر بحق - لا يسقط عنه القود بهذا؛ لأنه قصد قتلاً يعتقد تحريمه، ولو كان الجلاد يعتقد جواز قتله، والإمام يعتقد تحريمه - يجب القود على الجلاد؛ اعتباراً باعتقاد الإمام. [ولو] أمر الإمام الجلاد بضربه، وقال: أنا ظالم في ضربه، فضربه الجلاد، مات إن قلنا: أمر السلطان ليس بإكراه - فالضمان على الجلاد، وإن قلنا: أمره إكراه: فإن قلنا:

стр. 3065

لا ضمان على المكُرَه - فالضمان على الإمام، وإن قلنا: يجب الضمان على المُكرَه - فيكون عليهما نصفان، هذا إذا أمره الإمام جزماً، ولم يخوفه، فإن خوفه - فهو إكراهٌ، وإن قال: إن شئت، فافعل - ليس بإكراه؛ فالضمان على الجلاد. ولو أمر الإمام الجلاد؛ بأن يضرب في القذف ثمانين؛ فضرب إحدى وثمانين، ومات - فالضمان على الجلاد، وكم يجب؟ فعلى القولين. ولو أمره بأن يضرب في الخمر ثمانين، فجلد واحداً وثمانين، ومات المضروب. فإن قلنا: الدية تُقسط على الضربات - تجعل الدية أحداً وثمانين جُزءاً فيسقط أربعون جزءاً لأجل الحد، ويجب على الإمام أربعون جزءاً؛ لأن الزيادة على الثمانين في حكم التعزير، ويجب على الجلاد جزء واحد. وإن قلنا: يسقط على عدد الجناية - ففيه وجهان: أحدهما تجعل الدية أثلاثاً، فيسقط ثلثها، ويجب ثلثها على الإمام، وثلثها على الجلاد؛ لأن مات بثلاثة أنواع من الضرب: اثنان مضمونان، وواحد غير مضمون، وهو ضرب الحد. والثاني: يجمع بين المضمونين، فيجعل نصفان، فيسقط نصفها لأجل الحد، والنصف الآخر يكون على الإمام والجلاد نصفان. ولو قال الإمام للجلاد: اضرب، وأنا أعد، فغلط الإمام، فزاد في العدد - فالضمان على الإمام، وفي قدره ما ذكرنا من الاختلاف. فصل قال الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] يجوز للزوج ضرب زوجته على النشوز، وعلى ترك واجب عيها ضرباً غير مبرح، وكذلك: يباح للمعلم ضرب الصبي للتأديب، ولكن يكون ضربهما بشرط السلامة، فإن ماتت الزوجة أو الصبي من الضرب، إن جاوز الحد في الضرب - يجب عليه القود، وإن لم يجاوز - فهو شبه عمدٍ؛ تجب به الدية على عاقلته مغلظة، والكفارة في ماله، ولا فرق بين أن يضرب الصبي بإذن أبيه، أو بغير إذنه. وإن كان الصبي مملوكاً، فضربه المعلم ضرب مثله، فهلك - يضمن، وإن ضربه بإذن

стр. 3066

مولاه - لا يضمن؛ لأنه لو أمره بقتله، فقتله -لا يلزمه الضمان. ولو عزر الإمام رجلاً لحق الله تعالى، فمات - تجب الدية، وتكون على عاقلة الإمام أم في بيت المال؟ فعلى القولين، وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان؛ كما لو حده، فمات. وأصله: أن التعزير عندنا غير واجب وعند أبي حنيفة واجب، كالحد. قلنا: كم من مستحق للتعزير أعرض عنه النبي ﷺ كالذي غل في الغنيمة، والذي لوى شدقه حين حكم لخصمه الزبير في شراج الحرة، وغير ذلك، ولو كان واجباً - لما تركه النبي ﷺ . رُوي عن عائشة ﵂ -أن النبي ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". وإن عزره لحق العباد، فمات - ففي وجوب الدية وجهان: أصحهما: تجب؛ ما لو عزره لحق الله [ ]. والثاني: لا تجب؛ لأنه تجب إقامته؛ إذا طلبه المستحق؛ لو مات في الحد. ولو كان برجلٍ سلعةٌ، فقطعها صاحبها، أو قطع يده بسبب الأكلة، فمات - لا يعصي [الله]؛ لأنه قصد الإصلاح؛ بخلاف ما لو قطع يده بلا سبب - عصى الله تعالى. لو قطع السلعة، أو الأكلة غيره، فمات - نظر: إن كان المقطوع منه عاقلاً بالغاً، وقطعها بإذنه- فلا شيء -على القاطع، وإن قطع بغير إذنه -يجب القود على القاطع، سواء قطعه السلطان أو غيره، وإن كان المقطوع منه صبياً أو مجنوناً - فلا يجوز قطعه، خوفاً من الهلاك، فإن قطع - نظر: إن قطعها غير الولي، فمات - يجب القود، وإن قطعها وليه أو السلطان - تجب الدية مغلظة في ماله، وهل يجب القود؟ إن كان القاطع غير الأب والجد - فيه قولان: أحدهما: يجب القود؛ لأنه قطع ما لم يكن له قطعه. والثاني: لا يجب؛ لأنه قصد الإصلاح لا الإهلاك. وقيل: إن قطعه الأب - فلا ضمان عليه أصلاً؛ لأن ولايته أتم، فإنه يعالج الصبي بالفصد والحجامة، وقطع السلعة لشفقته.

