← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

روي عن عمرو بن مرة، عن رسول الله- صلى الله عليهو سلم- قال: "من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين؛ فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم- احتجب الله دون حاجته- وخلته وفقره". ويستحب: أن يكون المجلس فسيحاً؛ لا يتأذى بضيقه الخصوم، ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز. ويكره للقاضي أن يتخذ حاجباً إلا لحاجة، ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجباً، فإن يرفأ كان حاجب عمر- ﵁ وقنبر كان حاجب علي- ﵁ ولأن الإمام ينظر في المصالح؛ فتدعوه الحاجة إلى أن يجعل لكل مصلحة وقتاً لا يدخل عليه فيه كل أحد.

стр. 3327

وأول ما يدخل ينظر في أمر [المحبوسين، ويأمر منادياً ينادي: ألا من له خصم محبوس، فليحضر. ثم من أقر من] المحبوسين أنه حبس بحق رده إلى الحبس، ومن ذكر أنه مظلوم؛ نظر: إن كان حبسه القاضي تعزيراً، لا يقبل قول المحبوس: إني مظلوم؛ وإن كان حبسه بدعوى مدع، سأل حابسه أن يعيد الدعوى والبينة على حقه، فإن فعل رده إلى الحبس، وإلا أطلقه. فإن قال: حبست في دين وأنا مفلس، فإن أثبت إعساره أطلق، وإلا رد إلى الحبس؛ وإن كان الذي حبسه غائباً هل يطلقه؟ فيه وجهان: أحدهما: يطلقه؛ لأن الأصل أن لا حبس عليه، ويستحب أن يكفله. والثاني: لا يطلقه؛ لأن الظاهر أنه حبس بحق. ثم ينظر في أمر الأوصياء والأمناء، ثم في اللقطة، والضوال، والأوقاف العامة، وغيرها من المصالح؛ يقدم الأهم فالأهم؛ لأنه ليس لها مستحق متعين. ويستحب ألا يقضي في المسجد، وهل يكره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكره، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النبي- ﷺ كان يقضي في المسجد. والثاني- وهو الأصح-: يكره؛ لكثرة الغاشية، وارتفاع الأصوات، وحضور الحيض، والكفار. والنبي- ﷺ كان يقضي في المسجد؛ لأن مجلسه كان مصوناً، لم يكن يكثر فيه الصخب واللدد. هذا إذا استوطن المسجد للقضاء؛ فإن اتفقت قضية أو قضيتان، فلا يكره. والتحليف في المسجد فيما يعظم خطره مشروع؛ كما لاعن النبي- ﷺ بين العجلاني وزوجته في المسجد. وإقامة الحد في المسجد أشد كراهية من القضاء؛ لأنه لا يخلو عن رفع الأصوات، ولا يؤمن من تلويث المسجد. ويستحب أن يجلس القاضي للقضاء في مكان نزه إن كان صيفاً لا يكون حاراً، وإن كان شتاء لا يكون بارداً يؤذيه الحر والبر، ولا يكون مهباً للرياح.

стр. 3328

ولا يقضي في حال الغضب؛ لما روي عن أبي بكرة قال: سمعت النبي- ﷺ يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان". وهذا إذا كان غضبه لغير حق الله تعالى، فإن غضب في حكمه لله- تعالى- فلا بأس بإمضائه. وكذلك كل حال يتغير فيها عقله أو خلقه بجوع أو فرط شبع أو مرض أو خوف أو حزن أو فرح أو نعاس أو ملالة أو مدافعة الأخبثين يمنع من القضاء فيهما؛ بحيث تثوب إليه طبيعته أو عقله. ولو قضى في حالة من هذه الأحوال، صح حكمه. ولو عين للقضاء يوماً، أو يومين، أو وقتاً من النهار- جاز: فإن وقع لإنسان خصومة في غير ذلك الوقت، لا يجوز أن يؤخر، إلا أن يكون مشتغلاً بصلاة، أو أكل، أو مهم، لا بأس بالتأخير إلى الفراغ منه. ويكره للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه؛ لأنه لا يؤمن أن يحابى في البيع؛ فيميل قلبه إلى من حاباه، بل يوكل وكيلاً مجهولاً يبيع له ويشتري. فإن عرف أنه وكيله، استبدله بمن لا يعرف؛ وإن لم يجد من يتولى عنه، تولى بنفسه، لأنه لا بد له منه. ثم إذا وقعت لمن بايعه خصومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه؛ حذراً من أن يميل إليه.

стр. 3329

ويحرم عليه أن يرتشي: روي عن أبي هريرة قال: "لعن رسول الله- ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم". وروي عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمين فلما سرت قليلاً أرسل في أثري؛ فرددت إليه فقال: "أتدري لما بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة؛ لهذا دعوتك، فامض لأمرك". ولا يقبل القاضي هدية ممن لم يكن له عادة أن يهدي إليه قبل الولاية. وكذلك الساعي على الصدقات. روي عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله- ﷺ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى لي، قال- ﷺ "فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه؛ فينظر أيهدي له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته". وإن أهدى إليه هذا الذي لم يكن له عادة، فهل له أن يملكها؟ نظر: إن أثاب عليه جاز أن يتملك، وإن لم يثب نظر: إن لم يكن من أهل ولايته جاز أن يتملك مع الكراهية، وإن كان من أهل ولايته فوجهان. وإن كانت له عادة بأن يهدي إليه قبل الولاية لرحم أو مودة- نظر: إن كانت له في الحال خصومة لا يجوز أن يقبلها- وعليه ردها، فإن لم يقبله جعله في بيت المال، ولا يجوز له أن يتملكه. فإن لم يكن له خصومة، نظر: إن كانت هذه الهدية أكثر مما كان يهدي إليه من قبل، أو أرفع- لم يجز قبولها؛ كهدية من لم يكن يهدي من قبل.

стр. 3330

وإن لم يكن أكثر ولا أرفع، جاز قبولها؛ والأولى: ألا يقبل؛ لجواز أن يكون بين يدي خصومة، فإن قبل أثابه عليه. ولا يستحب للقاضي التخلف عن الولائم إذا دعي إليها، خصوصاً وليمة العرس، والختان، ولا يخص بالإجابة قوماً دون قوم؛ لأن تخصيص بعضهم بالإجابة ميل وترك للعدل. إن كثرت الولائم، وقطعته عن الحكم، ترك الحضور في حق الجميع؛ لأن ترك القضاء يستضر به جميع المسلمين. ويكره أن يجيب إلى دعوى خص بها القاضي، أو خص بها الأغنياء دون الفقراء؛ فإن دعي جيرانه؛ وهو منهم، أو دعي العلماء؛ والقاضي منهم- لم يكره الإجابة. وفي حال الخصومة لا يجوز أن يدعو أحد الخصمين إلى ضيافته، ولا أن يجيب واحداً من الخصمين، ولا أن يجيبهما إذا دعواه؛ لأنه ربما يزيد أحدهما في الإكرام؛ فيميل إليه. ولا يدع عبادة المريض، وشهود الجنائز، واستقبال القادم؛ لأنه سنة، ولا يجب التعميم فيه؛ بخلاف إجابة الوليمة؛ لأنه إذا خص قوماً بالإجابة فيها، لا يؤمن من أن يميل إليهم في الحكم. فصل في رزق القاضي روي عن عائشة- ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق- ﵁ قال: "لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين؛ فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه". إذا أخذ القاضي على لاقضاء رزقاً من بيت المال؛ نظر: إن لم يتعين عليه القضاء، يستحب ألا يأخذ إن كان له كفاية، فإن أخذ جاز. وإن تعين عليه؛ نظر: إن كانت له كفاية، فلا يجوز أن يأخذ عليه شيئاً؛ لأنه يؤدي فرضاً تعين عليه؛ فلا يجوز أن يأخذ عليه مالاً من غير ضوررة. وإن لم يكن له كفاية، فله أن يأخذ كفايته؛ فإن أبا بكر- ﵁ لما ولي الخلافة خرج- وتحت يده رزقه- فقيل: ما هذا؟ قال: أنا كاسب أهلي. فقالوا: لا يصح هذا مع الخلافة. فاجتمعت الصحابة، وقدروا له كل يوم درهمين.

стр. 3331

وقال عمر: أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم: ﴿مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وبعث عمر عمار بن ياسر والياً، وعبد الله بن مسعود قاضياً، وعثمان بن حنيف ناسخاًن وفرض لهم كل يوم شاة؛ فيجوز للإمام وللقاضي أن يأخذ من بيت المال، إن كان معسراً ما يكفيه وعياله مما يحتاج إليه من: النفقة، والكسوة اللائقة بحاله؛ من: العمامة، والذراعة؛ والخف. ويتخذ الإمام منه الخيل والغلمان والدار الواسعة. ولا تعتبر مؤنة الإمام في زماننا بمؤنة النبي- ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده؛ لأن النبي- ﷺ كان منصوراً بالرعب، وكان الإسلام غضاً في زمان الخلفاء الراشدين، ويهابهم الناس؛ لبقاء أثر النبوة في وقتهم، وقد تغيرت الأمور والقلوب بعدهم. فلو لم يتكلف الإمام ما ذكرنا، وعاش بين الناس كواحد منهم- لم يكن مطاعاً، وتعطلت أمور الشريعة. ويجعل القاضي لمن يحتاج إليه من الكاتب والأعوان رزقاً؛ لأنه يحتاج إليهم؛ لإحضار الخصوم، ويجعل لقراطيسه شيئاً منها؛ لأنه يحتاج إليها لكتبة المحاضر والسجلات. ويجوز أن يتخذ سجناً؛ فإن عمر- ﵁ اشترى داراً بـ"مكة" بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجناً، ولأنه يحتاج إليه للتأديب، ولاستيفاء الحق ممن يماطل. فصل روي عن معاذ- ﵁ أن النبي- ﷺ لما بعثه إلى "اليمن" قال: "كيف تقضي؟ قال: بما في كتاب الله قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول الله؛ قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي؛ فقال النبي- ﷺ ": "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله". ويجب على القاضي أن يقضي بكتاب الله ؛ فإن لم يجد الواقعة في كتاب الله، فبسنة رسول الله؛ فإن لم يجد في السنة، يجتهد. وكذلك المفتي؛ يجب أن يفتي بالكتاب،

стр. 3332

ثم بالسنة، ثم يجتهد. روي عن عمرو بن العاص؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر". وليس المراد منه: أن المخطئ يستحق الأجر على الخطأ، إنما يستحقه على الاجتهاد، فالمصيب اجتهد فأصاب؛ فاستحق أجرين: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة. والمخطئ اجتهد ولم يصب؛ فاستحق أجراً على الاجتهاد، ووزر الخطأ عنه موضوع. وأصول الدين أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وقيل: هي الكتاب، والسنة فسحسب، والإجماع والقياس فروعهما؛ فإن الإجماع إنما يكون حجة إذا كان صدوره عن كتاب الله أو سنة، والقياس إنما يكون حجة إذا كان مردوداً إلى أصل من الكتاب أو السنة. ولا يجوز الحكم بالاستحسان من غير دليل.

