← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17885

التهذيب في الفقه الشافعي

البغوي، أبو محمد

Полный текст (3 626 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

أحدهما: يسري؛ لأنه قصد تملكه بالقبول. والثاني: لا يسري؛ لأن قبوله يوقع الملك للموصى له، ثم ينتقل إليه إرثاً. أما إذا أوصى له ببعض من يعتق عليه دون وارثه؛ مثل: أن أوصى له بشقص من أمة، ووارثه أخ من الأب، فمات قبل القبول وقبل أخوه-: عتق ذلك الشقص على الميت، وهل يسري؟ نظر: إن كان للموصى له تركة-: يسري؛ وإلا فلا؛ وإنما قلنا: يسري؛ لأنا نحكم له بالملك حالة الحياة، وقبول وارثه بمنزلة قبوله. ولو وهب لعبده بعض من يعتق على السيد، فقبل، وقلنا: لا يحتاج في القبول إلى إذن المولى-: صح القبول، وعتق على السيد، ويقوم عليه الباقي؛ لأن قبول العبد كقبول المولى. فصل هل يجوز لولي الصبي أن يشتري من يعتق عليه لا يجوز لولي الصبي والمجنون أن يشتري له من يعتق عليه: فإن فعل فالشراء باطل، فأما إذا أوصى للصبي بمن يعتق عليه، أو وهب له- هل يجوز للمولي أن يقبله؟ نظر: إن كان القريب كسوباً- يجوز للولي أن يقبل ويعتق، ونفقته في كسب، وإن لم يكن كسوباً- نظر: إن كان الصبي معسراً بحيث لا يلزمه نفقة القريب- يجوز للولي أن يقبله ويعتق [على الصبي، ونفقته في بيت المال]، وإن كان الصبي موسراً- لا يجوز للولي أن يقبله، ولو قبل- يكون مردوداً، لأن فيه إضراراً بالصبي بإيجاب نفقة القريب عليه، فأما إذا وهب للصبي شقص ممن يعتق عليه، أو أوصى له به، هل يجوز للولي أن يقبله- نظر: إن كان الصبي معسراً - يجوز، ويعتق ذلك الشقص عليه، ولا يسري، وإن كان موسراً- نظر: إن لم يكن العبد كسوباً - لا يجوز أن يقبل، ولو قبل يكون مردوداً، وإن كان كسوباً، هل يجوز أن يقبل؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه إذا قبل يعتق، ويسري؛ فيلزم الصبي قيمة نصيب الشريك. والثاني: يجوز أن يقبل ثم يعتق عليه ذلك الشقص، ولا يسري؛ لأن الضرر في السراية لا في القبول، والله أعلم.

стр. 3537

باب الولاء روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يوهب" من أعتق عبداً أو أمة- ثبت له عليه الولاء، سواء نجز عتقه أو علق عتقه بصفة فوجدت الصفة، أو كاتبه فعتق بأداء النجوم، أو استولد جارية فعتقت بموته، أو اشترى قريبه فعتق قريبه، أو أعتق شقصاً له في عبد، فسرى، أو قال لغيره. أعتق عبدك عني، فأعتق-: عتق على السائل، وله الولاء، والولاء تلو النسب يورث به ولا يورث، كالنسب يورث به ولا يروث، ويثبت بالولاء ثلاثة أحكام: ولاية التزويج، وتحمل العقل، والميراث فولاية التزويج تثبت للمعتق على المعتقة، وكذلك الميراث يثبت للمعتق من المعتق، أما المعتق فلا يثبت له تزويج لمعتقه، ولا يثبت له الميراث من المعتق، أما تحمل العقل فالمعتق يتحمل من المعتق، وهل يتحمل المعتق؟ فيه قولان.

стр. 3538

ومن أعتق عبداً سائبة، وشرط أن لا ولاء عليه- يلغو الشرط، ويثبت الولاء؛ لأن النبي- ﷺ قال: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، قضاء الله أحق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب، فإذا أعتق رجل أو امرأة عبداً أو أمة، ومات المعتق، ولا وارث له من جهة النسب-: فميراثه لمعتقه رجلاً كان أو امرأة. وكذلك: يأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض، فإن لم يكن المعتق حياً، فلعصبات المعتق، فكل من كان أقرب إلى المعتق من عصباته-: فهو أولى بميراث المعتق. ولا يرث النساء بولاء الغير؛ فلا ترث ابنة المعتق، ولا أمه ولا أخته، وإنما يرث المعتق بولاء المعتق ذكر يكون عصبة للمعتق، لو مات المعتق يوم موت المعتق بصفته فإن كان للمعتق ابن وبنت- ورث الابن دون البنت، ولو كان له أخ وأخت لأب وأم أو لأب- ورث الأخ دون الأخت. ولو أعتق مسلم عبداً كافراً، ومات عن ابنين: كافر ومسلم، ثم مات المعتق- كان ميراثه للابن الكافر؛ لأن المعتق: لو مات [اليوم] بصفة الكافر- كان ميراثه لابنه الكافر، فلو أسلم المعتق، ثم مات - كان ميراثه للابن المسلم، ولو أسلم الابن الكافر بعد موت الأب، ثم مات المعتق مسلماً- كان ميراثه بينهما. وتوريث عصبات الولاء كتوريث عصبات النسب؛ إلا في مسائل ذكرتها في "كتاب الفرائض". منها: أن في النسب: الجد مع الأخ للأب والأم أو للأب-: يستويان في الميراث، وفي الولاء: إذا كان للمعتق جد وأخ- ففيه قولان:

стр. 3539

أحدهما: هما سواء. والثاني: أن الأخ أولى؛ لأنه يدلي بالبنوة؛ فيقول: أنا ابن أب المعتق، والجد يدلي بالأبوة، والابن أولى من الأب. وكذلك: من يدلي بالبنوة- كان أولى، وترث المرأة بالولاء، إذا باشرت العتق، حتى ترث من معتقها وأولاد معتقها ومن ينتمي إلى معتقها بولاء أو نسب. روي أن ابنة لحمزة أعتقت جارية، فماتت الجارية عن بنت، والمعتقة، فجعل النبي- ﷺ نصف ميراثها للبنت، والنصف للمعتقة. ولو اشترت امرأة أباها، فعتق عليها، ثم الأب أعتق عبداً، فمات المعتق بعد موت الأب، وللأب أخ أو عم، فميراث المعتق لأخ الأب، أو لعمه دون البنت؛ لأنها معتقة المعتق، وعصبة المعتق أولى من معتق المعتق، فإن لم يكن للأب عصبة من جهة النسب، فحينئذ: ميراثه للبنت لكونها معتقة المعتق. ولو اشترى أخ وأخت أباهما فعتق عليهما، ثم اشترى الأب عبداً، فأعتقه؛ ثم مات الأب: فميراثه لولده؛ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فلو مات المعتق بعده، فجميع ميراثه للأخ دون الأخت؛ لأن الأخت معتقة المعتق، والأخ عصبة الأب من جهة النسب، [فهو أولى] من معتق المعتق؛ حتى لو كان الأخ ميتاً قبل موت المعتق، وله ابن وابن ابن، ثم مات المعتق-: كان ميراثه لابن الأخ دون الأخت. ولو أن أختين اشترتا أباهما، فعتق عليهما، فمات الأب، فميراثه بينهما: الثلثان بالنسب؛ والباقي بالولاء، فلو ماتت واحدة منهما بعد موت الأب، فللأخرى ثلاثة أرباع ميراثها. النصف بالأخوة، ومن الباقي نصفه بسبب الولاء؛ لأنها معتقة نصف أبيها، والربع لبيت المال. فلو ماتت إحدى الأختين أولاً وأخذ الأب ميراثها، ثم مات الأب-: فالأخت الأخرى ترث سبعة أثمان ميراث الأب، النصف؛ وهو أربعة من ثمانية، بالبنوة، ومن الباقي النصف؛ وهو سهمان بسبب ولائها عليه؛ لأنها معتقة نصفه، ونصف الربع الباقي؛ وهو سهم؛ لأن الولاء الثابت للأولى يكون لعصباتها، وهذه للأخت عصبة؛ نصفها لإعتاقها نصف أبيها. ولو أن أختين اشترتا أباهما، ثم إحدى الأختين مع الأب اشتريا الجد أبا هذه الأب،

стр. 3540

وعتق عليهما، فمات الأب-: فثلثا ميراثه للبنتين بالبنوة، ولأبيه الثلث، والباقي له بعصوبة النسب، فلو مات الجد بعد موت الأب-: فثلثا ميراثه لبنتي الابن بالبنوة، ومن الباقي نصف للتي اشترته مع الأب، لأنها معتقة نصفه، والسدس الباقي بينهما؛ لأنهما معتقا معتق نصفه. ولو أن أختين اشترت إحداهما أباها، فعتقا عليها، واشترت الأخرى أمها، فعتقت عليها، فإذا مات الأب، فثلثا ميراثه للبنتين، والباقي لمن اشترته، وكذلك: الأم إذا ماتت، فثلثا ميراثها للبنتين، والباقي للتي اشترتها، فلو ماتت التي اشترت الأم بعد ذلك-: فنصف ميراثها للأخت بالأخوة، والباقي لها بحق الولاء؛ لأنها معتقة أبيها، وكذلك لو ماتت التي اشترت الأب أولاً-: فنصف ميراثها للأخرى بالأخوة، والباقي بالولاء؛ لأنها معتقة أمها، وهي لم تجر ولاءها بإعتاق الأب. فصل روي عن عمر وعثمان- ﵄ أنهما قالا: "الولاء للكبر" والمراد منه الكبر في الدرجة لا في السن، وصورته: ثلاثة إخوة: اثنان لأب وأم، وواحد لأب، فأعتق أحد الذين لأب وأم عبداً، ثم مات، فماله وولاء مواليه كله لأخيه من الأب والأم، فلو مات الأخ الذي [هو] لأب وأم بعد موت المعتق، وخلف ابناً له وأخاً لأبيه-: [فماله لابنه؛ ولكن كان الولاء للأخ للأب؛ حتى لو مات المعتق كان ميراثه للأخ؛ لأنه أقرب إلى المعتق من ابن أخيه: فإنه لو مات اليوم- كان ميراثه للأخ للأب، لا لابن الأخ للأب والأم، ولو ظهر للمعتق مال- كان لابن أخيه، وكذلك: لو أعتق رجل عبداً، ومات عن ابنين كان ولاء المعتق بين الابنين، فلو مات أحدهما عن ابن- فميراثه لابنه، والولاء للأخ، ولو أعتق عبداً ومات عن ابنين- كان ولاء المعتق بين الابنين، والولاء للأخ. ولو أعتق عبداً ومات عن ثلاث بنين، ثم مات البنون، وخلف أحدهم ابنين، والآخر

стр. 3541

ثلاثة، والثالث خمسة-: فالولاء يكون لهم، حتى لو مات المعتق يكون ميراثه بينهم أعشاراً؛ لأن المعتق لو مات اليوم كان ميراثه كذلك. ولو ظهر للمعتق مال- يكون بينهم أثلاثاً؛ ثلثه للابنين، وثلثه للثلاثة، وثلثه للخمسة؛ لأنه انتقل إلى آبائهم من الجد بالسوية، ثم حصة كل واحد صار ميراثاً لأولاده. فصل في جر الولاء إذا تزوج حر أصلي حرة أصلية، أو معتقة، فأتت بولد-: فلا ولاء لأحد على الولد، وقيل: إن كانت الأم معتقة: يثبت الولاء على الولد لموالي الأم، وليس بصحيح، لأن ابتداء حرية الأب تبطل ولاء موالي الأم، فاستدامة حريته أولى أن يمنعه. ولو تزوج حر أمة، فأتت منه بولد- فالولد رقيق لمالك الأم، فإذا أعتقه مولاه، فله ولاؤه. أما المعتق إذا نكح حرة أو معتقة، وأتت منه بولد-: ثبت الولاء على الولد لموالي الأب. ولو تزوج المعتق أمة، فالولد رقيق لمالك الأمة، فإذا أعتقه، كان ولاؤه له دون موالي الأب، ولو أعتقها مولاها، ثم أتت بولد بعدما أعتقها- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم أعتقها-: بان أنه كان موجوداً يوم عتق الأم، وعتق بعتق الأم فولاؤه لمعتق الأم؛ لأنه باشر إعتاقه، ولا ينجر، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم أعتقها-: بان أنه [لم يكن موجوداً يوم عتق الأم]؛ فالود حر، وولاؤه لموالي الأب؛ لأنا لم نتحقق وجوده يوحم عتق الأم. أما العبد إذا نكح حرة، فأتت منه بولد-: فالولد حر، لا ولاء عليه، فإذا أعتق الأب- ثبت عليه الولاء لموالي الأب. وإن نكح العبد معتقة، فأتت بولد-: يثبت الولاء على الولد لموالي الأم، فإذا عتق الأب انجر إلى مولى الأب؛ وكذلك: لو مات الأب رقيقاً، وعتق الجد- ينجر إلى موالي الجد، وإذا عتق الجد أولاً، والأب رقيق هل ينجر الولاء إلى موالي الجد؟ فيه وجهان؛ بناءً على أن الجد إذا أسلم، والأب الكافر حي، هل يحكم بإسلام النافلة تبعاً للجد؟ فيه وجهان: فإن قلنا: ينجر إلى موالي الجد، وهو قول مالك: فإذا عتق الأب- ينجر من موالي الجد إلى موالي الابن، وإن

