Полный текст (3 626 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: لا يشق؛ لأنه أتلفها في حياته؛ كالطعام أكله.
ولو وجد عضواً من أعضاء ميت يغسل، ويصلى عليه، ويكفن، ويدفن إذا علم أن صاحبه ميت؛ صلى عمر- ﵁ على عظام بـ "الشام"، وصلت الصحابة على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ألقاها طائر بـ "مكة" من وقعة "الجمل".
وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه ما لم يكن أكثر من النصف، أو يكون الرأس معه.
ولو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين صلى عليهم، وقصد المسلمين بالنيَّة، ولو صلى عليهم واحداً واحداً، ونوى الصلاة عليه إن كان مسلماً- جاز، ويقول: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
وعند أبي حنيفة: لا يصلى عليهم، إلا أن يكون أكثرهم مسلمين.
"باب حمل الجنازة"
روي عن رسول الله- ﷺ أنه حمل جنازة سعد بن معاذٍ بين العمودين.
стр. 772
المستحب حمل الجنازة من الجوانب الأربعة، وهو أن يبدأ بياسرة السرير المقدَّمة؛ لأن فيها يمين الميت؛ فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يتقدم أمامها معترضاً بين يديها؛ فيضع يامنةِ السرير المقدَّم على عاتقه الأيسر، ثم يصير إلى يامنة المؤخرة؛ فيضعها على عاتقه الأيسر. وإنما قلنا: يصير من ياسرة المؤخَّرة إلى يامنة المقدمة معترضاً بين يديها حتى لا يكون ماشياً خلف الجنازة؛ ولأن البداية برأس الميِّت أولى. فإن كثر الناس ولم يمكن الحملُ من الجوانب حمل بين العمودين؛ كما جاء في السُّنَّة؛ وهو أن يجعل الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدمة الجنازة على كاهله، ثم إن قوي على أخذ العمودين بيديه فعل؛ فيحصل الحمل بثلاثة، وإن لم يمكنه حصل الحملُ بخمسة، ولا يتصوَّر الحمل بين العمودين من مؤخر الجنازة. وذهب: بعضنا إلى أن الحمل بين العمودين أفضل. وعند أبي حنيفة: الحملُ بين العمودين بدعةٌ.
والمشي أمام الجنازة أفضلُ من المشي خلفها؛ لما روى سالم، عن أبيه؛ أن النبي- ﷺ وأبا بكر وعُمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة.
стр. 773
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل؛ وهو قول علي ﵁. وقال أحمد: إن كان ماشياً يمشي أمامها، وإن كان راكباً فخلفها. ويعني: بالمشي أمامها: أن يمشي قريباً منها؛ بحيث لو التفت رأى الجنازة، لا أن يتقدم؛ فيقعد بالمصلَّى ينتظر حضورها.
فإن سبق إلى المقبرة فهو بالخيار؛ إن شاء قام حتى تُوضع الجنازة وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي ﵁ قال: رسول الله- ﷺ مع الجنازة حتى توضع، وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود.
والمشي بالجنازة: الإسراع، وهو فوق سجيَّة المشي دون الخبب، والرَّمل في الطواف. والخبب: دون شدة السعي، وبين الصفا والمروة: السعي الشديد في خلال الطريق.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله- ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة؛ فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك؛ فشرٌّ تضعونه عن رقابكم".
стр. 774
والسُّنَّة: ألا يركب؛ لما روي؛ أن النبي- ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة.
فإن ركب في الانصراف، فلا بأس.
روي عن جابر بن سمرة، قال: أُتِيَ النبي- ﷺ بفرسٍ معروف؛ فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح، ونحن نمشي حوله.
ويكره أن تتبع الجنازة بنارٍ ونائحةٍ. قال عمرو بن العاص: إذا أنا مِتُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار. ومثله عن أبي موسى.
بابُ الصلاة على الميت ومن أولى بها
الصلاة على الميِّت فرض على الكفاية، وفي العدد الذي يسقط بهم الفرض أوجه:
أحدها: يسقط برجُل واحد؛ حراً كان أو عبداً؛ لأن الجماعة ليست بشرط فيها، ولو شرط العدد لشرط الجماعة؛ كالجمعة.
والثاني: يسقط برجلين؛ لأن الاثنين أقلُّ الجمع.
والثالث: بثلاثة: لأنها الجمع المطلق.
والرابع: بأربعة عدد حملة الجنازة، وليس الشرط أن يصلوا جماعة، فلو صلوا فرادى جاز ولو صلى عليه جماعةٌ من النساء لا يسقط بهن الفرض، ولو صلى جماعة من المراهقين فيه وجهان:
أحدهما: لا يسقط به الفرض؛ كالنساء.
стр. 775
والثاني: نص عليه: يسقط به الفرض؛ لأن المراهق يصلح إماماً؛ حتى قال: القريب المراهق أولى بالصلاة على الميت من الأجنبي البالغ.