стр. 3333

وعند أبي حنيفة: القول بالاستحسان مقدم على القياس، وعلى الخبر؛ إذا كان من الآحاد. وهذا لا يصح؛ لأن القول بالاستحسان تحكيم الهوى، وتسليط كل إنسان على ما يشتهي، ولو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين؛ فيكون فيه نصب شرع آخر. فإن قيل: [أليس] قد استحسن الشافعي في مواضع؛ فقال: وحسن أن يضع إصبعيه في أذنيه في الآذان، واستحسن الاستحلاف بالمصحف. وقال: ومراسيل ابن المسيب حسن. قلنا: هذا الاستحسان بالقياس؛ لأن الآذان لإعلام الناس، فإذا وضع المؤذن إصبعيه في أذنيه خرج الصوت من منفذ واحد، وكان أعلى. واستحسن اليمين بالمصحف؛ لأن اليمين للرد والزجر. فإذا وضع المصحف في حجره، كان أبلغ في الزجر. واستحسن مراسيل ابن المسيب؛ لأنه لا يروي خبراً مرسلاً إلا ويرويه غيره مسنداً. والاستحسان نوعان: واجب بالاتفاق؛ وهو أن يكون بدليل من: الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس. والنوع الثاني: استحسان على مخالفة الدليل؛ وهو أن يكون الشيء محظوراً بدليل شرعي، وعادة الناس إباحته؛ فلا يجوز المصير إلى العادة؛ خلافاً لأبي حنيفة. فهذا هو الاستحسان [بغير القياس] الذي ننكره. إذا ثبت أن الاستحسان بغير القياس لا يجوز، والقياس نوعان: جلي، وخفي.

стр. 3334

فالجلي: ما وافق الأصل في العلة، وشرطها. وعبر عنه بعضنا؛ فقال: ما زال عنه عوارض الشبه. والاحتمال، وعلم علة الأصل فيه، وزال الطمع عن تجويز أن علة الأصل غيرها هذا كما قال الله- تعالى- في حد الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وكان العبد فيه بمعنى الأمة. وقال النبي- ﷺ : "من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه". وكانت الأمة في معناه. والقياس الخفي: هو قياس الشبه؛ وهو أن الفرع يتجاذبه أصلان؛ فيلحق بأكثرهما شبهاً؛ لأن كثرة الشبه بمنزلة كثرة الشواهد. كما أنا نقيس المختلعة في أنه لا يلحقها الطلاق على المنقضية عدتها؛ لأن شبهها بالمنقضية عدتها أكثر، وهم يلحقونها بالرجعية. وكذلك نقيس الإخوة على [بني الأعمام] في عدم استحقاق النفقة، وألا يعتق بعضهم على بعض؛ لأن شبه الإخوة ببني الأعمام أكثر. وهم يقيسونهم على الوالدين والمولودين. ويستحب للقاضي إذا وقعت حادثة أن يشاور فيها أهل العلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3335

أمره الله- تعالى- أن يشاور أهل العلم فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. قال الحسن: إن كان النبي- ﷺ لغنياً عن مشاورتهم، ولكن أراد بذلك أن يستن بذلك الحكام بعده. ولا يشاور إذا نزل به المشكل إلا أميناً مجتهداً، ثم لا يقلده، وإن كان أعلم منه، بل يجتهد رأيه؛ فما لاح له بالدليل قضى به، وإن لم يتضح له أخره حتى يتضح. وعند ابن سريج: إذا ضاق الوقت؛ بأن كان الحكم بين مسافرين؛ وهم على الخروج للقاضي أن يقلد غيره، ويحكم بينهم؛ كما قال في القبلة إذا خاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد: قلد وصلى. ويستحب أن يجمع أهل المذاهب المختلفة في مجلس حكمه؛ حتى إذا وقعت حادثة مختلف فيها، ذكر كل واحد منهم دليل مذهبه، فينظر القاضي في الدليل؛ فيقضي بما هو أرجح عنده. وإن لم يكن ممن يعرف الدليل، ويعقل القياس- فلا يجوز أن يكون قاضياً، ولا يجوز للإمام أن يقلد رجلاً القضاء على أن يحكم بمذهب بعينه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٢] والحق: ما دل عليه الدليل؛ فإن قلده على هذا الشرط، لم تصح التولية. فإذا قضى القاضي باجتهاده، ثم بان أنه أخطأ- نظر: إن بان له الخطأ بنص كتاب، أو سنة، أو إجماع أو قياس جلي- يجب عليه رد قضائه. روي أن عمر- ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: لا يمنعك قضاء قضيته، ثم راجعت فيه نفسك؛ فهديت لرشده أن تنقضه؛ فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. فإن بان له الخطأ بقياس خفي لا ينقضه شيء؛ فإن وقعت تلك الحادثة مرة أخرى، حكم بما لاح له من بعد؛ فإن عمر بن الخطاب قضى في الحد بمائة قضية مختلفة وكذلك إذا رفع إليه قضاء قاض آخر فوجده مخالفاً لنص كتاب، أو سنة، أو قياس جلي، أو إجماع- ينقضه.

стр. 3336

وإن كان مخالفاً لقياس خفي لا ينقضه، إلا أنه لا يتبع قضاء من كان قبله ما لم يرفع إليه، فإذا رفع إليه نقضه إذا كان مخالفاً للدليل، وله أن ينقض قضاء نفسه؛ وإن لم يرفع إليه. وقال الشيخ أبو حامد: يجوز أن يتتبع قضاء في من قبله، من غير أن يرفع إليه. أما إذا كان القاضي قبله ممن لا يصلح للقضاء ينقض أحكامه كلها؛ أصاب أم أخطأ؛ لأنه حكم ممن لا يجوز له القضاء. وإذا وقع حكم الحاكم مخالفاً للقياس الجلي نقضه. وإن كان مخالفاً لقول بعض أهل العلم عندنا؛ حتى قال الشافعي: لو حكم حاكم بفراق امرأة المفقود، أو بوقوع الفرقة في اللعان بأقل من خمس كلمات، أو سقوط الحد عمن وطئ الأم بالنكاح ينقض قضاؤه. وعند أبي حنيفة: إذا كان حكمه موافقاً لقول بعض أهل العلم لا ينقض، ثم ناقض؛ فقال: إذا قضى بالشاهد الواحد، ويمين المدعي، أو بدأ في القسامة بيمين المدعي، أو حكم ببطلان السعاية في عتق الشريك- قال: ينقض قضاؤه. فصل فيما على القاضي في الخصوم روي عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر". وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: آس بين الناس في مدخلك ومجلسك، ولحظك ولفظك، ولا تكن بحيث يطمع الشريف في حيفك، وييأس الضعيف من عدلك. يجب على القاضي أن يسوي بين الخصوم في المدخل والنظر إليهم، ولا يخص أحد الخصمين بالنظر إليه، وطلاقة الوجه. فإذا دخلا وسلما أجابهما، وإن سلم أحدهما لا يجيب حتى يسلم الآخر؛ فيجيبهما؛ حتى لا يقع في قلب الآخر أنه يميل. ولا بأس أن يقول ل للآخر. سلم فإذا سلم أجابهما. ويسوي بينهما في المجلس، [فلا يجلس] أحدهما بجنبه، والآخر بين يديه، وإن كان أحدهما شريفاً والآخر وضيعاً، بل يجلسهما بين يديه؛

стр. 3337

فإن كانا شريفين، فلا بأس أن يجلس أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. والأولى أن يجلسا بين يديه؛ توقيراً لحكم الله تعالى. وإن كان أحد الخصمين مسلماً، والآخر ذمياً، فهل يجوز أن يجلس المسلم بجنبه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لقول عمر- ﵁: "أس بين الناس"، وكما يجب التسوية بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما. والثاني: يجوز؛ لما روي أن علياً- ﵇ جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، وقال: لو كان خصمي مسلماً لجلست إلى جنبه، ولكني سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "لا تساووهم في المجلس". وإذا جلس الخصمان بين يديه، فله أن يسكت؛ حتى يتكلم واحد منهما، وله أن يقول للمدعي، إن علمه: تكلم، وإن لم يعلمه يقول: فليتكلم الطالب منكما؛ فإن ادعى كل واحد منهما أنه المدعي، فإن سبق أحدهما فهو المدعي. وإن لم يعلم السابق، سأل القاضي عونه عمن أحضره، فمن أحضره العون فهو المدعي عليه، وإن حضرا بأنفسهما يقرع بينهما؛ فمن خرجت قرعته، ابتدأ الدعوى. وإذا تكلما ينصت إلى كلامهما، ولا ينهرهما، ولا يلقن أحد الخصمين حجة، ولا شاهداً شهادة، ويجوز أن يستفسر. فالتلقين: أن يقول: قل: كذا، والاستفسار: أن يدعي قتلاً؛ فيقول: كيف قتل عمداً أو خطأً؟ أو يدي دراهم؛ فيقول: هروية أو نيسابورية؟ صحاح أو مكسرة؟ وإذا ادعى أحدهما دعوى غير صحيحة، فهل له أن يلقنه كيف يدعي؟ فيه وجهان: أحدهما- قاله الإصطخري-: يجوز؛ لأنه لا ضرر على الآخر في تصحيح دعواه. والثاني: لا يجوز؛ لأنه ينكسر قلب الآخر؛ فلا يتمكن من استيفاء حجته، وله أن يؤدي عن أحدهما ما عليه؛ لأن فيه نفعاً لهما، وله أن يشفع لأحدهما؛ لأن الإجابة إلى المشفوع إليه إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل. وإن مال قلبه إلى أحدهما، فأحب أن يفلج ولم يظهر ذلك بقول ولا فعل- فلا حرج

стр. 3338

عليه؛ لأنه لا يمكنه التسوية بينهما في المحبة وميل القلب. وإذا ظهر من أحد الخصمين لدد ينهاه، فإن عاد زجره؛ وهو أن يهدده، فإن أصر عليه ضربه؛ تعزيراً أو تأديباً، وحبسه. وإذا حضر جماعة من الخصوم، قدم الأسبق فالأسبق في سماع دعواهم، فإن جاءوا معاً أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة قدمه. وإن ثبت السبق لأحدهم؛ فقدم السابق غيره على نفسه- جاز؛ لأن ذلك حقه فله تركه. وإن حضر مسافرون ومقيمون؛ نظر: إن قل المسافرون فلا بأس أن يبدأ بحكمهم؛ وإن جاءوا من بعد. ونعني بالمسافر: من شد رحله ليخرج، ولو تأخر حكمه تخلف عن القافلة. وإن كثر عدد المسافرين، لم يبدأ بهم؛ لأنه يتضرر به الآخرون، بل يقدم الأسبق أو يقرع، إن جاءوا معاً. وإن ادعى رجل دعاوى في مجلس واحد، يسمعها القاضي إن لم يكن ثم غيره؛ سواء ادعى على واحد، أو على جماعة. فإن كان قد حضر غيره، فلا يسمع للسابق الدعوى إلا على واحد، وتؤخر دعواه على غيره؛ حتى لا يتضرر به الآخرون، وهل يسمع له على ذلك الواحد أكثر من دعوى واحدة؟ فيه وجهان. وإن كان لقوم دعاوى على واحد، يجوز سماع دعواهم في مجلس واحد؛ واحداً بعد واحد. وإن كان الخصم أعجمياً؛ لا يعرف القاضي لسانه، أو كان الشاهد أعجمياً- فلا بد من مترجمين يترجمان كلامه للقاضي، ويجب أن يكونا عدلين؛ لأنهما ينقلان قولاً إلى القاضي لا يعرفه القاضي؛ كالشاهدين. وإن كان الحق مما يثبت بشاهد وامرأتين، يقبل في الترجمة شاهد وامرأتان. قال شيخنا الإمام- ﵀: وجب ألا يقبل إلا رجلان؛ كما لا تثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحق مالاً؛ حتى لو كان الخصم امرأة أعجمية، يشترط أن يترجم قولها رجلان. ولو كان الشاهدان أعجميين؛ لا يعرف القاضي لسانهما؛ فترجم القاضي قولهما- هل

