← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وفي القديم: يتعلق كل المقر به بثلث نصيبه، مثل: إن كانت التركة ثلاثة آلاف، أخذ كل واحد ألفاً وخمسمائة، أقر أحدهما أنه أوصى لإنسان بخمسمائة: ففي الجديد: يلزمه مائتان وخمسون. وفي القديم: يلزمه خمسمائة، وإن أقر أنه أوصى بألف، يلزمه خمسمائة، على القولين جميعاً. وإن أقر أحدهما أنه أوصى لفلان بجزء شائع: فإن قال: أوصى له بثلث ماله، أو بربع ماله، وأنكر الآخر- يجب على المقر أن يدفع إليه ثلث حصته، أو ربع حصته. فإن شهد أحد الاثنين، أن الأب أوصى له بثلث ماله، حلف معه الموصى له، وأخذ ثلث جميع التركة. ولو أقر أحدهما أن الأب أوصى له بعين أشار إليها، وكذبه الآخر- نظر: إن كان قبل قسمة التركة، يسلم إلى المقر له حصة المقر من تلك العين، والباقي للمنكر، ثم للمقر له أن يدعي على المنكر، ويحلفه. وإن كان بعد القسمة؛ نظر: إن كانت العين كلها في يد المقر، عليه تسليمها إلى المقر له ولا شيء له على الآخر، وإن كانت في يد المنكر، فعلى المقر نصف قيمة العين للمقر له. ولو شهد أحدهما؛ بأن العين التي في يد أخي ملك لفلان، وحلف الموصى له معه- سلمت العين إليه، ورجع المشهود عليه على الذي شهد بنصف قيمتها؛ حتى يستويا في التركة. باب الشهادة على الشهادة يجوز الشهادة على الشهادة في غير العقوبات؛ لأن الحق يثبت تارة بالإقرار، وتارة بالشهادة، ثم الشهادة على الإقرار مقبولة، وكذلك على الشهادة؛ وسواء فيه الحقوق المالية وغير المالية؛ كالنكاح وغيره وسواء فيه حقوق الله- تعالى- كالزكوات، ووقف المسجد، أو حقوق العباد.

стр. 3432

أما العقوبات: فإن كانت من حدود الله- تعالى- كحد الزنا، والشرب، وقطع السرقة، وحد قاطع الطريق- هل تثبت بالشهادة على الشهادة؟ فيه قولان: أحدهما: تثبت؛ لأن ما يثبت بالشهادة يثبت بالشهادة على الشهادة؛ كالأموال. والثاني- وهو الأصح، وبه قال أبو حنيفة-: لا يثبت؛ لأن الشهادة على الشهادة لتأكيد الوثيقة؛ ليتوصل بها إلى إثبات الحق، والعقوبات يحتاط لدرئها، وإسقاطها. وإن كانت من حقوق العباد؛ كالقصاص وحد القذف- فالمذهب: أنه يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق والشدة. وخرج [ابن الحداد] قولاً من حدود الله- تعالى- أنه لا يثبت؛ لأنه مما يندرئ بالشبهة، وما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي، وما لا يثبت بالشهادة على الشهادة لا يثبت بكتاب القاضي، لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي؛ كما يتحمل شاهد الفرع من شاهد الأصل، وإنما تقبل شهادة شهود الفرع عند تعذر الوصول إلى شهود الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة إلى مسافة القصر.

стр. 3433

فإن كان شاهد الأصل على مسافة دون مسافة القصر- نظر: إن كان على مسافة لو خرج بكرة وأدى الشهادة يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل؛ فلا تقبل شهادة شهود الفرع. وإن كان لا يمكنه أن يرجع إلى أهله بالليل، فعلى وجهين: ولا يصح تحمل الشهادة على الشهادة؛ حتى يشهد شاهد الأصل عنده، ويشهد على شهادته ويسترعيه فيقول: اشهد على شهادتي؛ فلو سمع رجلاً يقول: لفلان على [فلان] كذا، لا يجوز أن يشهد على قوله؛ لأنه قد يقول ذلك عن عدة وعدها لفلان؛ خلاف ما لو سمع رجلاً يقر على نفسه، فيقول: لفلان على كذا، يجوز أن يشهد على إقراره؛ لأن المقر يوجب الحق على نفسه، فالظاهر أنه لا يقر على نفسه إلا عن صدق. وقد يحكي عن الغير لا عن يقين، ولأن الشهادة آكد من الإقرار؛ لأنه يعتبر فيها العدالة، ولا يشترط في الإقرار العدالة؛ فيجب أن يقول شاهد الأصل: أشهد أن لفلان على فلان كذا، ويبين سببه فيقول: له على فلان ألف درهم من قرض، أو بدل إتلاف، أو ثمن متاع، فاشهد أنت على شهادتي، أو اشهد بما شهدت؛ حتى لو لم يقل: فاشهد أنت به، لا يجوز أن يشهد. ولو قال: اشهد به، ولم يقل: على شهادتي، أو بما شهدت به- لا يجوز أن يشهد؛ لأنه ما لم يسترعه لا يتحقق الوجوب. فلو أشهد على شهادته رجلاً على هذا الشرط؛ فسمعه رجل، جاز أن يشهد على شهادته؛ لأن الإشهاد إذا صح في حق واحد تحقق الوجوب؛ فجاز لكل من سمع أن يشهد. وعند أبي حنيفة: لا يجوز ما لم يشهده بعينه وكذلك عندنا: لو شهد رجل عند القاضي أن لفلان على فلان كذا، فسمعه [القاضي] وجماعة، لم يقض به؛ حتى عزل- جاز لتلك الجماعة أن يشهدوا على شهادته، وإن لم يقل لهم: اشهدوا على شهادتي. وكذلك يجوز للقاضي أن يشهد عند قاض آخر، لأن وجوب الحق قد تحقق بأداء الشهادة عند القاضي. وكذلك لو شهد عند المحكم؛ سواء جوزنا التحكيم، أو لم نجوز- فيجوز لمن سمع أن يشهد على شهادته. وقال الإصطخري: عندي المحكم إنما يجوز على قول جواز التحكيم؛ فأما [على]

стр. 3434

القول الآخر فلا يجوز. وقال الشيخ القفال- ﵀: إذا قال شاهد الأصل: أشهدتك على شهادتي أن فلاناً أقر لفلان بكذا، أو قال: اشهد على شهادتي؛ أن لفلان على فلان كذا- يكفي هذا القدر للتحمل. وإذا أراد شاهد الفرع أداء الشهادة، أداها على الصفة التي تحمل، فإن أشهده شاهد الأصل، واسترعاه. قال: اشهد أن فلاناً شهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وإن سمعه [شهد] عند الحاكم يقول: اشهد على شهادة فلان أن لفلان على فلان كذا. ويستحب للقاضي أن يسأل شاهد الفرع؛ بأي سبب ثبت هذا المال هل أخبرك به شاهد الأصل؟ ولو لم يسأل جاز. ولا تقبل في الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء. وإن كان شاهد الأصل امرأة، وكانت شهادتها على مال أو رضاع؛ لأن شاهد الفرع يثبت بشهادة شاهد الأصل، وليس ذلك بمال، ولا المقصود منه المال؛ وهو مما يطلع عليه الرجال. ويجوز تحمل الشهادة على الشهادة من الفاسق، والصبي، والعبد، والأخرس؛ كتحمل شهادة الأصل؛ ثم الأداء لا يصح إلا بعد البلوغ، والتوبة، والعتق، وزوال الخرس. أما إذا كان الأصل يوم يشهدهم فاسقاً، أو صبياً، أو عبداً، أو كافراً- لا يصح التحمل؛ لأنهم ليسوا من أهل الشهادة بأن تقبل شهادتهم. ولو كان عدلاً يوم التحمل؛ ففسق، أو ارتد أو صار عدواً. نظر: إن أدى شاهد الفرع شهادته في حال فسق الأصل، أو ردته- لم يقبل، وإن أدى بعد توبته تقبل، وإن حدثت هذه المعاني بعد أداء الشهادة قبل القضاء، لا يقضي. قال شيخنا الإمام- ﵀: وإن أدى في حال جنون الأصل، أو بعد ما عمي تقبل، كما لو أدى بعد موت الأصل؛ وكما يجوز القضاء بعد جنون الشهود. ولو شهد شهود الفرع ي حال غيبة شهود الأصل، ثم حضر شهود الأصل؛ فإن كان بعد القضاء لا ينقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي إلا بشهادة شاهد الأصل؛ لأن شهادة

стр. 3435

شاهد الفرع بدل له لا حكم له بعد وجود الأصل؛ كالمتيمم يجد الماء قبل الشروع في الصلاة، لا يجوز أن يصلي بالتيمم. وكذلك لو كذب شهود الأصل شهود الفرع، أو رجع بعد القضاء- لا تنقض، وإن كان قبل القضاء لا يقضي؛ ولا تقبل الشهادة على الشهادة؛ حتى يسمي شاهد الفرع شاهد الأصل بما يعرف به؛ لأن عدالته شرط، فإذا لم يعرف لم يعلم عدالته. فإن قال شهود الفرع: تشهد على شهادة عدلين، ولم يسموهما، لم يحكم؛ لأنه يجوز أن يكونوا عدولاً عندهم غير عدول عند الحاكم. ولا يحتاج شاهد الفرع في أداء الشهادة إلى تعديل شاهد الأصل، بل يطلق الشهادة، ثم القاضي يبحث عن عدالته. وعند أبي حنيفة: يشترط أن يعدل شاهد الفرع شاهد الأصل. وعندنا: لو عدله جاز، ولو كان شهود الفرع مزكين صح تعديلهم، ولا يحتاج إلى إعادة التعديل؛ على ظاهر المذهب؛ وإن لم يكونوا مزكين لا يعتبر تعديلهم، ويعاد. فإن قيل: إذا شهد شاهدان على حكم، وكان أحدهما مزكياً فزكى الآخر قلتم: لا يجوز، وهاهنا جوزتم تعديل شاهد الفرع شاهد الأصل؟ قلنا: قد قيل: فيهما وجهان، والصحيح هو الفرع بينهما؛ وذلك أن أحد الشاهدين قام بأحد شطري الشهادة؛ فيزكيه الشاهد الآخر قياماً بالشطر الثاني؛ فلم يجز؛ ولذلك لا يجوز إلا أنيكون على شهادة كل أصل شاهدان آخران. أما تزكية شاهد الفرع شاهد الأصل من تتمة شهادته؛ حتى قال بعض أصحابنا: لا تقبل شهادة شاهد الفرع؛ حتى يزكي شاهد الأصل في شهادته. فصل في عدد شهود الفرع العدد شرط في شهود الفرع؛ فإن كان شهود الأصل اثنين، وشهد على شهادة كل واحد منهما رجلان عدلان سوى من شهد على الآخر- جاز. وإن شهد واح على شهادة أحدهما، وشهد آخر على شهادة الآخر، لم تثبت؛ لأنه لم يشهد على شهادة كل واحد إلا واحد. وإن شهد عدلان على شهادة أحدهما، ثم هما شهدا على شهادة الآخر- ففيه قولان: أصحهما- وهو اختيار المزني، وقوله الجديد-: لا يجوز؛ حتى يشهد على شهادة كل أصلي شادان آخران؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين كانا كشاهد واحد، يثبت بشهادته أحد الشطرين، فلا يثبت به شيء من الشطر الآخر؛ كمن شهد على شيء، ثم أعاد