ولو أمَّ صبي في صلاة الجنازة يجوز، ولو صلَّت جماعة من النساء على جنازة جاز؟ ويصلين فرادى؛ لأن النساء لا تسنَّ لهن الجماعة في الصلاة على الميت، فإن صلين جماعة؛ فلا بأس؟ ويقف إمامهن وسطهن، وإن كان الفرض لا يسقط بهن.
وإن بان حدث الإمام، أو بعض المأمومين بعد الصلاة؛ فالفرض ساقطٌ إذا بقي من المتطهرين قدرُ الكفاية.
والوليُّ أولى بالصلاة من الوالي؛ لأن هذا من قضاء حقِّ الميت؛ كالتَّكفين والدفن، ولأنها من الأمور الخاصة؛ فالولي فيه أولى من الوالي؛ كولاية التزويج.
وقال أبو حنيفة: الوالي أولى، ثم إمام المسجد أولى، ثم الولي. وهو قول الشافعي في القديم. وأولى الأولياء الأب، ثم الجد أب الأب وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل. وإنما قدَّمنا الأب على الابن؛ لأن المقصود منه الدُّعاء، وشفقة الأب أكثر؛ فيكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب. وقيل: فيه قولان؛ كما في ولاية النكاح:
أحدهما: الأخ للأب والأم أولى.
والثاني: هما سواء. والأصح هو الأول؛ أن الأخ للأب والأم أولى قولاً واحداً؛ لأن قرابة الأم تثبت لهم ولاية الصلاة على الميت في الجملة؛ فيرجح بها، ولا يثبت بها ولاية النكاح؛ فلم يثبت بها الترجيح.
ثم ابن الأخ للأب والأم، ثم ابن الأخ للأب، ثم العم للأب ثم ابن العم للأب والأم، على هذا الترتيب، ثم عمُّ الأب، ثم عم الجد؛ على ترتيب عصبات الميراث.
وإذا اجتمع وليان في درجة واحدة فالأسنُّ أولى من الأفقه والأقرأ إذا كان يحسن الصلاة؛ لأن دعاءه أقرب إلى الإجابة، فإن لم يكن الأسن محموداً فالأفقه أولى، فإن استويا يقرع بينهما، فإن كان أحدهما رقيقاً فالحر أولى، والعبد المكاتب القريب أولى من الأجنبي الحر. وإن كانا قريبين- والرقيق أقرب- ففيه وجهان:
стр. 776
أحدهما: الحر أولى، لأنه من أهل الولاية، كما لو استويا في الدرجة، كان الحر أولى.
والثاني: العبد القريب أولى؛ لأن مبناها على الشفقة، والرِّق لا ينافيها؛ كما كان أولى من الأجنبي الحر.
فإن لم يكن أحدٌ منا لعصبات، فأب الأم أولى من الأخ للأم، ثم الخال، ثم العم للأم.
"فصلٌ: في وقت الصلاة على الميت ودفنه والترتيب بين الجنازات"
تجوز الصلاة على الميت ودفنه في أي وقت كان من ليل أو نهار، وفي الأوقات التي نهى عن صلاة التطوُّع فيها، ولا يكره.
وقال أبو حنيفة: يكره في الأوقات المنهية الصلاة دون الدفن.
وقال الحسن: يكرهان جميعاً.
ولا تحسب الصلاة قبل غسل الميت، ويُكره قبل أن يكفن، ويجوز.
والسُّنة: أن يصلى على الميت جماعةٌ، كذلك كان [يصلي] النبي- صلىلله عليه وسلم-. ويجوز فرادى؛ لأن النبي- ﷺ مات؛ فصلى الناس عليه فوجاً فوجاً.
وإذا اجتمعت جنائز، يجوز أني صلى عليهم دفعة واحدة. وكيف يوضع؟ نظر إن كانوا من جنس واحد؛ بأن كانوا جميعاً رجالاً أو نساءً ففيه وجهان:
أصحهما: يوضع بعضها خلف بعض، ويقدم الإمام أفضلهم.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة-: يوضع صفاً واحداً رأس كل واحد على رجل الآخر، ويقف الإمام في مقابلة الآخر حتى تكون الجنائز على يمينه.
وإن كانوا أجناساً؛ مثل أن اجتمعت جنازة رجل وامرأة، وصبي وخنثى- يوضع بعضها خلف بعض؛ يقرب الرجل من الإمام، ثم الصبي، ثم الخنثى، ثم المرأة.
روى عمار بن أبي عمار؛ أن زيد بن عمر بن الخطاب وأمه؛ أم كلثوم بنت علي
стр. 777
ماتا؛ فصلى عليهما سعيد بن العاص؛ فجعل زيداً مما يلي الإمام، وأمه مما يلي القِبلة. وفي القوم الحسن، والحسين، وأبو هريرة، وابن عمر، ونحو من ثمانين من أصحاب محمد ﷺ .
стр. 778
وإن اجتمعت جنازة من الخناثى يوضع صفاً واحداً؛ رأس كل واحد عند رجل الآخر، حتى لا تتقدم المرأة على الرجل.