стр. 3339

يكتفي بمترجمين، أم لا بد من أربعة على قول كل واحد مترجمان؟ فعلى قولين؛ كما في شهود الفرع. وإن كان في الزنا، هل يكتفي برجلين، أو يشترط أربعة؟ فيه قولان؛ بناءً على أن الإقرار بالزنا هل يثبت برجلين؟ فيه قولان. وعند أبي حنيفة: يكتفى بمترجم واحد. وإن كان القاضي أصم، هل يكتفي بمستمع واحد؟ أم يشترط اثنان؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط اثنان؛ كالمترجم. والثاني: يكتفي بواحد؛ بخلاف المترجم؛ لأن في الترجمة لا يعرف الخصم لسان المترجم، وفي الاستماع يعرف ما يقوله المستمع، وإن خالف أمكنه الرد عليه. فإن كان الخصمان أصمين، يشترط أن يكون المستمع اثنين، وهل يجوز أن يكون المترجم أعمى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ كالشاهد. والثاني: يجوز؛ لأنه يستمع ويترجم، والقاضي يراه؛ فلا يحتاج فيه إلى إشارة إلى شخص؛ كما يسمع شهادته فيما لا يحتاج فيه إلى إشارة إلى شخص؛ كما يسمع شهدته فيما لا يحتاج فيه إلى عبارة وإشارة. وينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل؛ وهم الرسل الذين يبعثهم إلى المزكين حتى يرجع إليهم في معرفة أحوال الشهود إذا اشتبه عليه حالهم. وينبغي أن يكون المزكون عدولاً جامعين للأمانة؛ في الطعمة، لا يأكلون الحرام، وفي الأنفس لا يرتكبون الكبائر، وافري العقول، براء من الشحناء والعصبية؛ حتى لا يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية غير عدل. ولا يسألون أحوال الشهود من أعدائهم؛ فيظهرون القبيح ويخفون الجميل، ولا من خواص أصدقائهم؛ فيظهرون الجميل ويخفون القبيح، ويكونون بحيثلا يعرفهم الناس فيحترزون بين أيديهم عن إظهار ما يوجب الحرج. وكذلك الرسل الذين يبعثهم إلى المزكين، ينبغي أن يكونوا أمناء لا يعرفهم الناس،

стр. 3340

ولا ينبغي أن يتخذ شهوداً معينين لا تقبل شهادة غيرهم؛ لأنه فيه تضييق الأمر على الناس. وإذا شهد عند القاضي شاهد علم عدالته قبل شهادته، وإن علم فسقه لم يقبل شهادته؛ فيعمل في العدالة والفسق بعلمه، ولا يجب تعديله بعد علمه؛ وإن سأل الخصم. وعند أبي حنيفة: إذا سأل الخصم عليه، [وجب] تعديله، وإن كان عنده عدلاً. وإن خفي على الحاكم عدالته، فلا يحكم بشهادته؛ حتى تثبت عنده عدالته. ويكتب في معرفته إلى المزكين. وإن جهل إسلامه لا يعمل في إسلامه بظاهر الدار؛ كما يعمل في إسلام اللقيط؛ لأن أعرابياً شهد عند النبي- ﷺ برؤية الهلال، فلم يحكم بشهادته؛ حتى سأل عن إسلامه. ولأنه يتعلق بشهادته إيجاب حق على غيره؛ فيرجع في إسلامه إلى قوله؛ لأن النبي- ﷺ رجع إلى قول الأعرابي في الإسلام. وإن جهل حريته، فهل يثبت بقوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ كما يثبت الإسلام بقوله. والثاني: لا يثبت؛ لأن الكافر يملك الإسلام بنفسه؛ فيقبل إقراره به، والعبد لا يملك الحرية بنفسه؛ فلم يقبل إقراره بها. ثم إذا ثبت إسلامه وحريته، ففي العدالة لا يعتمد قوله. ويكتب إلى المزكين، وإذا كتب إلى المزكين يكتب اسم الشاهد، وكنيته، واسم أبيه وجده؛ لأنه قد يكون معروفاً بالكنية والجد، ويكتب حليته وصنعته ومسكنه ومصلاه وسوقه؛ لئلا يشتبه بغيره. وإن كان معروفاً كتب بقدر ما يعرفه ويذكر المشهود له، والمشهود عليه، وقدر المال الذي يشهد به؛ لأنه قد يكون عدواً للمشهود عليه؛ فلا يقبل شهادته عليه، وقد يكون شريكاً للمشهود له؛ فلا يقبل شهادته له، وقد يكون المال كثيراً؛ فيحتاط فيه أكثر مما يحتاط في القليل؛ كما يغلظ فيه اليمين؛ فيكتب جميع هذه الأشياء؛ حتى يحتاط المزكى فيه. ثم المزكي يسأل عن حاله جيرانه وأهل حرفته، ومن عامله، وصاحبه في السفر، ولا يسأل أحداً عن حاله؛ حتى يخبره بالمشهود له وعليه، وبقدر ما شهد به من المال.

стр. 3341

روي أن شاهدين شهدا عند عمر بن الخطاب- ﵁ فقال لهما: إني لا أعرفكما، ولا يضركما ألا أعرفكما، ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل. فقال له عمر بن الخطاب ﵁: كيف تعرفهما؟ قال: بالصلاح والسداد والأمانة. فقال: أكنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما؟ قال: لا. قال: هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال؟ قال: لا. قال: فهل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا. قال: أنت لا تعرفهما، ائتيا بمن يعرفكما. وثلاث شهادات يشترط أن يكون الشاهدان فيها من أهل الخبرة بالأحوال الباطنة، والشهادة على العدالة، وعلى الإفلاس، وعلى أن هذا وارث فلان لا يعرف له وارثاً سواه، وذلك لأن طباع الناس مجبولة على إخفاء ما يكون فيهم من أسباب الجرح، وعلى إخفاء المال. وقد يتزوج الرجل في بلاد الغربة؛ فيحدث له أولاد؛ فلا يعرف هذه الأحوال منه إلا من يطلع على بواطن أموره. وهنا في التعديل لا يقبل إلا ممن تقدمت معرفته، وطالت خبرته. أما الجرح: فيقبل ممن لم تتقدم معرفته؛ لأنه لا يشهد في الجرح إلا بما شاهد، أو سمع، أو استفاض عنه؛ ولا يقبل الجرح ولا التعديل إلا من رجلين عدلين. وعند أبي حنيفة: يقبل من واحد. وإذا كتب القاضي إلى المزكين، يخفي كتاب كل واحد من المزكين عن الآخر؛ حتى لا يتفقا على شيء تقليدا. وكذلك أصحاب المسائل يجب أن يكونا اثنين، ويعطى إلى كل واحد رقعة؛ يخفى عن كل واحد ما دفع إلى الآخر. ثم إذا عدله اثنان، فهو عدل، وتظهر عدالته. وإذا جرحه اثنان، فهو مجروح، ولا يظهر الجرح ستراً عليه. ولو جرحه واحد وعدله واحد، لا يقدم أحدهما حتى يجتمع اثنان على الجرح، أو على التعديل؛ فيحكم به. ولو عدله اثنان، وجرحه اثنان كان الجرح أولى؛ لأن عند الجارح زيادة علم، والعدالة تكون على الظاهر؛ حتى لو جرحه اثنان، وعدله مائة- كان الجرح مقدماً، ولا يقبل الجرح من الجارح وإن كان فقيهاً؛ حتى يبين سبب الجرح فينظر فيه الحاكم برأيه؛ لأن الناس

стр. 3342

يتفاوتون فيه: فمنهم من يفسق الغير ويكفره بالتأويل؛ وذلك لا يوجب رد الشهادة. وإذا عدل الشاهد لا يحتاج إلى بيان سببه؛ لأن أسباب العدالة لا تحصى، ولا يقبل القاضي التعديل بالكتبة؛ حتى يخبره أصحاب المسائل مواجهة. وقال أبو يوسف: تقبل الكتبة؛ وهو اختيار شيخنا القاضي- ﵀ وعليه الحكام. واختلف أصحابنا: في أن القاضي يحكم بالجرح والتعديل بقول أصحاب المسائل، أو بقول المزكين، وأن المراد من قول الشافعي ﵁: ولا تقبل المسألة عنه، ولا تعديله ولا جرحه إلا من اثنين منهم. قال أبو إسحاق: المراد منه: المزكون، والقاضي يحكم بقول المزكي، فعلى هذا يجوز أن يكون صاحب المسائل واحداً؛ فإذا عاد بالجرح، توقف الحاكم، ولا يستدعي الجارح؛ لأن فيه فضيحة الشاهد، بل يقول للخصم: زد في الشهود، وإن عاد بالتعديل لم يحكم به بل يدعو المزكي؛ فيسأله حتى يخبره مشاهدة؛ بأن الدعوى عدلته، هذا لئلا يوافق اسم اسماً أو نسب نسباً، ولا يقبل إلا من اثنين. وقال الإصطخري: المراد منه: أصحاب المسائل، والقاضي يحكم بشهادتهم، ويشترط أن يكونا اثنين، ويسألهم القاضي سراً، فإن أخبروه بالجرح لم يظهره. وإن أخبروه بالتعديل سراً، ثم حضر الشهود أخبروه علانية بتعديلهم، وإنما يسأل سراً؛ ليكون أستر للمسئول عنه إن نسب إلى الجرح. فإن كان عدلاً أظهره، ليعلم أن المعدل هذا لا يوافق اسم اسماً، ولا نسب نسباً. قال الشافعي- ﵀: ولا يقبل الجرح إلا بالمعاينة، أو بالسماع. أراد به: أن القاضي إذا استدعى الجارح؛ وسأله عن الجرح، أو صاحب المسألة إذا سأل وأخبر بالجرح، فلا يقبل إلا ممن يضيفه إلى نفسه ويقول: رأيته يزني ويشرب، أو يضيف إلى سماع؛ فيقول: سمعته يقر بالزنا أو بالشرب أو بالقذف، أو يستفيض ذلك منه؛ فيحصل به العلم. أما إذا قال: بلغني عنه كذا، أو قيل لي: إنه يفعل كذا، أو يقول كذا- فلا يجوز أن يشهد به؛ لأن الله- تعالى- يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].\ قال الشافعي: ولا يقبل التعديل؛ حتى يقول: عدل علي ولي. وقال أبو إسحاق: لا يقبل تعديله؛ حتى يقول: عدل علي ولي.