стр. 3436

الشهادة، لا تجعل كما لو شهد اثنان. وقال في القديم- وبه قال أبو حنيفة-: يجوز؛ لأ، هـ إثبات قول اثنين، فيجوز بشاهدين؛ مكا لو شهد على إقرار رجلين. والأول أصح؛ لأنه يشترط أن يكون على شهادة كل واحد شاهدان؛ فعلى هذا: لو شهد أربعة على شهادة أحدهما، ثم هؤلاء الأربعة شهدوا على شهادة الآخر- هل يثبت؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأنه وجد بعدد كل أصلي رجلان. والثاني: لا يثبت؛ لأن جميع هؤلاء الأربعة قاموا بأحد شطري الشهادة؛ فلا يثبت بهم الشطر الثاني. ولو أقام شاهدين على شهادة شاهدين، وقلنا: لا تثبت، فله أن يحسب عن أيهما شاء؛ فيكون كما لو أقام شاهداً، وحلف معه؛ فيثبت المال. ولو كان شهود الأصل رجل وامرأتان، فلا تثبت شهاتهم إلا بستة على شهادة كل واحد منهم عدلان؛ على القول الأصح. والثاني: يكتفي باثنين على شهادة الكل. وإإن كان شهود الأصل أربع نسوة في الولادة، والرضاع- فعلى القول الجديد: لا يثبت إلا بشهادة ثمانية، يشهد كل اثنين على شهادة واحدة منهن. وعلى القول الآخر: يثبت بشهادة عدلين، يشهدان على شهادة الكل. أما الزنا: إذا قلنا: يجوز إثباته بالشهادة على الشهادة، فإن كان شهود الأصل أربعة، فلم يشترط عدد شهود الفرع؟ إن قلنا- بقوله القديم-: إنه يقبل على شهادة الألين شاهدين- فهذا يبنى على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين؟ وفيه قولان. ووجه الشبه بينهما: أن هذه شهادة على قول يثبت به الزنا، ليست على فعل الزنا. فإن قلنا: يثبت الإقرار بشهادة رجلين، فهاهنا يكتفي برجلين يشهدان على شهادة الكل. وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فهاهنا لا يكتفي إلا بأربعة يشهدون على شهادة الكل. وإن قلنا بقوله الجديد: إنه يشترط على شهادة كل أصل شاهدان- فهذا يبنى على ما ذكرنا. إن قلنا: يثبت الإقرار بالزنا بشهادة رجلين، فيشترط هاهنا ثمانية رجال على شهادة كل أصلي شاهدان.

стр. 3437

وإن قلنا: لا يثبت الإقرار بالزنا إلا بأربعة، فيشترط ستة عشر رجلاً على شهادة كل أصلي أربعة. ولو شهد أحد الأصلين، ثم جاء هو مع فرعين، وشهدا على شهادة الأصلي الآخر- لا يثبت بالاتفاق، ويجوز لشهود الفرع أن يشهدوا على شهادتهم، ولشهود فرع الفرع كذلك، وإن بعدوا وكل واحد يشهد غير من أشهده الآخرز ولا تثبت شهادة كل واحد من شهود فرع الفرع إلا برجلين؛ على القول الأصح؛ حتى لا يثبت الأصليان إلا بأربعة، ولا يثبت الأربعة الفرعيون إلا بمثمانية، ولا يثبت الثمانية إلا بستة عشر. والله أعلم. باب الشهادة على الحدود قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. لا يثبت الزنا إلا بأربعة من الشهود ذكور، ويجب أن يصفوا الزنا؛ فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة. ولو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت؛ لأنهم ربما يرون المفاخذة، والاستمناء زناً، وإذا لم يفسروا عليهم حد القذف. وإذا أقر على نفسه بالزنا، هل يشترط أن يفسر؛ حتى يقبل إقراره؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط؛ كالبينة. والثاني: لا يشترط؛ كما لو قذف إنساناً يحد، ولا يطلب التفسير. ويجب أن يتبينوا أنه زنى بامرأة أجنبية؛ لأنهم قد يرون إتيان البهيمة زنا، وقد يكون المفعول بها جارية مشتركة بينه وبين غيره، وجارية ابنه، ويجب أن يتفقوا على مكان واحد. ولو شهدوا أنه زنى بها في بيت واحد وعين كل واحد زاوية في البيت غير ما عينها الآخر، لا يثبت الزنا على المشهود عليه؛ وهل يجب على الشهود حد القذف؟ فيه قولان. [وكذلك إذا شهد أقل من أربعة، فهل عليهم حد القذف؟ فيه قولان:].

стр. 3438

أصحهما- وبه قال أبو حنيفة-: يجب عليهم الحد. وكذلك لو شهد اثنان أنه زنى بـ"البصرة"، وآخران أنه زنا بـ"الكوفة"-لا يجب الحد على المشهود عليه؛ وهل يجب حد القذف على الشهود؟ فيه قولان: وعند أبي حنيفة هاهنا: لا يحد الشهود مع قوله: إن الشهود إذا انتقص عددهم يحدون. وقال في شهود الزوايا: القياس أنهم قذفة يحدون، لكن استحسن؛ فأرجمهما. قال الشافعي: وأي استحسان في سفك دم امرأين مسلمين. فلو شهد ثلاثة بالزنا وفسروه، وشهد الرابع ولم يذكر الزنا، بل فسره بما لا يكون زنا؛ كقوله: رأيت نفساً يعلو وإستا [ينبو]- فلا حد على المشهود عليه، ولا يجب حد القذف على الرابع، وفي الثلاثة قولان: ولو شهد أربعة على الزنا، ثم فسره ثلاثة بالزنا، وفسره الرابع بما ليس بزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه، ويجب حد القذف على الرابع قولاً واحداً، لأنه قذفه بالزنا؛ وهل يجب حد القذف على الثلاثة؟ فيه قولان: ولو شهد أربعة بالزنا، ومات واحد منهم قبل أن يفسر، وفسره الآخرون بالزنا- لا يجب الحد على المشهود عليه؛ لجواز أن يكون الرابع يفسر بما ليس بزنا، ولا يجب حد القذف على الثلاثة؛ لجواز أن يكون الرابع يفسره بالزنا؛ فيسقط الحدان بالشبهة. ومن أقر بين يدي الحاكم بما يوجب عقوبة لله تعالى، أو ادعى عليه العقوبة- يجوز للحاكم أن يعرض له بالرجوع، ويلقنه ما يوجب سقوط [العقوبة] فيقول في الزنا: لعلك فاخذت أو لمست؛ فإن النبي- ﷺ قال لماعز: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت"، ويقول في شرب الخمر: لعل ما شربته لم يكن مسكراً، أو لعلك لم تعلم كونه مسكراً. وفي السرقة يقول: لعلك غصبت، أو أخذت من غير حرز أو أخذت بإذن المالك؛ كما قال النبي- ﷺ للسارق: "لا إخالك سرقت". فإن قيل: إذا ثبت هذا التعريض بالحديث، فهلا قلتم: إنه يستحب؟ وقال الشافعي- ﵀: لا بأس به. فجعله مباحاً. قلنا: بل هو مباح، والإمام فيه مخير؛ لأن النبي- ﷺ قد فعله، وتركه كان أكثر،

стр. 3439

ولو كان مستحباً ما تركه. وقيل: يستحب، وجعله مباحاً؛ لأن كل مستحب مباح. وأما في حقوق العباد: فلا يجوز أن يلقنه ما يسقط، سواء كان مالاً، أو عقوبة؛ مثل: القصاص، وحد القذف، وفي السرقة لا يعرض له بما يسقط المال، إنما يلقنه ما يسقط القطع، لأن حقوق الله مبناها على المساهلة، ولذلك يستحب فيه الستر، وفي حقوق العباد يجب الإظهار. قال النبي- ﷺ لرجل من أسلم يقال له: هزال: "يا هزال لو سترته بردائك؛ لكان خيراً لك". وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالتوق في حدود الله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه يورث قدحاً في الشهود. والثاني: يجوز، فإن عمر- ﵁ عرض لزياد في الشهادة على المغيرة، فقال: إني لأرجو ألا يفضح الله على لسانك أحداً من أصحاب النبي- ﷺ وكما يجوز أن يعرض للمقر بالتوقف. فصل فيما يطرأ على الشهود بعد الشهادة إذا شهد الشهود على إنسان بحق من: حد أو غيره، ثم مات الشهود قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم، وإن كان قبل التعديل يعدلهم بعد الموت؛ فإن عدلوا، حكم بشهادتهم. وكذلك لو غاب الشهود، أو عموا، أو خرسوا، أو جنوا قبل القضاء- يجوز للقاضي أن يقضي بشهادتهم إذا ثبت عندهم عدالتهم حالة الشهادة، وإن كان التعديل بعد حدوث هذه المعاني. أما إذا فسق الشهود بعد الشهادة قبل الحكم، أو ارتدوا، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق يوقع ريبة في شهادتهم المتقدمة؛ من حيث إن الناس يستبطنون الفسق، فإذا ظهر ذلك الفسق، لا يؤمن أن ذلك فيهم حالة الشهادة، فلم يجز ذلك الحكم؛ بخلاف الموت، والعمى.

стр. 3440

وكذلك لو قذف المشهود عليه الشاهدين بعد الشهادة قب الحكم لا تسقط شهادتهما، ويحكم بها؛ لأن العداوة أمر حدث بعد الشهادة؛ فلا يورث ريبة فيما مضى؛ لأن العداوة لا تستبطن؛ فلم تمنع الحكم. أما إذا فسقوا بعد القضاء، أو ارتدوا، فلا ينقض القضاء؛ كما لو تغير- اجتهاد القاضي قبل الحكم لا يحكم، ولو تغير بعد القضاء لا ينقض. وكذلك لو رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم، لا يجوز أن يحكم بشهادتهم، ولو رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، لا ينقض الحكم. ويأتي الكلام في الغرم. وإن رجعوا بعد الحكم قبل الاستيفاء؛ نظر: إن كان حداً لله- تعالى- فلا يجوز الاستيفاء؛ لأنه يسقط بالشبهة رجوعهم عن الشهادة؛ فوقع شبهة فيه. وإن كان مالاً أو عقداً، ففيه وجهان: أصحهما- وهو المنصوص-: أنه يستوفى؛ لأن الشبهة لا تؤثر فيه، وقد نفذ الحكم به؛ فلا يرد. والثاني: لا يستوفي؛ لأن الرجوع حصل قبل استقرار الحكم. وإن كان عقوبة للعباد؛ مثل: القصاص، وحد القذف: فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: لا يستوفي؛ لأنه يدرأ بالشبهة؛ كحدود الله تعالى. والثاني: حكمه حكم المال؛ لأن مبنى حقوق العباد على الضيق. وقيل في النكاح: هل يسلم حكمه حكم القذف والقصاص، ولو فسق الشهود أو ارتدوا بعد الحكم قبل الاستيفاء، حكمه حكم الرجوع. فصل في اختلاف الشهود لا تثبت السرقة إلا بشاهدين. ويجب بيان قدر المال في الشهادة، ووصف الحرز وتسمية المسروق منه. ويشترط اتفاق الشادين في الشهادة، فلو شهد أحد الشاهدين؛ أنه سرق من فلان كذا، ووصفه غدوة، وشهد الآخر؛ أنه سرق ذلك الشيء بعينه عشية- لا يثبت به القطع، ويحلف المدعي مع أحد الشاهدين، ويأخذ الغرم؛ لأن المال يثبت بشاهد ويمين. أما إذا شهد الشاهدان أنه سرق ثوباً أو كبشاً؛ صفته كذا غدوة، وشهد آخر؛ أنه شهد ذلك الثوب، أو الكبش بعينه عشية- فقد تعارضت البينتان؛ فلا يحكم بواحد منهما؛ بخلاف