ولو وضعت جنازة امرأة، ثم حضرت جنازة رجل أو صبي- ننحِّي جنازة المرأة، وتوضع جنمازة الرَّجل أو الصبي بين يدي الإمام، وولي المرأة أولى بالصلاة، لسبقها.
ولو وضعت جنازة صبي، ثم حضرت جنازة رجل- يوضع خلف الصبي، ولا نُنَحِّي جنازة الصبي؛ لأن الصبي يقف في صف الرجال، والمرأة تتأخر.
ولو وضعت جنازة رجل، ثم حضرت جنازة خنثيين يوضعان خلف الرجل؛ صفاً واحداً.
ولو افتتح الإمام الصلاة على الجنازة، ثم حضرت أخرى- توضع حتى يفرغ الإمام، فيبتدئ الصلاة على الأخرى.
وإذا اجتمعت جنائز وأولياء، فولى السابق أولى بالصلاة عليهم؛ سواء كان السابق رجلاً أو امرأة أو صبياً. وإن حضروا معاً، أقرع [الإمام] بينهم، وإن لم يرض كل ولي بغيره، صلى كل واحد على ميته.
والسُّنة: أن يقف الإمام في صلاة الجنازة عند [رأس الرجل، وعجيزة المرأة؛ ليكون أستر عن أعين الناس. وقيل: عند].
صدر الرجل، وعجيزة المرأة وهو قول أحمد.
روي عن سمرة، قال: صليت وراء النبي- ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها؛ فقام وسطها.
وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الميت؛ رجلاً كان أو امرأة.
стр. 779
ولا يكره إدخال الميت المسجد؛ للصلاة عليه.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره.
والدليل على ما قلنا: ما روي عن عائشة، قالت: صلى رسول الله- ﷺ على سهيل ابن البيضاء في المسجد.
وتجوز الصلاة على الميت الغائب بالنية؛ سواء كان على سمت القبلة، أو لم يكن، والمصلي يستقبل القبلة وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
والدليل على جوازه: ما روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى؛ فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات.
стр. 780
وإن كانت الجنازة معه في البلد، فهل يجوز أن يصلّى عليها غير موضوعة بين يديه، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ كما لو كان غائباً.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يمكنه حضورها.
أما إذا كانت الجنازة حاضرة؛ فوقف المصلي قدامها، وجعلها خلف ظهره- فلا يجوز؛ كما لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام.
ولو اقتدى بإمام يصلي على حاضر، ونوى هو الصلاة على غائب- يجوز؛ لأن اختلاف نية الإمام والمأموم لا يمنع صحة الصلاة.
ويكره نعيُ الميت للناس، والنداء عليه للصلاة. قال حذيفة: إذا متُّ فلا تؤذنوا بي أحداً إني أخافُ أن يكون نعياً.
فصلٌ: في كيفية الصلاة على الميِّت
روي عن جابر؛ أن النبي- ﷺ كبَّر على الميت أربعاً، وقرأ بأمِّ القرآن بعد التكبيرة الأولى.
стр. 781
يشترط في صلاة الجنازة الطهارة عن الحدث والنجاسة، وستر العورة، واستقبال القِبلة؛ كما في سائر الصلوات، ويكبر أربع تكبيرات. ولو كبر خمساً، فيه وجهان:
أحدهما: تبطل صلاته؛ كما لو زاد ركوعاً في الصلاة.
والثاني: وهو الأصح: أنه لا تبطل صلاته؛ روي؛ أن النبي- ﷺ فعله إلا أن الأربع أولى؛ لأنها التي استقر عليها الأمر، واتفقت الصحابة عليه.
وإذا أراد الشروع في الصلاة ينوي عند التكبيرة الأولى أداء فرض الصلاة على هذا الميت. فإن كانوا جماعة؛ فينوي الصلاة عليهم، فإن لم يعرف عددهم؛ فإن كان خلف إمام يجب أن ينوي الاقتداء بالإمام، ولو نوى الصلاة على من يصلي عليه الإمام- جاز، ولا يعين الميت، فإن عيَّن وأخطأ؛ بأن نوى الصلاة على زيد، فإذا هو عمرو، أو على رجل؛ فإذا هو امرأة- لم تصح صلاته. وإذا نوى كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، وكذلك يرفع يديه في سائر التكبيرات. وعند أبي حنيفة: لا يرفعها إلا في التكبيرة الأولى.
قال الشيخ- وهو صاحب الكتاب- ﵀: وبعد الفراغ من كل تكبيرة يجمع يديه تحت صدره، وبعد التكبيرة الأولى يتعوَّذ، ويقرأ فاتحة الكتاب. وهل يقرأ دعاء الاستفتاح؟ فيه وجهان:
стр. 782
أصحهما: لا يقرأ؛ لأن مبناها على التخفيف وكذلك هل يقرأ السورة بعد الفاتحة، فعلى وجهين: وقيل: في التعوذ وجهان.
قال الشيخ: المذهب أنه يتعوذ؛ لأجل القراءة، ويسرُّ بالقراءة؛ ليلاً كان، أو نهاراً. وقيل: إن كان بالليل يجهر: والأول المذهب؛ لأنها قُربة شرعت فيها الفاتحة دون السورة؛ كالثالثة من المغرب.