стр. 3343

وقال: لأن مجرد قوله: هو عدل- لا يقتضي العدالة على الإطلاق [لأنه قد يكون عدلاً في بعض أشياء دون بعض، وعلى بعض الناس دون بعض؛ فلا يثبت عدالته على الإطلاق] إلا بهذا اللفظ. ومن أصحابنا من قال- وهو قول الإصطخري، وهو الأصح-: إنه ليس بشرط، والشافعي- ﵀ ذكر على سبيل الاستحباب للمبالغة في التعديل؛ لأنه يجوز أن يكون عدلاً عليه وله، ولا يكون عدلاً على المشهود عليه؛ بأن يكون عدواً له، ولا يكون عدلاً للمشهود له؛ بأن يكون ولداً له. وقيل: معناه: أن التعديل لا يقبل إلا ممن تقبل شهادته له، والجرح لا يقبل ممن تقبل شهادته عليه؛ فيعني بقوله: عدل علي ولي أي: ليس بيني وبينه ولادة تمنع قبول شهادته لي، ولا عداوة تمنع قبول شهادته علي. وهل يشترط من المزكي لفظ الشهادة؛ فيقول: أشهد أنه عدل؟ فيه وجهان. وإذا ثبتت عدالة الشاهد، ثم شهد بعده بزمان قريب بحق آخر، يحكم بشهادته، ولا يعدل ثانياً. وإن شهد بعده بزمان طويل، ففيه وجهان: أحدهما: يحكم بشهادته؛ لأن الأصل بقاء العدالة. والثاني- وهو قول أبي إسحاق-: لا يحكم؛ حتى يعيد السؤال عن عدالته؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال. وإذا شهد مجهول العدالة، فقال المشهود عليه: هو عدل- هل يجوز للحاكم أن يحكم بشهادته؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن البحث عن العدالة لحق المشهود عليه، وقد أقر هو بعدالته. والثاني: لا يجوز؛ لأن الحكم بشهادته حكم بعدالته، فلا يثبت بقول الواحد؛ ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق الله تعالى؛ ولهذا لو رضي المشهود عليه بشهادة الفاسق، لم يجز الحكم بشهادته. وإذا رأى القاضي في الشهود خفة عقل، أو ارتاب فيهم- يستحب أن يفرقهم في أداء الشهادة، ويسأل كل واحد منهم على الانفراد عن اليوم الذي تحمل فيه، وعن مكانه وعمن كان فيه؛ ليستدل به على صدقهم، ويقف على عورة إن كانت في شهادتهم، ويعظهم ويخوفهم.

стр. 3344

وإن سأل الخصم تفريقهم، فرقهم؛ لأنه ربما يعرف فيهم ما لا يعرفه القاضي. وإن كانوا جامعين للعفاف والعقل، فلا يفرقهم، وإن فرق بمسألة الخصم فلا بأس. فصل في استحباب تعيين القاضي كاتباً له ينبغي للقاضي أن يجعل كاتباً أميناً لكتبة السجلات والمحاضر، ويثبت حجج الخصوم وشهاداتهم، ويعطي أجرة الكاتب، وثمن القرطاس من بيت المال. فإن لم يكن في بيت المال مال يقول للمدعي: إن أتيت بصحيفة أكتب فيها خصومتك وشهادة شهودك، وإلا فلا أكرهك عليه، غير أني لا أسمع شهادة شهودك إن لم تأت به؛ لأني ربما أنسى شهادتهم عند الحاجة. وإذا ثبت عند القاضي حق بإقرار، أو بنكول المدعى عليه ويمين المدعي- فيسأله المحكوم له أن يشهد على ما ثبت عنده، لزمه أن يشهد؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر المحكوم عليه. وإن ثبت بالبينة فسأل المدعي الإشهاد؛ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب له؛ لأن له بينة، فلا يجب بينة أخرى. والثاني: يجب؛ لأن في إشهاده تعديلاً للبينة، وإثباتاً للحق. فإن لم يكن عنده قرطاس من بيت المال ولم يأت به المحكوم له، لا يلزمه أن يكتب. وإن كان عنده قرطاس في بيت المال أو أتى به صاحب الحق- هل يلزمه أن يكتب المحضر؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزم؛ لأنه وثيقة بالحق؛ كالإشهاد. والثاني: لا يجب؛ لأن الحق يثبت باليمين أو بالبينة، لا بالمحضر. ويثبت القاضي في كل خصومة أسماء الشهود وأنسابهم وحليتهم. فإذا كانت الخصومة بين رجلين لا يعرفهما القاضي، كتب أسماءهما وأنسابهما وحليتهما، ويتولى القاضي بنفسه ضم نسخ الشهادات والمحاضر، ويعضها حيث لا يصل غيره إليها؛ حتى لا تغير ولا يزاد فيها ولا ينقص، ويجعل ما كان من حجج الخصمين وشهادتهما في مكان واحد مترجمة بأسمائهم مؤرخة بتاريخ ذلك اليوم والشهر والسنة مختومة ويفرد خصومات كل شهر. فإذا مضت سنة،

стр. 3345

عزلها، وكتب عليها: خصومات سنة كذا وختمها، وكل نسخة يثبتها لنفسه يكتب للمشهود له مثلها، إلا أنه لا يختم على نسخة المشهود له. فإذا احتاج إلى شيء مما عنده من النسخ لا يفتحها؛ حتى ينظر إلى ختمه وعلامته، وإذا فتحها لا يعمل بما فيها، وإن وجدها مختومة بختمه مكتوبة بخطه حتى يذكرها؛ لأن الخط يشبه الخط كما لا يجوز أن يشهد على خطه إذا لم يذكر. وعند أبي يوسف: يجوز أن يحكم ويشهد إذا رأى خطه، وإن لم يذكر ويشهد عنده شاهدان: أنك حكمت بكذا، لا يحكم بشهادتهما، ولا يلزمه الحق بقولهما، حتى يذكر أو يعيد الخصم الدعوى والشهادة؛ فيحكم ثانياً. أما إذا شهد شاهدان عند حاكم آخر؛ بأن القاضي فلان بن فلان حكم بكذا- يجب عليه قبول شهادتهما والحكم بقولهما. وإن علم أن فلاناً القاضي لم يحفظ حكمه. أما إذا كان ذلك القاضي أنكر حكمه، لا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بشهادتهما؛ إذا علم أن الأول أنكر حكمه وقيل: إن علم أن الأول قد توقف عن الحكم به؛ فإن لم يتذكر، لا يجوز للثاني أن يقضي به، وكذا لو شهد شهود الفرع عند القاضي، ثم شهد شاهدان أن شاهدي الأصل توقفا عن الشهادة، فلا يجوز أن يحكم بشهادة الفرع. فلو تذكر القاضي حكمه، فقال المدعي: حلف المدعى عليه أنه لا يعرف حكمكما، يحلف. قال: يحتمل وجهين. أما في رواية الحديث: إذا نسي الراوي الحديث، يجوز أن يقبل ممن سمع منه كان سهيل بن أبي صالح يروي عن أبيه، عن أبي هريرة؛ فأصابته شجة؛ فنسي الحديث- وكان قد سمع منه ربيعة فكان يقول: أخبرني ربيعة عني؛ أني أخبرته عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله- ﷺ . وكذلك يجوز رواية الحديث عن كتاب إذا رآه بخطه، ولم يغب عنه الكتاب يجوز وإن لم يذكره؛ بخلاف الشهادة؛ لأنه يشدد الأمر في الشهادة ما لا يشدد في الرواية؛ بدليل أنه يقبل في الرواية: حدثني فلان عن فلان، ولا يقبل ذلك في الشهادة.

стр. 3346

فصل في قضاء القاضي بعلم نفسه لا خلاف أن على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه؛ مثل: أن ادعى رجل على رجل آخر حقاً، وأقام عليه بينة؛ والقاضي يعلم أنه قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا؛ وقد رآه القاضي حياً بعده، أو ادعى نكاح امرأة، وقد سمعه القاضي طلقها- لا يجوز أن يقضي به؛ وإن أقام عليه شهوداً. وهل يجوز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه؛ مثل: أن ادعى عليه ألفاً؛ وقد رآه القاضي أقرضه، أو سمع المدعى عليه أقر به؟ ففيه قولان: أصحهما- وبه قال أبو يوسف ومحمد-: يجوز أن يقضي بعلمه؛ وهو اختيار المزني؛ لأنه لما جاز أن يحكم بشهادة الشهود؛ وهو من قولهم على ظن فلان- يجوز بما رأه وسمعه؛ وهو منه على علم أولى. قال الشافعي ﵀ في كتاب "الرسالة": أقضي بعلمي" وهو أقوى من شاهدين أو بشاهدين أو بشاهد وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين، وبشاهد ويمين؛ وهو أقوى من النكول ورد اليمين. والقول الثاني: لا يقضي بعلمه؛ وهو قول ابن أبي ليلى؛ لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء؛ ولم يوجد، وكذلك لا يقضي لولده؛ لتمكن التهمة منه. وإن قلنا: لا يقضي بعلمه، هل يجعل علمه كشاهد واحد؛ حتى إذا أقام شاهداً واحداً، يجب الحكم به؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ كما لو ادعى عند قاض آخر؛ فشهد هذا القاضي مع ذلك الشاهد- يجب الحكم به. والثاني: لا؛ لأجل التهمة، وهذا في المال. أما في العقوبات؛ نظر: إن كانت العقوبة من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف- هل يحكم فيه بعلم نفسه؟ يرتب على المال: إن قلنا هناك: لا يقضي فهاهنا أولى، وإلا فقولان. والفرق: أن العقوبات تندرئ بالشبهة؛ فيحتاط لدرئها. وإن كانت العقوبة من حقوق الله- تعالى- كحد الزنا، والشرب، وقطع السرق- يرتب على حقوق العباد: إن قلنا هناك: لا يقضي بعلم نفسه فهاهنا أولى، وإلا فقولان. والفرق: أن مبنى حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة، ولا فرق على القولين؛ بين أن يحصل

стр. 3347

العلم للقاضي في بلد ولايته، أو زمان ولايته، أو في غيره. وقال أبو حنيفة: إن حصل له العلم في بلد ولايته، أو في زمان ولايته- له أن يقضي بعلمه، وإلا فلا. قلنا: العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال، فوجب ألا يختلف الحكم باختلافهما. فصل في قضاء القاضي لنفسه أو أحد أقاربه ولا يجوز للقاضي أن يقضي لولده، ولا لأحد من أولاد أولاده وإن سفلوا؛ كما لا يقضي لنفسه. وكذلك لا يقضي لأحد من آبائه وأجداده وإن علوا؛ كما لا تقبل شهادته لهم. وإن وقعت لولده أو لوالده خصومة، رده إلى خليفته؛ كما لو كانت الخصومة بين القاضي وغيره، تحاكما إلى الخليفة. ويجوز أن يحكم على ولده وعلى والده؛ كما يقبل شهادته عليه. وإذا ادعى رجل شيئاً على ابن القاضي، يجوز أن يحلف ابنه؛ لأنه ليس بحكم، بل قطع للخصومة. فلو أقام المدعي على ابنه بينة سمعها، فإن أتى ابنه برفع لا يسمعه، بل يبعثه إلى خليفته. وإذا تحاكم إليه والده مع ولده، فحكم لأحدهما على الآخر- لا يجوز؛ كما لو حكم له على أجنبي. ولو شهد عند القاضي ابنه، هل تسمع شهادته؟ فيه وجهان؛ وكذلك المزكي إذا زكى ولده، هل يقبل تزكيته؟ فيه وجهان. وإذا استخلف في أعماله والده أو ولده، يجوز؛ لأنهما يجريان مجرى نفسه. وإذا فوض الإمام إلى رجل أن يختار قاضياً، لم يجز أن يختار ولده أو والده؛ كما لا يجوز أن يختار نفسه. ولو أقر القاضي في حال القضاء؛ بأني حكمت لفلان بكذا- يقبل؛ لأنه يملك الإنشاء؛ فكان إقراره كالإنشاء؛ حتى لو قال القاضي: نساء هذه القرية طوالق، أو عبيدهم أحرار؛ على سبيل الحكم - يحكم به.