стр. 3542

قلنا: لا ينجر، وبه قال أبو حنيفة: فيبقى لموالي الأم حتى يموت الأب، فينجر إلى موالي الجد. أما العبد إذا نكح أمة، فأتت بولد-: فالولد رقيق لمالك الأمة، فإذا أعتقه، كان ولاؤه له، فإذا عتق الأب لا ينجر إلى موالي الأب، لأن الولد مسه الرق، فلا ينرج ولاؤه عمن باشر إعتاقه، فلو أعتق مالك الأم الأم، ثم أتت بعده بولد- نظر: إن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم عتق الأم-: بان أنه عتق بعتق الأم، فولاؤه لموالي الأم، وإذا عتق الأب، لا ينجر إليه، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر- نظر: إن لم يفارقها الزوج، فولاؤه لموالي الأم، فإذا عتق الأب، ينجر الولاء إلى مواليه؛ لأنا لم نتحقق وجوده يوم عتق الأم، وإن كان الزوج قد فارقها قبل العتق- نظر: إن أتت بالولد لأكثر من أربع سنين من يوم الفراق-: فالولد منفي عن الزوج؛ وولاؤه لموالي الأم وإذا عتق الأب، هل ينجر إلى موالي الأب؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينجر؛ لأنا جعلناه موجوداً يوم العتق؛ بثبوت النسب من الزوج؛ كذلك في حق الولاء. والثاني: ينجر، ونجعله حادثاً بعد عتق الأم، بخلاف ثبوت النسب من الزوج؛ حيث جعلناه موجوداً، لأن النسب ثبت بالإلحاق، ومهما انجر الولاء إلى موالي الأب، فإذا لم يبق أحد من موالي الأب، وتفانوا- فلا يعود الولاء إلى موالي الأم، بل ميراثه لبيت المال؛ وكذلك: متى ثبت الولاء لموالي الأب- فلا يصير لموالي الجد؛ وعلى هذا: عبد له ابن مملوك، وابن ابن مملوك، فتزوج الأسفل معتقة، وأتت بولد-: فالولد حر، وولاؤه لموالي الأم، وإن أعتق الآباء انجر إلى موالي أبيه، حتى لو مات الولد، ولم يكن أحد من موالي أبيه حياً- فلا ميراث لموالي جده، بل يثبت لمعتق معتق الأب، ثم لعصباته، فإن لم يكن أحد من عصبات معتق أبيه، ولا من عصبات معتق معتق أبيه، لا يكون الميراث لمعتق الجد، بل يكون لبيت المال. وإذا تزوج عبد معتقة وأتت بولد، وثبت الولاء على الولد لموالي الأم، فاشترى الولد أباه، عتق عليه، وهل يجر ولاء نفسه من موالي الأم؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح-: لا يجره؛ لأنه لا يثبت له الولاء على نفسه، بل يكون باقياً

стр. 3543

لموالي الأم، ويجر ولاء إخوته. والثاني: يجر ولاء نفسه، لا على معنى أن يكون [له] على نفسه الولاء، ولكن يزول عنه الولاء بعتق الأب؛ فيصير حراً، لا ولاء عليه. فرع على ما ذكرنا: رجل حر الأصل، وأبواه حراً الأصل، وأبوا ابيه مملوكان، ويتصور ذلك في الغرور ووطء الشبهة، وأبو أمه مملوك، وأم أمه معتقة-: فولاء هذا الرجل لمعتق أم أمه، ثم إذا أعتق، أبو أمه- انجر إليه، ثم إذا أعتقت أم أبيه- انجر إليه، ثم إذا عتق أبو الأب- انجر من موالي أم الأب إلى موالي أب الأب، واستقر عليه، وإذا أثبتنا الولاء لموالي الأم، فمات من عليه الولاء، وأخذ ومالي الأم ميراثه، ثم عتق الأب- ليس لمواليه استرداد الميراث من موالي الأم؛ لأن الاعتبار بحالة الموت، وحالة الموت لم يكن لموالي الأب عليه ولاء [فيها] ولو تزوج عبد حرتين: إحداهما أصلية، والأخرى معتقة، فأتت المعتقة بولد، فمات الولد: فثلث ميراثه للأم، والثلثان لموالي الأم، فلو أتت الحرة الأصلية بعده بابن- نظر: إن أتت بهلأقل من ستة أشهر من يوم موته- يسترد الميراث من موالي الأم، ويكون للأخ؛ لأنه مناسب، والتوريث بالنسب يقدم على التوريث بالولاء وإن أتت به لستة أشهر فأكثر- لا يسترد المياث؛ لاحتمال أنه حدث بعد موته. ولو كان تحت المكاتب معتقة، فأتت منه بولد، فالولد حر، والولاء عليه لموالي الأم إلا أن يعتق الأب، فينجر إلى موالي الأب: فلو مات المكاتب ثم الولد، واختلف السيد مع مولى الأم، فقال السيد مات المكاتب بعد أداء النجوم، فميراث الولد لي، وقال مولى الأم: بل مات قبله- فالميراث لي، فالقول قول مولى الأم، مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء رق المكاتب، وبقاء الولاء لموالي الأم. ولو أقام السيد شاهداً وامرأتين، أو شاهداً، وحلف معه- قضي له على الأصح، لأنه شهادة على أداء النجم، ولو أقر السيد في حياة المكاتب- عتق بإقراره، وجر الولاء.

стр. 3544

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب التدبير روي عن جابر بن عبد الله، قال: "دبر رجل غلاماً، ليس له مال غيره، فقال النبي ﷺ : من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام. التدبير هو: تعليق عتق المملوك بدبر الحياة، وهو الموت. فإذا قال لعبده: أنت حر أو عتيق بعد موتي، أو: أعتقتك بعد موتي أو: إن مت، أو متى مت- فأنت حر-: فهو صريح فإذا مات، عتق. ولو قال: أنت مدبر أو دبرتك- نص أنه صريح يعتق به بعد الموت، وإن لم ينو، وصن في الكتابة أنه لو قال لعبده: كاتبتك على كذا فلا يعتق، حتى يقول: إن أديت إلي، فأنت حر، أو ينويه، فاختلف أصحابنا فيها، فمنهم من قال: فيهما قولان: أحدهما: [هما] صريحان؛ لأن كل واحد موضوع لهذا النوع الخاص من العتق. والثاني: كنايتان؛ لأنه ليس في واحد منهما صريح لفظ العتق والحرية، وهما موضوعان لهذا الأمر، والصحيح هو الفرق بينهما، وهو أن التدبير صريح؛ لأنه كان معروفاً لهذا النوع قبل الشرع، وتركه الشرع على ما كان كلفظ "التحرير" للعتق المنجز، ولفظ "الكتابة" لفظ مشترك بين هذا العقد وبين المخارجة، وهو أن يكون له عبد كسوب، فخارجه على أن يؤدي كل يوم كذا، ولا يعتق به؛ فيشترط النية فيه؛ كما في كنايات العتق والطلاق.

стр. 3545

ويجوز التدبير بلفظ الكتابة؛ إذا اقترنت به النية؛ مثل: أن يقول خليت سبيلك بعد موتي، فينوي التدبير، وكذلك سائر الكنايات، ويجوز التدبير مطلقاً ومقيداً: فالمطلق: أن يعلق عتقه بالموت من غير شرط، والمقيد: أن يشرط معه شرطاً؛ مثل: أن يقول: إن مت في هذا الشهر، أو: من هذه العلة، أو: في هذا البلد-: فأنت حر، فإن مات على تلك الصفة - عتق؛ وإلا فلا يعتق. ولو قال: إن مت فأنت حر، فقتل- عتق، ولو قال: إن قتلت- فأنت حر، فمات- لم يعتق؛ لأن كل قتل موت، وليس كل موت قتلاً. وقوله: "إن قتلت، فأنت حر" من جملة التدبير المقيد، فإن قال: إن مت حتف أنفي، فأنت حر، فقتل-: لم يعتق. ويجوز تعليق التدبير؛ مثل: أن يقول: إذا أو: متى دخلت الدار، فأنت حر بعد موتي، أو أنت مدبر، ولا يحصل التدبير ما لم يدخل الدار. ولا يشترط الدخول في الحال، بل إذا دخل قبل موت المولى- صار مدبراً، ولو مات المولى قبل الدخول- بطل التعليق: فلو دخل بعده، لم يعتق. ولو قال إذا مت، ثم دخلت الدار-: فأنت حر؛ يشترط الدخول بعد الموت، ويكون على التراضي، فمتى دخل بعد موته- عتق، وليس للوارث بيعه بعد الموت قبل الدخول، كما لو أوصى لإنسان بشيء، فلا يجوز للوارث بيعه بعد موت الموصي؛ بخلاف ما لو قال لعبده: إذا مات فلان، ثم دخلت الدار- فأنت حر، فمات فلان-: يجوز للسيد بيعه قبل دخول الدار؛ لأن هناك: حصل البيع من المالك في تعليق العتق قبل وجود الصفة، وههنا-: صار العبد في حكم الموصى له بعد موت الموصي؛ فلا يجوز للوارث بيعه، وبعد موت المولى قبل وجود الصفة يكون العبد على حكم ملك الوارث: يكون له كسبه، وله أن يتصرف فيه بما لا يزيل الملك من الخدمة والإجارة؛ وكذلك: إذا قال: إذا مت، ومضى يوم- فأنت حر، فبعد الموت قبل مضي يوم: يجوز للوارث استخدامه، ولا يجوز بيعه، ولو قال: إذا مت، ودخلت الدار- يشترط الدخول بعد الموت؛ إلا أن يريد الدخول قبل الموت. ولو قال: أنت حر إذا مت، إن دخلت الدار فالاعتبار بنيته، إن أراد الدخول قبل الموت - يشترط قبله، وإن أراد: بعد الموت- فيشترط: "بعده"، وإن أطلق- وجهان: فإن شرطنا الدخول قبل الموت، [فمات المولى قبل الدخول- بطل التعليق، وإن دخل

стр. 3546

قبل الموت] صار مدبراً، وإن شرطنا الدخول بعد الموت: فإذا مات المولى- ليس للوارث بيعه قبل الدخول؛ كما ذكرنا. ولو قال: إن شئت، فأنت مدبر، أو قال: أنت حر بعد موتي، إن شئت، فما لم يشأ- لا يصير مدبراً، ويشترط المشيئة في مجلس التواجب حتى لو طال الفصل أو اشتغل بشيء آخر قبل المشيئة- بطل حكمه. ولو قال: متى، أو: مهما شئت، فأنت مدبر، فهو على التراضي، فمتى شاء- صار مدبراً. ولو قال إذا مت، فشئت، فأنت حر-: يشترط المشيئة بعد الموت على الفور. ولو قال: إذا مت، ثم شئت، أو إذا مت فشئت بعد موتي- فأنت حر، يشترط المشيئة بعد الموت، ويكون على الفور أم على التراضي؟ فيه وجهان: أحدهما: على الفور؛ كما في الحياة. والثاني: يكون على التراضي، لأن الميت خرج من أن يخاطب، حتى يكون جوابه على الفور، بخلاف ما لو قال: فشئت- يشترط المشيئة على الفور، لأن الفاء للتعقيب. ولو قال: إذا مت فمتى شئت، فأنت حر- يشترط المشيئة بعد الموت؛ ويكون على التراضي. ولو كان عبد بين شريكين، فقالا؛ متى متنا، فأنت حر- فلا يعتق العبد، ما لم يموتا جميعاً؛ لأن كل [واحد] علق العتق بموتهما جميعاً. وقال أبو إسحاق: ليس هذا بتدبير، بل هو تعليق؛ لأن التدبير ما يتعلق بموت السيد، وهذا يتعلق بموته مع غيره. وقيل: إذا مات السيدان معاً- فليس بتدبير فإذا مات أحدهما- كان نصيب الثاني مدبراً؛ لأنه يتعلق عتق نصيبه بموته؛ وكذلك: إذا قال رجل لعبده: إذا مت أنا وفلان، فأنت حر. قال الإمام- ﵀: ولعل فائدته في الرجوع، فإذا مات أحدهما- كان نصيبه

стр. 3547

لوارثه، ما لم يمت الآخر، ويجوز للآخر بيع نصيبه، ولم يكن للوارث الميت بيع نصيب الميت، كما لو قال لعبده: إذا مت، ثم دخلت الدار- فأنت حر؛ فلا يجوز للوارث بيعه بعد الموت قبل الدخول، وإذا قال لعبد بينهما: أنت حبيس على آخرنا موتاً، فإذا مات الآخر، فأنت حر-: فهو كما لو قال: إذا متنا، فأنت حر، إلا في شيء واحد، وهو أن هناك: إذا مات أحدهما- كان نصيبه لوارثه إلى أن يموت الآخر، وههنا-: إذا مات أحدهما- كانت منفعة نصيبه موصى بها للآخر بقوله: أنت حبيس على آخرنا موتاً، فإذا مات الآخر عتق. ولو قال أحد الشريكين: إذا مت، فأنت حر: فإذا مات، عتق، ولا يسري. ولو دبر نصف عبده- جاز، فإذا مات، عتق النصف، ولا يسري. وعند أبي يوسف: إذا دبر نصف عبده صار كله مدبراً. ولو قال لعبده: دبرت يدك، أو: إذا مت، فيدك حر- قال القاضي حسين- ﵀: يحتمل وجهين؛ بناءً على ما لو قال لرجل: زنى يدك، هل يكون قذفاً؟ فيه قولان: أحدهما: هو لغو. والثاني: يصير كله مدبراً. فصل عتق المدبر يعتبر من الثلث، فإن دبر عبداً، ولم يخرج من الثلث إلا بعضه- فبعد موته: يعتق ذلك القدر، ولو كان عليه دين يستغرق تركته- لم يعتق منه شيء، وإن كان يستغرق نصف قيمته- بيع نصفه في الدين، وعتق من الباقي ثلثه ولا يستسعى. وعند أبي حنيفة: يستسعى العبد لحق الورثة، والدين، حتى يعتق كله. قلنا: تكميل الحرية في العبد لإزالة الضرر عن العبد، ولا يجوز إزالة الضرر عنه بإلحاق الضرر بغيره، وفي إلزامه مال السعاية إضرار بأرباب الدين وبالورثة من جهة تأخير حقوقهم إلى أن يحصلها العبد بالكسب. فإن مات رجل عن مدبر، وماله غائب، هل يعتق شيء منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يعتق ثلثه في الحال؛ لأن أسوأ الأحوال أن يهلك المال الغائب، فيبقى للوارث ثلثا العبد.