وقال أبو حنيفة: لا يقرأ الفاتحة، بل يحمد الله، ويُثنى عليه. والحديث حجَّة عليه.
ثم يكبر الثانية، فيحمد الله، ويصلي على النبي- ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ثم يكبر الثالثة، ويخلص الدعاء للميت؛ فيقول: "اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج عن روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غنيٌّ عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فرد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولقِّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبه، ولقِّه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين".
وروي عن عوف بن مالك، قال: صلى رسول الله- ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه، وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزوله، ووسِّع مدخله، وغسِّله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه، من الخطايا؛ كما نقَّيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار". حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت.
стр. 783
وروي عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله- ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: "اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذَكَرَنا وأنثانا، اللهم من أحييت منا؛ فأحيه على الإسلام، ومن توفيت منا؛ فتوفه على الإيمان".
ثم يكبر الرابعة، ولم يذكر عقبها دعاء. وقال البويطي من أصحابنا: يقول: "اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنَّا بعده" ثم يسلم، وفي كيفيته قولان:
أصحهما: يسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره، كما في سائر الصلوات. وقال في "الإملاء": يسلم تسليمة واحدة، يبدأ بيمينه، ويختم بشماله. فيقول: السلام عليكم ورحمة الله؛ لأن مبنى هذه الصلاة على التخفيف.
وأقل ما يجزئ منها أربع تكبيرات، وقراءة الفاتحة عقيب الأولى، والصلاة على النبي- ﷺ عقيب الثانية والدعاء للميت عقيب الثالثة، بما يقع عليه اسم الدعاء، والتسليم عقيب الرابعة.
ولا يجوز قاعداً مع القدرة على القيام، وإن صلى عليه غيره؛ فهو يصلي قائماً؛ لأنه ينوي الفرض. ولو سها فيه؛ فلا سجود عليه؛ لأنه ليس فيها سجود الأصل.
ولو أدرك الإمام مسبوق في خلال الصلاة؛ فإنه يكبر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام. وعند أبي حنيفة: ينتظر تكبيره حتى يكبر معه.
وفائدته: أنه إذا أدركه بعد الرابعة يكبر، وكان مدركاً للصلاة. وعند أبي حنيفة: لا يكبر.
стр. 784
ولو أدركه بعد ما كبَّر للأولى، فكما كبر الإمام الثانية يكبر معه الثانية، وسقط عنه القراءة؛ كما لو أدرك الإمام في الركوع في سائر الصلوات.
وإذا أدركه بعد التكبيرة الثانية أو الثالثة، فإذا كبر يشتغل بقراءة الفاتحة؛ لأن ما أدركه أول صلاته. وإذا فاته بعض التكبيرات يوافق الإمام فيما أدرك، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته من التكبيرات والدعاء.
ويستحب ألا تُرفع الجنازة حتى يتمها، فإن رفعت؛ لم تبطل صلاته. وفيه قول آخر: أنه يقضي التكبيرات نسقاً من غير دعاء؛ لأن الجنازة تُرفع قبل فراغه، فلا معنى لدعائه بعد ما رفع الميت. والأول أصح.
ومن صلى على جنازة مرَّةً، لا يستحب أن يصلي ثانياً؛ لأنه لا يتطوَّع بها. فإن كان قد صلى وحده، ثم أراد أن يصلي مع جماعة، فيه وجهان:
أحدهما: يستحب؛ كما في سائر الصلوات.
والثاني: لا يصلي ثانياً؛ لأنه لا يتنفَّل بها.
ومن لم يدرك الصلاة حتى دفن يصلي على القبر. وكذلك لو دفن ميت قبل أن يصلي عليه لا يُنبش القبر، ويصلي على القبر؛ لما روي عن ابن عباس؛ أن رسول الله- ﷺ مرَّ بقبر دفن ليلاً. فقال: "متى دُفِن هذا"؟ قالوا: البارحة. قال "أفلا آذنتموني" قالوا: دفنَّاه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك. فقام؛ فصففنا خلفه- قال ابن عباس، وأنا فيهم- فصلى عليه.
стр. 785
وعند أبي حنيفة: لا يصلي على القبر، إلا أن يكون وليّاً لم يصل.
стр. 786
وإلى متى تجوز الصلاة على الميت بعد الدفن؟ فيه أربعة أوجه:
стр. 787
أحدها: يجوز إلى شهر؛ ذكره صاحب "التلخيص".
والثاني: يصلي ما دام في القبر منه شيء، وبعده لا يصلي؛ لأنه إذا بلي الكل لم يبق ما يصلي عليه. وكذلك يجوز دفن ميت آخر فيه.
والثالث- وهو الأصح-: من كان من أهل فرض الصلاة يوم موته، فله أن يصلي عليه أبداً؛ لأنه كان من أهل الخِطاب بالصلاة عليه.