стр. 3067

فصلٌ: في بيان الختان الختان واجبٌ، ويجب على العاقل البالغ أن يختن نفسه؛ رجلاً كان أو امرأة. وعلى السيد أن يختن عبده أو يخلي بينه وبين كسبه؛ حتى يختن نفسه، فلو لم يختن الرجل نفسه، فختنه الإمام في وقت اعتدال الهواء، فمات - لا شيء على الإمام؛ ما لو أقام عليه حداً، فمات وإن ختنه في حر شديد، أو برد [شديد] فمات - تجب الدية في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ على اختلاف القولين. ولو ختنه أجنبي؛ فمات: قال الشيخ ﵀: يحتمل أن يبنى على أن الإمام لو ختنه في شدة الحر والبرد، فمات - هل يضمن؟! إن قلنا هناك يضمن للتعدي - فههنا يضمن؛ وإلا- فلا؛ بخلاف ما لو قطع في السرقة أجنبي، فمات - لم يضمن؛ لأن قطع السرقة على الغير، والختان إليه. ولو ختن صبياً في سن لا يحتمل، فمات - يجب القود؛ سواء ختنه السلطان أو قيمه، فإن ختنه أبوه - فلا قود، وتجب الدية، وإن ختنه في سن يحتمل، وهو بعد عشر سنين، فمات -فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الضمان؛ لأن الختان غير واجب على الصبي؛ كما لو قطع سلعة. والثاني: لا يجب الضمان؛ لأن الختان واجب في الجملة. فصلٌ: في التعزير من أتى معصية لا حد فيها؛ كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، والسرقة من غير الحرز، وسرقة ما دون النصاب، وإيذاء الناس، والسب، والضرب، وما أشبه ذلك من المعاصي؛ فإنه يعزر بما يراه السلطان من تغليظ قول، أو حبس، أو ضرب، ولا يبلغ بالتعزير الحد؛ لأنه مجتهد فيه؛ فلا يبلغ به المقدر شرعاً؛ كالرضخ؛ لا يبلغ السهم، والحكومة لا تبلغ دية العضو. وعن أي حد ينقص اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال - وهو الأصح-: تعزير كل شخص ينقص عن أقل حدود؛ فتعزير الحر لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدوده، وتعزير العبد لا يبلغ. ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير ما عشرين؛ لأنه أقل الحدود.

стр. 3068

ومنهم من قال: لا يبلغ أربعين؛ لأنها أقل حدود الأحرار؛ رُوي عن عمر ﵁ في التعزير ما بين ثلاثين إلى أربعين. ومنهم من قال تعزير كل جريمة ينقص عن حدها؛ كما أن حكومة كل عضو لا تبلغبدله المقدر؛ فتعزير الزنا بأن فاخذ أو باشر أجنبية فيما دون الفرج - يجوز أن يزاد على حد القذف ولا يبلغ مائة، وتعزير القذف؛ أن شتم أو رماه بخيانة - لا يبلغ ثمانين، ويجوز أن يُزاد على حد الشرب، وتعزير الشرب، بأن تشبه بالشرب، فأدار كأس الماء على الشرب إدارة كأس الخمر - لا يبلغ أربعين. قال شيخنا ﵀: وقد صح عن أبي بردة بن سيار؛ أن النبي ﷺ قال: "لا يثجلد فوق عشر جلدات، إلا في حد من حدود الله تعالى".