стр. 3548

والثاني: وهو الأصح-: لا يعتق شيء منه؛ حتى يصل المال الغائب إلى الوارث؛ لأن في تنجيز عتق الثلث فيه تنفيذ الوصية في الثلث قبل أن يسلم للوارث مثلاه؛ لأن الثلثين من العبد لا يكون مسلماً للورثة، ولا ينفذ تصرفهم فيه، بل يكون موقوفاً على تبين أمر الغائب. فإن قلنا: لا يعتق شيء منه، فأكسابه موقوفة بعد موت المعتق، فإن وصل المال الغائب إلى الوارث- بان أنه عتق بالموت، والأكساب له، وإن قلنا: يعتق ثلثه- فثلث كسبه له, ويوقف الباقي، وإن كان بعض ماله حاضراً، وبعضه غائباً-: فإن كان الحاضر مثلي قيمة العبد- عتق كله، وإن كان أقل- عتق مثل نصفه على القول الأصح؛ مثل: إن كانت قيمة العبد مائة، وله مائتان غائبتان، وقلنا: لا يعتق شيء منه: فإذا حضر منها مائة- عتق نصف العبد؛ لأنه سلم الوارث مائة، ويوقف الباقي، فإن تلفت المائة الغائبة- حكم بعتق ثلثي العبد، وسلم للوارث ثلثه مع المائة. ونظيره: لو كانت التركة ديناً في ذمة إنسا، فأبرأه صاحب الدين في مرضه، أو أبرأ عن ثلثه، هل يبرأ عن الثلث قبل وصول الثلثين إلى الوارث؟ فعلى وجهين: الأصح: لا يبرأ وكذلك لو أوصى لإنسان بعين، ومات، وسائر ماله غائب هل يسلم إلى الموصى له ثلث العين؟ فعلى وجهين: أما إذا أوصى له بثلث ماله وله مال حاضر وغائب، أو بعض تركته دين على إنسان، [والبعض عين- دفع إلى الموصى له ثلث المال الحاضر، وثلث العين] وإلى الوارث الثلثان، وكلما حضر من الغائب، أو قضى من الدين شيء- قسم كذلك؛ لأن ما دفع إلى الوارث يسلم له- ههنا- وينفذ تصرفه فيه، لأن حق الوصية غير متعين فيه. فصل يجوز للسيد بيع المدبر وهبته، سواء كان التدبير مطلقاً أو مقيداً. وقال أبو حنيفة: بيع المدبر غير جائز، إذا كان التدبير مطلقاً؛ لأن عتق تعلق بالموت مطلقاً، فمنع البيع كالاستيلاد. والحديث حجة عليه، وليس كالاستيلاد؛ لأن سبب العتق فيه آكد؛ بدليل أنه لا يمنعه الدين؛ ولا يعتبر من الثلث، بخلاف التدبير، فإنه يعتبر من الثلث، ويمنعه الدين، فأشبه التدبير المقيد.

стр. 3549

وإذا باع المدبر وأقبضه، ثم عاد إليه، هل يعود التدبير حتى يعتق بموته؟ هذا يبنى على أن التدبير وصية أم تعليق عتق بصفة؟ قال في القديم: هو وصية وفي الجديد قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني- وصية؛ لأنه تبرع يتعلق بالموت، ويعتبر من الثلث كالوصية. والثاني: تعليق عتق بصفة؛ لأنه عتق تعلق بالموت مطلقاً، كما لو علق بموت الغير. فإن قلنا: وصية؛ فإذا عاد إلى ملكه- لا يعود التدبير، كما لو أوصى لإنسان بعين، فباعها-: بطلت الوصية، وإذا اشتراها بعده لا يعود. وإن قلنا: تعليق عتق بصفة- فعلى قولي عود اليمين، وعلى هذا: إذا رجع عن التدبير بالقول، فقال: رجعت فيه، أو نقضته، أو أبطلته، أو فسخته- هل يبطل إن قلنا: وصيته، يبطل، وإن قلنا: تعليق عتق بصفة- فلا يبطل كما لو علق: بموت الغير- لا يجوز أن يرجع عنه، ولا فرق فيه بين التدبير المطلق أو المقيد، [على ظاهر المذهب. وقيل: القولان في التدبير المطلق، أما المقيد] فلا يصح الرجوع عنه قولاً واحداً، لأنه لم يتعلق بمطلق الموت، فكان بالتعليق أشبه، والأول أصح. ولو وهب المدبر، ولم يقبض، أو لم يقبل الموهوب له، أو عرض على البيع، أو ساوم، وجوزنا الرجوع-: كانت هذه الأشياء رجوعاً. لأنه يستدل بها على الرجوع؛ وإلا فلا. ولو قال: إن أديت بعد موتي ألفاً، فأنت حر، فإن صححنا الرجوع- كان بهذا رجوعاً، ولا يعتق بالموت ما لم يؤد الألف، وإن لم يصحح، فلا يكون رجوعاً، وإذا مات، عتق. ولو علق عتق المدبر بصفة أخرى- صح، والتدبير بحالة كما لو دبر المعلق عتقه بالصفة - جاز، ثم إذا وجدت الصفة قبل الموت- عتق، وإن مات قبل وجود الصفة- عتق عن التدبير، كما لو علق عتق عبده بصفة، ثم علق بصفة أخرى- يعتق بالأسبق وجوداً. ولو باع بشرط الخيار- يكون رجوعاً على القولين، وقيل: إذا وهبه هبة بتات، ولم يقبض، فكذلك، ولو استخدمه، أو كانت جارية فزوجها- لا يكون رجوعاً. ولو قال: رجعت في نصفك، أو ربعك. إن قلنا: لا يصح الرجوع- فالتدبير بحاله.

стр. 3550

وإن قلنا: يصح- كان رجوعاً في ذلك القدر. فصل في جناية المدبر جناية المدبر كجناية العبد القن: فإن جنى على حر أو على عبد جناية موجبة للقصاص - يقتص منه، وإن كانت موجبة للمال أو عفى على مال- تباع رقبته في الجناية؛ إلا أن يختار السيد الفداء، فإن بيع في الجناية، ثم عاد إليه- هل يعود التدبير؟ فعلى ما ذكرنا من القولين. وإن احتيج إلى بيع بعضه، بيع بقدره، والباقي مدبر، وإذا اختار السيد الفداء، بقي العبد مدبراً، ويفديه بما يفدى به العبد القن. وعند أبي حنيفة: يجبر السيد على الفداء؛ كما في جناية أم الولد. ولو مات السيد قبل بيع المدبر- فقد اجتمع العتق، والجناية؛ فيكون بمنزلة إعتاق الجاني، هل ينفذ؟ فيه قولان: إن قلنا: يعتق- أخذ الأرش من تركة المولى، لأن سبب العتق- وجد منه في خال الحياة؛ فيؤخذ الأقل من أرش جنايته أو قيمته، وإن قلنا: لا يعتق فالوارث بالخيار: إن شاء سلمه للبيع في الجناية، وإن شاء فدى، وأعتق المدبر من الثلث. وإن جنى على المدبر. فهو كالجناية على القن: فإن جنى على طرفه، فهو مدبر كما كان وللسيد أن يقتص إن كانت الجناية موجبة للقصاص، ولا يحتاج إلى إذن المدبر، وإن كانت موجبة للمال- فالأرش للسيد ولو قتل المدبر- فالقيمة للسيد، ولا يجب أن يشتري بها عبداً آخر؛ فيدبره. ولو صالح عن قيمته على عبد آخر- جاز، ولا يجب أن يدبره، بخلاف ما لو وقف متاعاً، فأتلف- يشتري بقيمته مثله، فيوقف؛ لأن المقصود من الوقف: إيصال النفع إلى أقوام، وهم موجودون ومن التدبير إيصال النفع إلى العبد، وقد فات. وإذا ارتد المدبر فكالقن يصير دمه هدراً؛ ولكن لا يبطل التدبير حتى لو مات المولى قبل المدبر- يعتق، وإن التحق بدار الحرب فسبي- فهو على تدبيره؛ وكذلك: المكاتب وأم الولد لا يبطل بردتهما حق العتاق الذي ثبت لهما، ولو ارتد السيب ما حكم مدبره؟ نص في التدبير على أنه إذا مات مرتداً- كان ماله فيئاً، والمدبر حراً، اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: هذا يبنى على أن ملك المرتد هل يزول بالردة؟ وفيه أقوال: أحدها: وبه أجاب- ههنا-: لا يزول؛ فعلى هذا: التدبير بحاله، وإن مات أو قتل- عتق.

стр. 3551

والثاني: ملكه زائل، فعلى هذا: بطل التدبير فإن مات أو قتل في الردة [لم يعتق] وإن عاد إلى الإسلام، هل يعود التدبير فعلى قولي عود اليمين. وإن قلنا: ملكه موقوف، فالتدبير موقوف: فإن عاد إلى الإسلام- فالتدبير بحاله، وإن مات أو قتل في الردة- بان أن ملكه كان زائلاً، ولم يعتق. وقال أبو إسحاق المروزي: سواء قلنا: ملكه باق أو زائل- لا يبطل التدبير، حتى لو مات أو قتل في الردة- يعتق؛ لأن الردة تؤثر في العقود المستقبلة لا في الماضية، كما لو رهن شيئاً بدين، ثم ارتد- لا يبطل الرهن. أما المرتد: إذا دبر عبداً، إن قلنا: ملكه باق صح تدبيره، وإن لم يحجر عليه، وإن قلنا: زائل- لم يصح تدبيره، وإن قلنا: موقوف- فالتدبير موقوف فإن عاد إلى الإسلام- بان أنه كان صحيحاً، وإن مات أو قتل في الردة- بان أنه كان باطلاً. فصل إذا علق عبده بصفة في حال الصحة، فوجدت الصفة في المرض- هل يعتبر عتقه من الثلث- نظر: إن علق بصفة لا توجد إلا في المرض؛ بأن قال: إن دخلت الدار في مرض موتي، أو: إن مرضت مرض الموت- فأنت حر-: يعتبر من الثلث، أما إذا علق بصفة يجوز أن توجد في الصحة، ويجوز أن توجد في المرض- ففيه قولان: أصحهما: يعتق من رأس المال؛ اعتباراً بحالة التعليق، لأنه لم يكن متهماً بالقصد إلى الورثة. والثاني: وبه قال أبو حنيفة- يكون من الثلث؛ اعتباراً بحالة وجود الصفة؛ لأن العتق حصل في المرض. ولو علق عتق عبد بصفة، ثم جن أو حجر عليه بالسفه، ثم وجدت الصفة-: يعتق قولاً-: واحداً. ولو علق في حال الإطلاق، ثم حجر عليه بالسفه، ثم وجدت الصفة-: يعتق قولاً واحداً، ولو علق في حال الإطلاق، ثم حجر عليه بالفلس ثم وجدت الصفة: إن قلنا: الاعتبار بحالة التعليق- عتق. وإن قلنا: الاعتبار بحالة وجود الصفة- فكإعتاق المفلس.