أما من كان صغيراً يوم موته، أو ولد بعد موته- فلا يصلي عليه.
والرابع- وهو الأضعف-: يجوز أبداً؛ لأن القصد من الصلاة الدعاء، ويجوز الدعاء في كل وقت؛ فعلى هذا الوجه إما لم تجُز الصلاة على قبر النبي- ﷺ لنهيه- ﵇؛ فإنه ﵇ قال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وقيل على هذا الوجه: يجوز الصلاة على قبر النبي- ﷺ وعلى قبور الأنبياء-
стр. 788
عليهم السلام- فرادى، والنهي عن الصلاة عليها جماعة؛ حتى لا يزدحموا عليها؛ ليتخذوها مساجد، ويحكى هذا الوجه عن أبي الوليد. وقال: أنا أصلي اليوم على قبور الأنبياء والصالحين.
فصلٌ: في دفن الميت
روي عن جابر، أن النبي- ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى "أحد" في بثوب] واحد، ثم يقول أيهم أكثر قرآناً" فإذا أشير إلى أحد، قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا.
دفن الميت فرض على الكفاية، والدفن في المقبرة أولى؛ لأن النبي- ﷺ كان يدفن الموتى بـ "البقيع"، ولأنه يحصل له الدعاء من المارة، وممن يزوره، ويجوز في البيت؛ لأن النبي- ﷺ دُفن في حجرة عائشة. فإن قال بعض الورثة: ندفن في المقبرة، وقال بعضهم: في البيت دفن في المقبرة؛ لأن بعض من له حق في البيت غير راض به. وإذا تنازع رجلان في موضع من مقبرة مسبلة؛ يقدم السابق منهما، فإن جاءا معاً؛ أقرع بينهما.
ويستحب أن يعمق القبر قدر قامة وبسطةٍ، ويوسع واللحد أولى من الشقِّ إذا كانت الأرض صُلبة؛ وهو أن يحفر في جدار القبر الذي يلي القبلة، فإن كانت الأرض رخوة؛ يشق الوسط.
وقال أبو حنيفة: الشق أولى من اللحد.
ودليلنا: ما روي عن عروة؛ قال كان بـ "المدينة" رجلان: أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد. فقالوا: أيهما جاء أولاً عمل عمله، فجاء الذي يلحد؛ فلحد لرسول الله ﷺ .
стр. 789
روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ : "اللحد لنا، والشقُّ لغيرنا".
ويستحب: أن يوضع الميت على شفير القبر، ورأسه عند رجل القبر، ثم يسلُّ من قبل رأسه إذا أمكن؛ لما روي عن ابن عباس؛ قال: سُلَّ رسول الله- ﷺ من قبل رأسه.
وأول ما يدخل القبر رأسه.
وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة على عُرض القبر مما يلي القِبلة ويقول من يدخله القبر؛ ما رُوي عن ابن عمر؛ أن النبي- ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر قال: "بسم الله وبالله وعلى ملَّة رسول الله"، وفي رواية: "على سُنَّة رسول الله". ويضجع الميت في
стр. 790
اللحد على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، ويجعل تحت رأسه لبِنَة، ويسند إلى جدار اللحد لئلا يستلقي على ظهره، ويقدم رأسه ورجلاه إلى اللحد؛ كالمقوَّس حتى لا ينكبَّ على وجهه، ولا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء؛ فإنه روي عن ابن عباس قال: جُعِلَ في قبر النبي- ﷺ قطيفةٌ حمراء.
ثم ينصب اللَّبَن على اللحد، ويسد فرجَ اللبن، ثم يحثي على شفير القبر ثلاث حثيات من التراب بيديه، ثم يهال بالمساحي.
روي عن جعفر بن محمد عن أبيه؛ أن النبي- ﷺ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً.
ويستحب ألا يزاد في القبر أكثر من ترابه الذي خرج منه؛ حتى لا يرتفع جداً، ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر.
روي عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أماه اكشفي لي عن قبر النبي- ﷺ فكشفت لي عن ثلاثة قبور؛ لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَةِ الحمراء.
ويستحب أن يُرشَّ عليه الماء، ويوضع عليه الحصبَاءُ، فإنه روي؛ أن النبي- ﷺ -
стр. 791
رشَّ على قبر ابنه: إبراهيم، ووضع عليه حصباء.
وقال جابر: رُشَّ قبر النبي- ﷺ وكان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربةٍ، بدأ من قبل رأسه، حتى انتهى إلى رجليه.
ويكره رش ماء الورد، ويستحب أن يوضع عند رأسه صخرة أو علامة.
روي عن عبد المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون فدفن، أمر رسول الله- ﷺ أن نأتيه بحجر، فلم نستطع حملها. فقام النبي- ﷺ وحسر عن ذراعيه، وحملها؛ فوضعهما عند رأسه، وقال: "أعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي".
وتسطيح القبر أولى من التسنيم؛ لأن النبي- ﷺ سطَّح قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء من حصباء العَرصةِ.