стр. 3069

وقال ﵀ الأمر هكذا عند قلة الفساد؛ وحصول الزجر بهذا، أما إذا أكثر الفساد واستقل الناس هذا التعزير - فلا باس أن يزاد، ولايبلغ به الحد؛ كما ذرناه؛ كما أن عمر ﵁ ضرب في الخمر ثمانين، فزاد أربعين؛ تعزيراً على الافتراء. والحدود لا تُقام في المساجد، لما رُوي عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: لا تقام الحدود في المساجد"، ولأنه لا يؤمن أن يتلوث المسجد بجرح أو بحدث يحصل من المحدود. فلو أقيم في المسجد - سقط الحد؛ كما لو صلى في ثوب مغصوب - سقط الفرض عنه، وإن كان عاصياً بالغصب، والله أعلم.

стр. 3070

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب صول الفحل رُوي عن سعيد بن زيد؛ أن النبي ﷺ -قال: "من قاتل دون أهله وماله [فقتل] فهو شهيد". إذا قصد رجل نفس رجل أو ماله أو أهله - فله أن يدفعه، ولغيره أن يدفع عنه. ويجب أن يدفع بالأحسن فالأحسن؛ فإن أمكنه دفعه بالصياح والاستغاثة - لا يدفعه باليد، فإن كان في موضع لا يلحقه الغوث بالصياح - دفعه باليد، فإن لم يندفع باليد - دفعه بالضرب بالعصا، فإن لم يندفع - دفعه بالسلاح، فإن لم يندفع إلا بإتلاف عضو منه - دفعه بإتلاف العضو. فإن أمكن دفعه بالعصا؛ فقطع عضواً منه، أو أمكنه دفعه بقطع عضو؛ فقتله - يجب القصاص، وإن لم يندفع إلا بالقتل- دفعه بالقتل، ولا شيء عليه؛ لأن الصائل ظالمٌ؛ بدليل أن المصول عليه: لو صار قتيلاً - كان شهيداً، ولا يكون المقتول شهيداً إلا أن يكون القاتل ظالماً. وهل يجب الدفع أم له أن يستسلم؟ نظر: إن قصد أخذ ماله أو إتلافه، ولم يكن ذا روح - لا يجب الدفع؛ لأن إباحة المال جائز، ولو دفع - يجوز، ولو قصد أهله وحريمه

стр. 3071

وولده أو حريم غيره - يجب الدفع؛ إذا لم يخف على نفسه؛ لأنه لا يجوز إباحته. وإن قصد نفسه - نظر: إن كان الصائل كافراً أو دابة - يجب الدفع، ولا يجوز أن يستسلم، وإن كان مسلماً - ففيه وجهان: أحدهما: يجب الدفع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكما لو كان في ماء أمكنه السباحة، أو تحت حائط مائل - لا يجوز تسليم نفسه للهلاك؛ إذا أمكنه تخليص نفسه.

стр. 3072

والثاني: لا يجب الدفع، وله أن يستسلم؛ لما رُوي عن النبي ﷺ في حديث الفتن: "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" وقال عثمان - ﵁ - لعبيده يوم الدار: "من ألقى سلاحه -فهو حر"، ولم يشتغل بالدفع. وكان شيخي ﵀ -يقول: إن أمكنه دفعه من غير أن يقتله - يجب دفعه، ولا يجوز أن يستسلم للقتل. وإن أمكنه الهرب بأن كان فارساً أو أمكنه أن يتحصن بحصن أو يلتجيء إلى فئة - هل له أن يثبت ويقاتل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه الهرب، وله أن يقاتل؛ فعلى هذا: إن قتله - فلا شيء عليه. والثاني: عليه أن يهرب؛ لأنه يندفع به قصده؛ كما لو أمكنه دفعه بصيحة - ليس له ضربه، فعلى هذا: إن ثبت، وقاتل، وقتله - تجب [عليه] ديته. وإذا دفع الرجل عن حريم غيره أو مال غيره - فهو كالدفع عن حريم نفسه ومال نفسه؛ سواءٌ كان الغير مسلماً أو ذمياً. فحيث قلنا: يجب الدفع في حق نفسه - يجب في حق غيره، ولو قصد رجلٌ إتلاف ذي روح من مال الغير، أو من مال نفسه، أو رآه يشدخ رأس حماره - يجب دفعه إذا لم يخف على نفسه؛ لحرمة ذي الروح، ولو دفعه، فصار في الدفع قتيلاً -لا شيء عليه، وإن كان قصده إتلاف غير ذي الروح، أو رآه يحرق كدسه أو قصد [شعير حمار] غيره - لا يجب الدفع، ولو دفعه جاز. ولو صال مسلم على ذمي، أو الأب على ابنه، أو السيد على عبده - فله دفعه، وإن أتى على نفسه؛ كالأجنبي، وكذلك لو كان مراهقاً. ولو صالت بهيمة على إنسان، فلم يمكنه دفعها إلا بالقتل، فقتلها - لا ضمان عليه، وعند أبي حنيفة ﵀: يجب الضمان. قلنا: ما صار مباح القتل لصيال - فلا يجب ضمانه؛ كالآدمي، ولو سقط متاع من