стр. 3552

وإنما بنينا على هذا الأصل؛ كما في المرض- لأن الحجر عليه في الموضوعين- لحق الغير في الإفلاس لحق الغرماء، وفي المرض لحق الورثة؛ بخلاف حجر السفيه والمجنون. ولو ادعى العبد على سيده: أنك دبرتني، أو ادعى تعليق العتق بالصفة، أو الأمة ادعت [الاستيلاد]-: فالمذهب أنه يسمع، والقول قول السيد مع يمينه، ولا يجعل إنكار السيد التدبير رجوعاً، على قول جواز الرجوع، حتى يحلف على إنكاره: فإن أراد العبد إقامة البينة - لا تقبل إلآ من رجلين عدلين، وكذلك: بعد الموت إذا ادعى على الوارث: أن أباك دبرني, وقد عتقت بالومت-: يحلف الوارث أنه لا يعلم أن مورثه دبره، وإذا أقام العبد بينة- فلا تقبل إلا من عدلين، فإن قال الوارث: بلى دبرك، ولكنه رجع عن تدبيرك، وقلنا: يجوز الرجوع عن التدبير-: فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، فلو أقام الوارث رجلاً وامرأتين أو شاهداً وحلف معه على الرجوع-: يسمع؛ لأن مقصوده إثبات المال، والله أعلم. باب وطء المدبرة يجوز للسيد وطء المدبرة والمعلق عتقها بالصفة؛ كما يجوز وطء أم الولد؛ بخلاف المكاتبة حيث لا يجوز له وطؤها؛ لأن المكاتبة صارت أحق بنفسها من سيدها بدليل أنها إذا وطئت أو جني عليها- يكون المهر وأرش الجناية لها، وفي المدبرة والمعلق عتقها بالصفة [وأم الولد] يكون المهر وأرش الجناية للسيد-: فهو كما لو أوصى برقبة أمة لإنسان- جاز للموصي وطؤها، فلو وطئ المدبرة- لا يكون رجوعاً عن التدبير، سواء عزل أو لم يعزل؛ لأن في ترك العزل خوف الإحبال، وفي الإحبال تحقيق ما يراد من التدبير، وهو العتق بعد الموت؛ بخلاف ما لو أوصى لإنسان بجارية، ثم وطئها، ولم يعزل- كان رجوعاً؛ لأنه ترك العزل قصد إبقائها لنفسه، فبطلت الوصية، وإذا استولد مدبرته- بطل التدبير؛ لأن الاستيلاد أقوى؛ كما أن ملك النكاح يرتفع بملك اليمين، ولا يصح تدبير أم الولد؛ لأنها استحقت العتاق بالموت بجهة أقوى. ولو دبر مكاتبه صح لأن كل واحد تعليق عتق بصفة أخرى، فإذا أدى مال الكتابة- عتق، وبطل التدبير، وإن مات السيد قبل أداء النجوم: فإن خرج من الثلث- عتق، وارتفعت الكتابة، وإن لم يخرج من الثلث كله، عتق منه بقدر ما يحتمله الثلث عن التدبير، وبقي الباقي مكاتباً يعتق بالأداء. ولو دبر، ثم كاتب- صح أيضاً، ثم إن قلنا: التدبير وصية- كان رجوعاً عنه كما لو

стр. 3553

أوصى لإنسان بعبد، ثم كاتبه-: كان رجوعاً. وإن قلنا: التدبير تعليق عتق بصفة- لا يكون رجوعاً، وهو كالقسم الأول، إن أدى المال - عتق، وإن مات المولى قبل الأداء- عتق بقدر ما يحتمله من الثلث؛ والباقي بالأداء. فصل إذا أتت المدبرة بولد من زوج أو زنا، هل يثبت حكم التدبير للولد؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال ابو حنيفة: يثبت؛ كالاستيلاد، ويثبت حكمه للولد، وكما لو نذر هدياً أو أضحية معينة- يثبت ذلك الحكم في الولد. والثاني: [و] هو الأصح، وهو اختيار المزني: لا يثبت؛ لأنه عقد يقبل الفسخ فلا يسري إلى الولد؛ كالرهن، وكما لو أوصى لإنسان بجارية، فأتت بولد لا تسري الوصية إلى الولد، ولا يبنى القولان على القولين في أن التدبير وصية أم تعليق عتق، بل في ثبوت الحكم في الولد قولان على القولين جميعاً؛ لأن الشافعي فرع على قولنا: إنه وصية حتى جوز الرجوع فيه، ثم جعل في الولد قولين. أما إذا كانت حاملاً يوم التدبير، يبنى على أن الحمل هل يعرف؟ وفيه قولان: أصحهما: يعرف؛ فعلى هذا: يثبت حكم التدبير في الولد؛ كما لو باعها- دخل الحمل في البيع. وإن قلنا: لا يعرف- فكالولد الحادث بعد التدبير، على قولين: قال الشيخ الإمام- ﵀: المذهب: أنه يثبت حكم التدبير في الولد، إذا كان موجوداً في البطن يوم التدبير، سواء قلنا: الحمل يعرف أو لا يعرف؛ كما يدخل في البيع قولاً واحداً، وإنما يعرف كون الولد موجوداً [في البطن] يوم التدبير، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم التدبيرن فإن أتت به لأكثر من أربع سنين- فهو حادث من بعد، وإن أتت به لأقل من أربع سنين، ولأكثر من ستة أشهر من يوم التدبير- نظر: إن كان لها زوج يطؤها - فهو كالحادث من بعد؛ وكذلك: إن لم يكن لها زوج أصلاً، وإن كان لها زوج فارقها قبل التدبير، فأتت به لأقل من أربع سنين من يوم فارقها-: فالولد ملحق به، وهل يجعل كالموجود في حق التدبير؟ فيه قولان: أصحهما: بلى، كما جعلناه موجوداً في ثبوت النسب من الزوج.

стр. 3554

والثاني: لا، بل هو كالحادث من بعد؛ لأن التدبير لا يثبت بمجرد الإمكان، والنسب يثبت، فحيث قلنا: يثبت حكم التدبير في الولد فإذا ماتت الأم في حياة المولى لا يبطل التدبير في الولد؛ كأم الولد، إذا ماتت - لا يبطل حكم العتاق في ولدها، وإذا رجع المولى عن تدبير أحدهما، وجوزنا الرجوع، نظر: إن كان الولد خارجاً وقت الرجوع كان رجوعه رجوعاً في حق من رجع عن تدبيره دون الآخر، فإن كان الولد في البطن حالة الرجوع- نظر: إن رجع في تدبير الولد- كان رجوعاً فيه، دون تدبير الأم، وإن رجع في تدبير الأم- نظر: إن قال: رجعت في تدبيرها دون الولد- كان رجوعا في تدبير الأم دون الولد، وإن لم يقل: دون الولد ففيه وجهان: أحدهما: يكون رجوعاً فيهما؛ فالولد يتبع الأم في الرجوع؛ كما يتبعها في التدبير. والثاني: وهو الأصح، لا يكون رجوعاً في الولد، وعليه يدل النص، بخلاف التدبير؛ لأن فيه معنى الحرية، وللحرية من الغلبة ما ليس لغيرها، فلو رجع في تدبير الأم دون الولد، ثم اتت بولد- نظر: إن أتت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الرجوع -فهو مدبر؛ لأنه كان موجوداً يوم الرجوع، فثبت له حكم التدبير، ولم يثبت حكم الرجوع، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من يوم الرجوع- نظر: إن كان لها زوج يطؤها، أو لم يكن [لها زوج أصلاً] فهو قن كالأم، وإن كان الزوج قد فارقها وأتت به [لمدة] يلحق الزوج، هل يجعل موجوداً يوم الرجوع، فعلى القولين. ولو دبر الحمل في البطن- جاز، كالعتق، ولا يسري إلى الأم، فإذا مات- عتق الحمل دون الأم. ولو باع الأم صح وتبعها الولد فكان رجوعاً عن التدبير. فصل إذا علق عتق أمة بصفة، فأتت بولد، هل يثبت حكم التعليق للولد؟ فيه قولان، سواء علق بصفة توجد لا محالة؛ مثل: مجيء الأوقات، أو بما يحتمل أن يوجد، ويحتمل ألا يوجد مثل دخول الدار ونحو ذلك، ولا نعني بقولنا: ثبت حكم التعليق للولد: أن التعليق ينعقد للولد، حتى يعتق بوجود الصفة فيه، بل نعني به: أن الأم إذا وجدت فيها الصفة يعتق الولد بعتقها.

стр. 3555

وفائدته: تظهر فيما إذا كان الولد خارجاً يوم وجود الصفة، فإن كان في البطن- يعتق تبعاً للأم قولاً واحداً؛ كما إذا أعتق جارية حاملاً- يعتق الحمل تبعاً للأم؛ وكذلك: لو مات المولى، والمدبرة حامل - يعتق الحمل تبعاً للأم، وإذا قلنا: يتبعها الولد، فإذا بطلت الصفة في الأم؛ بموتها أو بموت المولى-: بطل في الولد؛ لأن الولد يتبعها في العتق، لا في الصفة؛ بخلاف التدبير؛ فإن الولد يتبعها في التدبير، فإذا بطل فيها، بقي فيه. ولو قال لأمته: أنت حرة بعد موتي بعشر سنين، فإذا مات لا تعتق حتى تمضي عشر سنين. وقيل: مضيها يكون كسبها ومنفعتها للوارث، ولا يتصرف الوارث في رقبتها تصرفاً يزيل الملك، فإن أتت بولد قبل موت المولى، هل يثبت حكم التدبير للولد؟ فعلى القولين. وإن أتت به بعد موته قبل مضي عشر سنين- نص أن الولد يتبعها، اختلفوا فيه: منهم من قال: فيه قولان؛ كما لو أتت به قبل موته. ومنهم من قال: يتبع قولاً واحداً؛ لأن سبب الحرية تؤكد ههنا بالموت؛ بدليل أن أحداً لا يقدر على إبطاله؛ فكان كالاستيلاد [بالبيع]. وقبل الموت: لم يتأكد؛ بدليل أن المولى يقدر على إبطاله بالبيع. وقيل: على هذا القياس: إن الولد يعتق من رأس المال؛ كولد أم الولد. فصل إذا قلنا: يثبت حكم التدبير للولد، فاختلفا: قالت المدبرة: ولدت بعد التدبير، وقال المولى بل قبله وهو قن فالقول قول المولى مع يمينه لأنه ملكه، وهي تدعي التدبير، وتسمع دعوة المدبرة عن ولدها حسبة، حتى لو كانت الأم قنة، فادعت على المولى أنك دبرت ولدي- تسمع، وكذلك بعد موت المولى، إذا اختلفت مع الوارث؛ فقالت: أتيت به بعد التدبير، وعتق بالموت، وقال الوارث: بل أتت به قبل التدبير- فالقول قول الوارث مع يمينه؛ وكذلك: أم الولد إذا أتت بولد واختلفت فيه مع السيد، أو مع الوارث، وكذلك: لو قالت المدبرة أتيت به بعد موت المولى- فهو حر، سواء قلنا: يسري التدبير، أو: لا يسري، وقال الوارث: لا، بل قبل موته، وقبل التدبير-: فالقول قول الوارث مع يمينه، وهذا بخلاف ما لو كان في يد المدبر مال بعد موت السيد، فقال: استفدته بعد موت المولى، وقال الوارث: بل قبله، فهو

стр. 3556

ميراث- لي: فالقول قول المدبر مع يمينه؛ لأن مال في يده في زمان يتصور له الملك و [فيه]، والوارث يدعيه-: فالقول قول صاحب اليد؛ بخلاف الولد؛ فإنه ليس تحت يدها؛ إذ الحر لا تحتوي عليه اليد، فلو اختلفا في المال، وأقام كل واحد بينة، فبينة المدبر أولى؛ لأن اليد له، ولو أقام الوارث بينة: أن هذا المال كان في يد المدبر حال حياة المولى. فقال المدبر: صدق؛ كان لفلان في يدي فملكته بعد موت المولى. قال الشافعي: صدق العبد؛ لأن البينة تشهد بيد متقدمة، ويد العبد ثابت في الحال. باب في تدبير النصراني إذا دبر الكافر عبده الكافر، أو علق عتقه بصفة-: صح، فإذا مات أو وجدت الصفة عتق؛ كما لو استولد أمة، تعتق بموته سواء كان الكافر كتابياً أو مجوسياً [أو وثنياً] أو ذمياً أو حربياً، ولا يمنع من أن يحمل مدبرة الكافر وأم ولده الكافرة إلى دار الحرب؛ سواء وجد التدبير والاستيلاد في دار الحرب، ثم دخل إلينا بأمان، أو وجد في دار الإسلام، بخلاف ما لو كاتب عبده الكافر، فلم يخرج معه إلى دار الحرب- لم يكن له أن يقهره؛ لأن المكاتب صار أحق بمكاسبه، فأحيل ملك المولى عليه، ولو كان للكافر عبد مسلم، فدبره-: ينقض تدبيره، ويباع عليه، وإذا دبر عبده الكافر، ثم أسلم العبد بعد التدبير- نظر: إن رجع المولى عن تدبيره، وجوزنا الرجوع-: يباع عليه، وإن لم يرجع، هل يباع عليه؟ فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني-: يباع عليه، وينقض تدبيره؛ لأنه لا يؤمن من أن يستذله المولى، وقد صار عدواً له بالإسلام. والثاني: لا يباع؛ طمعاً في حصول الحرية، وينزع من يده؛ فتكون عند مسلم عدل، ويصرف كسبه إلى مولاه، فإن خرج المولى إلى دار الحرب- لم يكن له أن يحمله مع نفسه، بل يستكسب، فينفق عليه من كسبه، ويصرف الفضل إلى سيده، فإن مات السيد عتق إن خرج من الثلث، وإن لم يخرج كله من الثلث- عتق بقدر ما خرج، ويباع الباقي على الوارث، والله أعلم.