стр. 3441

المسألة الأولى؛ لأن هناك لم يقع التعارض في الحجة؛ لأن الشاهد الواحد لا يكون حجة ما لم تنضم إليه اليمين، وهاهنا تعارضت الحجتان؛ فسقطتا. أما إذا كان لم يعينا الكيس، بل شهد أحدهما؛ أنه سرق كبشاً غدوة، وشهد الآخر؛ أنه سرق كبشاً عشية، أو شهد أحدهما؛ أنه سرق ثوباً أبيض، وشهد الآخر؛ أنه سرق ثوباً أسود- فلا قطع، وللمدعي أن يحلف مع أيهما شاء وأخذ الغرم. وإن ادعاهما جميعاً، حلف مع كل واحد منهما، وحكم له بهما. أما إذا شهد شاهدان؛ أنه سرق كبشاً غدوة وشهد آخران؛ أنه سرق كبشاً عشية- وجب القطع، والغرم فيهما، لأنهما سرقتان كملت حجة كل واحد منهما. ولو شهد أحد الشاهدين؛ أنه سرق ثوباً قيمته ربع دينار، وشهد آخر؛ أنه سرق ذلك الثوب بعينه، وقيمته ثمن دينار- يثبت الأقل؛ لاتفاقهما عليه، ويحلف مع الآخر على الزيادة؛ كما لو شهد أحدهما؛ أنه سرق ربع دينار، وشهد الآخر؛ أنه سرق ثمن دينار- يثبت الأقل، ولا يجب القطع. أما إذا شهد شاهدان؛ أنه سرق ثوباً قيمته ربع دينار، أو أتف ثوباً قيمته ربع دينار، وشهد آخر؛ أن قيمته ثمن دينار- يثبت الأقل عندنا أيضاً؛ لاتفاق الشهود عليه، ووقع التعارض في الزيادة. وعند أبي حنيفة: يحكم بالأكثر. وبالاتفاق: لا يجب القطع؛ وبمثله: لو شهد شاهدان؛ أنه سرق قطعة ذهب، وزنها ربع دينار، وشهد آخران؛ أن وزنها ثمن دينار- يثبت الأكثر بالاتفاق؛ لأن عند من شهد بالأكثر زيادة علم، بخلاف المسألة الأولى؛ لأن اختلافهما ثم في القيمة، وهي بالاجتهاد، وقد يعلم شاهد الأقل به عيباً ينتقص قيمته؛ ولا يجب القطع بالشبهة. والله أعلم. باب الرجوع عن الشهادة إذا شهد الشهود بحق، ثم رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، أو بعد الحكم قبل الاستيفاء، وقلنأ: يستوفي- هل يجب الغرم على الشهود أم لا؟ لا يخلو: إما إن كان شيئاً لا يمكن تداركه، أو يمكن؛ فإن لم يمكن تداركه؛ مثل: أن يشهدوا بقتل، أو قطع، فاستوفي، أو بجلد؛ فجلد؛ فمات فيه المشهود عليه، ثم رجع

стр. 3442

الشهود وقالوا: تعدمنا- يجب عليهم القصاص، أو الدية؛ على ما ذكرنا في "كتاب الحدود". وإن شهدوا على غير عقوبة مما لا يمكن تداركه؛ مثل: أن شهدوا على عتق عبد أو طلاق بائن من خلع، أو ثلاث طلقات، أو لعان، أو رضاع، أو غير ذلك من أنواع الفرقة، ثم رجعوا بعد الحكم- لا يرد العتق ولا الفراق؛ لأن القضاء مضى بالاجتهاد، ولا يتحقق صدقهم في قولهم: إنا كذبنا؛ فلا يرد القضاء بقول محتمل، ويجب على الشهود قيمة العبد في العتق، والمهر في فراق النكاح بطلاق، أو رضاع، أو غيرهما؛ سواء كان قبل الدخول، أو بعده. وعند أبي حنيفة: لا شيء على الشهود إن كان بعد الدخول؛ فيقول: قد وقعت الحيلولة بين الرجل وبين زوجته بشهادته؛ فإذا رجع عنها، يجب الغرم؛ كما لو كان قبل الدخول. ثم عندنا: إن كان بعد الدخول، يجب على الشهود كمال مهر المثل. وإن كان قبل الدخول، نقل المزني: أنه يجب على الشهود كمال مهر المثل. ونقل الربيع: أنه يجب عليهم نصف مهر المثل؛ فمن أصحابنا من قال- وهو الأصح-: في المسألة قولان: أحدهما: يجب عليهم نصف مهر المثل؛ لأن الزوج لم يغرم لها إلا نصف المهر، وقد عاد إليه نصفه؛ ألا ترى أنهما لو شهدا بالإقالة، ثم رجعا، لم يغرما شيئاً؛ لأنهما إن أخرجا السلعة عن ملك المشتري، فقد رد إليه الثمن. والثاني- وهو الأصح- يجب عليهم كمال مهر المثل؛ لأنهم أتلفوا عليه جميع البضع؛ فيجب عليهم جميع بدله؛ كما في العتق يجب عليهم كمال قيمة العبد. ومن أصحابنا من قال: المسألة على اختلاف الحالين إن كان الزوج قد سلم الصداق إليها، فيرجع على الشهود بجميع مهر المثل؛ لأنه لا يمكنه أن يسترجع شيئاً منها؛ لأن بزعمه أنها زوجته؛ وهي مستحقة جميع الصداق؛ وإن كان قبل التسليم، فلا يرجع إلا بنصف المهر؛ لأنها لا تطالبه إلا بنصف الصداق. والأصح: أنه يجب على الشهود جميع المهر؛ لأن الاعتبار بما أتلف عليه، لا بما غرم؛ ألا ترى أنه يرجع بمهر المثل، وإن غرم المسمى؛ سواء كان مهر المثل أقل من المسمى، أو أكثر. ولو أبرأته المرأة عن الصداق، فالزوج يرجع بالمهر على الشهود، وإن لم يغرم شيئاً؛

стр. 3443

وكذلك في العتق يرجع بقيمة العبد على الشاهد، وإن كان ملكه بالهبة، أو اشتراه بأقل من قيمته، أو باعه وقد أبرأه عن الثمن. ولو نكح بلا مهر، ثم شهد الشهود، أنه طلقها قبل الدخول، ورجعوا بعد القضاء- يجب على الزوج المتعة، ولا يجب على الشهود المتعة، بل يجب مهر المثل، أو نصفه أو كله؟ فعلى ما ذكرنا من الاختلاف. ولو شهدوا أنه أعتق مدبرة، أو مكاتبه، أو المعلق عتقه بالصفة، أو أم ولده، ثم رجعوا بعد الحكم- تجب القيمة على الشهود؛ وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وعند أبي حنيفة: لا يجب الغرم في أم الولد. ولو شهدوا على طلاق رجعي، ثم رجعا بعد الحكم فإن لم يراجعها الزوج،، حتى انقضت العدة، يجب المهر على الشهود، فإن راجعها فلا غرم؛ بخلاف ما لو شهدوا على طلاق بائن، ثم نكحها الزوج- لا يسقط الغرم؛ لأن الملك قد زال هناك بشهادتهم. وغذا رجع شهود الطلاق، وغرموا المهر، ثم قامت بينة على إخوة الرضاع بين الزوجين- يسترد الشهود ما غرموا. ولو شهدوا على تدبير عبد، واستيلاد جارية، ثم رجعا بعد الحكم- فلا غرم؛ لأن الملك لم يزل به، غلا أن يعتق بموته؛ فيغرمان بالرجوع السابق. قال الشيخ الإمام: وكذلك لو شهدا على تعليق العتق، أو الطلاق، [ثم رجعا]. ولو شهد شاهدان على تعليق العتق، أو الطلاق بالصفة، وآخران على وجود الصفة، ثم رجعوا بعد الحكم- فالغرم على شهود التعليق؛ على الصحيح من المذهب. وقيل: عليهما نصفان. ولو شهدا على وقفية شيء على الفقراء، أو على المساجد، أو شيء من وجوه الخير، ثم رجعا بعد الحكم- لا يرد الحكم؛ كما في العتق، ويجب على الشهود قيمته. ولو شهدا أنه تزوج امرأة بألف، ثم رجعا بعد الحكم- فلا ضمان عليهما؛ لأن العقد لا يرتفع. ولو شهدوا أنه أعتق عبده على مال، ثم رجعوا بعد الحكم- عليهم الغرم. فإن كانت

стр. 3444

قيمة العبد ألفين، وشهدوا أنه اعتقه على ألف، أو مهر المرأة ألفين وشهدوا أنه طلقها على ألف، ثم رجعوا بعد الحكم- لا يجب عليهم الألف؛ لأنه وصل إليه ألف من جهة العبد والمرأة. ولو شهد على الطلاق، أو العتق رجلان، ثم رجعا- فالغرم عليهما نصفان؛ وإن رجع أحدهما، فعليه نصف الغرم. ولو شهد ثلاثة فرجعوا، فالغرم عليهم أثلاثاً؛ على كل واحد ثلثه، ولو رجع واحد منهم، فالصحيح من المذهب؛ وهو قول أبي حنيفة: أنه لا غرم على الراجع؛ لأنه قد بقي من يتعلق الحكم بشهادته. وفيه وجه آخر- وبه قال المزني-: يجب عليه ثلث الغرم. وإن رجع منهم اثنان، فعلى الصحيح من المذهب: يجب عليهما نصف الغرم؛ لأنه قد بقي هناك من يتعلق بشهادته نصف الغرم. وعلى قول المزني: يجب عليهما ثلثا الغرم، وقد ذكرناه في "كتاب الحدود". ولو شهد على الرضاع أربع نسوة، ثم رجعت واحدة منهن- عليها ربع الغرم، وإن رجعن جميعاً، فعليهن جميع الغرم أرباعاً. ولو شهد عليه رجل وامرأتان؛ فإن رجع الرجل، فعليه نصف الغرم؛ وإن رجعت المرأتان، فعليهما النصف على كل واحد ربعها؛ وإن رجعت واحدة منهما، فعليها الربع. ولو شهد عليه رجل وأربع نسوة؛ فرجعوا، فيجب على الرجل ثلث الغرم، وعلى النساء الثلثان؛ على كل واحدة سدس الغرم. وإن رجع الرجل وحده، فلا شيء عليه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه قد بقي من يتعلق بشهادتهن الحكم. وعلى قول المزني: عليه ثلث الغرم. وإن رجعت امرأتان، فكذلك لا شيء عليهما؛ على الصحيح من المذهب. وعلى قول المزني: عليهما ثلث الغرم. ولو شهد رجل وعشرة نسوة ثم رجعوا، فعلى الرجل سدس الغرم، والباقي عليهن؛ على كل واحدة نصف السدس. ولو رجع الرجل دونهن، فلا شيء عليه؛ على الصحيح من المذهب؛ لأن الرضاع يثبت بشهادة من بقي. وكذلك إذا رجع الرجل مع المرأتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو

стр. 3445

ست- فلا شيء عليهم. فإن رجع سبع منهن مع الرجل، فعليهم ربع الغرم، وإن رجع مع ثمان فعليهم نصف الغرم، فإن رجع مع تسع فثلاثة أرباع الغرم، ويجب على الرجل مثلاً ما على المرأة. وعند المزني: إذا رجع الرجل وحده، عليه سدس الغرم، وعلى كل امرأة ترجع نصف السدس فإن بقي في الشهادة من يقع بهم الحكم. وإن رجع النساء دون الرجال، فعليهن نصف الغرم؛ على الصحيح من المذهب. وعلى قول المزني: عليهن خمسة أسداس الغرم. أما إذا شهدوا على ما يمكن تداركه؛ مثل: أن يشهدوا على إنسان بعين، أو بدين لآخر، ثم رجعوا بعد القضاء، والاستيفاء- لا يرد المال على المدعي عليه؛ وهل يجب الغرم على الشهود؟ فيه قولان: أحدهما- وبه قال مالك، وأبو حنيفة: يجب عليهم الغرم؛ لأن ما يضمن بالإتلاف بغير الشهادة يضمن بالإتلاف بالشهادة؛ قياساً على النفس؛ وذلك لأنهم فوتوا الملك على المالك بشهادتهم الباطلة؛ فيضمنون؛ كما في العتق والطلاق. والقول الثاني- وهو المنصوص-: لا يجب عليهم الغرم؛ لأنه لم يوجد هاهنا حقيقة التفويت؛ بدليل أن المشهود له إذا صدق الشهود في الرجوع، يجب عليه رد المال؛ بخلاف الطلاق والعتق، فإن المرأة والعبد لو صدقا الشهود في الرجوع، لا يرد الطلاق والعتق. وهذا؛ لأن ضمان المال إنما يجب إما بإتلاف، أو بإيقاع الحيلولة؛ بالاستيلاء عليه، وهاهنا وقعت الحيلولة من غير استيلاء من الشهود على المال؛ فلا يجب الضمان؛ كما لو حبس المالك عن ملكه؛ حتى هلك ملكه- لا يجب الضمان على الحابس. فمن أصحابنا من بنى هذين القولين على ما لو قال: غصبت هذه الدار من فلان، لا: بل من فلان- تسلم الدار إلى الأول؛ وهل يغرم للثاني قيمتها؟ فيه قولان، ويجعل رجوع الشهود عن الشهادة كرجوع المقر عن الإقرار. ولو كان بين رجلين عبد شهد شاهدان على أحد الشريكين؛ أنه أعتق نصيبه، وهو موسر؛ فقضى القاضي بعتقه والسراية، ثم رجعوا- يجب على الشهود قيمة نصيب المشهود عليه؛ وهل يجب قيمة نصيب الشريك؟ فعلى قولي ضمان المال. قال شيخنا الإمام ﵁: ولو شهدوا على قتل الخطأ، وأخذت الدية، ثم