стр. 3073

سطح، فخاف أن يقع عليه، فدفعه، فهلك - هل يجب ضمانه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو قصدته دابة، فقتلها دفعاً. والثاني: يجب؛ لأن القصد من المتاع لا يتحقق؛ بخلاف البهيمة، ولو عض إنسان يده أو عضواً من أعضائه ففك لحييه بيده: فإن لم يرسل - ضرب في شدقه حتى يرسل، فإن نزع يده من فيه، فسقطت ثنيته -لا شيء عليه؛ لما روي عن يعلي بن أمية قال: غزوت مع رسول الله ﷺ جيش العسرة؛ وكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض، فذهبت إحدى ثنيتيه، فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك تقضمها كأنها في في فحل" ولو عض قفاه - له نتر رأسه من فيه، فإن لم يقدر - تحامل عليه من ورائه؛ مصعداً أو منحدراً، فإن غلبه بفيه - ضرب في فيه، فإن نفخ بطنه، أو فقأ عينه - نظر: إن أمكنه التخلص منه بالضرب في فيه - يجب عليه القود، وإن لم يمكنه بدونه- فلا شيء عليه. ولو تبع رجل امرأة، فراودها عن نفسها، أو قصد أخذ شيء منها، فرمته بحجر، فقتلته - فلا شيء عليها؛ ورُوي أنه رفع إلى عمر جارية، كانت تحتطب، فاتبعها رجلٌ، فراودها عن نفسها؛ فرمته [بفهر] فقتلته. فقال عمر: هذا -[والله]- قتيل الله، والله لا يودي أبداً". فلو قتلته، وادعت أنه قصدني - لا يسمع منها إلا ببينة. ولو وجد رجلاً يزني بامرأته أو بامرأة أخرى - عليه دفعه ومنعه، [فإن لم يمكنه المنع إلا بقتله، فقتله -لا شيء عليه. فإن ادعى أنه قتله لذلك، وأنكر الولي - فعلى القاتل البينة]، فإن لم تكن بينة - حلف الولي، وله القود؛ روي أن سعد بن عبادة ﵁ قال: يا رسول الله، لو وجدت مع امرأتي رجلاً، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم. وكذلك: لو قطع يد رجل، ثم ادعى؛ أنه صال علي، فقطعته في الدفع - لا يقبل إلا ببينة، كما لو قطع يد رجل ابتداءً، ثم قال: إنه كان سارقاً، أو قتله، ثم ادعى أنه كان ذاتياً-

стр. 3074

لا يسمع إلا ببينة تقوم على السرقة، وأربعة من الشهود على الزنى مع الإحصان. فصلٌ: في من نظر في بيت إنسان فرماه فأصاب عينه رُوي عن أبي هريرة؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له فخذفته بحصاة، ففقأت عينه - ما كان عليك من جناح" لو أن رجلاً نر في صير باب إنسان، أو نظر من كوة في داره - ينهاه صاحب الدار، فإن لم ينته، فرماه بحصاة، فأصاب عينه، فذهب بصره، أو أصاب قريباً من عينه، فجرحه - فلا ضمان عليه وعند أبي حنيفة: يجب الضمان، والخبر حجة عليه. ورُوي عن سهل بن سعد؛ أن رجلاً اطلع في ستر في باب رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنظرني - لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". ولو رماه قبل أن ينهاه بالكلام - هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن؛ لظاهر الخبر. والثاني: يضمن؛ لأنه قد يكون له عذر في النظر؛ حتى يُصر بعد النهي. هذا إذا رماه بشيء خفيفٍ من حصاة أو مدري أو نحوه، فإن رماه بشيء ثقيل، أو سكين، فأصابه - يجب القود، ولو رماه بشيء خفيف، فأصابه، فمات منه - لا يضمن؛ لأنه سراية من مباح، ولو رماه، فأصاب موضعاً بعيداً من عينه لا قصداً - هل يضمن؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يضمن، وكذلك لو لم يمكنه إصابة عينه، [فرمى] موضعاً آخر -[فيه وجهان. أما إذا أمكنه إصابة عينه، فأصاب موضعاً آخر] قصداً - ضمنه، وإن كان الناظر