стр. 3557

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب المكاتب قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ الآية [النور: ٣٣] الكتابة جائزة، وهي تعليق العتق بصفة بطريق معاوضة معدولة. وصورتها: أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، ويسمي مالاً معلوماً يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم، ويقول: إذا أديت ذلك المال، فأنت حر، أو ينوي ذلك بقلبه، وما لم يقله أو ينوه- لا يعتق، ويقول العبد: قبلت، وتجوز كتابة المملوك، عبداً كان أو أمة، ويشترط أن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان صبياً أو مجنوناً- لا تصح كتابته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣]؛ ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون. وعند أبي حنيفة: يجوز كتابة الصبي، ويقبل عنه المولى. ويشترط أن يكون المولى مكلفاً مطلقاً فإن كان صبياً أو مجنوناً أو محجوراً عليه بالسفه-: لا تصح كتابته؛ كما لا يصح بيعه، وتصح كتابة المرأة. وعند أبي حنيفة: يصح كتابة الصبي بإذن الولي. ثم العبد إذا جمع الأمانة والقوة على الكسب، وطلب الكتابة؛ يستحب للمولى أن يكاتبه، ولا يجب. وعند داود نجب ويعتق.

стр. 3558

وفسر الشافعي ﵁: "الخير" المذكور في قوله : ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣]. بهذين الشيئنين؛ لأن مقصود الكتابة قل ما يحصل إلا بهما، ينبغي أن يكون كسوباً [يحصل المال] ويكون أميناً يصرفه في نجومه، ولا يضيعه. وإذا فقد الشرطان أو أحدهما- لا يستحب أن يكاتبه ولو كاتب لم يكره؛ لأنه سبب العتق. وقيل: إذا كان أميناً لا كسب له يستحب؛ لأن الأمين يعان عليه، وإذا رغب المولى في كتابة العبد، وأبى العبد- لا يجبر عليه، ولا يجوز كتابة العبد المرهون؛ لأن الرهن يقتضي البيع، والكتابة تمنع البيع. ولا يجوز أن يكاتب عبداً أجيراً؛ لأنه في تصرف الغير، فلا يتمكن من التصرف. ولا يجوز عقد الكتابة حالاً. وعند أبي حنيفة: يجوز. وإنما لم نجوز؛ لأن العبد لا يتصور له ملك يؤدى في الحال. وإذا عقد حالاً [لا] تتوجه عليه في الحال، لعجزه حقيقة عن أدائه، فلا يحصل مقصود العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل-: لا يصح، بخلاف ما لو أسلم إلى معسر- جاز؛ لأنه يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق عن أدائه. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر: روي عن عثمان، أنه غضب على عبده، فقال: لأضيقن عليك الأمر، ولأكاتبنك على نجمين، ولو جاز على أقل من ذلك، لكاتبه على الأقل؛ لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم؛ لأنه عقد إرفاق، ومن تتمة الإرفاق والتنجيم ليتيسر عليه الأداء، كما أن تحمل العاقلة للإرفاق. وشرط فيه التأجيل والتنجيم؛ ليتيسر عليهم الأداء، فإن كاتبه على نجوم معلومة، وفاوت في هذه النجوم، وفيما يؤدى في كل نجم- جاز. ولو كاتب على مال قليل إلى نجمين قصيرين- جاز. وإن كاتب على مال كثير إلى نجمين قصيرين، أو إلى نجمين أحدهما طويل، والآخر قصير، وشرط في النجم الأقصر أداء الأكثر- هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الغالب عجزه عن الأداء.

стр. 3559

والثاني: يجوز؛ لأنه يتصور أن يستفيد ذلك في تلك المدة، كما لو أسلم إلى معسر في مال كثير- جاز، ولو ملك شقصاً من عبد- وباقيه حر، فكاتب ذلك الشقص حالاً، أو على نجم واحد، هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: [لا يجوز، كما لو كان] الكل مملوكاً. والثاني: يجوز؛ لأنه يتصور أن يكون له ملك بنصفه الحر فالعجز لا يكون حقيقة عن الأداء. ولو كاتبه على مائة دينار يؤديها إلى أجل واحد؛ وكذلك: لو قال: إلى عشر سنين] يؤدي في كل سنة عشرة-: لم يصح، لأنه لم يبين أنه يؤديها في أول السنة، أو في آخرها، فإن قال: "يؤدي عند انقضاء كل سنة عشرة جاز. ولو كاتبه على عين [يؤديها في نجمين] لم يجز لأن العين لا تقبل الأجل. ولو كاتبه على مال موصوف في الذمة؛ مثل إن قال: كاتبتك على عبد حنفته كذا، وعلى ألف درهم على أن يؤدي العبد بعد سنة والألف بعد سنة أخرى-: جاز، ويجب أن يصف العبد بصفات المسلم. ولو كاتبه على عين وصفها على أن يؤدي نصفها في السنة الأولى، والنصف في السنة الثانية- لم يصح؛ لأنه إذا سلم النصف في السنة الأولى يتعين النصف الآخر للسنة الثانية. ولا تصح الكتابة على العين، وتجوز الكتابة على المنافع؛ لأنها مما يثبت في الذمة، فلو قال: كاتبتك على خدمة شهر، ودينار تؤديه بعد الشهر بيوم واحد، أو شهر-: جاز؛ لوجود التنجيم والتأجيل، ويجب أن يبين جهة العمل في الخدمة، ويبين الدينار بالوصف إذا كان في البلد نقود، فإن لم يصف، وفي البدل نقد غالب-: انصرف إليه ولو قال: على خدمة شهر، ودينار بعد الشهر، أو مع انقضائه-: قال الشافعي- ﵀ يصح. قال الشيخ أبو إسحاق المروزي: لا يصح؛ لأنه كاتبه على نجم واحد؛ لأن بعد الفرغ من الخدمة يجب الدينار في الحال، وحمل النص على ما لو قال: "ودينار بعده بيوم أو شهر"، والمذهب: جوازه؛ لأنه يستحق الدينار في غير الوقت الذي يستحق فيه المنفعة؛ لأنا نجعل المنفعة كالمسلمة في الحال، والدينار إلى أجل. فإن قيل: حينئذ: يكون كتابة على نجم حال، ونجم مؤجل.

стр. 3560

قلنا: إنما جوزنا ذلك؛ لأنه يقدر على الاشتغال بالخدمة في الحال، ويكتفي في تسليم الخدمة والمنفعة: بأن يشتغل بها، بخلاف ما لو كاتبه على دينارين، أحدهما يؤديه في الحال، والآخر بعد شهر-: لم يجز؛ لأنه لا يقدر على تسليم الدينار في الحال، وكذلك لو قال: كاتبك على خدمة شهر ودينار يؤدى في أثناء الشهر بعد يوم أو يومين [وشيء]، أو قال على دينار يؤدي بعد يومين وخدمة شهر، سواء قدم ذكر الدينار أو أخر-: جاز على ظاهر المذهب، وعند أبي إسحاق: لا يجوز. ولو قال: علي دينار يؤدى بعد شهر وخدمة شهر بعده-: لم يجز، لأنه جعل عليه خدمة زمان في المستقبل، وإجازة الزمان المستقبل- لا تصح. ولو قال: على خدمة شهر موصول بالعقد، وأن تحصل لي أجراً أو لبناً وصفه أو قال على خدمة شهر موصول بالعقد، وعلى خياطة ثوب موصوف في الذمة-: جاز على الأصح؛ كما لو شرط عليه تحصيل دينار. ولو كاتبه على خدمة شهرين-: لم يجز؛ لأنه أجل واحد، فإن جعلها أجلين؛ بأن قال: على خدمة شهر، ثم شهر بعده: لم يجز؛ لأن الشهر الثاني منفعته متعينه، شرط تأخير تسليمها؛ فلم يصح. ولو كاتبه على خدمة شهر ودينار بعده، فمرض وعجز عن الخدمة بطلت الكتابة في قدر الخدمة، وهل [يؤدي في أثناء الشهر بعد يوم أو يومين وبين أو قال: على دينار تؤدي بعد يومين، وخدمة شهر؛ سواء قدم ذكر الدينار أو أخر-: جاز على ظاهر المذهب، وعند أبي إسحاق: لا يجوز، ولو قال: على دينار يؤدي بعد شهر، وخدمة شهر بعده-: لم يجز؛ لأنه جعل عليه خدمة زمان في المستقبل وأجازه الزمان المستقبل] بعده، فمرض وعجز على الخدمة بطلب الكتابة في قدر الخدمة، وهل تبطل في الباقي؟ فيه طريقان، كما لو ابتاع عبدين، فهلك أحدهما قبل القبض-: ينفسخ العقد فيه، وفي الثاني طريقان. ولو قال: كاتبك على أن تخدمني شهراً، فقبل، فخدم شهراً-: عتق، ورجع السيد عليه بقيمته، وهو على السيد بأجر مثل خدمته، وإن خدم أقل من شهر- لا يعتق؛ بخلاف ما لو قال: أعتقتك على أن تخدمني شهراً، فقبل-: عتق في الحال، وعليه الخدمة، ثم لا شيء أحدهما على الآخر. ولو قال: كاتبتك على أن تخدمني أبداً. لم يعتق أبداً فإن قال: أعتقتك على أن تخدمني

стр. 3561

أبداً أو مطلقاً فقبل- عتق في الحال، خدم أو لم يخدم، ورجع السيد عليه بقيمته؛ لأنه لم يرض بعتقه مجاناً، وهو لا يرجع على السيد بشيء. ولو قال لعبده: كاتبتك على أن أبيعك ثوبي أو على أن تبيعني داراً، إن اشتريته-: لم يصح العقد، للشرط الفاسد. ولو قال: كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف إلى سنتين يؤدي خمسمائة عند انقضاء الأولى، وخمسمائة عند انقضاء الثانية، فإن أديت فأنت حر، فقبل العبد-: اختلفوا فيه، منهم من قال: فيه قولان؛ لأنه جمع بين مختلفي الحكم، وهو البيع والكتابة، أحدهما: هما صحيحان، والثاني: باطلان. ومنهم من قال- وهو الأصح-: البيع باطل قولاً واحداً؛ لأنه وجد أحد مصراعيه قبل أن يصير العبد من أهل أن تصح معاملته مع المولى بقبول الكتابة، وهل تصح الكتابة؟ فيه قولان: بناءً على ما لو قال: باع عبده وعبد غيره-: لا يصح في عبد غيره، وهل يصح في عبده؟ فيه قولان: فإن قلنا: يصح- يوزع المسمى على قيمة الثوب والعبد بقدر ما يقابل العبد يلزمه في النجمين؛ فإذا أدى عتق. فصل إذا كاتب ثلاثة أعبد كتابة واحدة، فقال: كاتبتكم على مائة درهم إلى نجمين بينهما على أنكم إذا أديتم- عتقتم فقبلوا-: نص على أن الكتابة صحيحة، ونص فيما لو نكح أربع نسوة بعقد واحد على صداق واحد؛ أن النكاح صحيح، وفي صحة التسمية قولان؛ من أصحابنا من جعل في هذه المسألة أيضاً قولين، ومنهم من قال: ههنا تصح الكتابة قولاً واحداً، ذكرناه في النكاح، فإن قلنا: تصح الكتابة يوزع المسمى على قدر قيمتهم؛ مثل إن كانت قيمة أحدهما مائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث ثلثمائة، فعلى الذي قيمته ثلثمائة نصف المائة يؤديه في النجمين، وعلى الذي قيمته مائتان ثلث المائة المسماة في النجمين، وعلى الثالث سدس المائة في نجمين، والاعتبار في قيمتهم بيوم الكتابة؛ لأن سلطان المولى يزول عنهم يومئذ، ثم كل من أدى حصته من المال- عتق؛ لأنه برئ مما عليه، ومن عجز- رق، ولا يتوقف عتق البعض على أداء شريكه، حتى لو مات بعضهم قبل الأداء أو عجز- فهو رقيق، والذي أدى