وعند أبي حنيفة: التسنيم أولى، ويستحب لمن صلى على الجنازة أن يتبعها حتى تدفن؛ لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "من اتَّبع جنازة مسلم إيماناً
стр. 792
واحتساباً، وكان معه حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها- فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كلُّ قيراط مثل أُحُد. ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن يدفن- فإنه يرجع بقيراط".
ويستحب لمن فرغ من دفن الميت أن يقف عليه ساعة يستغفر للميت، ويسأل الله له التثبيت؛ لما روي عن عثمان قال: كان النبي- ﷺ إذا فرغ من دفن الرَّجل وقف عليه وقال: "استغفروا- لأخيكم، وادعوا له بالتثبيت، فإنه الآن يسأل".
ويكره أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ويكتب عليه. روي عن جابر قال: نهى رسول الله- ﷺ "أن يجصَّص القبر، وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه" وفي رواية: "وأن يُكتب عليه وأن يوطأ".
وإن بنى عليه في المقبرة يهدم؛ لأنه يضيق المكان على الناس، فإن دفن في ملكه وبنى لا يهدم. ويكره أن يضرب على القبر المِظلة؛ فإن عمر- ﵁ رأى مظلة على قبر فأمر برفعها، وقال: دعوه يظله عمله.
ولو دفن ميت في أرض مغصوبة ينبش، ويخرج، ولو دفنه الوارث في تركته لا ينبش. ولو استعار أرضاً ليدفن فيها ميتاً، فللمعير الرجوع قبل الدفن، وبعد ما دفن لا رجوع له،
стр. 793
حتى يصير الميت تراباً، وإذا صار الميت تراباً في المقبرة جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه، وقيل أن يصير تراباً لا يجوز، ويرجع إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، ولا يسوي التراب على القبر القديم: ليتصور بصورة الجديد حتى يدفن فيه غيره.
ولو حُفِر قبرٌ؛ فوجد فيه عظام- يعاد التراب عليه.
ولو دفن ميت قبل الغسل، أو إلى غير القبلة- ينبش القبرُ، ويغسل، ويحول إلى القبلة ما لم يتغير، فإن تغير لا يُنبش؛ لأن التوجه إلى القبلة يسقط بالعُذر، وإن دفن قبل أن يصلي عليه يصلي على القبر، وإن دفن من غير كفنٍ، هل ينبش؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينبش، ويكفن؛ كما يُنبش للغسل.
والثاني: لا ينبش؛ لأن المقصود من الكفن السَّتر، وقد حصل الستر بالدفن.
ولو دفن في ثوب مغصوب، أو وقع خاتم إنسان، أو متاع آخر في القبر يُنبش، ويرد الثوب والمتاع إلى المالك.
ويكره أن يجعل الميت في التابوت، إلا أن تكون الأرض رخواً أو نديّاً، ولو أوصى به لا تمتثل وصيته إلا في مثل هذا الموضع ثم التابوت يكون من رأس المال.
ويكره نقل الميت من بلد إلى آخر، وإن مات رجل في سفينة: فإن كان الساحل قريباً؛ دفن في البر، وإن لم يكن؛ غسل وكفن وصلى عليه، ثم وضع على لوح، فطرح في الماء.
ولا يجمع بين اثنين في قبر واحد، فإن كثر الموتى، ودعت إليه الضرورة- جاز، ويقدم إلى القبلة أفضلهم، فإن النبي- ﷺ كان يجمع بين الرَّجلين من قتلى أُحُدٍ، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذاً للقرآن". فإذا أشير له إلى أحد قدَّمه في اللَّحد.
وروي عن هشام بن عامر؛ أن النبي- ﷺ قال يوم "أحد": "احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد وقدِّموا أكثرهم قرآناً".
стр. 794
وإن كان أب وابن قدم الأب، أو أم وبنت قدمت الأم. ولا يجمع بين الرجل والمرأة، فإن وقعت ضرورة، قدم الرجل إلى القِبلة، وجعل بينه وبين المرأة حاجزٌ من تراب، ولا تقدم الأم على الابن.
وإن كان رجل وامرأة خنثى وصبي، قدم الرجل إلى القبلة، ثم الصبي خلفه، ثم الخُنثى، ثم المرأة، وجعل بين الرجل والخنثى، وبين الخنثى والمرأة حاجز.
ولا يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار.
ولا يدخل الميت القبر إلا الرجال؛ سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ لأنه يحتاج إلى بطش وقوة؛ فالرجل أقوى عليه، وأولاهم بذلك أولاهُم بالصلاة عليه. وإن كان الميت امرأة، فزوجها أحق بدفنها، ثم ذو محارمها فالأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم. فإن لم يكن لها محرمٌ، فمملوكها أولى من ابن العم؛ لأنه كالمحرم. فإن لم يكن فالخصيان، فإن لم يكونوا فذو رحم غير محرم، ثم أهل الصلاح من المسلمين.
ويستحب أن يكون الذين يدخلونه القبر وتراً: ثلاثاً أو خمساً، وكذلك عدد الغاسلين؛ لأن النبي- ﷺ دفنه علي، والعباس، وأسامة بن زيد.