стр. 3075

محرماً لأهله، أو كان للناظر في تلك الدار محرمٌ- لا يجوز رميه، فإن فعل - ضمن، فإن كانت زوجته متجردة، فقصد المحرم بالنظر - جاز رميه؛ لأنه - يحرم على المحرم النظر إلى ما بين السرة والركبة، كما يحرم على الأجنبي، ولو لم يكن لصاحب الدار فيها محرم - نظر: إن كان صاحب الدار مكشوف العورة، فرمى - لم يضمن، وإن لم يكن فعلى وجهين: أحدهما: ليس له أن يرمي، ولو رمى ضمن؛ لأنه لا يتضرر بنظر الناظر؛ إذا لم يكن له في الدار محرم. والثاني: له أن يرمي، ولا يضمن؛ لأن الإنسان قد يستتر عن أبصار الناس؛ حسب ما يستر حرمه، وكذلك لو كان له فيها محرمٌ، ولكنهن مستترات بالثياب - ففيه وجهان: أحدهما: يضمن. والثاني: له أن يرمي، ولا يضمن؛ لأن الإنسان قد يستتر عن أبصار الناس؛ حسب ما يستر حرمه المستورة عن أبصار الناس. وإن كان الناظر امرأة، أو مراهقاً- هل يجوز أن يرمي؟ فيه وجهان: ولو كان باب الدار مفتوحاً، أو كانت لها كوة، واسعةٌ: فإن نظر فيها مختاراً - لم يجز رميه، فإن فعل - ضمن، وإن وقف في الطريق طويلاً ينظر - فيه وجهان: أحدهما: يجوز رميه؛ لأنه مفرط بالنظر [كما لو نظر] من صير الباب. والثاني - وهو الأصح-: ليس له رميه، ولو رمى ضمن؛ لأنه مفرط بفتح الباب، وتوسيع الكوة، وكذلك: لو نر من سطح نسه، أو المؤذن من المئذنة - فيه وجهان. ولو كان الذي وضع عينه على صير بابه أعمى، فرماه - ضمن؛ سواء كان عالماً بكونه أعمى أو جاهلاً، ولو وضع أذنه على صير بابه، يستمع - لا يجوز أن يرميه؛ لأنه لا يطلع على حرمه، ولو دخل رجلٌ دار إنسان بغير إذنه - يأمره بالخروج، فإن لم يخرج - دفعه بما قبل النهي، فإن أمره بالخروج، فلم يخرج - ضرب على رجله، فإن هلك فيه - لم يضمن، فإن ضرب على عضو آخر، فهلك - هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ كما في الناظر، إذا رمى على غير عينه قصداً. والثاني: لا يضمن؛ لأنه حصل في الدار بجميع بدنه، والناظر جنايته من عينه خاصة.

стр. 3076

فإن قتل الداخل ثم ادعى أنه قصدني، فقتلته في الدفع - لا يقبل إلا ببينة، [فلو أقام بينة] على أنه دخل داره مقبلاً عليه بسيف شاهر - يقبل قوله، ولاضمان عليه، وإن شهد أنه دخل داره بسلاح غير شاهر - لا يقبل [قوله]، وعليه الضمان، ولو دخل داره، وأخذ ماله - له أن يتبعه [ويقاتله؛ حتى يطرح ماله، وإن أتى [على نفسه]، فإذا طرح ماله - فليس له أن يتبعه] فيضربه فإن تبعه، وقطع يده، وعلم أن قطع اليد قد وجب عليه بإخراج نصاب من الحرز - لا ضمان عليه؛ لأن يده مستحقة القطع، ولكنه يعزر، لتقويته على الإمام. ولو علم بخمر في داره يشربها أهل الدار، وطنبور [يضربونه] فله أن يهجم [عليهم] فيريق الخمر، ويفصل الطنبور، ويمنعهم من الشرب والضرب، فإن لم ينتهوا - قاتلهم عليه، وإن أتى القتل عليهم، وهو مثاب عليه، والله أعلم. باب الضمان على البهائم رُوي عن حرام بن سعد بن محيصة؛ أن ناقة للبراء دخلت حائطاً، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامنٌ على أهلها".