стр. 3562

حر، ولا يكون بعضهم ضامناً عن بعض. وعند أبي حنيفة ومالك: يكون كل واحد ضامناً عن صاحبه، ولا يعتق واحد منهم بأداء نصيبه ما لم يوجد الأداء من الكل. وعندنا: بخلافه، حتى لو ضمن بعضهم عن بعض حصته صريحاً- لم يصح؛ لأن نجوم الكتابة لا يصح ضمانها. ولو شطر السيد عليهم في العقد أن يضمن بعضهم عن بعض-: يفسد العقد، وإن قلنا: الكتابة فاسدة- تثبت الصفة، فأيهم أدى نصيبه-: عتق، وعليه قيمة رقبته للسيد، باعتبار يوم العقت، ويرجع هو بما أدى على السيد؛ هذا هو المنصوص عليه. وقيل: القياس لا يعتق واحد منهم إلا بأداء جميعهم؛ لأن الكتابة الفاسدة تعليق عتق بصفة ولا يحصل العتق في التعليق إلا بوجود كمال الصفة؛ بخلاف الكتابة الصحيحة، فإذا قلنا: "تصح الكتابة"، فأدوا المال المشروط، ثم اختلفوا، فقال: من قلت قيمته أدينا على عدد الرءوس، وأنا أديت الثلث، وهو أكثر مما وجب علي، فالزيادة لي وديعة عند السيد، أو قرض على من كثرت قيمته. وقال من كثرت قيمته: بل أدينا على [القيم، نص] ههنا على أن القول قول من قلت قيمته مع يمينه، وقال في موضع آخر: القول قول من كثرت قيمته [مع يمينه] فمن أصحابنا من جعل على قولين: أحدهما: القول قول من قلت قيمته؛ لأن الظاهر أن ما في أيديهم بينهم سواء. والثاني: القول قول من كثرت قيمته مع يمينه؛ لأن من قلت قيمته يدعي أنه أدى أكثر مما عليه؛ فلا يقبل منه إلا بحجة؛ لأن الظاهر من حال من عليه الدين: أنه لا يؤدي أكثر مما عليه ومن أصحابنا من قال: هي على حالين؛ حيث قال: القول قول من قلت قيمته-: أراد به: إذا أدوا بعض مال الكتابة، ولم يؤدوا الكل بحيث لو وزع ما دفعوا على عدد رؤوسهم-: لم يخص كل واحد أكثر مما عليه وحيث قال: القول قول من كثرت قيمته-: أراد به: إذا أدوا الجميع، فمن قلت قيمته، يدعي أنه أدى أكثر مما عليه، فلا يقبل إلا ببينة، فلو أدى بعضهم عن بعض كتابته، أو كاتب رجل عبدين: كل واحد بعقد مفرد، ثم أدى أحدهما كتابة الآخر هل يصح أم لا؟ نظر: إن أدى بعدما عتق- صح، كما لو أدى دين الغير، ثم إن أدى بإذنه- رجع

стр. 3563

عليه؛ وإلا فلا، وإن أدى قبل العتق- فهو تبرع منه- لا يجوز بغير إذن السيد، وهل يجوز بإ ذنه؟ فيه قولان: وقيل: أخذ السيد إياه غذن ورضي، وليس بصحيح، بل إذا لم يأذن صريحاً- لا يصح. فإن قلنا: يصح الأداء- فلا يرجع المؤدي على السيد، وهل يرجع على المؤدى عنه بما أدى؟ نظر: إن أدى بإذنه- رجع؛ وإلا فلا يرجع، وإذا أثبتنا الرجوع: فإن كان قد عتق المؤدى عنه- فهو دين [عليه]، وإن لم يكن عتق- أخذ مما في يديه مقدماً على نجوم الكتابة، وحيث قلنا: لا يصح الأداء- فليس للمؤدي أن يرجع على المؤدى عنه، بل يسترد من السيد ما دفع إليه، فإن كان قد حل عليه نجم- يصير به قصاصاً، وإن لم يحل- يسترد، فلو لم يسترد حتى أدى النجوم عتق، وهل يسترد أم لا؟ نص على أنه لا يستدر، ونص فيما إذا جنى على المكاتب فعفا عن المال بغير إذن المولى، ثم عتق-: كان له أخذ المال- فعلى قياس ما نص - ههنا- ينبغي أن يصح عفوه؛ فحصل في المسألة قولان: أحدهما: في الموضوعين لا يأخذ شيئاً؛ لأن المانع من صحة تبرعه وعفوه رقه، وقد زال؛ فيصح. والثاني: يأخذ؛ لأن أداؤه وعفوه- لم يصح؛ فلا ينقلب صحيحاً بعده. وأصل القولين: أن تصرفات المفلس [باطلة، أو موقوفة] فيه قولان: إن قلنا: باطلة- فههنا-: يرجع. وإن قلنا: موقوفة فالأداء العفو- ههنا- موقوفان، فإن فضل عن حق السيد وعتق- بان أنه كان صحيحاً؛ وإلا فلا، وكذلك: الحكم فيما إذا كان سيد أحد العبدين غير الآخر، فكاتب كل واحد عبده، ثم أدى أحدهما عن الآخر بغير إذن المولى- لا يجوز وبإذنه: على قولين. وكذلك: جميع تبرعات المكاتب، فإن قلنا: لا يصح- يسترد، فإن عتق قبل الاسترداد - هل له أن يسترد بعده؟ فيه قولان: ولو كاتب رجل عبداً، فبان نصفه حراً- فالعقد باطل في نصفه الحر، وهل يبطل في الباقي فعلى قولين، كما لو باع عبداً، فبان نصفه حراً أو مستحقاً، فإن قلنا: باطل- فلا يعتق حتى يدخل جميع المسمى؛ لأن العتق فيه- يحصل بوجود الصفة، وهو يتعلق بأداء جميع المسمى، فإذا أدى، عتق، وعليه قيمة نصفه، ويسترد من السيد ما أعطى. وإن قلنا: صحيح، فكم يلزمه من المسمى نصفه أم كله؟ فيه قولان؛ كما في البيع إذا

стр. 3564

خرج نصف المبيع مستحقاً، وأجاز المشتري في النصف الثاين، فكم يجيز؟ فيه قولان. والخيار ثابت أبداً للعبد في الكتابة؛ فلا تختص به هذه الصورة. فصل في الكتابة الفاسدة تعليق العتق بالصفة على ثلاثة أقسام: قسم هو تعليق محض، لا معاوضة فيه، كقوله: إن دخلت الدار، فأنت حر، ونحوه-: فحكمه: أن يكون لازماً من الجانبين، لا يقدر واحد منهما على إبطاله بالقول، ويبطل بموت السيد، وكسب العبد يكون للمولى، وإذا عتق، فلا يتبعه الكسب، وفي معناه: إذا قال: إن أديت إلي ألفاً، فأنت حر، لأن ذكر المال فيه ليس على طريق المعاوضة، فحكمه ما ذكرنا [ولا يعتق فيه بالإبراء]، ولا يثبت فيه التراجع. وقسم فيه معاوضة، وجانب المعاوضة فيه مغلب، وهو: الكتابة الصحيحة؛ فهي موافقة للتعليقات في حكم واحد، وهو ألا يثبت فيها التراجع، ومخالفة لها في سائر الأحكام؛ فإنها جائزة من جهة العبد، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء، وكسبه يكون له فإذا عتق: يتبعه الكسب. وقسم فيه معنى المعاوضة؛ لكن الغلبة فيه للتعليق، وهو الكتابة الفاسدة: بأن شرط فيها شرطاً فاسداً أو يكاتب حالاً، أو إلى أجل واحد، أو على عوض فاسد، أو مجهول-: فهو يوافق الكتابة الصحيحة في حكمين: أحدهما: أن كسبه يكون له؛ حتى لو جني عليه أو كاتب جارية، فوطئت بالشبهة- يكون الأرش والمهر لها. والثاني: إذا عتق بأداء المال- يتبعه الولد والكسب الذي بقي بعد أداء المال. ويشبهه التعليق في أحكام: منها: أن السيد إذا أبرأه عن المال لا يعتق، حتى يؤدي؛ كما في التعليق، ويبطل بموت السيد كما يبطل التعليق؛ حتى لو أدى المال بعد موته إلى الوارث- لا يعتق. وإذا أعتق المكاتب كتابة فاسدة- يعتق لاعن الكتابة؛ ويكون فسخاً، وقد نص الشافعي- ﵁ على أن إعتاقه عن الكفارة يجوز؛ دل أنه لا يعتق عن الكتابة. قال الشيخ أبو علي- ﵀: وإذا لم يكن عتقه على حكم الكتابة، فلا يتبعه الولد والكسب، بخلاف الكتابة الصحيحة؛ لأن- ثم - استحق العتق على المولى بعقد صحيح، فاستحق الأولاد والأكساب، ولا تبطل بالإعتاق، وفي الفاسد: لم يستحق، حتى يجوز للمولى

стр. 3565

إبطاله؛ فيصير بالإعتاق مبطلاً، واستحسنه الشيخ القفال، ويشبه التعليق- أيضاً- من حيث إنه لو أوصى برقبته- جاز، ولا يجوز أن يصرف إليه سهم المكاتبين؛ نص عليه الشافعي- ﵁ وقال: لو وضع فيه، ولم يعلم، فدفع هو إلى السيد يسترد؛ لأنه لا يملك نفسه [ولا كسبه بالفاسد، بل] حكمه مراعىً على العتق. وقيل: لا يسترد؛ لأنه كالكتابة الصحيحة في العتق والكسب. ويجب على السيد زكاة فطر المكاتب كتابة فاسدة، ولا ينفذ تصرف المكاتب فيما في يده؛ كما في التعليق، قال الشيخ الإمام- ﵀: وعلى هذا القياس: لا تجوز معاملة المولى معه، ولا يجوز أن يسافر بغير إذن المولى، ولا يجب على المولى: أن يؤتيه شيئاً من مال الكتابة. [وإذا كاتب جارية]، وعجزت عن أداء المال-: لا يجب على المولى الاستبراء، كما في التعليق. ولو عجل النجوم قبل المحل في الكتابة الفاسدة، هل يعتق؟ فيه وجهان: أحدهما: يعتق، كما في الصحيحة. والثاني: لا يعتق؛ لأنه تعليق، ولم توجد الصفة على وجهها، وتخالف الكتابة الفاسدة الكتابة الصحيحة، والتعليق في حكمين، أحدهما: أن للسيد فسخ الكتابة الفاسدة؛ بخلاف الكتابة الصحيحة والتعليق؛ لأن العوض لا يسلم للسيد في الكتابة الفاسدة، فإن للعبد أن يسترد ما أعطى، فإذا كان العوض لا يسلم له- فله أن يفسخه. الثاني: أن المولى لا يملك ما أخذ في الكتابة الفاسدة، فالعبد يرجع عليه بما دفع إليه، إن كان ما دفع إليه مالاً، وهو يرجع على العبد بقيمة رقبته؛ لأن فيها معنى المعاوضة، وقد حصل العتق بأداء المال فيصير كأن المعقود عليه قد هلك؛ فلا يمكن الرجوع فيه وفي المعاوضة الفاسدة، إذا تلف المعقود عليه في يد المشتري- يرجع البائع عليه بقيمته، وهو يرجع على البائع بالثمن الذي أدى، وتعتبر قيمته بيوم العتق، لأن التلف حصل به، فإن كان الذي دفع العبد شيئاً لا قيمة له من خمر أو خنزير- لا يرجع على السيد شيء، والسيد يرجع عليه بقيمة رقبته فإن كان ما دفع مالاً حلالاً، وكان هالكاً- يرجع بمثله إن كان مثلياً، وبقيمته: إن كان متقوماً فإن كان ما وجب على المولى مالاً من جنس القيمة يتقاصان، وصاحب الفضل

стр. 3566

يرجع بالفضل، وإذا أبطل السيد الكتابة الفاسدة بعد أداء المال لا يبطل؛ لأن العتق قد حصل بأداء المال، وإن أبطل قبل أداء المال- يبطل حتى لو أدى المال بعده-: لا يعتق، والأولى: أن يشهد حتى يعلم العبد، فلو لم يعلم العبد برجوعه، وأدى المال، فقال السيد: كنت قد رجعت، وفسخت الكتابة، وأنكر العبد، فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرجوع، وعلى المولى [البينة]. قال صاحب "التلخيص": فإن أدى الفاسد قبل أن يبطله أحدهما أو يبطله الحاكم- عتق. قوله "أو يبطله الحاكم"؛ أراد أن يطلب السيد من الحاكم أن يبطلها، أما من غير طلبه فلا. وأما إذا دفع المال في الكتابة الفاسدة، فخرج مستحقاً- لم يعتق، فإن كاتبه على عين علق عتقه بدفعها، فدفع- عتق، فإن خرج ما دفع مستحقاً-: رد ما أخذ، ورجع بقيمته. ولو جن السيد أو العبد في الكتابة الفاسدة قبل الأداء أو أغمي على واحد منهما؛ من أصحابنا من قال: يبطل العقد؛ لأنه عقد جائز كالشركة والوكالة. وقال الشيخ أبو حامد: أيهما جن لا يبطل؛ لأنه تعليق عتق بصفة، ولا يبطل التعليق بالجنون؛ والصحيح من المذهب: أنه إذا جن السيد أو حجر عليه أو أغمي- عليه- يبطل، ولا يبطل بجنون العبد، وإغمائه، حتى لو كان له مال، فأخذه المولى بعد جنونه أو أفاق العبد فأدى-: عتق، والفرق: أن الكتابة لا حظ فيها للمولى، بل نظره في فسخها، فقلنا: يبطل بجنونه؛ نظراً له، وللعبد فيها حظ ونظر؛ فلم تبطل بجنونه. وإذا كاتب عبده كتابة صحيحة، ثم جن العبد فأدى السيد المال- عتق، ولا يتراجعان، ولو كاتب عبده العاقل كتابة فاسدة، ثم جن، وله مال، فأداه المولى - عتق؛ لوجود الصفة، ويتراجعان. أما إذا كاتب عبده المجنون، فالكتابة فاسدة، ونقل المزني: أنه يعتق بأخذ المال، ولا يتراجعان، ونقل الربيع: أنهما يتراجعان. قال ابن سريج: يثبت التراجع، لأنها كتابة فاسدة، ونقل المزني وقع خطأ، والصحيح من المذهب، وبه قال أبو إسحاق-: لا يثبت التراجع، لأن المجنون ليس من أهل العقد؛ فيبطل معنى المعاوضة فيه بالكلية، ويبقى مجرد التعليق؛ فصار كما لو قال: إن أديت إلي ألفاً، فأنت حر، فإذا أدى الألف- عتق لوجود الصفة، ولا يتراجعان، ونقل الربيع وقع خطأ،