стр. 3348

أما إذا قال في غير ولايته، أو قال بعد العزل: كنت حكمت لفلان بكذا- لم يقبل؛ لأنه لا يملك الحكم، ولا يكون شاهداً على فعل نفسه. أما إذا لم يضف الحكم إلى نفسه، بل قال: أشهد أن هذا ملك فلان- يقبل، وكذلك لو قال: اشهد أن فلاناً أقر في مجلسي بكذا- فإنه يقبل؛ لأن هذه شهادة على الإقرار وعلى الملك، لا على الحكم؛ كالقسام إذا قسم مالاً بين رجلين، ثم شهد لأحدهما؛ بأن هذا نصيب فلان- يقبل. ولو قال: أنا قسمت لم يقبل، ولو قال: أشهد أن حاكماً عدلاً حكم بكذا، فيه وجهان: أحدهما: يقبل؛ لأنه لم يضف الحكم إلى نفسه، والظاهر أنه يريد حكم غيره. والثاني: لا يقبل؛ لاحتمال أنه يريد حكم نفسه، فلابد من البيان؛ لتزول الريبة. ولو ادعى رجل على القاضي حقاً يرفعه إلى خليفته؛ ليحكم بينهما، ولو ادعى عليه أنه ظلمني في الحكم، أو حكم علي بباطل يريد: تغريمه ما أتلف- لا يسمع، ولا يحلف إلا ببينة تقوم عليه؛ كما لو ادعى على الشاهد؛ أنه شهد بغير حق في طلاق أو عتق، يريد: تغريمه ما أتلف عليه بشهادته- لا يسمع ولا يحلف؛ لأن القاضي أمين الشرع، وكذلك الشاهد. ولو سمع عليه مثل هذه الدعوى، لم يعجز أحد عن مثله، ويؤدي ذلك إلى امتناع القضاة عن القضاء والشهود عن الشهادة. ولو ادعى عليه رجل بعد العزل؛ أنه أخذ مني مالاً بغير حق، أو أقرضه كذا- دعاه القاضي الثاني وحلفه. وإن ادعى أنه حكم علي بشهادة عبدين أو فاسقين- ففيه وجهان: أحدهما: يحضره ويسأله، فإن قال: حكمت عليه بشهادة حرين عدلين، حلفه عليه؛ كما لو ادعى على المودع خيانة حلفه، وإن كان أميناً. والثاني: لا يحضر- وهو المذهب- ولا يحلفه إلا بسنة؛ لأنه كان أمين الشرع، والظاهر أنه حكم بحق. وإن ادعى خطأ في الحكم؛ فإن لم يكن للاجتهاد فيه مساغ نقضه وإن كان للاجتهاد فيه مساغ؛ مثل: أن حكم عليه بثمن الكلب، أو بضمان ما أتلف على الذمي من الخمر- لم ينقضه.

стр. 3349

فصل في الاستخلاف في القضاء لا يتولى أحد القضاء إلا بتولية الإمام، أو بتولية من فوض إليه الإمام. وإذا ولى الإمام رجلاً قضاء بلد، لا يجوز أن يقضي، ولا أن يسمع بينة، ولا أن يكاتب قاضياً في حكم في غير عمله. وهل يجوز له أن يستخلف في ولايته؟ نظر: إن [كان] أذن له الإمام في الاستخلاف، يجوز أن يستخلف. ويستحب للإمام أن يأذن لمن ولاه في الاستخلاف، وإن نهاه عن الاستخلاف، لا يجوز أن يستخلف. وإن أطلق التولية؛ نظر: إن كان ما ولاه يمكنه النظر في جميعه بنفسه، لا يجوز له أن يستخلف؛ على ظاهر المذهب؛ لأن الذي ولاه لم يرض بنظر غيره. وقال الإصطخري: يجوز له أن يستخلف؛ لأن الإمام نصبه للنظر في المصالح؛ فيجوز له أن ينظر فيها بنفسه وبغيره؛ كالإمام يجوز له أن يستخلف. وإن كان ما ولاه لا يقدر أن يقضي فيه بنفسه؛ لكثرته- فيجوز أن يستخلف في القدر الذي لا يمكنه القيام بنفسه؛ لأن الإمام لما ولاه ما لا يمكنه أن يقوم به، يتضمن ذلك إذناً في الاستخلاف؛ كما لو دفع ثوباً إلى بزاز ليبيعه، يتضمن ذلك إذناً في الدفع إلى من يتأدى عليه. فعلى هذا: هل يجوز له أن يستخلف فيما يمكنه القيام فيه بنفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لما جاز أن يستخلف في البعض، جاز أن يستخلف في الكل. والثاني- وهو الأصح-: لا يجوز؛ لن مطلق التولية لا يتضمن الإذن في الاستخلاف فيما ي مكنه [فيه] القيام بنفسه. أما إذا مرض القاضي، أو أراد [أن يغيب عن البلد؛ لشغل- جاز له أن يستخلف وجهاً واحداً. ولو أراد] أن يستخلف في أمر خاص من سماع بينة، أو تحليف، أو لعان بين الزوجين- قيل: هو على ما ذكرنا من الاختلاف. وقال الشيخ القفال- وهو الأصح-: يجوز وجهاً واحداً- وإن لم يكن مأذوناً في الاستخلاف؛ لأن القاضي لا يستغني عن ذلك. ولو ولى الإمام رجلين قضاء بلد واحد؛ نظر: إن عين لكل واحد طرفاً من البلد، لا

стр. 3350

يشاركه فيه الآخر، أو جعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الثاني في حق آخر، أو إلى أحدهما في زمان، والآخر في زمان آخر- جاز. وإن جعل إليهم في مكان واحد، وحق واحد، وزمان واحد- ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لما يكون فيه من الاختلاف؛ وهو أن يدعو كل واحد رجلاً واحداً؛ فلا يمكنه إجابتهما؛ كالإمام الأعظم لا يجوز أن يكون إلا واحداً. والثاني: يجوز؛ كما يجوز قاضيان في بلدين. فعلى هذا إذا جاءه رسول كل واحد [منهما] يدعواته، يجيب الأسبق منهما، وإذا جاءا معاً يقرع بينهما. فصل في التحكيم ولو أن رجلين حكماً رجلاً ممن يصلح أن يكون حاكماً؛ ليحكم بينهما- هل ينفذ حكمه، أم لا؟ نظر: إن كانت خصومتهما في المال، ففيه قولان: أحدهما: ينفذ؛ لما روي أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم. والثاني: لا ينفذ؛ لأنه غير مولى من جهة الإمام؛ ففي تنفيذ حكمه وقوع الخلاف. واختلفوا في محل القولين. منهم من قال: محل القولين إذا لم يكن في البدل قاض، فإن كان فيه قاض لم يجز. ومنهم من قال: محل القولين إذا كان في البدل قاض؛ فإن لم يكن، يجوز؛ لأجل الضرورة. ومنهم من قال: في الحالين قولان. فإن قلنا: يجوز، إنما يجوز إذا كان المحكم مجتهداً، فإن لم يكن لا يجوز حكمه، وإذا جوزناه مع القاضي فينفذ حكمه. وإن كان رأيه بخلاف رأي القاضي، وإذا جوزنا؛ فبأي شيء يلزم حكمه؟ فيه قولان: أحدهما: يلزم بتراضيهما بعد الحكم؛ لأنه لا ولاية له؛ فلا يلزم حكمه إلا بالتراضي؛

стр. 3351

حتى لو طلبا الحكم وحكم ثم لم يرض أحدهما، لا يلزم؛ فكما يعتبر رضاهما في الحكم، يعتبر رضاهما في لزوم الحكم. والقول الثاني: يلزم بنفس الحكم؛ لأن من جاز حكمه، لزم حكمه؛ كالقاضي فإذا امتنع أحدهما قبل الحكم، لا يجوز له أن يحكم؛ حتى لو أقام المدعي شاهدين بين يدي المحكم فقال المدعى عليه: عزلتك، لم يجز الحكم، ويجوز للمحكم أن يشهد على شهادة الشاهدين. فإن قلنا: يجوز التحكيم، اختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم: منهم من قال: يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان؛ من: النكاح، واللعان، والقصاص، وحد القذف، وما يجوز للقاضي أن يحكم فيه، لأنه لما جاز في بعضه، جاز في كله. ومنهم من قال: لا يجوز إلا في الأموالح لأن حكم المال أخف من حكم غيره، وسائر الحقوق يبنى أمرها على الاحتياط؛ فلا يتولاها إلا من نصبه الإمام. أما العقوبات التي هي حقوق الله- تعالى- فالمذهب: أنه لا يجوز فيها التحكيم. فصل في عزل القاضي إذا مات الإمام الأعظم، أو والي الإقليم، لا ينعزل القضاة، وكذلك إذا مات القاضي لا ينعزل القوام الذي بين يديه. وهل ينعزل مكاتبه؟ نظر: إن كان في أمر خاص من بيع أو نحوه، ينعزل؛ كالوكيل ينعزل بموت الموكل. وإن كان مكاتباً في قرية، ففيه وجهان. ولو أن الإمام الأعظم عزل قاضياً، أو القاضي عزل نفسه؛ نظر: إن لم يكن ثم من [لا] يصلح للقضاء لا ينعزل، وإن كان نظر: إن كان أصلح منه ينعزل، وإن كان مثله ففيه وجهان: أحدهما: لا ينعزل؛ لأنه لا عذر لعزله. والثاني: ينعزل؛ لأنه ربما علم من باطنه أنه لا يصلح للقضاء.

стр. 3352

فإن قلنا: ينعزل؛ فإذا عزله الإمام، هل ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه؟ قيل: فيه قولان؛ كالوكيل إذا عزل، هل ينعزل قبل بلوغ الخبر إليه، أم لا؟ والصحيح: أنه لا ينعزل؛ لأنه يؤدي إلى فساد عظيم؛ فإنه يقضي قبل بلوغ الخبر إليه، ثم يحتاج إلى رد قضائه. فإن قلنا: ينعزل، فذلك إذا كتب إليه: إنك معزول أو عزلتك. أما إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي؛ فأنت معزول- ما لم يصل إليه الكتاب. فإن قلنا: ينعزل القاضي بالعزل أو مات، هل ينعزل خليفته؟ نظر: إن لم يكن مأذوناً في الاستخلاف ينعزل، وإن كان مأذوناً فيه نظر: إن قال الإمام: استخلف عني لا ينعزل، وإن قال: عنك ينعزل، وإن أطلق فعلى وجهين: أصحهما: ينعزل. وكذلك إذا عزل القاضي خليفته هل ينعزل؟ فعلى هذا التفصيل؛ بخلاف القوام؛ حيث قلنا: لا ينعزلون بموت القاضي؛ لأنه يؤدي إلى سد باب المصالح. وإذا فسق القاضي، أو جن، أو أغمي عليه، أو خرس- ينعزل؛ بخلاف الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق؛ لأن في عزله بالفسق فتنة عظيمة بين المسلمين. ولو أخبر الإمام أن فلاناً القاضي فسق، أو مات؛ فولى غيره، ثم بان بخلافه- كان الثاني قاضياً، لأن عزل القضاة إلى الإمام بلا سبب. والله أعلم. باب كتاب قاض إلى قاض روي عن الضحاك بن سفيان قال: كتب إلي رسول الله ﷺ : "أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. إذا ادعى رجل على إنسان حقاً والمدعى عليه غائب عن مجلس الحكم- هل يسمع أم لا؟ نظر: إن لم يكن بينة لا يسمع، وإن كانت له بينة نظر: إن تعذر إحضار الخصم؛ بأن كان مريضاً أو مختفياً أو ممتنعاً لا يمكن إحضاره، أو كان غائباً إلى مسافة القصر- فيجوز للقاضي أن يسمع الدعوى والبينة، ويقضي عليه؛ كما لو كان ميتاً؛ لأنا لو لم نسمع صارت