стр. 3077

إذا أفسدت دابة إنسان زرعاً أو مالاً لآخر - لا يخلو: إما إن كان مالك الدابة معها، أو لم يكن: فإن كان مالكها معها - فيجب عليه ضمان ما أتلفت: من مال أو نفس؛ ليلاً كان أو نهاراً؛ سواء كان المالك راكبها أو سائقها أو قائدها؛ وسواء أتلفته بيدها أو فمها أو برجلها أو ذنبها، وإن كانت الدواب عدداً فسواء كانت مرسلة أو مقطرة، وإن كانت مقطرة - فعليه ضمان ما أتلف الأخيرة، كما يجب ضمان ما أتلفت السابقة؛ لأن الكل يجب ضمانه. وقال أبو حنيفة: إن كان المالك راكبها أو قائدها - فما أتلفت بيدها أو فمها - يضمن، وما أتلفت برجلها أو ذنبها - لا يضمن، وإن كان سائقها - ضمن الكل، وإن كان يسوق بوقر حطب، أو حمل على ظهره، أو على عجلة، فاحتك ببناء، فأسقط - يجب الضمان، وكذلك إذا كان في وقت الزحام فما أتلفت من نفس أو مال يضمن وإن لم يكن في وقت الزحام، تعلقت منه خشبة بثوب إنسان، فمزقته - نظر: إن كان المتلف عليه متوجهاً إلى الدابة - لا يضن؛ لأن عليه الاحتراز إلا أن يكون أعمى؛ فيضمن إذا لم يعلمه، [وإن كان يمشي بين يدي الدابة - فيضمن إذا لم يعلمه] هذا إذا لم يكن من صاحب الثوب جذبه بأن كان واقفاً، أو كان ماشياً، فكما استقبله الحطب - وقف، أما إذا استقبله رجلٌ، فأراد الاجتياز، فتعلق بالخشبة، فذبه، وجذب الحمار، فتمزق - يجب نصف الضمان. أما إذا لم يكن المالك مع الدابة، فأتلفت زرعاً، أو مالاً لإنسان - نظر: إن كان بالنهار - لا ضمان على صاحب الدابة، وإن كان بالليل - يجب؛ لأن عادة الناس أنهم

стр. 3078

يرسلون مواشيهم بالنهار للرعي، ويردونها بالليل إلى بيوتهم، وعند أبي حنيفة: لا يجب الضمان في الحالين، والحديث حجة عليه. ثم هذا عندنا، إن كان الزرع في الصحراء، أو كان في بلدٍ، ليس لبساتينها حيطان - قال الشافعي ﵁ وحيطان المدينة لا جُدُرَ لها، فإن كان في بلد لبساتينها [جُدُر] أو كان زرع رجل في حائط له باب مغلق، فلم يغلق رب الزرع الباب اختلف أصابنا فيه، منهم من قال - وهو الأصح؛ وبه قال صاحب "التلخيص": لا ضمان على صاحب البهيمة؛ ليلاً كان أو نهاراً؛ لأن التفريط من صاحب الحائط حيث لم يُغلق الباب؛ إلا أن يسد الباب، ويغلقه، فاقتحمت الدابة الجدار، أو خرقت البرجين، وهو: جدار من خشب يُجعل للبستان - فحينئذ: يضمن؛ لأن صاحب الزرع لم يضيعه. ومنهم من قال: يجب الضمان بالليل، بكل حالٍ؛ لأن الدواب تحفظ بالليل في البيوت؛ فمن لم يحفظ. فقد فرط. ولو حبس صاحب الدابة دابته بالليل في البيت، فانهدم الجدار، أو ربطها، فحلت الرباط، وأتلفت مالاً - فلا ضمان، وإن كانت القرية صغيرة تتقارب أراضيها، وتكون مراعي الدواب في تضاعيف المزارع، وجرت العادة بأن الدواب تسيب فيما بينها، ويحفظها مالها، حتى لا يفسد الزرع، فإذا خلاها بين المزارع - يضمن بالنهار أيضاً، وكذلك: إن كانت لأهل بلد مرج يخرجون إليها المواشي أياماً؛ ليلاً أو نهاراً، يرعاها حافظ - يجب ضمان ما أتلفت، ليلاً كان أو نهاراً، ولو كانت عادة بلد أنهم يحفظون الدواب بالنهار، ويسيبونها بالليل - هل تعتبر عادتهم؛ حتى يجب ضمان [ما أتلفت بالنهار، ولا يجب ضمان] ما أتلفت بالليل؟ فيه وجهان. ولو كانت له هرة مفسدة؛ تأخذ الطيور، وتفتح القدور، أو لكب عقور، أو دابة معروفة بالتعدي - يجب على صاحبها ربطها، ليلاً كان أو نهاراً، فإن لم يفعل: فما أتلفت - يجب عليه ضمانه؛ لأنه مفرط بترك حفظها، وقيل: لا يضمن ما أتلفت الهرة والكلب؛ ليلاً أو نهاراً؛ لأن العادة ما جرت بربطها. ولو رمى رجلٌ إلى الهرة حالة قصدها إلى الحمام والطير دفعاً، فقتلها - لا يجب الضمان، وفي غير تلك الحالة: لو قتلها - يجب الضمان، وإن أخذت الحمامة، وهي حية في فمها- ذلك أذنها، والضرب في فيها حتى تُرسل، وإن كان في داره دابةٌ رموحٌ أو كلبٌ