стр. 3446

رجعوا- هل يضمنون؟ فعلى قولي ضمان المال. وإن قلنا: يضمنون، ضمنوا الدية للعاقلة. فإن قلنا: يجب الغرم على الشهود. فإن شهد رجل وامرأتان، ثم رجعوا- فعلى الرجل نصف الغرم، وعلى المرأتين نصفه؛ كما ذكرنا في "الرضاع". ولو شهد رجل وأربع نسوة، ثم رجعوا، فالصحيح من المذهب: أنه يجب على الرجل نصف الغرم، وعليهن النصف. وقيل: يجب على الرجل ثلث الغرم، وعليهن الثلثان؛ لأن كل امرأتين بمنزلة رجل؛ كما في "الرضاع"؛ والمذهب الأول: أن على الرجل نصف الغرم؛ بخلاف الرضاع؛ لأن الرضا يثبت بشهادة النساء على الانفراد؛ مقام كل امرأتين فيه مقام رجل، والمال لا يثبت بشهادة النساء، وإن كثرن؛ حتى يكون معهن رجل؛ فلم يجب عليهن من الغرم إلا ما يجب على رجل واحد، وإن كثر عددهن. ولو رجع منهن امرأتان، لا شيء عليهما؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه قد بقي من يتعلق الحكم بشهادتهم. وعلى قول المزني: يجب عليهما ربع الغرم. ولو رجع النساء، فعليهن نصف الغرم. ولو شهد رجل وعشر نسوة، ثم رجعوا، يجب على الرجل النصف، وعليهن النصف؛ على المذهب الصحيح. وعلى الوجه الآخر: على الرجل سدس الغرم، والباقي عليهن. ولو رجع الرجل دونهن، فعلى الرجل نصف الغرم؛ على المذهب الصحيح، وعلى الوجه الآخر: سدس الغرم. ولو رجع النساء دون الرجل، فعليهن نصف الغرم؛ على المذهب الصحيح. وعلى الوجه الآخر: خمسة أسداس الغرم. ونفرع على الأول؛ فنقول: لو رجع الرجل مع ثمان نسوة، يجب على الرجل

стр. 3447

النصف، ولا شيء على النساء؛ لأنه لا يثبت بشهادتهن إلا نصف الحق، وقد بقي من النساء من يتعلق بشهادتهن نصف الحق. وعلى مذهب المزني: يجب على الرجل النصف، وعلى النساء أربعة أخماس النصف؛ كما لو رجعوا كلهم. ولو رجع ثمان نسوة، لا شيء عليهن؛ على المذهب الصحيح؛ لأنه قد بقي هناك من يثبت الحق بشهدتهم. وعند المزني: يجب عليهن أربعة أخماس النصف. ولو رجع الرجل مع تسع نسوة؛ فعلى الرجل النصف، وعليهن الربع. وعند المزني: عليهن تسعة أعشار النصف. ولو قضى القاضي بشهادة شهود الفرع، ثم رجعوا، نظر: إن رجع شهود الأصل، وقالا: كذبنا- يجب عليهم الغرم؛ وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليهما، وإن رجع شهود الفرع عليهم الغرم، وإن رجعوا جميعاً فالغرم على شهود الفرع؛ لأنهم ينكرون إشهاد شهود الأصل، ويقولون: نحن كذبنا فيما قلنا؛ وكل موضع لم يوجب على الشهود عقوبة إذا رجعوا يعزرون إن تعمدوا، وإن أخطؤوا فلا يعزرون، وإن أوجبنا عليهم عقوبة من: قتل، أو قطع، أو حد قذف- يدخل التعزير فيها؛ والله أعلم. باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]. إذا شهد عند القاضي في حكم من لا يقبل شهادته فيه؛ من: كافر، أو عبد، أو مراهق، أو امرأة فيما لا تقبل فيه شهادة النساء، أو فاسق، والقاضي عالم بحاله- لا يجوز أن يصغي إلى شهادته؛ فإن لم يعلم؛ فقضى بشهادة شخصين، ثم بانا كافرين، أو عبدين، أو امرأتين، أو مراهقين- يجب عليه رد قضائه؛ كما لو قضى باجتهاده، ثم بان النص بخلافه- يجب عليه رد قضائه؛ وإن بانا فاسقين؛ بأن شهد شاهدان على فسقهما، فإن

стр. 3448

شهدا مطلقاً ولم يستند الفسق إلى حالة القضاء- لا ينقض القضاء؛ لاحتمال حدوثه بعد الحكم. فإن شهدا أنهما كانا فاسقين يوم الحكم، هل ينقض الحكم؟ فيه قولان: أصحهما- وهو اختيار المزني- ﵀: أنه ينقض فإذا ثبت عند قاض آخر ينقضه، كما لو بانا عبدين، بل نقضه بالفسق أولى؛ لأن شرط العدالة منصوص عليه. قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وشرط الحرية غير منصوص عليه. والثاني: لا ينقض؛ لأن فسقه ثبت بالبينة من جهة الظاهر؛ فلا ينقض به حكم نفذ في الظاهر. وقال أبو إسحاق: ينقض الحكم قولاً واحداً؛ كما لو بان رقيقاً، وما ذكره المزني أنه قال في موضع آخر: إن طلب الخصم جرحه أجله بالمصر وما قاربه، وجعله قولاً آخر في أن الحكم لا ينقض، ليس كذلك، بل قصده الفرق بين ما قبل الحكم وبعده؛ وهو أنه إذا أقام بينة على فسق الشهود مطلقاً؛ فإن كان قبل الحكم لا يحكم، وإن كان بعده لا ينقض؛ حتى يبينوا أنهم كانوا فسقة يوم الحكم. أو أراد به إذا شهدوا على فسق مجتهد فيه؛ مثل: شرب النبيذ؛ فإنه لا ينقض الحكم. وقوله: "أجله بالمصر وما قاربه" أراد به: أن المشهود عليه إذا قال قبل الحكم عليه ببينة المدعي: لي بينة على [جرح الشهود- يؤخر الحكم، ويؤجله؛ حتى يأتي بالبينة على] جرح الشهود إذا كانوا بموضع قريب يمكن إحضارهم في مدة سيرة، ولا يؤجل أكثر من ثلاثة أيام. فإذا لم يأت بها أنفذ الحكم؛ فحيث قلنا: ينقض الحكم. أما في الفسق، أو في الرق، أو الكفر وغيره، فإن كان المحكوم به طلاقاً أو عتقاً، أو عقداً- رده. وإن كان إتلافاً من: قتل، أو قطع استوفاه، أو حداً أقامه؛ فمات فيه- يجب الضمان على الحاكم ويكون على عاقلته، أم في بيت المال؟ فيه قولان، ولا يجب القود؛ لأنه مخطئ، وإنما أوجبنا على الحاكم؛ لأن الشهود يقولون: نحن صدقنا فيما شهدنا، والمشهود له ييقول: أنا أخذت حقي بالحكم، فلم يبق إلا الحاكم. وإذا ضمن بعاقلة الإمام، أو بيت المال، هل يرجع على الشاهدين؟ نظر: إن كانا فاسقين سراً لا يرجع وإن كانا معلنين أو عبدين، أو كافرين، أو امرأتين- ففيه وجهان: النص يدل على أنه لا رجوع عليهما؛ لأنهم يقولون: نحن صدقنا، فكان من حق الحاكم أن يحتاط ويبحث عن باطن الشهود؛ بخلاف الشهود إذا رجعوا عن الشهادة، يجب عليهم

стр. 3449

الضمان؛ لأنهم أقروا أنهم شهدوا بغير الحق؛ عمداً أو خطأ. وعند أبي حنيفة: يجب الضمان على المزكين. وعندنا لا يجب، لأن الحكم لم يقع بشهادتهم. وإن كان المحكوم به مالاً؛ نظر: إن كان باقياً في يد المحكوم له، يجب رده، فإن كان تالفاً، يجب عليه ضمانه، وإن كان له مال يؤخذ منه؛ وإن كان معسراً، أو كان ماله غائباً، يجب الضمان على الحاكم؛ ويكون في ماله، أم في بيت المال؟ فيه قولان: إن قلنا: ضمان الدية على العاقلة، فضمان المال في ماله. وإن قلنا: ضمان الدية في بيتالمال، فضمان المال كذلك. ثم الحاكم يرجع بعد ما ضمن على المحكوم له؛ والفرق بين ضمان المال؛ حيث أوجبناه على المحكوم له وبين ضمان الإتلاف؛ حيث أوجبناه على الحاكم؛ أن المال يضمن باليد، وقد حصل في يد المحكوم له فضمنه، والإتلاف لا يضمن باليد، إنما يضمن بكونه واقعاً على وجه محرم، وبتمكين الحاكم فيه خرج عن أن يكون محرماً؛ فلم يجب على المحكوم له، ووجب على الحاكم؛ لتفريطه في التفحص عن حال الشهود. والله أعلم. باب الشهادة في الوصية رجل له عبدان: كل واحد ثلث ماله، وأعتقهما في مرض موته- نظر: إن أعتقهما على الترتيب؛ بأن قال: سالم خر، وغانم حر، ولم يجز الوارث- عتق الأول. وإن أعتقهما معاً، يقرع بينهما؛ [فمن خرجت له قرعة الحرية، حكم بعتقه، ورق الآخر. وإن علق بالموت، وقال: إن مت فسالم حر، وغانم حر- يقرع بينهما]، ولا يقدم من سبق ذكره. فلو شهد شاهدان؛ أنه أعتق في مرض موته سالماً؛ وهو ثلث ماله؛ وشهد آخران؛ أنه أعتق غانماً؛ وهو ثلث ماله- نظر: إن أرخا بتاريخين مختلفين، فالسابق حر دون الآخر، وإن أرخا تاريخاً واحداً، أو أطلقا، واحتمل السبق والوقوع معاً- يقرع بينهما؛ فمن خرجت له قرعة الحرية، كان حراً، والآخر رقيقاً؛ وإن عرف سبق أحدهما، ولم يعلم السابق منهما، ففيه قولان:

стр. 3450

أحدهما: يقرع بينهما؛ كما لو أعتقهما معاً؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فلا وجه إلا القرعة. والقول الثاني: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنا علمنا سبق أحدهما؛ فإذا أقرع بينهما، لا بأس أن يخرج سهم الرق على السابق منهما؛ فيكون فيه إرقاق حر؛ وإعتاق عبد؛ كما لو أوصى لرجلين لكل واحد منهما بثلث ماله، ولم يجز الورثة- يجعل الثلث بينهما نصفين. وإن علمنا السابق منهما، ثم اشتبه، فقد قيل: فيه أيضاً قولان. وقيل هاهنا: يعتق من كل واحد منهما نصفه قولاً واحداً. أما إذا كانت الشهادة على العتق المعلق بالموت: شهد شاهدان؛ أنه أعتق عبده سالماً بعد موته، أو أوصى بعتقه؛ وهو ثلث ماله، وشهد آخران، أنه أعتق غانماً بعد موته؛ وهو ثلث ماله- يقرع بينهما؛ سواء أرخا أو أطلقا؛ لأن المعلق بالموت لا يقدم معه السابق؛ فهو كما لو أعتقهما معاً في المرض. ولا فرق بين أن يكون الشهود من الأجانب، أو من الورثة، إذا كان الوارث لا يجر إلى نفسه نفعاً، حتى لو شهد أجنبيان؛ أنه أعتق عبده سالماً في مرض موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه أعتق غانماً؛ وهو ثلث ماله، ولم يكذب الوارثان الأجنبيين، بل شهدا مطلقاً، وقالا: لا ندري: هل أعتق سالماً أم لا؟ وكانا عدلين- فالحكم على ما ذكرنا في الأجنبيين. فإن صدق الوارثان الأجنبيين، فقد ثبت عتقهما، فإن أجاز الورثة الزيادة على الثلث عتق العبدان جميعاً، وإن لم يجيزا فعلى ما ذكرنا من القولين. وإن كذب الوارثان الأجنبيين، وقالا: لم يعتق سالماً، بل أعتق غانماً- عتق العبدان جميعاً: الأول بشهادة الأجنبيين، والثاني بإقرار الوارثين، إذا كانا يرثان جميع المال. فإن كان معهما وارث آخر، يعتق من الثاني بحصتهما؛ لأن تكذيبهما لا يبطل شهادة الأجنبيين، وبزعمهما أن الثاني حر؛ لأن الأول رقيق. وإن كانت إحدى البينتين غير عادلة، نظر: إن كان الأجنبيان غير عدلين، والوارثان

стр. 3451

عدلان- عتق العبد الذي شهد بعتقه الوارثان من الثلث، وكان الآخر رقيقاً. وإن كان الأجنبيان عدلين والوارثان غير عدلين- عتق العبد الذي يشهد بعتقه الأجنبيان. قال شيخنا الإمام ﵁: ويقرع بينهما؛ على قياس ما ذكر من بعد؛ فإن خرجت القرعة للذي شهد بعتقه الأجنبيان لا يعتق هذا، وإن خرجت لهذا: فالأول حر؛ بشهادة الأجنبيين، ويعتق الثان من ثلث ما بقي؛ بإقرار الوارثين، إن لم يكن سواهما وارث، وإلا فبقدر حصتهما. أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أعتق عبده سالماً في مرضه؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه أعتق غانماً؛ وهو سدس ماله- يبنى على المسألة الأولى، إذا كانت قيمة كل واحد سواء. إن قلنا هناك: يقرع بينهما، فهاهنا: يقرع بين العبدين: فإن خرجت القرعة للذي قيمته ثلث ماله عتق كله، وكان الآخر رقيقاً، وإن خرجت للذي قيمته سدس ماله، عتق كله ونصف العبد الأول؛ حتى يتم الثلث. وإن قلنا هناك: يعتق من كل واحد منهما نصفه، فهاهنا وجهان: أحدهما- وبه قال أبو حنيفة-: يعتق ثلاثة أرباع العبد الذي هو ثلث ماله، ونصف العبد الآخر؛ لأن نصف سالم قد عتق بشهادة الأجنبيين، وقول الوارث في إبطال عتقه لا يقبل؛ للتهمة. وفي النصف الآخر غير متهم؛ لأنه يقر بعتق غانم في مقابلته، وقيمته مع نصف قيمة سالم سواء؛ فينتصف العتق بين غانم وبين نصف سالم؛ فيعتق ربع سالم ونصف غانم، وجملته: ثلث المال. والوجه الثاني- وبه قال أبو يوسف-: يعتق من كل عبد ثلثاه؛ لأن الوصية إذا زادت على الثلث، ينظر: كم نسبة ما زاد على الثلث من جميع الوصية؟ فنسبة تلك الزيادة تنقص عن كل واحد منهم، فهاهنا نسبة ما زاد على الثلث من جميع الوصية نسبة الثلث ويرد العتق في ثلث كل عبد، ويعتق ثلثاه؛ كما لو أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله، ولم يجز الورثة- ينقص الثلث من وصية كل واحد منهما. هذا إذا شهد الوارثان. أما إذا لم يشهدا بدليل، بل أقرا أنه أعتق هذا العبد الآخر، أو شهدا؛ ولم تقبل شهادتهما؛ لفسقهما، أو كان الوارث واحداً، فشهد وأقر، بأن الميت أعتق هذا العبد الآخر- نظر: إن كذبا الأجنبيين عتق العبدان جميعاً، وإن لم يكذبا، بل قالا: لا نعلم حال الأول، فالعبد الأول حر بشهادة الأجنبيين، ويقرع بين العبدين بحكم إقرار الوارث؛ فإن خرجت

стр. 3452

قرعة الأول تقرر عتقه، وكان الذي أقر به الوارث رقيقاً، وإن خرجت القرعة للثاني، فالأول حر بشهادة الشهود، والثاني يعتق من ثلث ما بقي من المال بإقرار الوارث [له]. أما إذا كانت الشهادة على تعليق العتق بالموت: شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبده سالم بعد موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه رجع عن عتق سالم، وأوصى بعتق غانم؛ وهو ثلث ماله- تقبل شهادة الوارثين على الرجوع، ويحكم بعتق غانم؛ لأنهما لا يجران لأنفسهما نفعاً؛ لأن قيمة كل واحد من العبدين ثلث ماله. وعند أبي حنيفة، ومالك: لا يقبل قولهم في الرجوع. وإن كان الوارثان فاسقين، لا يقبل قولهما في الرجوع، ويحكم بعتق من شهد بعتقه الأجنبيان؛ لأن الثلث يحتمله، ويعتق من الآخر بقدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال؛ لأنا نجعل الأول كأنه غصب من التركة. أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبده: سالم بعد موته؛ وهو ثلث ماله، وشهد وارثان؛ أنه رجع عن عتق سالم، وأوصى بعتق غانم، وهو سدس ماله؛ وهما عدلان- فالوارث متهم في بعض شهادته، وهو رد العتق في نصف العبد الأول؛ فلا تقبل شهادته فيه؛ وهل تقبل في الباقي؟ فعلى قولي تبعيض الشهادة. فإن قلنا: لا تتبعض؛ وبه أجاب هاهنا، ترد شهادة الوارثين في الكل، وعتق العبد الأول بشهادة الأجنبيين، وعتق من الثاني بقدر ما يحتمله ثلث الباقي من المال؛ بإقرار الوارثين. وإن قلنا: تتبعض الشهادة، عتق نصف العبد الأول، وجميع العبد الثاني؛ لأن التهمة لم توجد إلا في نصف العبد الأول. هذا إذا لم يكن في التركة وصية سوى العتق. فإن كان قد أوصى لزيد بثلث ماله، تقبل شهادة الوارثين؛ أنه رجع عن عتق الأول، وأعتق الثاني الذي قيمته سدس ماله؛ لأنهما لو شهدا على الرجوع، ولم يشهدا بعتق الثاني تقبل؛ لأن رد الزيادة على الثلث ثابت لهما؛ فلا تهمة في شهادتهما. فإن قبلنا شهادتهما؛ أنه رجع عن الأول، وأعتق [الثاني] الذي قيمته السدس- يجعل الثلث أثلاثاً بين العبد الثاني، وبين الموصى له بالثلث؛ فيعتق ثلثا العبد الثاني، ويعطي الموصي له ثلثي الثلث؛ كما لو أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بسدس ماله.

стр. 3453

أما إذا شهد أجنبيان؛ أنه أوصى بعتق عبد قيمته الثلث، وشهد أجنبيان آخران؛ أنه رجع نه، وأوصى بعتق عبد قيمته السدس- يقبل، ويعتق من قيمته السدس دون الأول؛ لأن الأجنبيين لا يجران إلى أنفسهما نفعاً بشهادتهما. ولو شهدا شاهدان أن الميت كان قد أوصى بعتق سالم؛ وهو ثلث ماله، وحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع الشاهدان، وشهد آخران؛ أنه أوصى بعتق غانم؛ وهو ثلث ماله، ولم يجز الوارث إلا الثلث- فإنه يقرع بين العبدين؛ فإن خرجت القرعة لسالم، ثبت عتقه، وبقي الآخر رقيقاً، والشاهدان يغرمان قيمة سالم للورثة؛ لأنهما لما رجعا، فقد أقرا بإتلافه. ولو خرجت القرعة لغانم كان حراً، والأول رقيق، ولا غرم على الشاهدين؛ لأنا لما حكمنا برقه، بان أنهما لم يتلفا شيئاً. قال شيخنا الإمام ﵁: عندي يحكم بعتق غانم من غير قرعة، وعلى الشاهدين قيمة سالم للورثة؛ لأن القرعة إذا خرجت لسالم، وأوجبنا قيمته، وأرفقنا غانماً- لم يذهب شيء من التركة في الوصية. فصل إذا شهد شاهدان على رجل؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد آخران؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، ولم يجز الورثة- يجعل الثلث بينهما نصفين. أما إذا شهد الآخران؛ أنه رجع عن الأول، وأوصى للثاني بالثلث- بطل الأولى وكان الثلث كله للثاني، وتقبل شهادة الثاني على الرجوع؛ وارثاً كان أو أجنبياً؛ لأنه لم يجر إلى نفسه نفعاً بهذه الشهادة. ولو شهد آخران؛ أنه رجع عن الوصية الثانية، وأوصى لثالث- كان كله للثالث. ولو شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد آخران؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، وشهد آخر؛ أنه رجع عن إحدى الوصيتين وعينها- كان الثلث كله للآخر الذي لم يرجع عن وصيته. فإن قالا: رجع عن إحدى الوصيتين ولم يعينا- فالثلث يكون بينهما نصفين؛ وهذه الشهادة غير مقبولة، للاحتمال؛ كما لو شهدا أنه أوصى بثلث ماله لأحد هذين الرجلين، ولم يعينا الموصى له- يقبل؛ حتى لو شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد

стр. 3454

آخران؛ أنه رجع عن الوصية الأولى، وأوصى لآخر بالثلث، وشهد آخران؛ أنه رجع عن إحدى الوصيتين- فهذه الشهادة باطلة، وكان الثلث كله للثاني. فصل إذا شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد واحد؛ أنه أوصى لفلان آخر بثلث ماله، وحلف معه الموصى له- ففيه قولان: أحدهما: الشاهد واليمين لا يعارضان الشاهدين؛ لأن الشاهد بنفسه ليس بحجة؛ فيكون الثلث كله للأول. والثاني: يتعارضان؛ لأن الشاهد واليمين حجة في المال؛ كالشاهدين؛ فيكون الثلث بينهما. أما إذا شهد شاهدان؛ أنه أوصى لفلان بثلث ماله، وشهد واحد؛ أنه رجع عن تلك الوصية، وأوصى لآخر- حلف معه الموصى له، ويحكم برجوعه، ويكون الثلث للثاني؛ لأن ههنا شهد الشاهد الواحد، فثبت ما شهد به الأولان، ويشهد بشيء آخر، وهو الرجوع عن الوصية الأولى، ووصيته للثاني، فلا يقع بينهما تعارض. فصل من ادعى على إنسان حقاً، لم يكن له ملازمته بمجرد الدعوى، وإن كانت له بينة؛ حتى يقيمها؛ فإن أقام المدعي بينة، عاد له، فإن كان المدعى عليه ممن لا يعلم؛ أن له دفع البينة بالجرح- أعلمه الحاكم؛ أنه قد شهد عليك فلان وفلان بكذا، وثبتت عدالتهما عندي، فإن كان لك حجة على جرحهما، فأقمها. وإن كان ممن يعلم؛ أن له دفع البينة بالجرح؛ فإن شاء الحاكم قال له ذلك، وإن شاء سكت. فإن قال المشهود عليه؛ لي بينة على جرحهما، أمهله يوماً إلى ثلاثة أيام، ولا يجاوز الثلاث. وكذلك لو قال: لي بينة على قضاء الحق، أو على الإبراء- أمهله هذا القدر. وللمشهود له ملازمته إلى أن يقيم البينة على الجرح، أو القضاء؛ لأن الحق قد يثبت في الظاهر. فإن أقام المدعي شاهدين، ولم تثبت عدالتهما في الباطن- فهل يحبس المشهود عليه