стр. 3353

الغيبة والانقطاع والامتناع طريقاً إلى إبطال الحقوق التي نصب الحكام لحفظها. وإن كان المدعى عليه ظاهراً في البلد، يمكن إحضاره، أو كان غائباً إلى مسافة قريبة- فالصحيح من المذهب: أنه لا يجوز القضاء عليه، وسماع الدعوى من غير إحضاره؛ لأنه إذا أحضره، ربما يقر؛ فيكفيه مؤنة سماع البينة والتعديل؛ ومبنى القضاء على الفصل بما هو الأقرب. ومن أصحابنا من قال: يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى من غير إحضاره؛ لأنه إن كان منكراً فهو قضاء على المنكر، وإن كان مقراً فالبينة تقوي إقراره؛ حتى قال هذا القائل: لو كان حاضراً في مجلس الحكم، يجوز للقاضي أن يسمع البينة عليه، ويقضي من غير أن يسأله. والأول المذهب. فإن قلنا: لا يجوز القضاء عليه في غيبته إذا كانت المسافة قريبة، واختلفوا في تلك المسافة: منهم من قال: ما دون مسافة القصر، ومنهم من قال: أن يكون على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلاً، وإن كان فوق ذلك يجوز القضاء عليه؛ كما لو كان على مسافة القصر؛ لأن في إحضاره مفارقة الأهل بالليل؛ فحيث جوزنا القضاء على الغائب فهل يشترط في سماع الدعوى أن ينصب الحاكم مسخراً ينكر عن الغائب؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط حتى يقيم البينة على إنكار منكر. والثاني- وهو الأصح-: لا يشترط؛ لأن المدعى عليه ربما يكون مقراً؛ فيكون إنكار المسخر كذباً. ويشترط أن يقول المدعي في الدعوى: لي على فلان كذا؛ وهو منكر، فإن لم يقل: هو منكر بل قال: لا آمن أن ينكر- لا تسمع منه. فإذا ادعى على الغائب مالاً وأقام عليه بينة، يعدل القاضي البينة، ويحلف المدعي بعد تعديل البينة؛ أنه ما أبرأ المدعى عليه، ولا عن شيء منه، ولا استوفاه ولا شيئاً منه ولا أحال عليه أحداً ولا بشيء منه، وإنه لثابت عليه الآن. ولو اقتصر على قوله: إنه لثابت عليه، كفى. وإنما حلفناه؛ لأن المدعى عليه لو كان حاضراً وادعى شيئاً من هذه الأشياء- كان له تحليفه. وكذلك لو كان في القضاء على المجنون والصبي والميت، يحلف المدعي مع البينة. وإن كان للميت وارث، كان التحليف بمسألته، وإن لم يكن له وارث حلفه القاضي، ثم بعد ما حلفه يحكم به. ويجوز القضاء على الغائب بالشاهد واليمين؛ لأن كل حجة جاز الحكم بها على

стр. 3354

الحاضر- جاز على الغائب. ثم هل يكتفي بيمين واحدة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحلف يمينين: أحدهما لإكمال الحجة، والثاني: لإثبات المال. والثاني: يكتفي بيمين واحدة. وعند أبي حنيفة: لا يجوز القضاء على الغائب، إلا أن يكون له اتصال بالحاضر؛ بأن يكون له نائب حاضر، أو قال: لي على فلان الغائب كذا، وهذا الحاضر كفيل، أو أحالني على هذا، أو باع فلان الغائب شقصاً من هذا الحاضر؛ وأنا شفيع، أو أدعت المرأة النفقة على زوجها الغائب، وقالت: لي على هذا الحاضر دين ونحو ذلك. والحجة عليه: أن النبي- ﷺ قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". وكان ذلك قضاء على زوجها: أبي سفيان؛ وهو كان غائباً. وإذا قضى على غائب بمال، فإن كان للغائب مال حاضر أدى حقه منه، وإن لم يكن كتب بمسألة المدعي إلى قاضي البلد الذي الخصم به؛ أنه حضر قبلي فلان بن فلان الفلاني في يوم كذا في شهر كذا من سنة كذا، وادعى على فلان بن فلان الغائب ببلد كذا، وأقام عليه بينة؛ فسمعت شهادتهم وعدلتهم وحلفته، وحكمت له بالمال؛ فإذا أتاك كتابي [هذا] فامض فيه على موجب الشرع، ويقرأ كتابه على شاهدين ويشهدهم على حكمه، أو يأمر من يقرؤه بين يديه؛ وهو مقر به، ويشهدهم عليه. ويستحب: أن ينظر الشاهدان في الكتاب حالة القراءة؛ حتى لا يحرف منه شيء، فإن لم ينظر أجاز؛ لأنهما يؤديان ما سمعا، ويختم كتابه ويشهدهم عليه. ولو أمرهم بكتابة أسمائهم في الكتاب فحسن، وختم الكتاب مستحب؛ فلو لم يختم، جاز. وعند أبي حنيفة: لا يجوز إلا مختوماً، ولو لم يقرأ الكتاب على الشهود، بل دفع إليهم كتاباً مختوماً، وقال: اشهدوا أن هذا كتابي- فلا يجوز. وعند أبي حنيفة: يجوز. ولا يجب كتابة أسامي الشهود الذين شهدوا بالحق في الكتاب، وثبوت عدالتهم عند القاضي الكاتب كاف؛ فيكتب: ثبت عندي بشهود عدول كذا. فإن لم يثبت عدالتهم، فيكتب أسماءهم؛ حتى يكشف المكتوب إليه عن أحوالهم.

стр. 3355

أما الشهود الذين يشهدهم القاضي الكاتب على حكمه، فثبوت عدالتهم عند المكتوب إليه شرط، فلو عدلهم الكاتب لا تثبت. وقال القفال الشاشي: تثبت؛ وهذا لا يصح؛ لأن فيه تزكية نفسه؛ كما لو عدل المدعي شهوده، ولأنه تعديل قبل أداء الشهادة؛ فلا يحسب. فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، أحضر المقضي عليه وأخبره، فإن أقر بالحق، وإلا شهد الشهود أن هذا كتاب فلان القاضي حكم لفلان بن فلان على هذا بكذا؛ فيفض القاضي الختم بعد أن يعدل الشهود، ويمضي قضاءه. وإذا شهدوا على أن هذا كتاب فلان القاضي وختمه- لا يجوز أن يحكم به ما لم يشهدوا على حكمه بما فيه ويبينوا. وعند أبي حنيفة: إذا شهدوا على أنه كتاب فلان القاضي وختمه؛ [و] أشهدنا عليه- يحكم به؛ وإن لم يشهدوا على ما فيه. وإن قال المدعى عليه: لي دفع بذلك البلد، كلفه القاضي أداء المال، ثم هو متمكن من الإثبات بالدفع؛ متى قدر عليه. وإن ادعى أنه أبرأني عنه؛ فإن كان الذي حمل الكتاب هو المدعي حلفه؛ أنه لم يبرئه، وإن كان حامل الكتاب وكيله كلفه القاضي أداء المال، ثم إذا ظفر بالمدعى عليه حلفه. ولو أنكر المقضي عليه؛ أن اسمه ما كتب فيه فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل أن لا مطالبة عليه؛ فعلى المدعي إثبات اسمه. فإن قال: اسمي هذا، ولكن لي سمي في البلد؛ فلست أنا المحكوم عليه- فلا تقبل إلا ببينة تقوم على أن له سمياً. فإن أثبت له سمياً فعلى الشهود أن يميزوا بينهما بزيادة نسب، أو حلية، أو صناعة. وإذا حكم المكتوب إليه على المدعى عليه، [واستوفى منه الحق] فقال المدعى عليه: اكتب إلى القاضي الكاتب أنك حكمت علي؛ حتى لا يدعي علي ثانياً هل يلزمه أن يكتب؟ فيه وجهان: أحدهما- قاله الإصطخري-: يلزمه؛ لأنه لا يأمن أن يدعي عليه ثانياً. والثاني: لا يلزم؛ لأن الحاكم إنما يكتب فيما حكم به أو ثبت عنده، والكاتب هو الذي حكم به، وثبت عنده لا المكتوب إليه.

стр. 3356

ولو ضاع الكتاب في الطريق، أو امحي، أو انكسر الختم- فالشهود يشهدون على حكم القاضي الكاتب؛ فتقبل الشهادة. وعند أبي حنيفة: لا تقبل الشهادة إلا على الكتاب. ولو مات القاضي، أو عزل، أو جن، أو خرس، أو أغمي عليه- يجب على المكتوب إليه قبول كتابه، والحكم بما شهد عليه الشهود. وعند أبي حنيفة: لا تقبل [الشهادة]. ولو ارتد القاضي الكاتب، أو فسق قبل وصول الكتاب؛ فإن كان في حكم مبرم، قبله المكتوب إليه، وأمضاه. وإن كان في سماع شهادة لا يقبله؛ كالشاهد إذا فسق بعد الشهادة، أو ارتد قبل الحكم، لا يحكم بشهادته، وإن كان بعد الحكم لا ينقض. ولو مات المكتوب إليه أو عزل، فعلى من يلي قضاء تلك البلدة قبول ذلك الكتاب، والعمل به، وإن لم يكن الكتاب باسمه. فإن كان المحكوم عليه قد غاب إلى بلد آخر، فالمدعي: إن شاء دفع الكتاب إلى المكتوب إليه، ويشهد عليه الشهود، والمكتوب إليه يمضيه ثم يكتب كتاباً إلى قاضي البلد الذي غاب إليه الخصم؛ بأن قد جاءني كتاب من فلان، وأمضيته وكتبت إليك، فإذا أتاك كتابي، فامض فيه بموجب الشرع، ويشهد عليه. وإن شاء المدعي أن يحمل الكتاب إلى قاضي البلد الذي غاب إليه الخصم، جاز، وعليه قبوله وإمضاؤه. وإن كان الكتاب باسم غيره؛ لأنه يحكم بشهادة الشهود. ويجوز لمن حكم على غائب لا يعلم مكانه أن يكتب الكتاب مطلقاً إلى كل من يبلغه من قضاة المسلمين، ثم كل قاض حمل إليه ذلك الكتاب، وشهد الشهود عليه- أن يقبله ويمضيه. وعند أبي حنيفة: لا يجوز؛ حتى يسمى المكتوب إليه، أو يقول: إلى فلان، وإلى كل من يبلغه من قضاة المسلمين. وإذا أراد شهود الكتاب أن يتخلفوا في الطريق- نظر: إن أرادوا التخلف في موضع ليس فيه قاض، ولا شهود- لم يكن لهم ذلك، بل عليهم الخروج إلى موضع فيه قاض وشهود. فإن طلبوا أجرة للخروج إلى موضع القاضي، لم يكن لهم أكثر من نفقتهم، وكذا دوابهم؛ بخلاف ما لو كان في البلد شهود لهم ألا يخرجوا، ويطلبوا للخروج أكثر من أجر المثل؛ لأنه لا ضرورة إليهم هناك؛ فإن القاضي يقدر على إشهاد غيرهم.