стр. 3079

عقورٌ، فدخلها إنسانٌ، فرمحته الدابة، أو عضه الكلب؛ نُظر إن كان دخل بغير إذن المالك - فلا ضمان عليه، وإن دخل بإذنه - نظر: إن أعلمه أن هذه الدابة ترمح، أو هذا الكلب يعض - لا ضمان عليه وإن لم يعلمه أنها رموح أو عضوض - ففيه قولان؛ كما لو جعل السم في طعام، [ووضعه] بين يدي إنسان، فأكله - هل يجب الضمان [عليه]؟ فيه قولان. ولو مرت بهيمة بجوهرة، فابتلعتها - نُظر: إن كان المالك معها - ضمن الجوهرة، وإن لم يكن معها - ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول ابن أبي هريرة: إن كان نهاراً - لم يضمن، وإن كان ليلاً ضمن، كالزرع. والثاني: يضمن؛ ليلاً كان أو نهاراً بخلاف الزرع؛ فإنه مألوفٌ يلزم صاحبه حفظه. وابتلاع الجوهرة غير مألوف، [فلم يلزم] صاحبه حفظها. فإن قلنا: يجب الضمان، أو وجد من صاحب الدابة تعد؛ بأن ألقى لؤلؤة الغير بين يدي دجاجته، حتى ابتلعت - يجب الضمان، بالاتفاق. فإن طلب صاحب الجوهرة ذبح الدابة - نُظر: إن لم تكن مأكولة - لا تُذبح؛ بل يغرم مالكها قيمة الجوهرة للحيلولة؛ فإن ماتت الدابة، وأخرجت الجوهرة [من جوفها]- رُدت إلى مالكها، وتُسترد القيمة. وإن نقصت قيمة الجوهرة -ي ضمن صاحب الدابة ما انتقص من قيمتها. وإن كانت الدابة مأكولة فهل تُذرع؟ فيه قولان؛ بناء على ما لو غصب خيطاً، وخاط به جُرح حيوان مأكولٍ - هل يذبح الحيوان أم يغرم قيمة الخيط؟ فيه قولان ولو سقط دينار في محبرة الغير، فلم يخرج - نظر: إن أسقطه مالك المحبرة - كُسرت المحبرة، ورد الدينار، وإن أسقطه مالك الدينار - لا تكسر، ولا يمنع المالك من الانتفاع بالمحبرة، ولا يغرم، وإن سقط من غير قصد - لا تكسر، ولا يُمنع المالك من الانتفاع بها، غر أن لمالك الدينار أن يجعلها على يدي عدل ينتفع بها المالك. وقيل: إن وقع فيها من غير تفريط من صاحب المحبرة - كسرت، وعلى صاحب

стр. 3080

الدينار قيمة المحبرة؛ لأنه كسرها لتخليص ماله. ولو أدخلت دابة رأسها في قدر، فلم تخرج أو دخل فصيل خوخة، فبقي فيها - تُكسر القدر، وتهدم الخوخة؛ لتخليص الحيوان، ثم إن وجد من [جهة] صاحب القدر تعد؛ بأن وضعها على الطريق، أو وُجد من صاحب الخوخة تعد، بأن أدخل الفصيل فيه-لا يجب لهما ضمان القدر والخوخة، وإن لم يوجد منه تعد - يجب ضمان القدر والخوخة على صاحب الدابة، وإن لم يكن منه تعد؛ لأن كسر القدر وهدم الخوخة -[لتخليص ملكه]، والله أعلم.