стр. 795
ويستحب أن يستر القبر بثوب عند الدفن؛ سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ كما يستر موضع الغسل.
روي أن النبي- ﷺ ستر قبر سعد بن معاذ بثوب لما دفنه. ويكره الجلوس على القبور والاتكاء عليها ووطؤها إلا لضرورة؛ بأن يريد دفن ميت، أو زيارة قبر؛ لما روي عن أبي مرثدٍ الغنوي قال: قال رسول الله- ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة؛ فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر".
ويستحب زيارة القبور؛ لما روي عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي- ﷺ قال: "كُنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فقد أُذِن لمحمد في زيارة قبر أمِّه، فزوروها؛ [فإنها] تذكِّركم الآخرة".
стр. 796
ويكره ذلك للنساء؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهنَّ. وكيفية الزيارة؛ كزيارة ذلك الميت في حياته من القرب والبعد. وإذا خرج للزيارة يدعو لهم.
روي عن بريدة قال: كان رسول الله- ﷺ يعلِّمُهم إذا خرجوا إلى المقابر: "السلام عليكم أهل الديار؛ من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
стр. 797
"باب التعزية والبكاء على الميت"
روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي- ﷺ قال: "من عزَّى مصاباً فله مثل أجره".
стр. 798
التعزية لأهل الميت سنة؛ وهي أن يأمرهم بالصبر، ويدعو للميت بالمغفرة، ويكون ذلك بعد الدفن، ولا تعزية بعد الثلاث؛ لأنه لتسكين قلب المصاب، والغالب أنه يسكن قلبه بعد ثلاث ويقول في تعزية المسلم للمسلم: أعظم الله أجرك، وغفر لميِّتك. ويقول في تعزية المسلم بولده الكافر: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك. ويجوز تعزية الذمي بقرابته، ثم إن كان الميت مسلماً يقول: غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك.
وإن كان الميت كافراً يقول: أخلف الله عليك ولا نقص عددك. وهذا لأن في زيادة عددهم كثرة الجزية للمسلمين. ويكره الجلوس للتعزية؛ فإنه محدثٌ، وكل محدث بدعة.
ويستحب للجيران، ولقرابة الميت الأبعدين؛ أن يصنعوا لأهل الميت الأقربين الذين أوجعتهم المصيبة طعاماً يسعهم ليومهم وليلتهم، ويلحهم على أكله.
روي عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعيُ جعفر قال رسول الله- ﷺ : "اجعلوا- لآل جعفر طعاماً؛ فإنَّه جاءهم أمرٌ يشغلُهُم".
وإذا اجتمع النساء ينحن، ويندبن؛ فلا يجوز أن يتخذ لهم طعاماً؛ لأنه عونٌ لهن على المعصية.
стр. 799
فصلٌ: "في البكاء على الميت"
روي عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول الله- ﷺ على أبي سيف القين- وكان ظئراً لإبراهيم- فأخذه رسول الله- ﷺ فقبَّله وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك- وإبراهيم يجود بنفسه- فجعلت عيناً رسول الله- ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يابنُ عوفٍ، إنها رحمةٌ" ثم أتبعها بأخرى فقال: "إنَّ العين تدمعُ والقلب يحزنُ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
البكاء على الميت مباح قبل زهوق الروح وبعده، وقبل زهوق الروح أولى، أره منه للقلق على فراقه. أما النياحة والندب؛ وهو أن يعد شمائله، وضرب الخدود وشق الجيوب- حرام، ومعصية.
روي عن عبد الله بن عمر، عن النبي- ﷺ قال: "إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحمُ.
стр. 800
وعند عبد الله بن مسعود قال: قال النبي- ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليَّة".
وروي عن عمر؛ أن النبي- ﷺ قال: "إن الميت ليعذَّب ببكاء أهله عليه".
وتعذيب الميت ببكاء الحي؛ لما أنهم كانوا يوصون بالناحية؛ فعذبوا بذلك. والله أعلم بالصواب.
تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث
وأوله: "كتاب الزكاة"
стр. 801
التهذيب
في فقه الإمام الشافعي
تأليف
الإمام أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي
المتوفي سنة ٥١٦ هـ
تحقيق
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض
الجزء الثالث
يحتوي على الكتب التالية
الزكاة - الصيام - الحج - البيوع
منشورات
محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان
стр. 802
=====
стр. 803
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ الآية [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
стр. 804
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى "اليمن": "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم: فادعهم [إلى] أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرضعليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم. فإن من أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب".
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها عصى الله -ثم إن كان في قبضة الإمام، أخذ منه الزكاة كرهاً، وإن لم يكن في قبضته، أو امتنع بجماعة، قاتلهم الإمام على
стр. 805
منعها وأخذها منهم كرهاً. قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها.
وإن منعها منع جحود، كان كافراً، وقتل بسبب الردة.
وروي عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه؛ تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها؛ حتى يقضي بين الناس".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم،
стр. 806
فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد".