стр. 3357

وإن أرادوا التخلف في موضع فيه قاض وشهود، فلهم فيه طريقان: فإن شاء كل واحد من الشاهدين أن يشهد على شهادته شاهدين يشهدان على شهادتهما بين يدي القاضي المكتوب إليه بقضاء القاضي فلان: لفلان على فلان كذا وإن شاءوا حملوا الكتاب إلى قاضي البلد الذي يتخلفون فيه، ويشهدون عنده على حكم القاضي الكاتب؛ فهو يمضيه، ويكتب إلى قاضي بلد الخصم. هذا إذا ادعى على غائب ديناً. فإن ادعى على غائب عيناً؛ نظر: إن كانت حاضرة، سلمها إليه بعد إقامة البينة والتحليف، وإن كانت غائبة؛ نظر: إن كانت عقاراً سمع البينة وحكم، وكتب: أني حكمت لفلان بن فلان على فلان بدار، أو أرض في بلدك؛ موضعها كذا وكذا. وإن كان منقولاً، هل تسمع الدعوى والبينة؟ فيه قولان: أحدهما: تسمع؛ وبه قال أبو يوسف، وابن أبي ليلى؛ كما في العقار. والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا تسمع؛ لأنه يتغير، ويختلط؛ فلا يمكن الوقوف عليه. فإن قلنا: تسمع، هل يقضي؟ فيه قولان: أحدهما: يقضي؛ كما في العقار. والثاني: لا يقضي؛ بل بعد سماع البينة وتعديلها، يكتب إلى قاضي بلد الخصم والمال ثم المكتوب إليه بعد ما أتاه الكتاب له طريقان: أحدهما: أن ينتزع العين من يد من هي في يده، ويختم عليها. وإن كان عبداً جعل في عنقه قلادة، ووضع عليها ختمه، ودفعه إلى المدعي وكفله، وبعثه إلى القاضي الكاتب؛ حتى يشهد الشهود على عينه. فإن سلمت العين له، كتب ببراءة الكفيل، وإلا كلف المدعي رد العين، ومؤنة رد العين، وأجر مثل مدة الحيلولة؛ وبه قال أبو يوسف. وقال الشافعي: ومنعني من هذا: أنها إن كانت جارية لا يؤمن أن يطأها المدعي، ولأنه يؤدي إلى الحيلولة بين المالك وملكه. والطريق الثاني: أن القاضي المكتوب إليه ينزع العين من يد المدعى عليه، ويبيعها من المدعي، ويضع الثمن على يد عدل، أو يكلفه، أو يبيعه إلى القاضي الكاتب. فإن

стр. 3358

سلمت للمدعي كتب ليبرئ الكفيل، ويرد الثمن، وإلا فالبيع صحيح؛ يدفع الثمن إلى المدعى عليه. ويجوز القضاء على الغائب في غير العقوبات، ويقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي. وهل يجوز القضاء على الغائب في العقوبات؟ نظر: إن كان من حدود الله- تعالى- مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع السرقة؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز؛ كما في الأموال. ثم يكتب إلى قاضي البلد الذي به المشهود عليه؛ حتى يحده. والثاني: لا يجوز؛ لأن الحدود يحتاط لدرئها. وإن كان من حقوق العباد؛ كالقصاص، وحد القذف- فالمذهب: أنه يجوز القضاء فيه على الغائب؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق. وخرج قول من حدود الله: أنه لا يجوز؛ لأنه يندرئ بالشبهة. وكما يجوز للقاضي أن يكتب إلى قاض آخر في القضاء المبرم لتنفيذه؛ وهو أن يكتب بعدما سمع بينة المدعي وحلفه وحكم، يجوز أيضاً أن يكتب في غير المبرم، وهو أن يسمعبينة المدعى ولا يحلفه، ويكتب إلى قاضي بلد الخصم"؛ ليحكم به، ويقبل الكتاب في القضاء المبرم لتنفيذه، وإن كانت المسافة قريبة. أما في غير المبرم: فتقبل في مسافة القصر، ولا تقبل في مسافة لو خرج بكرة أمكنه أن يأتي أهله ليلاً وفيما بينهما؟ وجهان؛ كالشهادة على الشهادة. والفرق بين القضاء المبرم حيث قبلنا فيه الكتاب على قرب المسافة ولم نقبل في غير المبرم-: أن الحكم قد نفذ في المبرم، وربما لا يمكنه إقامة الشهود عند القاضي الثاني مرة أخرى وقد يختلف اجتهادهما؛ فيكون فيه نقض القضاء بالاجتهاد. وفي غير المبرم لم يقبل؛ لأن المدعي يمكنه أن يدعو لحمل الشهود إلى القاضي الآخر؛ ليشهدوا عنده، ولذلك لم تقبل شهادة شهود القرع على قرب المسافة بينهم وبين شهود الأصل؛ لأنه يمكنه حمل شهود الأصل إلى القاضي ليشهدوا إذا لم يكن لهم عذر من مرض ونحوه. وكذلك إذا كان في بلد قاضيان؛ حيث جوزنا [أن يقبل] كتاب أحدهما إلى الآخر

стр. 3359

في القضاء المبرم، ولا يقبل في غير المبرم. ويقبل كتاب الإمام الأعظم إلى القاضي، وكتاب القاضي إلى الإمام، وكذلك كتاب القاضي إلى خليفته، وكتاب الخليفة إليه. ولو جاء رجل إلى القاضي، واستعدى على خصمه ليحضره- يجب أن يشخصه ويحضره إن كان خصمه في البلد، وكان ظاهراً صحيحاً يمكن إحضاره، وإن كان مريضاً أو امرأة مخدرة فلا يكلفها الحضور، بل يوكل من يجيب عنها. وإن توجهت عليها يمين، بعث الحاكم إليها من يحلفها. وإن كان غائباً عن البلد، نظر: إن لم يكن في ولايته لا يمكنه إشخاصه، وإن كان في ولايته نظر: فإن كان على مسافة القصر لا يشخصه، بل يسمع البينة ويكتب إلى خليفته في بلد الخصم وإن كان على مسافة لو خرج بكرة يمكنه أن يأتي أهله ليلاً عليه أن يشخصه. وفيما بينهما من المسافة؟ وجهان. ولو أن قاضيين ولايتهما متصلة حضر كل واحد طرف ولايته؛ فنادى أحدهما الآخر؛ بأني حكمت لفلان على فلان الذي في ولايتك بكذا- فيجب على القاضي السامع إمضاءه؛ لأنه أبلغ من الكتاب. وكذلك لو كان للقاضي خليفة في البلد فأيهما أخبر الآخر؛ بأني حكمت لفلان بكذا، يجب عليه إمضاؤه. ولو خرج القاضي إلى قرية له فيها خليفة؛ فأخبر القاضي خليفته؛ أني قد قضيت على فلان في هذه القرية بكذا- فعلى الخليفة إمضاؤه؛ لأن كل واحد في ولايته، وكذلك لو أخبره الخليفة؛ بأني حكمت لفلان على فلان في البلد بكذا، فإذا عاد القاضي إلى البلد يمضيه. لأنه أخبر في ولايته. ولو دخل الخليفة البلد، فأخبر القاضي لا يحكم به؛ لأنه ليس في ولايته؛ كما لو قال القاضي بعد العزل: حكمت لفلان بكذا- لم يقبل. ولو أخبر القاضي الخليفة؛ بأني حكمت لفلان في قريتك بكذا، فإذا عاد الخليفة إلى قريته هل يمضيه؟ فيه قولان؛ بناء على أن القاضي هل يقضي بعلم نفسه؟ لأن القاضي أخبر في ولايته؛ فيقع به العلم، والخليفة يسمع في غير ولايته.

стр. 3360

وكذلك لو خرج قاضي بلد إلى بلد آخر؛ فأخبر الخارج قاضي البلد الذي خرج إليه- لا يحكم به. وإذا أخبر ذلك القاضي هذا الخارج، فإذا عاد هل يمضيه؟ فعلى قولين؛ لأن إخباره بالقضاء كإنشاء القضاء، ومن حضر لم يكن في محل ولاية الخارج. ومن حضر في مجلس الحكم؛ فسمع القاضي قضى بشيء لإنسان- له أن يشهد به وإن صار قاضياً بعده هل يقضي [به]؟ فيه قولان. ولو نادى القاضي في ولايته: أني حكمت لفلان على فلان بكذا؛ فسمع عدلان قوله وشهدا بين يدي قاض بلد آخر على المحكوم عليه- يجب على من شهدا عنده الحكم به. وإذا سمع القاضي الشهادة على غائب، ثم حضر الغائب قبل القضاء- لا يجب إعادة الشهادة؛ بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعدما شهد شهود الفرع قبل القضاء لا يقضي إلا بشهادة شهود الأصل؛ لأن شهود الفرع والبدل لا حكم له بعد حضور الأصل. وإذا حكم القاضي على غائب بحق، ثم قدم الغائب أو على صبي؛ فبلغ الصبي- كان على حجته في القدح في الشهود وإقامة البينة على قضاء الحق، والإبراء عنه. ولو أقام وكيل المدعي بينة على وجه وكيل المدعى عليه، وحكم القاضي به، ثم حضر المدعى عليه، وقال: كنت عزلت الوكيل قبل إقامة البينة- لا ينفعه ذلك؛ لأن القضاء على الغائب جائز. ولو حضر المدعي وقال: كنت عزلت وكيلي قبل إقامة البينة، وقلنا: ينعزل الوكيل قبل بلوغ الخبر إليه- لا يصح الحكم؛ لأن القضاء للغائب لا يجوز. والله أعلم. باب القسام قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا﴾ [النساء: ٨]. فيه دليل على أن المال إذا كان مشتركاً بين جماعة، يجوز لهم أن يقسموا؛ ليتميز نصيب كل واحد منهم؛ فيتمكن كل واحد من التصرف في نصيبه كيف شاء ويتخلص من سوء المشاركة؛ وكان النبي- ﷺ يقسم الغنائم بين الغانمين.

стр. 3361

وعلى الإمام أن ينصب ف كل بلدة قاسماً؛ فإن لم تقع الكفاية بواحد، فأكثر قدر ما تقع بهم الكفاية ويرزقهم من بيت المال. [وكذلك ينصب كاتباً؛ لكتبة الصكوك وغيرها، ويرزقه من بيت المال]. فإن لم يكن في بيت المال مال، أو [لم] يعط- فلا يعين قاسماً ولا كاتباً؛ لأنه إذا تعين غالى في الأجرة، بل يترك الناس يستأجرون الكتاب والقسام كيف شاءوا. فإذا نصب قاسماً، يشترط أن يكون عالماً بالحساب عدلاً، نزهاً من الطمع. ثم إن لم يكن في القسمة تقويم، جاز قاسم واحد، وإن كان فيها تقويم ثم لم يجز أقل من اثنين. وإن كان فيها خرص، هل يكتفي بخارص واحد؟ فيه قولان. ثم إن كان القاسم قد نصبه الحاكم، فرزقه وأجرته من بيت المال سهم المصالح، وإن لم يكن في بيت المال شيء، فيكون على الشركاء. ثم ينظر: إن استأجر جماعة قاسماً وسمى كل واحد شيئاً واحداً جاز، وعلى كل واحد ما سمى. وإن سموا أجرة واحدة. [فإن قالوا: اقسم بيننا هذا المال على عشرة دراهم، فيوزع العشرة عليهم على قدر أملاكهم؛ فمن كان نصيبه أكثر، كان عليه من الأجرة أكثر؛ بخلاف الشفعة توزع على عدد رءوس الشركاء؛ سواء مع تفاوت- أنصبائهما على أحد القولين؛ لأن الشفعة لا تستحق بسبب الشركة وهم في أصل الشركة سواء، وهاهنا يستحق الأجرة للعمل وعمله لصاحب الكبير أكثر منه لصاحب القليل؛ كما ل كان بين رجلين حمل ثقيل؛ لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه؛ فاستأجرا رجلاً بعشرة ليحمله إلى موضع معلوم، فحمله- تكون العشرة بينهما أثلاثاً: الثلثان على صاحب الثلثين؛ والثلث على الآخر، فإن كان القاسم من جهة الشركاء يجوز أن يكون فاسقاً وعبداً؛ لأنه وكيل لهم؛ بخلاف منصوب الإمام يشترط أن يكون حراً عدلاً لأنه منصوب لإلزام الحكم؛ كالحاكم. إذا كان بين رجلين مال من نوع واحد وطلب أحدهما القسمة، وامتنعا لآخر- هل يجبر الممتنع؟ نظر: إن لم يكن على واحد منهما ضرر؛ كالقسمة في الدراهم والدنانير والحنطة