стр. 3081

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب السِّيَر باب فرض الجهاد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية، [البقرة: ٢١٦] وقال جل ذكره: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] كان القتال مع المشركين - ممنوعاً [عنه] في ابتداء الإسلام، بل كان يلزمهم الصبر على أذى المشركين؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]،

стр. 3082

وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووجبت الهجرة على من قدر عليها، ومن لم يقدر عذره الله - تعالى- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ....﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٧/ ٩٨]. وقطع الله الولاية بين من هاجر وبين من لم يهاجر، فقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] إلى أن فتحت مكة - ارتفع وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة؛ رُوي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال [يوم الفتح]: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم - فانفروا"؛ فأراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، وهي باقية في حق كل من أسلم في دار

стр. 3083

الحرب، ولم يقدر على إظهار دينه، وقدر على الهجرة؛ فيجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام؛ قال النبي ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تتراءى ناراهما" ومن لم يقدر على الهجرة - لا تلزمه الهجرة، وإن كان قادراً عليها؛ ولكنه مُطاعٌ في قومه - يقدر على إظهار دينه، ولايخشى الكفار على نفسه، ولا الفتنة في دينه - لا تجب عليه الهجرة، ولكن يستحب له أن يهاجر، حتى لا يكون مكثراً لسوادهم فلا يؤمن أن يميل إليهم قلبه؛ وإذا استولى المسلمون على ذلك البلد - يسترق ولده. ثم لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة - أذن الله في القتال مع من قاتلهم، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ثم أبيح ابتداء القتال معهم؛ فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ثم أوجب الله

стр. 3084

الجهاد؛ فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]، وقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩]. والجهاد اليوم فرض على الكفاية، إذا كان الكفار فارين من بلادهم، فإذا خرج من تقع بهم الكفاية - سقط الفرض عن الباقين. واختلفوا في أن هل كان فرضاً على العين في عهد النبي ﷺ : منهم من قال: كان فرضاً على العين لقلة المسلمين، وكثرة المشركين؛ بدليل أن الله تعالى ألحق الوعيد بمن لم يجاهد، فقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩]. ومنهم من قال: كان فرضاً على العين لقلة المسلمين، وكثرة المشركين؛ بدليل أن الله تعالى ألحق الوعيد بمن لم يجاهد، فقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة: ٣٩]. ومنهم من قال: كان فرضاً على الكفاية، والوعيد لمن ترك إجابة النبي ﷺ فإن إجابته واجبة على كل من دعاه، وإن كان في الصلاة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. فصل فيما يجب عليه الجهاد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ...﴾ [التوبة: ٩١] الآية وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] الآية [النور: ٦١]. الجهاد مع المشركين [فرض في الجملة]؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾

стр. 3085

[البقرة: ٢١٦]، وهو ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين: أن يدخل الكفار دار قوم من المسلمين، أو [ينزلوا] باب بلدهم، فيجب على المكلفين من الرجال من أهل ذلك البلد. الجهاد؛ يستوي فيه الفقير والغني، والحر والعبد؛ للدفع عن أنفسهم وجيرانهم، وعلى العبيد الخروج بغير إذن ساداتهم؛ فهذا النوع معلى من قرب منهم: فرض على العين، وهو في حق من بعد فرض على الكفاية، فإن وقعت الكفاية بمن قرب [منهم]- لا تجب على من بعد، بل تستحب، فإن لم تقع بهم الكفاية - يجب على من بعد إذا لم يكن له عذر. ولا يجوز لمن قرب من الكفار أن يؤخروا قتالهم مع الإمكان إلى أن يحضر الأبعدون، ثم من كان على أقل من مسافة القصر - عليه الخروج، إذا وجد الزاد وعلى من كان على مسافة القصر فأكثر: إذا وجد الزاد والراحلة. وكذلك إذا دخلوا دار الإسلام، ولم يهجموا على بلد فعلى من دون مسافة القصر الخروج إلى جهادهم: إذا وُجد الزاد، وعلى من فوقها: إذا وجد الزاد والراحلة، ولا يدخل في هذا القسم العبيد، ولا الفقراء، لأن الله تعالى قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]، والفقير لا مال له، والعبد لا يملك نفسه؛ بل هو ملك للسيد، وخدمة السيد فرض عليه متعين، والجهاد - ههنا - فرض على الكفاية. فأما النساء وغير المكلفين: من الصبيان، والمجانين، والضعفاء - فلا جهاد عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]. وفرض الكفاية قسمان: أحدهما: يكون على المسمين، وهو ما ذكرنا؛ أن العدو إذا دخلوا دار الإسلام، فيفرض على من بعد منهم فرض كفاية، فإن قام به من تقع به الكفاية - سقط الفرض عن الآخرين، وإن قعد عنه كلهم - عصوا جميعاً، كرد السلام، والصلاة على الميت، ودفنه، والقيام بتعلم العلم، وفرض على الكفاية إذا سلم على جماعة فرد منهم واحد - سقط
следующие страницы →