стр. 3567

أو أراد به، إذا كاتب عبده العاقل كتابة فاسدة، ثم جن، وأدى-: عتق، ويتراجعان، وكذلك: لو كاتب عبده الصبي، فقبل-: فهو فاسد، فإذا أدى المسمى-: عتق؛ لوجود الصفة، وفي ثبوت التراجع: هذا الاختلاف؛ فمن أثبت التراجع في الصبي والمجنون، قال: ما فضل من الكسب- يكون له، ومن لم يثبت التراجع- قال: لا يكون الكسب له، وهذا أصح؛ لأن العقد مع الصبي والمجنون ليس بعقد، وكذلك: إذا اشترى شيئاً، فهلك عبده-: لا يضمن؛ بخلاف البالغ إذا اشترى فاسداً، فهلك عنده-: ضمن. فصل روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي- ﷺ قال: "المكاتب عبد؛ ما بقي عليه درهم من كتابته". المكاتب: لا يعتق شيء منه؛ ما لم يؤد آخر النجوم، فإن مات، وقد بقي عليه درهم فأقل من نجومه-: يموت رقيقاً؛ لأن عتقه معلق بأداء آخر النجوم؛ ولم يوجد. وعند أبي حنيفة: إذا مات وخلف وفاءً-مات حراً، وإن لم يخلف وفاءً، وله ولد، يستسعى الولد حتى يؤدي النجوم، فيحكم بحريته، وإن لم يكن له ولد- مات رقيقاً. وقال مالك: إن خلف وفاءً وولداً-: مات حراً فإن قلنا: المعقود عليه في الكتابة هو الرقة؛ لأن الملك يزول عنها بأداء النجوم، وعند الفساد: ترجع إلى قيمتها، وقد فات المعقود عليه في يد العاقد، فأشبه تلف المبيع قبل القبض. ولو أتى المكاتب بالنجوم، فقال السيد: هذا حرام- نظر: إن كان للسيد بينة على أنه حرام أو مغصوب-: لم يجبر على أخذه، وإن لم يكن له أن يحلف العبد على أنه حلال، فإن لم يحلف- حلف السيد، ولم يجبر على أخذه، وإن حلف العبد- يقال للسيد: إما أن تأخذه، وإما أن تبرئه عن قدره، فإذا أخذه برئت ذمة العبد عن ذلك القدر، ثم إن كان السيد سمى رجلاً، وقال: هذا لفلان-: يجب عليه تسليم ما أخذ إليه، وإن لم يسم رجلاً، بل قال: هو حرام، هل ينتزع من يده؟ فيه وجهان: وإن أبى السيد أني أخذه أو يبرئه- أخذه الحاكم، وعتق العبد، والحاكم يمسك ما أخذه إلى أن يأخذه المولى، وإذا أدى المكاتب عوضاً في النجم الأول، فوجد السيد به عيباً، فإن

стр. 3568

شاء- رضي به معيباً، وإن شاء رده فاستبدل، وإن خرج مستحقاً- رجع عن المكاتب بعوضه، وإن أدى آخر النجوم عوضاً، فخرج مستحقاً- بان أنه لم يعتق؛ لأن الأداء- لم يكن صحيحاً، وإن ظهر الاستحقاق بعد موت المكاتب-: بان أنه مات رقيقاً، وما تركه للمولى دون الورثة، وإن أدى آخر النجوم عوضاً، فوجد المولى به عيباً، ولم يرد-: فله أن يرده، ويطالبه بالبدل قال صاحب "التقريب": بأدائه عتق في الظاهر؛ فإن رضي به-: استقر العتق؛ لأن ذمته برئت من النجوم، وإن رده، ارتفع العتق. وقال الشيخ القفال: لا يحصل العتق بأدائه، حتى يرضى، خرج منه أنه إذا رضي بالعيب يحصل العتق من وقت الأداء، أم من وقت الرضا؟ فيه وجهان، بناءً على ما استوفى المسلم فيه، ثم وجد به عيباً، ورده، هل يجعل كأنه استوفى في حقه، ثم فسخه، حتى تبقى الزوائد له، أم يجعل كأنه لم يستوفه؛ حتى يجب رد الزوائد؟ فيه وجهان، وهذا بناء على أن الصرف إلى الذمة إذا وجد بالمقبوض عيباً بعد التفرق- هل له الاستبدال؟ فيه قولان: وإذا أدى آخر النجوم عرضاً، [فقال له السيد: أنت حر، ثم خرج العرض مستحقاً-: رده، وهو رقيق كما كان؛ لأن قوله: "أنت حر"- كان بناءً على سلامة العرض؛ كما لو خرج المبيع مستحقاً في يد المشتري: له أن يرجع بالثمن على البائع، وإن كان يقر بأنه كان ملكاً للبائع- اشتريته منه؛ لأنه لم يسلم له المبيع بذلك القول. ولو اختلفا، فقال المكاتب: أعتقتني بقولك: "أنت حر" وقال السيد: أردت أنك حر بما أديت، وبان أنه لم يصح الأداء-: فالقول قول السيد مع يمينه. ولو أدى آخر النجوم عرضاً]، فتلف في يد المولى أو بعيب، ثم وجد به عيباً قديماً، فعلى المكاتب أرش النقصان، [فإن لم يؤد للمولى لعجزه رد العتق]؛ كما لو دفع دنانير فخرجت ناقصة عليه-: جبر النقص، وفي كيفية وجوب النقصان وجهان: أحدهما: عليه ما انتقص من قيمة العرض. والثاني: عليه [ما انتقص من] قيمة الرقبة؛ بنسبة ما انتقص من قيمة العرض، فإن انتقص عشر قيمة العرض-: [عليه قيمة عشر الرقبة؛ وإنما وزعنا قيمة الرقبة على قيمة العرض]، ولم نوزع على جميع النجوم؛ لأن العتق يحصل بأداء آخر النجوم لا يتوزع على النجوم.

стр. 3569

فصل قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. روي عن علي- ﵇ في تفسير [هذه] الآية: يحط عنه ربع مال الكتابة. [ويجب على المولى: إيتاء المكاتب، وهو أن يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، ولأن يحط أولى من الدفع. وعند أبي حنيفة: لا يجب، والآية حجة عليه. ويستحب أن يحط ربع المال؛ لما رويناه عن علي ﵇ فإن لم يفعل، فالسبع؛ لما روي عن ابن عمر: أنه كاتب عبداً له بخمس وثلاثين ألفاً، ووضع عنه خمسة آلاف. واختلفوا في القدر الواجب، فمنهم من قال- وهو الأصح-: يجب أن يضع عنه أو يؤتيه ما يقع عليه اسم المال، وإن قل؛ كما أن له سهماً من الزكاة، ولا تقدير له. وقال أبو إسحاق وإليه ذهب بعض أصحابنا-: يجب أن يحط عنه قدراً يقع به الاستغناء؛ وذلك يختلف بكثرة المال وقلته، فإن اختلفا: قدره الحاكم باجتهاده؛ كالمتعة تختلف بيسار الزوج وإعساره، وفي وقت وجوبه وجهان: أحدهما: يجب أن يؤتيه بعد العتق؛ كالمتعة تجب بعد الطلاق. والثاني: وهو الأصح-: أنه يجب قبل العتق من حين كاتب إلى أن يؤدي آخر النجوم؛ كسهم الزكاة يدفع إليه قبل العتق بعد الكتابة، والأولى أن يحط من آخر النجوم، حتى ينبني عليه العتق، وإذا أخذ جميع المال عليه أن يرد إليه شيئاً مما أخذ. فإن دفع من غير جنس مال الكتابة-: لا يجوز، وإن دفع إليه من جنسه، لا من عينه-: ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما لو دفع من غير جنسه. والثاني: يجوز؛ كما لو أخرج الزكاة من جنس مال الزكاة لا من عينه- يجوز. فلو مات المولى بعد ما أخذ جميع النجوم-: فالمكاتب يحاص أهل الدين بحقه، سواء أوصى به أو لم يوص، وتقدم على سائر الوصايا كسائر الديون، فإن أوصى المولى، وقال:

стр. 3570

آتوه عشرة، فيقدر أقل ما يتمول يحاص أهل الدين، وبالزيادة: يحاص أهل الوصايا. فصل في الاختلاف إذا ادعى العبد على سيده؛ أنك كاتبتين، وأنكر السيد-: فالقول قول السيد مع يمينه، وكذلك بعد موت السيد: إذا ادعى على وارثه؛ أن أباك كاتبني-: فالقول قول الوارث، ويحلف بالله، لا أعلم أن أبي كاتبه، وإنما قلنا: يحلف على العلم؛ لأنه يمين على نفي فعل الغير. ولو اتفقا على الكتابة، واختلفا في قدر النجوم، أو في صفتها، أو بعد أداء نجمين لم يكن في يده وفاء فقال: كاتبتني على ثلاثة أنجم، وقال المولى بل على نجمين، أو قال المولى: كاتبتك على ألف، فقال: بل كاتبتين مع عبد آخر على ألف، وقلنا: يصح - يتحالفان، ثم بعد التحالف- نظر: إن كان المولى لم يقبض شيئاً من النجوم أو قبض بعضه، سواء قبض أقل مما يدعيه العبد [أو أكثر؛ لكنه لم يقبض جميع ما يدعيه المولى] أو كان الاختلاف في الجنس، والسيد لم يقبض جنس ما يدعيه، إنما قبض ما يدعيه العبد فقد قيل: تنفسخ الكتابة بالتحالف، والمذهب: أنه لا تنفسخ، ولكن إن لم يتراضيا على شيء يفسخ القاضي الكتابة بينهما، ويعود العبد قنا؛ كما كان، وإن كان المولى قد قبض جميع ما يدعيه غير أن المكاتب يقول: الزيادة وديعة لي عندك-: فالعتق قد حصل بقبض ما يدعيه المولى؛ فلا يرد ويتراجعان-: فالسيد يرجع على المكابت بقيمة رقبته، والمكاتب يرجع بما أدى: فإن كان الجنس واحداً- تقاصا، وصاحب الفضل يرجع بالفضل. ولو قال السيد: كاتبتك على نجم واحد، وقال العبد: بل على نجمين-: فالقول قول السيد مع يمينه، لأنه يدعي فساد العقد، ولو قال المولى: كاتبتك، وأنا مجنون أو محجور، وأنكر العبد جنونه وحجره- نظر: إن عرف به جنون أو حجر سابق- قبل قوله مع يمينه، وإن لم يعرف-: فالقول قول العبد مع يمينه ولو ادعى المكاتب أداء النجوم، وأنكر السيد، فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة المكاتب بها، فلو أراد العبد إقامة البينة، فقال: أنظروني، يمهل يومين وثلاثة، ولا يزاد عليها؛ بخلاف ما لو ادعى رجل على آخر دينا، فقال: أبرأني، أو أديت-: كان إقراراً بالدين؛ فلو استمهل حتى يأتي ببينة على الإبراء، أو على الأداء-: لا يمهل، بل يؤمر بأداء الدين ثم إن أتى بحجة على الإبراء يسترد، لأن الكتابة عقد إرفاق، وهذا الإمهال من تتمة الإرفاق، ثم هذا الإمهال في الكتابة- واجب أم مستحب؟ فيه وجهان، ويقبل من المكاتب شاهد وامرأتان على الأداء، ولو أقام شاهداً، وحلف معه-:

стр. 3571

يثبت؛ لأنه شهادة على المال، والعتق يحصل ضمناً، بخلاف ما لو ادعى أصل الكتابة-: لا يقبل عليه إلا عدلان، ولو وضع على المكاتب شيئاً من النجوم، فاختلفا، فقال السيد: وضعت من أول النجوم، وقال المكاتب: بل من آخرها، أو ادعى المكاتب أنه وضع الكل، وقال السيد: بل بعضه-: فالقول قول السيد مع يمينه. ولو كاتبه على دراهم، ثم أبرأه عن الدنانير، أو كاتب على عرض، ثم أبرأه عن دنانير-: لا يصح، ولا يعتق؛ لأنه لم يبرئه عما عليه. ولو كاتبه على ألف درهم، فوضع عنه عشرة دنانير-: لا يصح، فإن قال: أردت مائة درهم بقيمة عشرة دنانير-: صح. فلو اختلفا فيما عنى؛ فقال المكاتب: عنى مائة درهم بقيمة عشرة دنانير، وأنكر السيد-: فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه أعرف بما عنى. ولو قال: وضعت عنك من الدراهم ما يقابل عشرة دنانير: فإن كان معلوماً عندهما-: صح، وإن كان مجهولاً-: فقولان، بناءً على ما لو أوصى بأكثر من الثلث، فأجاز الوارث، وهو جاهر بالزيادة- فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، للجهل. والثاني: يصح، ويحمل على أقل ما يتيقن. ولو قال السيد: استوفيته، أو قال العبد أليس أوفيتك، قال: بلى، ثم ادعى المكاتب: أنه أوفاه الجميع، وقال المولى: بل بعضه، فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأن الاستيفاء- قد يقع على البعض. ولو كان له مكاتبان-: أقر أني استوفيت نجوم أحدهما، أو أبرأت أحدهما، وأشكل عليه، قال الشافعي: يقرع بينهما، وأراد به بعد الموت، أما في حياته- يحكم بعتق أحدهما، ويقال له: تذكر [وبين]، ويحبس حتى يبين: فإن بين في أحدهما، للآخر أن يدعي عليه، ويحلفه أنه لم يستوف نجومه، فإن حلف- كان المدعي مكاتباً إلى أن يؤدي النجوم، وإن نكل السيد حلف المدعي، وعتقا جميعاً، فلو مات السيد قبل البيان-[هل يقوم وارثه مقامه في البيان] فيه قولان: أحدهما: لا، بل يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة- كان حراً، وعلى الآخر أداء

стр. 3572

النجوم، وله تحليف الوارث: أنه لا يعلم أن أباه استوفى نجومه. والقول الثاني: قام الوارث مقام المورث في البيان، فإن بين في أحدهما- حكم بعتقه، وللآخر: أن يدعي عليه، ويحلفه أنه لا يعلم أن مورثه استوفى نجومه، فإن نكل- حلف هو، وعتقا جميعاً. وإن قال الوارث: لا أعلم، حلف لكل واحد منهما على الانفراد: أنه لا يعلم، وأمر العبدان [أن] يؤديا النجوم، لأن الأصل اشتغال ذمتهما بالمال. فصل إذا مات رجل عن اثنين، وله عبد، ادعى العبد أن أباكما كاتبني-: لا يخلو: إما أن كذباه، أو صدقاه، أو صدقه أحدهما وكذبه الآخر: فإن كذباه- فالقول قولهما: يحلف كل واحد منهما بالله لا نعلم أن أباه كاتبه. وإن صدقاه: فهو مكاتب، وإذا استوفى أحدهما نصيبه من النجوم بإذن الآخر- هل يستبد به؟ فيه قولان: فإن قلنا: يستبد به، أو أبرأه عن نصيبه، أو أعتقه- عتق نصيبه، وهل يقوم عليه الباقي؟ نظر: إن كان معسراً لا يقوم، بل النصف الآخر مكاتب، فإن عجز- كان رقيقاً، وإن كان موسراً - هل يقوم عليه؟ فيه قولان: أحدهما: يقوم؛ كالشريكين يكاتبان عبداً، ثم أعتق أحدهما نصيبه، يقوم عليه الباقي. والثاني: لا يقوم؛ لأن هذا العتق بحكم كتابة الأب، والميت لا يقوم عليه، وأصل القولين: أن رق المكاتب، هل يورث؟ فيه جوابان: إن قلنا: لا يورث- لا يقوم؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب. وإن قلنا: يورث - يقوم. وقال أبو حنيفة والمزني إذا أبرأ أحدهما عن نصيبه-: لا يعتق نصيبه؛ لأن الأب: لو كان حياً، وأبرأه عن نصف النجوم-: لا يعتق شيء منه، ولو أعتق يعتق. قلنا: لأن الأب إذا أبرأ عن النصف-: لم يبرئه عن جميع ماله عليه، فلم يعتق شيء منه، [وأحد الاثنين: إذا أبرأ- فقد أبرأه عن جميع ماله عليه؛ فيعتق نصيبه] كأحد الشريكين، إذا

стр. 3573

أبرأ عن نصيبه يعتق نصيبه. قال الشيخ الإمام- ﵀: إذا أبرأ أحد الاثنين عن نصيبه، أو أعتق نصيبه، أو استوفى بإذن الآخر، وقلنا: يستبد به-: وجب أن يكون في عتق نصيبه قولان: أصحهما: لا يعتق نصيبه، وعليه يدل النص بل يوقف، والشافعي- ﵁ قال: فأعتق أحدهما نصيبه فهو برئ عن نصيبه، ولم يقل: عتق نصيبه، ثم ذكر بعده، وقال في موضع آخر: يعتق نصفه، عجز أو لم يعجز؛ ففيه دليل على أن أحد الاثنين: إذا أبرأ عن نصيبه، أو أعتق نصيبه-: لا يعتق، على أحد القولين؛ بل يكون موقوفاً؛ فإن أدى نصيب الآخر-: عتق كله، وولاؤه للأب، فإن عجز قوم على المعتق، إن كان موسراً وولاؤه له، وبطلت كتابة الأب، وإن كان معسراً- فنصفه حر، وولاؤه للمعتق، ونصفه رقيق للابن الآخر. قال الشيخ- ﵀: وإنما يعتق عند العجز نصيبه؛ إذا كان أعتقه صريحاً، فإن كان بإبراء أو استيفاء-: فلا يعتق شيء منه، إذا عجز؛ إنما يعتق إذا أدى نصيب الابن الآخر؛ لأن الكتابة تبطل بالعجز، والعتق في غير الكتابة- لا يحصل بالإبراء قال الشيخ- ﵀: بخلاف الأب لو أعتق [نصيبه-: عتق] كله؛ لأن الكل له، فلا يتجزأ فيه عتقه، وفي الاثنين: يتجزأ ملكهما وعتقهما؛ فكان إعتاق أحدهما كإبرائه في عدم نفوذ العتق في الحال: فإن قلنا: يعتق نصيبه في الحال، وهو موسر-: هل يقوم عليه نصيب الابن الآخر؟ فيه قولان: فإن قلنا: لا يقوم- فهو مكاتب، فإن أدى نصيب الآخر، أو أبرأه الآخر، أو أعتقه- عتق كله، وولاؤه للأب، وإن عجز-: بقي نصفه رقيقاً ونصفه حراً، وولاؤه للأب، وهل ينفرد به الابن الذي عتق نصيبه أم يكون بينهما؟ فيه وجهان: أصحهما: يكون بينهما؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب. والثاني: يكون لمن أعتقه؛ لأن نصيب الآخر بقي رقيقاً. وإن قلنا: يقوم عليه نصيب الابن الآخر، متى يقوم؟ فيه قولان؛ كالشريكين، إذا كاتبا أو أعتق. أحدهما: نصيبه: يقوم في الحال، لأن التقويم لعتق نصيبه، وقد عتق نصيبه الآن. والثان: يقوم عند العجز، لأن حق العتاق ثابت له بكتابة الأب؛ فلا يبطل: فإن قلنا: يقوم في الحال- تنفسخ الكتابة في النصف المقوم، وولاؤه للمقوم عليه، وولاء النصف الأول للأب، وهل ينفرد به الابن الذي أعتقه؟ فعلى الوجهين. وإن قلنا: يقوم عند العجز: فإذا أدى نصيب الابن الآخر-: عتق كله، وولاؤه للأب،

стр. 3574

وإذا عجز عن أدائه- يقوم على الأول، وولاء [كله] له، وبطلت كتابة الأب، وصار كأنه أعتق ملك نفسه. وقيل: إذا قومنا عند العجز- فولاء هذا النصف له، وفي ولاء النصف الآخر وجهان. فأما إذا ادعى العبد الكتابة، فصدقه أحد الاثنين، وكذبه الآخر-: فنصيب المصدق مكاتب، ونصيب المكذب قن، وللعبد تحليفه: أنه لا يعلم أن أباه كاتبه. ولو شهد المصدق مع عدل آخر: أن الأب كاتبه-: يقبل، وكان كله مكاتباً، وإن لم يكن معه عدل [آخر-: فلا يحلف المكاتب معه؛ لأن الكتابة لا تثبت بشاهد ويمين، وبقي نصفه قنا، فنصف كسبه للابن المنكر، ونصفه يدفعه إلى الآخر عن نجوم كتابته. فلو اتفقا على المهايأة؛ يكسب يوماً للمنكر، ويوماً لنفسه، يؤديه في النجوم-: جاز، فإذا أدى نصف النجوم إلى المقر-: عتق نصفه، ولا يرجع المنكر عليه بشيء؛ لأنه كان يستخدمه بنصفه الرقيق، وما فضل من كسب ذلك النصف عن النجوم يكون للمكاتب، ولا يقوم عليه نصيب المنكر؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب، ولا يقوم على الميت؛ كما إذا أقر أحد الابنين: أن أبانا أعتق هذا العبد، وأنكر الآخر-: عتق نصيبه، ولا يقوم الباقي عليه، ولا هذا النصف الذي عتق بأداء النجوم يكون بينهما أم ينفرد به المقر؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون بينهما؛ لأنه عتق بحكم كتابة الأب. والثاني: للمقر؛ لأن المنكر أبطل حقه بالإنكار؛ كما لو ادعى وارثان ديناً من جهة الميت، وأقام شاهداً، وحلف أحدهما معه، ولم يحلف الآخر-: أخذ الحالف نصف الدين، ولا يشاركه الآخر فيه، فلو مات هذا العبد، وقلنا: يورث ممن نصفه حر، وجعلنا ولاء ذلك النصف بينهما-: فنصف تركته للمقر، والنصف يوقف؛ لأن المنكر لا يدعيه، حتى ينكشف الحال، فلو أن المصدق أعتقه، وأبرأه عن النجوم-: عتق نصيبه، وهل يقوم عليه الباقي، إن كان موسراً؟ قيل: فيه قولان؛ كما إذا صدقاه، ثم أعتقه أحدهما؛ غير أ، ثم: إنما يقوم إذا أعتق صريحاً: يقوم في أحد القولين عند العجز، وههنا: إذا قلنا: يقوم في الحال قولاً واحداً؛ لأن الابن الآخر منكر للكتابة-: فلا يمكن الوقف على العجز. وقيل: ههنا: يقوم قولاً واحداً في الحال؛ لأن الابن الآخر منكر للكتابة؛ [فلا يمكن الوقف على العجز. وقيل: ههنا: يقوم]؛ فيدعي على المعتق الآخر السراية.

стр. 3575

قال الشيخ الإمام ﵀: ينبغي أن يجعل إبراء المصدق كالاستيفاء في أنه لا يقوم عليه نصيب المنكر، [إنما يقوم إذا أعتق صريحاً]، فإن قلنا: لا يقوم-: فالنصف رقيق للمنكر، وفي ولاء النصف الذي عتق- وجهان: أحدهما: للمصدق. والثاني: بينهما. وإن قلنا: يقوم-: فولاء النصف الذي قوم للمقوم عليه، وفي ولاء النصف الآخر وجهان. أما إذا عجز عن أداء النجوم، وعجزه المقر [له] عاد كله رقيقاً، ويكون بينهما، والكسب الذي في يده يكون للمقر؛ لأن المنكر أخذ نصيبه. فلو اختلفا في شيء من الكسب، فقال المقر: حدث بعد الكتابة، فأخذت أنت نصيبك، وهذا لي، وقال المنكر: بل حدث قبل الكتابة، فكان ملكاً للأب؛ فيكون بيننا-: فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه قبل الكتابة. باب كتابة بعض العبد إذا كاتب رجل نصف عبد- نظر: إن كان باقيه حراً-: جاز؛ لأنه عقد الكتابة على جميع ما فيه من الرق؛ فيصح، كما لو كان كله رقيقاً، فكاتبه. فإن كاتب جميعه-: فالكتابة في نصفه الحر باطلة، وفي النصف الرقيق قولان. وإن كان باقيه رقيقاً-: لا يخلو إما إن كان الباقي له، أو لغيره: فإن كان جميع العبد له، فكاتب نصفه- نص على أنه لا يجوز، ونص فيما لو كاتب عبداً في مرض موته، لا مال له سواه، يتكاتب ثلثه-: اختلف أصحابنا [فيه] قال ابن سريج: في كتابة بعض العبد قولان؛ كما لو كان العبد بين شريكين، فكاتب أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه فيه قولان: أحدهما: يجوز؛ كما لو باع أو رهن نصفه؛ يجوز. والثاني: لا يجوز؛ لأن المكاتب يحتاج إلى التردد والمسافرة؛ لتحصيل النجوم، والسيد يمنعه بنصفه الرقيق؛ فلا يحصل مقصود العقد، ولأنه لا يمكن أن يوضع فيه سهم
следующие страницы →