стр. 3455

على تعديل الشهود؟ لا يخلو: إما إن شهدا على عقوبة، أو مال: فإن شهدا على عقوبة؛ إن كانت حقاً لله تعالى، مثل: حد الزنا، والشرب، وقطع السرقة- لا يحبس؛ لأن مبناها على المساهلة؛ بدليل أنه لو هرب بعد وجوب الحد عليه، لا يتبع. وإن كان حقاً للعباد؛ مثل: القصاص، وحد القذف؛ سواء قذف زوجته، أو أجنبياً- يحبس المشهود عليه؛ لأن المدعي أتى بما عليه، ولم يبق إلا البحث عن العدالة؛ والأصل في الناس العدالة. وإن شهدا على مال، نظر: إن كان عيناً، ينتزع من يد المشهود عليه بمسألة المدعي، ويوقف، ويمنع من التصرف فيه؛ حتى يعدل الشهود. وإن كان ديناً، لا يستوفي؛ وهل يحبس المشهود عليه؟ فيه وجهان: أصحهما- وهو قول أبي إسحاق-: يحبس؛ لأن الظاهر عدالة الشهود. والثاني- وهو قول الإصطخري-: لا يحبس؛ لأن الأصل براءة ذمته، بخلاف القصاص، وحد القذف يحبس فيه؛ لأنه يستوفي من بدنه. وقيل: لا يحبس، بل يكفل، وللمدعي ملازمته إلى أن يعطي الكفيل. وإذا بعث القاضي معهما رجلاً؛ ليكفل، فالأجرة على المدعي. وكذلك لو ادعت امرأة على زوجها؛ أنه طلقها، وأقامت شاهدين- يفرق بينهما إلى تعديل الشهود. ولو ادعى عبد على سيده؛ أنه أعتقه، وأقام شاهدين؛ لا تعرف عدالة باطنهما، وسأل العبد أن يحال بينه وبين سيده- يحال بينهما، ويؤاجره الحاكم؛ فينفق عليه من كسبه، ويكسوه، ويقف ما فضل؛ فإن تم عتقه كان له، وإن رق كان للسيد؛ وهل يحال بينه وبين السيد من غير مسألة العبد؟ وفي المال من غير مسألة المدعي؟ فيه وجهان. وبعدما حال الحاكم بينهما، ووقف العين، فجميع تصرفات المتداعيين فيها باطلة إلا أربعة: الإقرار؛ وهو أن يقر به لإنسان، والعتق، والتدبير، والوصية؛ فإن هذه التصرفات من أيهما توجد، وتتوقف. فإن حصل الحكم له نفذ، وإلا فلا ينفذ؛ لأن هذه التصرفات تتعلق بالإخطار، والإقرار يتوقف على التفسير. أما سائر التصرفات، فلا يصح؛ لأنها لا تتوقف.

стр. 3456

أما قبل أن يحول الحاكم بينه وبينها، لا ينفذ تصرف المدعي فيه، وهل ينفذ تصرف المدعي عليه؟ إن قلنا: مسألة المدعي شرط للوقف؛ فينفذ. وإن قلنا: ليس بشرط؛ فوجهان: أحدهما: لا ينفذن كما بعد الوقف. والثاني: ينفذ؛ كتصرف المفلس قبل الحجر عليه ينفذ. وكل موضع قلنا: يحبس المشهود عليه، أو يوقف المال، إذا أقام المدعي شاهدين، فإن أقام شاهداً واحداً، وقال: لي شاهد آخر، وسأل الحبس والوقف؛ إلى أن يأتي به- هل يحبس؟ وهل يوقف المال، أو يمنع من التصرف؟ فيه قولان: أصحهما: لا يحبس، ولا يوقف، لأنه لم يأت بحجة تامة. والثاني: يحبس، ويوقف، لأنه أتى ببعض الحجة. وقال أبو إسحاق: إن كان الحق مما يقضى فيه بالشاهد واليمين- يحبس، وإلا فلا. وكذلك لو ادعى نكاح امرأة، وأقام شاهداً- هل يحبس؟ فيه وجهان: فإن قلنا: لا يحبس، هل يطالب بكفيل يتكفل ببدنها؟ فيه وجهان؛ لأنه ليس في الكفالة ضرر عليها؛ بخلاف الحبس. فصل إذا كان له عبدان؛ فقال لسالم: إن مت في رمضان فأنت حر، وقال لغانم: إن مت في شوال فأنت حر؛ فأقام سالم بينة على موته في رمضان، وغانم بينة على موته في شوال- ففيه قولان: أحدهما: يتعارضان؛ لأن بينة كل واحد تنفي ما تقوله الأخرى. والثاني: ترجح بينة الموت في رمضان؛ لأن عندها زيادة علم وهو الموت في رمضان، ويجوز أن يخفى ذلك على الأخرى. وإن قلنا بالتعارض، ففي قول: يسقطان. قال شيخنا الإمام: ورق العبدان. وفي الثاني: يستعملان.

стр. 3457

وفيه أقوال في قول: يوقف. والثاني: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، يحكم بعتقه. و [في] الثالث: يعتق من كل واحد نصفه؛ وكذلك لو كان له عبد واحد؛ فقال له: إن مت في رمضان فأنت حر، ثم اختلف العبد مع الوارث، وأقام كل واحد بينة- فعلى قولين: في قول: يتعارضان. وفي الثاني: بينة العبد أولى. وقال المزني: بينة الوارث أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهي بقاء حياته إلى شوال. قال شيخنا الإمام- ﵁ فإن لم تكن بينة، فالقول قول الوارث مع يمينه، وكذلك لو قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه قتل، وأقام الوارث بينة؛ أنه مات- فيه قولان: أحدهما: يتعارضان. والثاني: بينة العبد أولى؛ لأن عنده زيادة علم، ويحكم بعتقه. فإن قلنا بالتعارض، فأصح الأقوال أنهما يسقطان. والقول قول الوارث مع يمينه؛ لأن الأصل يفارقه. وإن قلنا: يستعملان، ففيه أقوال: أحدها: يوقف. والثاني: يقرع بين العبد والوارث؛ فإن خرجت القرعة للعبد، يحكم بعتقه، وإن خرجت للوارث كان رقيقاً. والثالث: يعتق نصف العبد. ولو قال: إن مت من مرضى فسالم حر، وإن برئت فغانم حر، فأقام سالم بينة؛ أنه مات من مرضه، وأقام غانم بينة على أنه برئ منه، ثم مات- يتعارضان. فإن قلنا: يسقطان، رق العبدان.

стр. 3458

وفيه وجهان آخران: أحدهما: بينة الموت أولى؛ لأن عندها زيادة علم، وهو الموت من ذلك المرض. والثاني: بينة البرء أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ وهو بقاء حياته. والله أعلم.

стр. 3459

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الدعوى والبينات روي عن ابن عباس؛ أن النبي- ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء قوم وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعى عليه.

стр. 3460

وروي عن ابن عباس؛ أن النبي- ﷺ قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". وروي عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: "جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي- ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي؛ فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق؛ فقال النبي- ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال لا؛ قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله؛ إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه؛ قال: "ليس لك منه إلا ذلك". الدعوى في اللغة هي التمنى، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] أي يتمنون. ومن ادعى شيئاً لا يعطى إليه ما يدعيه إلا بحجة يقيمها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] طلب منهم البرهان على دعواهم، والنبي- ﷺ جعل البينة حجة للمدعي، واليمين حجة للمدعى عليه. قال أبو حنيفة: المدعي من يثبت شيئاً، والمدعى عليه من ينفيه. وللشافعي ﵁ فيه قولان استنبطهما أصحابه من مسائله: أحدهما: المدعي من يدعي أمراً باطناً، والمدعى عليه من يدعي أمراً ظاهراً. والثاني: المدعي من لو سكت ترك، وسكوته، والمدعى عليه من لا يترك وسكوته. بيانه: من ادعى على إنسان ديناً؛ فأنكر، أو ادعى عيناً في يده؛ فأنكر- فالمديع يدعي أمراً باطناً؛ وهو اشتغال ذمة المدعى عليه وما في يد المدعى عليه ليس له والمدعى عليه يدعي

стр. 3461

أمراً ظاهراً؛ وهو فراغ ذمته وأن ما في يده ملك له، والمدعي لو سكت ترك وسكوته ودعواه تترك، والمدعى عليه لا يتركه بل يطالبه بما يدعيه. والدعوى لا تسمع مجهولاً إلا في الوصية. وإن ادعى ديناً، يجب أن يذكر الجنس، والنوع، والصفة؛ وإن ادعى عيناً، يذكر صفتها، ولا يجب ذكر القيمة؛ فإن ذكر، كان أحوط وإن كانت العين تالفة: فإن كان لها مثل ذكر صفتها، وإن ذكر القيمة؛ كان أحوط. وإن لم يكن لها مثل، ذكر قيمتها؛ وإن كان حلياً من ذهب قومه بالفضة، وإن كان من فضة قومه بالذهب؛ وإن ادعى قتلاً ذكر صفته؛ كما ذكرناه في "كتاب الجنايات". ومن ادعى دعوى صحيحة، تسمع؛ سواء ادعى على دنيء، أو شريف؛ عرف بينهما سبب معاملة، أو لم يعرف. وقال مالك: لا تسمع دعوى الدنيء على الشريف؛ إذا لم يعرف بينهما معاملة. ولو ادعى داراً أو عيناً في يد رجل؛ فأنكر المدعى عليه- حلف، وحكم له بها. فلو أقام المدعي بينة بعد ما حلف المدعي عليه، أو قبله- يقضي له. وإنما قدمنا البينة؛ للحديث؛ ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك، واليد تحتمل الملك وغيره، ويتقوى باليمين، واليمين لا تخلو عن التهمة؛ فكانت البينة أولى؛ فلو أقام صاحب اليد بينة بعد ما عدلت بينة المدعي- تسمع، ويقضي لصاحب اليد؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجح جانب المدعي عليه باليد. وعند أبي حنيفة: لا تسمع بينة ذي اليد، إلا في ثلاث مواضع: أحدها: في دعوى النتاج وهو أن يتنازعا في دابة أقام كل واحد منهما بينة أنها ملكي أنا أنتجتها. والثاني: إذا تنازعا في ثوب؛ لا ينسج إلا مرة واحدة، وأقام كل واحد بينة أنه ملكي، أنا نسجته. الثالث: إذا عزيا الملك إلى شخص واحد، أقام كل واحد بينة؛ أنها ملكي، اشتريته من فلان؛ سميا رجلاً واحداً. قال في هذه المواضع: تسمع بينة ذي اليد، وترجح؛ فنحن نقيس عليها. ثم عندنا: بينة الخارجي مسموعة، إذا شهدوا له بالملك مطلقاً، ولم يبينوا السبب. أما بينة ذي اليد، فهل تسمع من غير بيان السبب؛ أنه ابتاعها، أو ورثها، أو اتهبها؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو الظاهر-: تسمع؛ كبينة المدعي. والثاني: لا تسمع؛ حتى يبينوا السبب؛ لأنهم ربما يشهدون له بظاهر اليد.