стр. 3362

والشعير وسائر الحبوب والأدهان والثوب الغليظ الذي لا تنتقص قيمته بالقطع، والأرض والدار المستوية أجزاؤها- يجبر الممتنع على القسمة. وإن كان عليهما ضرر؛ كالجواهر والثوب المرتفع الذي تنتقص قيمته بالقطع والكسر، والرحاء الواحدة، والبئر والحمام الصغير الذي لا يمكن أن يتخذ منه حمامان- فلا يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن في قسمته إضاعة للمال؛ ونهى رسول الله- ﷺ عن إضاعة المال؛ وفيه ضرر عليهما؛ وقد قال النبي- ﷺ "لا ضرر ولا إضرار". وإن كان على أحدهما ضرر؛ بأن كانت أرضاً تسعة أعشارها لواحد، وعشرها لآخر، ينتفع صاحب التسعة أعشار [بالقسمة]، ويتضرر بها صاحب العشر؛ إذ لا يمكنه الانتفاع بنصيبه إذا انفرد، أو كانا سواء في قلة النصيب، ولكن لأحدهما بجنبه ملك خالص إذا انضم إليه نصيبه ينتفع به؛ فإن طلب القسمة من لا ضرر عليه، يجبر صاحبه على القسمة. وقال أبو ثور: لا يجبر؛ لأنه يتضرر به الناس قلنا: من ينتفع بالقسمة لا يجب عليه ترك حقه لضرر الغير؛ كما لو كان له دين على رجل لا يملك إلا ما يقضي دينه- يجبر على أداء الدين؛ وإن تضرر به. وإن طلب القسمة من يتضرر بالقسمة، فلا يجبر الآخر عليه؛ لأنه يطلب ما لا يقع له فيه، بل عليه فيه ضرر، فإن تراضيا جاز. وإن كانت بينهما أرض مختلفة الأجزاء في بعضها أشجار أو بناء، وبعضها خال، أو بعضها يسقى بالنهر وبعضها لا يصيبه الماء؛ فيسقى بالنضح، أو بينهما دار بعضها مبني بالآجر، وبعضها بالخشب أو الطين- فإن أمكن أن يقسم الجيد بينهما على الانفراد والردئ على الانفراد، وأيهما امتنع أجبر الآخر عليه. وإن لم يمكن، إلا بأن نجعل الجيد لواحد، والرديء لآخر، ويرد من يأخذ الجيد شيئاً؛ فلا يجبر عليه، إلا أن يتراضيا.

стр. 3363

وكذلك لو كان بينهما دار لها علو وسفل؛ فإن أمكن أن يجعل لكل واحد منهما نصفها علواً وسفلاً- أجبر عليه. وإن اقتسما على أن يكون السفل لواحد، والعلو لآخر- فلا يجوز إلا بالتراضي. وإن أمكن قسمة الأرض المختلفة بالتعديل؛ بأن تكون الأرض ثلاثين جريناً: عشرة أجرنة من جيدها بقيمة عشرين جريناً من رديئها؛ فدعا ذلك إلى أحدهما- هل يجبر عليه؟ فيه قولان: أحدهما- وهو الأصح: لا يجبر إلا أن يتراضيا عليه؛ لتعذر التساوي في الزرع؛ كما لو كانت بينهما دور وبساتين في مواضع مختلفة؛ فطلب بعضهم قسمتها أعياناً بالقيمة- لا يجاب إليه، إلا أن يتراضيا، بل يقسم كل واحدة على الانفراد. والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي في المشترك بالتعديل؛ فعلى هذا: في أجرة القسام وجهان: أحدهما: على كل واحد نصفها؛ لاستوائهما في أصل الملك. والثاني: على صاحب العشرة ثلثها، وعلى صاحب العشرين ثلثاها؛ لتفاضلهما في المأخوذ بالقسمة. وإن كان بين ملكي رجلين عرصة جدار مشتركة بينهما؛ فأرادا قسمتها نظر: إن أرادا قسمتها طولاً في جميع العرض؛ بأن كان طولها عشرة أذرع وعرضها ثلاثة أشبار؛ فأرادا قسمتها طولاً؛ فتصير لكل واحد خمسة أذرع في جميع العرض- جاز، وأيهما طلب ذلك أجبر الآخر عليه. وإن أرادا قسمتها عرضاً في جميع الطول، فيكون لكل واحد شبر ونصف في جميع الطول. فإن تراضيا عليه جاز، وإن امتنع أحدهما لم يجبر الآخر عليه؛ لأن الجبر يكون بالقرعة. وإذا أقرع بينهما، ربما يخرج لكل واحد منهما ما يلي ملك صاحبه؛ فلا ينتفع به. أما إذا كان بين ملكيهما جدار مشترك بينهما، فأرادا قسمته: إن أرادا قسمته عرضاً في جميع الطول، يجوز بالتراضي إذا كان الجدار عريضاً، وأمكن شقه إلى آخره. وإذا امتنع أحدهما لا يجبر الآخر عليه؛ للمعنى الذي أشرنا إليه في موضع الجدار. وإن أرادا قسمته عرضاً في جميع الطول، يجوز بالتراضي طولاً في جميع العرض. فهل يجبر عليه إذا امتنع منه أحدهما؟ فيه وجهان:

стр. 3364

أحدهما: يجبر؛ كما في عرصة الجدار. والثاني: لا يجبر؛ لأنه لا يمكن إلا بقطع الجدار، وفيه إتلاف بعض الجدار؛ فلا يصار إليه إلا بالتراضي. وإن كان بينهما أصناف مختلفة من المال مشتركة؛ كالكرم والنخل والحنطة، مع الشعير والأشجار المختلفة والعبيد مع الدواب؛ فأرادا قسمتها أصنافاً؛ فيجعل لكل واحد صنف على الانفراد- يجوز ذلك بالتراضي، وإذا امتنع أحدهما لا يجبر عليه، بل يقسم كل صنف على الانفراد. وكذلك إذا كان المالان من صنف واحد، والنوع مختلف- لا يجعل [على كل] واحد نوع على الانفراد إلا بالتراضي، ب يقسم كل نوع على الانفراد بينهما. فإن كانت الأنواع مختلطة؛ كالتمر الجيد مع الرديء، والجوز الهش مع الصلب ولا يمكن التمييز بينهما- فلا يجوز قسمتهما أجزاء إلا بالتراضي. وإن كان بينهما أعيان متفقة النوع؛ كالعبيد والدواب، أو الأشجار أو الثياب، أو الخشب؛ فأرادا قسمتها- نظر: إن أمكن القسمة بينهما مع الاستواء في العدد والقيمة؛ بأن كان بينهما عبدان قيمتهما سواء، [أو حماران قيمتهما سواء، أو ثوبان أو شجرتان من نوع واحد قيمتهما سواء]- فالمذهب أنه يجبر على القسمة إذا طلب أحدهما؛ وهو قول أكثر الأصحاب. وقال ابن أبي هريرة: لا يجبر الممتنع إلا أن يتراضيا عليه؛ لأنها أعيان مختلفة؛ كالدور المتفرقة لا تقسم أعياناً. والأول المذهب، وليس كالدور المتفرقة؛ لأنها كالأصناف المختلفة؛ لاختلاف محالها. ولو أمكن التسوية بينهما في القيمة مع تفاوت العدد؛ بأن كان بينهما ثلاثة أعبد قيمة واحد مائة وقيمة اثنين مائة- فهل يجبر على القسمة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجبر؛ للتفاوت في العدد، إلا أن يتراضيا عليه. والثاني: يجبر؛ لوجود التساوي [بينهما] في القيمة، وإن لم يمكن التسوية بينهما في القيمة أيضاً؛ مثل: أن كان بينهما عبدان؛ قيمة أحدهما مائة، وقيمة الآخر مائتان، أو ثلاثة أعبد؛ قيمة اثنين مائة، وقيمة واحد مائتان- هل يجبر على القسمة؟ ترتب على الأول:

стр. 3365

إن قلنا ثم: لا يجبر، فهاهنا أولى وإلا فوجهان. والأصح: أنه لا يجبر؛ لأن الشركة هاهنا لا ترتفع بالقسمة. فإن قلنا: يجبر أو تراضيا، يقرع بينهما؛ فمن خرجت له قرعة العبد الذي قيمته مائة أخذها، وربع الآخر. فصل في إحصاء أهل السهمان إذا أراد القاسم قسمة أرض أو دار أو غيرها، يجب أن يحصي عدد أهل السهمان؛ فيعدل السهام بالأجزاء أو بالقيمة، ثم إن استوى عددهم وسهامهم؛ بأن كانوا ثلاثة وبينهم أرض أثلاثاً، جزأها ثلاثة أجزاء، ثم قطع ثلاث رقاع صغار مستوية وكتب على كل رقعة اسم واحد منهم، وجعلها في بنادق من طين سوى بينهما في الوزن وجففها، وجعلها في حجر من لم يحضر الكتاب ولا إدخالها في الطين ثم قال: أخرج على السهم الأول فمن خرج اسمه أخذ ذلك السهم ثم يخرج على السهم الثاني فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين السهم الآخر للثالث، وإن شاء كتب أسامي السهام على الرقاع، ثم قال: أخرج [على السهم الأول؛ فمن خرج اسمه أخذ ذلك، ثم يخرج على السهم الثاني؛ فمن خرج اسمه أخذه، ويتعين] باسم فلان؛ فأي سهم خرج، دفع إليه. وإن اختلف سهامهم؛ بأن كان لواحد النصف، ولآخر الثلث، والثالث السدس- فيقسم على أقل السهام؛ وهو السدس؛ فيجعل أسداساً، ويكتب الأسامي في الرقاع، ويخرج على السهام؛ فيقول: أخرج على السهم الأول. فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ذلك السهم والسهمين اللذين يليانه، ثم يقول: أخرج على السهم الرابع؛ فإن خرج اسم صاحب الثلث، دفع إليه مع السهم الذي يليه ويتعين السهم الآخر لصاحب السدس؛ فإن خرج السهم الأول لصاحب السدس دفع إليه. ثم أخرج على السهم الثاني؛ فإن خرج اسم صاحب النصف، دفع إليه ثلاثة أسهم، وتعين السهمان الآخران لصاحب الثلث. ولا يكتب على الرقاع أسماء السهام عند اختلاف السهام؛ لأنه إذا كتب أسماء السهام، ثم خرج على الأسامي ربما تتفرق أملاكهم، فيتضررون. وكل قسمة فيها رد، فهي بيع يشترط [فيه] لفظ البيع والتمليك. فيقول من اختار الأجود؛ ليرد شيئاً: اشتريت منك مالك فيما صار لي بما لي فيما صار لك وبعشرة دنانير، فيقول الآخر: بعتك أو ملكتك. وكذلك إذا كانت الأرض مختلفة الأجزاء، لا يمكن القسمة بينهما مع التساوي في الأجزاء؛ فاقتسما على التعديل، أو اقتسما الأموال على الأصناف. وكل قسمة لا يجبر
следующие страницы →