زكاة العين تجب في ثلاث أشياء: في الحيوان، والجواهر، والمستنبتات؛ فلا تجب في الحيوان إلا في النعم، ولاتجب في الجواهر إلا في الذهب والفضة، ولاتجب في المستنبتات إلا فيما هو قوت من الزروع والثمار في النخيل والكروم، وأما سائر الأموال: فلا زكاة فيها، إلا أن يتجر فيها؛ فيجب عليه زكاة التجارة.
"باب زكاة الإبل"
روي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمساً، فإذا بلغت خمساً، ففيها شاة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز، ثم لا يزاد حتى تبلغ عشراً ففيها شاتان، ثم لا يزاد حتى تبلغ خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، ولا يزاد حتى تبلغ عشرين، فإذا بلغت ففيها أربع شياة، حتى تبلغ خمساً وعشرين، فإذا بلغت سقطت الشياه، وفيها بنت مخاض؛ وهي التي استوفت سنة، وطعنت
стр. 807
في الثانية؛ لأن أمها تمخض في تلك المدة؛ فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وهي التي استوفت سنتين؛ لأن أمها ترضع ولداً آخر. فإذا بلغت ستاً وأربعين، ففيها حقه؛ وهي التي استوفت ثالث سنين؛ لأنها تستحق الحمل والإنزاء. فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة؛ وهي التي استوفت أربع سنين؛ لأنها تجذع السن؛ أي: تسقطها. ووراء الجذعة أسنان للإبل الثنية والسديس وغيرهما، ولكنها لا تجب في الزكاة إلا أن يتبرع رب المال به. فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زاد على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون. ثم بعدها تستقر
стр. 808
الفريضة على نصابين وسنين؛ فيجب فيكل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا تتغير الفريضة إلا بعقد كامل؛ وهو عشرة. فإذا اجتمع عدد من بنات لبون، وزاد عقد؛ فأبدل بنت لبون بحقة، ثم إذا زاد عقد آخر أبدل بنت لبون أخرى بحقة؛ هكذا حتى يصير الكل حِقاقاً، ثم إذا زاد عقد آخر بعدها أبدل ثلاث حقائق بأربع بنات لبون.
بيانه: في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، فإذا صار مائة وثلاثين ففيها بنتاً لبون وحقة، فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها ابنة لبون وحقتان، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث بنات لبون وحقة، وفي مائة وثمانين ابنتا لبون وحقتان، وفي مائة وتسعين ثلاث حِقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، يجب عليه أحدهما؛ لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات.
إذا ثبت أن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون فهل لهذا الواحد قسط من الواجب؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لأن المغير للفرض له قسط من الواجب كالمعاشر.
والثاني: لا؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا زادت على مائة وعرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
ولو جعلنا لتلك الواحدة قسطاً من الواجب، لكان في كل أربعين وشيء بنت لبون، وقد يتغير الفرض؛ فمن لا قسط له كمن مات عن أبوين وأخوين، فالأخوين لا ح لهما في الميراث، ويتغير بهما فرض الأم؛ فإنهما يردان الأم من الثلث إلى السدس. ولو زاد على مائة وعشرين شقص بعير، وإن قل؛ هل تتغير به الفريضة؟ فيه وجهان.
стр. 809
قال الإصطخري: تتغير؛ فيجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي ﷺ قال:"فإن زادت على عشرين ومائة" وقد حصلت الزيادة.
والثاني - وهو الأصح والمذهب -: لا يتغير؛ لأن مبنى الزكاة على إن الواجب يتغير فيها بالأشخاص لا بالأشقاص.
وقال أبو حنيفة: إلى مائة وعشرين؛ كما قلنا: إن فيها حقتين، ثم بعده قال: يستأنف الحساب؛ فيجب في كل خمس شاة مع الحقتين إلى مائة وخمس وأربعين قال: فيها ابنة مخاض مع الحقتين. فإذا بلغت مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق، ثم يستأنف الحساب بإيجاب الشياه مع الحقاق الثلاث إلى مائة وخمس وسبعين، ففيها ابنة مخاض وثلاث حقاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حقاق إلى المائتين تكون عفواً، ثم بعد المائتين يستأنف الحساب، وعلى رأس كل خمسين أربعة تكون عفواً لا يتعلق بها الواجب.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كتب تاب الصدقة، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمر حتى قبض.
стр. 810
وعن أنس: أن أبا بكر تب له كتاب الصدقة لما وجهه إلى "البحرين" وفي كل واحد منهما: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
وعند مالك: إنما تستقر الفريضة إذا زادت على مائة وعشرين [عشرة]، فصارت مائة وثلاثين؛ فحينئذ في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ فتكون فيها ابنتا لبون وحقة. فإذا زادت على مائة وعشرين أقل من عشرة لا يتغير الواجب.
فصل: [فيما إاوجبت عليه سن ولم توجد عنده]
روي عن أنس؛ أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة؛ فإنها تقبل منه الحقة،
следующие страницы →