стр. 3462

وإن قلنا: لا يشترط بيان السبب، فبينة ذي اليد مرجحة بكل حال؛ سواء بينت بينة الخارجي [ذكر] السبب أو أطلقت. وإن قلنا: يشترط بيان السبب؛ فلم يبين- يقضى للخارجي؛ سواء بينت بينته السبب، أو أطلقت. وهل يحلف ذي اليد مع بينته؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح-: لا يحلف؛ كما لا يحلف الخارجي إذا أقام البينة. والثاني: يحلف؛ لاحتمال أنهم شهدوا له بظاهر اليد؛ وهي في يده بإجارة، أو عارية. وأصل هذا: أن القضاء يقع باليد، أم بالبينة؟ فيه وجهان: أحدهما: بالبينة، وترجحت باليد؛ فعلى هذا لا يحلف. والثاني: باليد؛ لأن البينتين تعارضتا؛ فسقطتا؛ فيصار إلى اليمين. ولو أقام ذو اليد البينة قبل إقامة المدعي البينة- لا تسمع؛ لأنه مستغن عن إقامة البينة باليد، وحجته اليمين. وقال ابن سريج: تسمع بينته؛ كما تسمع بعد إقامة المدعي البينة. أما إذا أقام ذو اليد البينة بعد ما أقام المدعي البينة قبل تعديلها- فهل تسمع؟ هذا يرتب على ما لو أقام قبل إقامة البينة: إن قلنا هناك: تسمع، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. والأصح: أنه تسمع وترجح؛ لأن يده أشرفت على الزوال بإقامة المدعي البينة. ولو أقام ذو اليد البينة بعدما قضى القاضي للمدعي بينته- هل تسمع؟ فيه وجهان: الأصح: وهو المذهب-: تسمع؛ كما لو أقام أجنبي البينة بعد ما قضى القاضي للمدعي بينته- تسمع. وقيل: لا تسمع؛ لما فيه من نقص قضاء القاضي. ولو أقام الخارجي شاهدين، وأقام ذو اليد شاهداً وامرأتين- تسمع، وترجح بينة ذي اليد. ولو أقام الخارجي شاهدين، أو شاهداً وامرأتين، وأقام ذو اليد شاهداً، وحلف معه - ففيه قولان: أحدهما: يقضي لذي اليد؛ لأن الشاهد واليمين؛ كالشاهدين في المال. والثاني: يقضي للخارجي؛ لأن حجته أقوى.

стр. 3463

قال شيخنا الإمام ﵁: ولكن بناء القولين؛ على أن صاحب اليد، هل يحلف مع بينته، أم لا. إن قلنا: يحلف، فها هنا يقضي للخارجي؛ لأن اليمين ثابت مع البينة الكاملة، فلا تقع في معارضة بينة المدعي. وإن قلنا: لا يحلف، فاليمين ها هنا كشاهد آخر يقيمه؛ فيترجح به. ولو لم يكن لهما بينة؛ فنكل صاحب اليد عن اليمين، وحلف المدعي، وقضي له، ثم أقام ذو اليد بينته- تسمع؛ كما لو أقام البينة بعد إقامة المدعي البينة. وقيل: إذا قلنا: النكول ورد اليمين بمنزلة إقرار المدعى عليه- لا تسمع بينته، كما لو أقام بعد الإقرار والأول أصح؛ لأنه جعل كالإقرار حكماً، لا أنه حقيقة إقرار. ولا فرق في ترجيح بينة ذي اليد بين أن يدعيا الملك مطلقاً؛ على المذهب الصحيح الذي يقول: لا يجب على ذي اليد بيان سبب الملك، وبين أن يبينا سبب الملك؛ وسواء اتفق السببان؛ أو اختلفا؛ بأن يقول أحدهما: هذا ملكي اشتريته من فلان، ويقول الآخر: بل ملكي ورثته من أبي، أو أصدقني زوجي وسواء عزيا الملك إلى شخص واحد؛ بأن يقول كل واحد: هذا ملكي اشتريته من زيد أو كان أحد الخصمين امرأة تقول: أصدقني زوجي، ويقول الآخر: اشتريته من زوجك؛ أو عزيا إلى شخصين؛ بأن يقول أحدهما: ملكي اشتريته من زيد، ويقول الآخر: ملكي اشتريته من عمرو، وأقام كل واحد بينة- ترجح بينة ذي اليد؛ في الأحوال كلها. أما إذا أقام الخارجي بينة؛ أنها ملكي غصبها مني ذو اليد، أو أجرتها منه، أو أودعتها منه، وأقام ذو اليد بينة؛ أنها ملكي- فالصحيح أنه يقضي لذي اليد. وقال الشيخ ابن سريج: يقضى للخارجي؛ لأن بينته تثبت له اليد والملك؛ ولأن يد المستأجر والوديعة تكون للمالك؛ كما في الغصب. أما إذا ادعى الخارجي تلقي ذلك في ذي اليد؛ بأن قال: اشتريته منك، وأقام عليه بينة، وذو اليد يقيم البينة؛ أنها ملكه يقضى للخارجي، لأن بينته تثبت الملك لذي اليد، ثم ينقله منه؛ فكانت الناقلة أولى؛ لأن عندها زيادة علم؛ حتى لو أقام الخارجي بينة؛ أني اشتريتها من أبيك، وأقام ذو اليد بينة؛ أني ورثتها من أبي- ترجح بينة الخارجي، ويقضى له. وكذلك لو أقامت امرأة بينة؛ أن أباك أصدقني هذه الدار، وأقام ذو اليد بينة؛ أنه ورثها من أبيه- يقضى للمرأة.

стр. 3464

وكذلك لو أقام رجل بينة؛ أن أبا المدعى عليه وقفها، أو كان عبداً أقام بينة؛ أن أباه أعتقه وأقام ذو اليد بينة، أنه ورثه من أبيه- يقضى له بالوقف والعتق. هذا إذا كانت الدار والعين في يد أحد المتداعيين فأما إذا كانت الدار في أيديهما؛ يدعي أحدهما كلها، والآخر نصفها- فالقول قول مدعي النصف في النصف الذي في يده. فإن أقام مدعي الكل البينة، قضي له بالكل، وإذا أقام كل واحد بينة، كان بينهما؛ فينبغي أن يقيم مدعي الكل البينة أولاً؛ لأن مدعي النصف لا يدعي أكثر مما في يده. وبينة ذي اليد لا تسمع ابتداءً؛ فإذا أقام مدعي الكل البينة؛ على أن جميعها له- سمعت بينته، وإن كان النصف مسلماً له، ودخول ذكر ذلك النصف في كلام الشهود- لا يقدح في شهادتهم. ولو شهدت له بينته؛ أن النصف الذي في يد صاحبه له- صح، وقضي له بجميعها، ثم مدعي النصف يقيم البينة؛ فيرجح بينته باليد فتكون الدار بينهما. ولو ادعى كل واحد منهما؛ أن جميع الدار له، حلف كل واحد منهما على ما يدعيه، وكانت بينهما وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قضى للحالف بالكل؛ ولو أقام كل واحد بينة، كانت بينهما؛ لأنه ترجحت بينة كل واحد منهما في النصف الذي في يده. بيانه: من أقام البينة أولاً، سمعت بينته في النصف الذي في يد صاحبه، ثم الثاني إذا أقام البينة، سمعت بينته في الكل؛ فرجحت في النصف الذي في يده باليد؛ فيحتاج صاحبه إلى أن يعيد البينة على النصف الذي في يده، للمعارضة؛ فتكون الدار بينهما. وإن كان أحدهما يدعي جميع الدار، والآخر يدعي ثلثها- فالقول قول مدعي الثلث في الثلث مع يمينه؛ لأنه صاحب يد فيها؛ فإن أقاما بينتين، ترججت بينة مدعي الثل في الثلث، والباقي لمدعي الكل. أما إذا كانت الدار في يد ثالث؛ فادعاها رجلان- يحلف صاحب اليد يمينين على نفي دعواهما. فإن أقام أحد المتداعيين بينة، قضي له بها؛ وإن أقاما بينتين، تعارضتا، فإذا تعارضت البينتان، ففيه قولان: أصحهما: وهو اختيار المزني-: أنهما يتهاتران، ويسقطان؛ لأنهما متناقضان من حيث يستحيل أن يكون جميع الدار لكل واحد منهما في وقت واحد؛ كالدليلين إذا تعارضا سقطا، ويصار إلى طلب دليل آخر كذلك ها هنا يجعل كأنهما لم يقيما البينة؛ فيصار إلى اليمين. والقول الثاني: أن البينتين بعد التعارض لا يسقطان، بل يستعملان؛ لأن البينتين اتفقتا؛ على أن لا حق لصاحب اليد فيها؛ فتنتزع من يده ثم في كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال:

стр. 3465

أحدها: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، قضي له بها؛ لأن القرعة لها مدخل في الشرع؛ فإن النبي- ﷺ أقرع بين العبيد في العتق وقسم الغنائم بالقرعة. ثم إذا خرجت القرعة لواحد، هل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن بينته ترجحت بالقرعة؛ فتمت الحجة. والثاني: يحلف؛ لأنهما استويا في البينة؛ فالقرعة لتجعله أحق باليمين. والقول الثاني: يوقف؛ حتى يتبين أو يصطلحا؛ لأنا نعلم أن المالك أحدهما لا بعينه؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ومات قبل البيان- يوقف الميراث بينهما؛ حتى يصطلحا. والقول الثاني: وبه قال أبو حنيفة: يجعل بينهما نصفين؛ لأن كل واحد من البينتين لو انفردت، عمل بها؛ فعند التعارض لا يسقطان؛ كما لو مات عن ألف، وله غريمان؛ لكل واحد عليه ألف، يشتركان فيه؛ وكرجلين أقام كل واحد بينة؛ أنه أوصى له بجميع هذه العين؛ يجعل بينهما. وإن كانت الدرا في يد ثالث جاء رجلان [أقام أحدهما بينة] أن نصفها له، وأقام الآخر بينة؛ أن جميعها له؛ فتعارضت البينتان في نصف الدار. إن قلنا: بقول التهاتر، بطلت البينة في نصف الدار وهل تبطل في النصف الذي لا يدعيه إلا أحدهما؟ فيه قولان؛ بناء على تبعيض الشهادة. إن قلنا: لا تتبعض، بطل في الكل وصار كما لو لم يكن لواحد منهما بينة. وإن قلنا تتبعض تسلم نصفها لمدعي الكل. وإن قلنا: بقول الاستعمال، يكون نصفها لمدعي الكل. وفي النصف الآخر أقوال: في قول: يقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة، كان له. وفي قول: توقف؛ حتى يتبين. وفي قول: تنصف بينهما؛ فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار، ولمدعي النصف ربعها. وإذا كانت الدار في يدهما، أو في يد ثالث، فأقام أحدهما رجلين، والآخر رجلاً وامرأتين فهما متعارضتان وإن أقام أحدهما- شاهدين، أو رجلاً وامرأتين، وأقام الآخر شاهداً وحلف معه- ففيه قولان: أحدهما: تتعارضان؛ كما لو أقام كل واحد شاهدين؛ لأن كل واحد حجة كاملة في المال.

стр. 3466

والثاني: يقضى لمن له شاهدان؛ لأن حجته مجمع عليها؛ وحجة الآخر مختلف فيها. وإذا أقام أحد المتداعيين رجلين، أو رجلاً وامرأتين، وأقام الآخر أربعة أو عشرة- فهل ترجح بكثرة العدد. في الجديد وهو المذهب-: لا ترجح؛ لأن كل واحد حجة كاملة. وعلق القول في القديم. وكذلك لو أقام كل واحد بينة عادلة، وإحدى البينتين أورع- هل يقع به الترجيح؟ فعلى هذا الاختلاف. والمذهب: أنه لا ترجيح. وما ذكره في القديم- حكاية مذهب مالك. وإذا اختلف البينتان في التاريخ؛ مثل: أن أقام أحدهما بينة؛ أنها ملكه منذ سنة، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه منذ سنتين- هل ترجح بسبق التاريخ؟ فيه قولان: روي البويطي: أنه لا يرجح وهما سواء؛ لأن مبنى الملك على التنقل؛ فالاعتبار بثبوت الملك في الحال؛ وهما متعارضان فيه؛ كما لو كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد. وروي الربيع- وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، وهو الأصح-: ترجح، ويقضى لمن سبق تاريخه، لأنه ثبت له ملك من قبل بلا معارضة. وإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ؛ فلو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى- ففيه وجهان: أحدهما: يقضى لمن أرخت بينته. والثاني: لا، بل هما متعارضتان؛ لاحتمال أن المطلقة سابقة على المؤرخة. وكذلك لو تنازعا في دابة أقام أحدهما بينة؛ أنها نتجت في ملكه، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه مطلقاً-فهو كما لو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى. وكذلك لو تنازعا في أرض مزروعة، أقام أحدهما البينة، أنها أرضه زرعها، وأقام الآخر بينة؛ أنها ملكه مطلقاً فهو كما لو أرخت إحدى البينتين، وأطلقت الأخرى، لأن بينة من يشهد بالزرع تثبت الملك من وقت الزراعة. فإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ، فإن كانت العين في يد

стр. 3467

أحدهما، وبينة الخارجي أسبق تاريخاً، بأن أقام الخارجي بينة؛ أنها له منذ سنة، وأقام ذو اليد بينته؛ أنها له منذ شهر. إن قلنا: لا ترجح بسبق التاريخ، حكم لصاحب اليد. وإن قلنا: ترجح بسبق التاريخ، فها هنا ترجح بالسبق، أم باليد؟ وفيه وجهان: أحدهما: بالسبق؛ كما لو كانت في يد ثالث. والثاني: باليد؛ لأنها سبب موجود في الحال، فهي أولى من ملك متقدم. ولو عزيا إلى شخص واحد بتاريخين، بأن أقام أحدهما بينة؛ أنه اشتراها من زيد منذ سنة، وأقام الآخر بينة، أنه اشتراها من زيد منذ شهر- فالسابق أولى. فإن عزيا إلى شخصين، بأن أقام أحدهما بينة؛ أنه اشتراها من زيد منذ سنة، وأقام الآخر بينة؛ أنه اشتراه من عمرو منذ شهر- فهل ترجح بالسبق؟ فعلى القولين. وإن كان في يد رجل عبد ادعى رجل؛ أن هذا العبد لي، اشتريته منك [بألف]، وقال الذي في يده: بل هو لي اشتريته منك- فأيهما أقام البينة قضي له؛ وإن أقاما بينتين، فبينة ذي اليد أولى؛ لفضل يده- ووافقنا أبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: يحكم به للخارجي. ولو ادعى رجل داراً على رجل، وأقام بينة شهدت أن هذه الدار كانت ملكاً له بالأمس - ففيه قولان: قال في الجديد وهو المذهب-: لا يقضى له بالملك؛ لأن مبنى الملك على التنقل؛ وهم لم يشهدوا له بالملك في الحال، كما لو ادعى شيئاً، وقال: كان ملكاً لي بالأمس، ولم يقل: الآن ملكي- لا تسمع الدعوى؛ كذلك لا تسمع البينة. وقال في القديم: يقضى له بالملك؛ لأنهم أثبتوا له الملك بالأمس، والأصل دوامه، وكذلك في دعوى اليد: إذا ادعى أن هذه العين كانت في يدي بالأمس، فغصبها مني- تسمع؛ وإن شهد شهود، أنها كانت في يده بالأمس، ولم يقوموا: غصبها منه هذا- فهل تسمع؟ فعلى هذين القولين. وهذا بخلاف ما لو ادعى على رجل؛ أن هذا الشخص الذي في يدك تسترقه كان عبداً

стр. 3468

لي، وأعتقته، وأقام عليه بينة- تسمع. وإن كانوا لا يثبتون له في الحال ملكاً؛ لأنهم يشهدون على وفق دعواه؛ وهو لا يدعي الملك لنفسه في الحال، وما نحن فيه بخلافه. ولو ادعى رجلان داراً في يد رجل، أقام أحدهما بينة؛ أنه غصبها مني، وأقام الآخر بينة؛ أن الذي في يده أقر له بها- فبينة الغصب- أولى؛ لأن الغصب ثبت ببينته وإقرار الغاصب في المغصوب لغير من غصب منه- لا يقبل. فصل في دعوى النكاح الدعوى على ثلاثة أقسام: دعوى تسمع مطلقاً؛ وهو دعوى المال. إذا ادعى؛ أن لي على فلان كذا درهم، لا يحتاج إلى بيان السبب؛ لأن أسبابه كثيرة. الثاني: دعوى لا تسمع إلا مفسراً؛ وهو دعوى القتل؛ كما ذكرنا في القسامة. الثالث: دعوى النكاح. إذا ادعى نكاح امرأة: قال الشافعي: لا تسمع؛ حتى يقول: نكحتها بولي وشاهدي عدل، ورضاها إن كان رضاها شرطاً، وكذلك الشهود إذا شهدوا بالنكاح، فلا يقبل إلا مفسراً. واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال وهو المذهب: لا يسمع إلا مفسراً- كما ذكرنا- لأن مبنى النكاح على الاحتياط؛ تغليظاً لأمر الفرج؛ فإنه معنى تتعلق بجنسه العقوبة، فاشترط فيه التفسير؛ كالدم. ومن أصحابنا من قال: تسمع الدعوى مطلقاً؛ لأنه دعوى في ملك؛ كدعوى المال. وما قاله الشافعي- ﵁ محمول على الاستحباب. ومن أصحابنا من قال: إن ادعى؛ أن هذه زوجته، فلا يحتاج إلى التفسير؛ لأنه يدعي دوام النكاح فلا يشترط في دوام النكاح الولي والشهود والرضا. وإن ادعى؛ أني نكحتها، فيحتاج إلى التفسير؛ لأنه يدعي الابتداء، والابتداء يحتاج إلى هذه الشرائط؛ والمذهب: أن لا فرق بينهما وهذا بخلاف ما لو ادعى؛ أن هذه الجارية ملكي، يسمع، وتقبل البينة مطلقاً؛ لأن المقصود منه المال، وحكم المال أخف؛ بدليل أن العقد على المال لا يفتقر إلى الشهادة؛ بخلاف عقد النكاح. وأيضاً: فإن بضع الحرة لا يملك إلا بوجه واحد؛ وهو النكاح؛ فشرطنا التفسير؛ حتى لا يكون واقعاً على وجه فاسد؛ بخلاف ملك اليمين؛ فإنه يحصل من وجوه شتى، وفي يوم واحد مراراً، فقل، ما يشتبه؛ فلا يشترط فيه التفسير.

стр. 3469

أما الإقرار بالنكاح، هل يقبل مطلقاً؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ حتى يقول: هذه زوجتي نكحتها بولي، وشاهدي عدل ورضاها، والمرأة إذا أقرت فكذلك. والثاني: يقبل مطلقاً، ويثبت؛ بخلاف الدعوى؛ كما لو ادعى ألفاً، لا تسمع إلا مفسراً. ولو أقر بألف مطلقاً، تسمع وإن ادعى مالاً بجهة عقد من: بيع أو هبة، أو ادعى عقد إجارة- هل يحتاج إلى ذكر شروطه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا يحتاج؛ لأن المقصود منه المال؛ فلا يفتقر إلى ذكر الشروط؛ كدعوى المال. والثاني: يحتاج إليه؛ لأنه دعوى عقد؛ فيفتقر إلى ذكر شروطه؛ كعقد النكاح. والثالث: إن كان يدعي عقداً على جارية، يحتاج إلى ذكر الشروط؛ لأنه يملك به الوطء؛ كالنكاح، وفي غير الجارية لا يحتاج إلى ذكرها. إذا ثبت هذا، فإذا ادعى رجل نكاح امرأة؛ لا يخلو: إما إن كانت المرأة خلية، أو كانت تحت زوج: فإن كانت خلية؛ لا يخلو: إما إن كانت صغيرة أو بالغة: فإن كانت صغيرة؛ نظر: إن كانت بكراً، فالدعوى تكون على الأب؛ لأن عقد النكاح عليها إلى الأب، ويقبل إقراره عليها. وإن كانت ثيباً، فلا تسمع دعوى نكاحها؛ لأنه لا يملك أحد تزويجها. فإن ادعى؛ أني نكحتها؛ وهي بكر، لا تسمع أيضاً؛ لأن الدعوى تكون على الأب، والأب لا يملك تزويجها في هذه الحال. وإن كانت المرأة بالغة، فالدعوى تكون عليها بكراً كانت أو ثيباً؛ لأنها مالكة لأمرها؛ ثم نظر: إن أقرت بالنكاح، ثبت النكتاح بتقارها هذا هو المذهب، وقوله الجديد؛ سواء كانا غريبين أو بلديين. وقال في القديم- وبه قال مالك-: إن كانا بلديين، فلا يثبت النكاح بتقارهما، لأنه يمكنهما إثباته بالبينة. وإن كانا غريبين، يثبت. والأول المذهب؛ حتى لو ادعى على امرأة، أن أباك زوجك مني بمشهد فلان وفلان، وأقرت المرأة، وأنكر الأب والشهود يحكم بالنكاح؛ لأن الحق في دوام النكاح لها. وإن أنكرت المرأة النكاح، فالقول قولها مع يمينها، وفإن حلفت، لها في الحال أن تنكح

стр. 3470

زوجاً آخر، وليس له أن ينكح أختها، ولا أربعاً سواها، ولا ابنتها ما لم يطلقها، ولا يحل له نكاح أمها أبداً. وإن نكلت، حلف الزوج، وقضي له بالنكاح؛ كما لو أقام بينة. أما إذا كانت المرأة تحت زوج؛ فادعى رجل نكاحها- فالصحيح من المذهب: أن الدعوى تكون على المرأة، لا على من هي تحته؛ لأن اليد لا تحتوي على المرأة. ثم إن أقام بينة، قضي له بها، ولا ينظر إلى إقرارها لمن هي تحته. وإن أقام كل واحد بينة، لا ترجح بينة من هي تحته؛ لأن الزوجة لا تثبت عليها اليد؛ وهما بمنزلة أجنبيين ادعيا نكاح امرأة خلية، وأقام كل واحد بينة- فينظر: إن كانتا مؤرختين بتاريخين مختلفين، فهي للسابق؛ بخلاف المال لا يرجح بالسبق؛ على أحد القولين؛ لأن مبنى المال على الانتقال من يد إلى يد؛ بخلاف الزوجة. وإن كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتاريخ واحد- فقد تعارضتا: إن قلنا: يسقطان، فهو كما لو لم يكن لأحدهما بينة. وإن قلنا: يستعملان يوقف، حتى يتبين؛ ولا يأتي قول القرعة، ولا قول القسمة. ولو أقام أحدهما بينة؛ أنها زوجته، وأقام الآخر بينة، أنها أقرت له بالنكاح- فبينة من شهدت له؛ أنها زوجته أولى؛ لأن إقرارها بالزوجية للغير بعد قيام الحجة عليها لواحد- لا تسمع؛ كما لو أقام أحد المتداعيين بينة، أنه غصب مني هذه العين، وأقام الآخر بينة، أنه أقر له بها- فبينة الغصب أولى. أما إذا لم يكن لواحد بينة؛ نظر: إن أنكرت دعوى المدعي، وأقرت لمن هي تحته- فهي زوجة لمن هي تحته. وهل للمدعي تحليفها، أم لا؟ يبنى على أنها لو أقرت للثاني بعد ما أقرت للأول- لا تكون زوجة للثاني. وهل تغرم المهر للثاني؟ فيه قولان: إن قلنا: تغرم المهر، له تحليفها؛ رجاء أن يقر؛ فيغرم المهر. وإن قلنا: لا يغرم، فهذا يبنى على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار من المدعى عليه، أو بمنزلة البينة من المدعي؟ وفيه قولان:
следующие страницы →