← Тафсир

Тафсир · id 18007

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط مكتبة ابن تيمية

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (288 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا. وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [١٩ \ ٣٨] وَكَقَوْلِهِ: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [١٨ \ ٥٣] ، وَكَقَوْلِهِ: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [٣٢ \ ١٢] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: هُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ أَبُو حَيَّانَ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ مِمَّا ذُكِرَ حَقِيقَتُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُبْدَأِ الْأَمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ أَبْصَارَهُمْ وَنُطْقَهُمْ وَسَمْعَهُمْ فَيَرَوْنَ النَّارَ وَيَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا وَيَنْطِقُونَ بِمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ وَلَا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، كَمَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَبْصِرُونَ وَلَا يَنْطِقُونَ بِالْحَقِّ وَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، فَنَزَلَ مَا يَقُولُونَهُ وَيَسْمَعُونَهُ وَيُبْصِرُونَهُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لِعَدَمٍ الِانْتِفَاعِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ إِذَا قَالَ لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [٢٣ \ ١٠٨] ، وَقَعَ بِهِمْ ذَاكَ الْعَمَى وَالصُّمُّ وَالْبَكَمُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ وَالْيَأْسِ مِنَ الْفَرَجِ، قَالَ تَعَالَى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [٢٧ \ ٨٥] وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُقَدَّرَةً.

стр. 142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْكَهْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا. وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْكُفْرِ مَعْذُورٌ إِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [١٦: ١٠٦] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [٧ \ ١٥٧] ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ فَهُوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى خُصُوصِهِ بِأُمَّتِهِ ﷺ . وَلَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ لِأَنَّ مَنَاطَ التَّخْصِيصِ هُوَ اتِّصَافُهُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَاتِّصَافُ أُمَّتِهِ بِهَا عَلَى مَنْ قَبْلَهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ أَعَلَّهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَدْ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِالْقَبُولِ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي أَنَّ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ بِالْإِكْرَاهِ حَدِيثُ طَارِقِ (*) بْنِ شِهَابٍ فِي الَّذِي دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ قَرَّبَهُ لِصَنَمٍ، مَعَ أُنَّهُ قَرَّبَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شَرِّ عَبَدَةِ الصَّنَمِ، وَصَاحِبُهُ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَتَلُوهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَقَتَلُوهُ كَمَا قَتَلُوا صَاحِبَهُ، وَلَا إِكْرَاهَ أَكْبَرُ مِنْ خَوْفِ الْقَتْلِ، وَمَعَ هَذَا دَخَلَ النَّارَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ الْإِكْرَاهُ، وَظَوَاهِرُ الْآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا. ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ فَلَاحِهِمْ مَعَ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ، صَرِيحٌ فِي الْإِكْرَاهِ،

стр. 143

وَقَوْلَهُ: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [٢: ٢٨٦] مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِذَلِكَ كَانَ مَعْهُودًا قَبْلُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [٢٠ \ ١١٥] مَعَ قَوْلِهِ: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ [٢٠ \ ١٢١] ، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِ النِّسْيَانَ وَالْعِصْيَانَ مَعًا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْيَانِ التَّرْكُ، فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، مَعَ قَوْلِهِ: كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [٢ \ ٢٨٦] ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْكَلْبِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالنِّسْيَانِ كَانَتْ مِنَ الْإِصْرِ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَكَانَ عِقَابُهَا يُعَجَّلُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّبَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ لِمَنْ قَبْلَنَا، وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ هُوَ: الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْكُفْرِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِدْرَاجِ الشَّيْطَانِ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [١٦ \ ١٠٦] وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ جَنَحَ صَاحِبُ رَوْحِ الْمَعَانِي، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي وَأَوْضَحُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَيْبَهَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمَلِكِ الْغَاصِبِ لَهَا، وَلِذَلِكَ خَرَقَهَا الْخَضِرُ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [١٨ \ ٧٩] يَقْتَضِي أَخْذَ الْمَلِكِ لِلْمَعِيبَةِ وَالصَّحِيحَةِ مَعًا. وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ الصِّفَةِ، وَتَقْدِيرُهُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ صَحِيحَةٍ، وَحَذْفُ النَّعْتِ إِذَا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهِ جَائِزٌ، كَمَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ...

стр. 144

يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ وَمِنْ شَوَاهِدِ حَذْفِ الصِّفَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَرُبَّ أَسِيلَةِ الْخَدَّيْنِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَةٍ لَهَا فَرْعٌ وَجِيدٌ أَيْ لَهَا فَرْعٌ فَاحِمٌ وَجِيدٌ طَوِيلٌ. وَقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ الْأُسَيِّدِيِّ: مِنْ قَوْلِهِ قَوْلٌ وَمِنْ فِعْلِهِ ... فِعْلٌ وَمِنْ نَائِلِهِ نَائِلٌ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ قَوْلٌ فَصْلٌ، وَفِعْلِهِ فِعْلٌ جَمِيلٌ، وَنَائِلُهُ نَائِلٌ جَزْلٌ.

стр. 145

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وُرُودِ النَّارِ، وَأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [١٩ \ ٧١] ، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُبْعَدٌ عَنْهَا لَا يَسْمَعُ لَهَا حِسًّا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا الْآيَةَ [٢١ \ ١٠١ - ١٠٢] . وَالْجَوَابُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مُبْعَدُونَ» أَيْ عَنْ عَذَابِ النَّارِ وَأَلَمِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِبْعَادُهُمْ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهَا، وَيَدُلُّ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَجَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا هَاهُنَا فِي الْوُرُودِ فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: صَمْتًا، إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيَذْرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا. وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ وُرُودَ النَّارِ هُوَ الْمُرُورُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ النَّاسَ تَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ: الْوُرُودُ الْمُرُورُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ، قَالَهُ الْأَلُوسِيُّ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُرُودَ نَفْسُ الدُّخُولِ كَابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [١١ \ ٩٨] ، وَقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [٢١ \ ٩٩] ، وَقَوْلِهِ:

стр. 146

حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [٢١ \ ٩٨] ، فَالْوُرُودُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَعْنَى الدُّخُولِ، وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُرُودَ الْقُرْبُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ [٢٨ \ ٢٣] . وَقَوْلِ زُهَيْرٍ: فَلَمَّا وَرَدْنَ الْمَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ ... وَضَعْنَ عِصِيَّ الْحَاضِرِ الْمُتَخَيِّمِ

стр. 147

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طه قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَمْ يُخْفِهَا بِالْفِعْلِ وَلَكِنَّهُ قَارَبَ أَنْ يُخْفِيَهَا لِأَنَّ كَادَ فِعْلُ مُقَارَبَةٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ أَخْفَاهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [٦ \ ٥٩] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَفَاتِحِ الْغَيْبِ الْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الْآيَةَ [٣١] . وَكَقَوْلِهِ: قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [٧ \ ١٨٧] وَقَوْلِهِ: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [٧٩ \ ٤٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْجَوَابُ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الرَّاجِحُ، أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، أَيْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ يُمْكِنُ، وَهَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، لَأَنَّ الْقُرْءَانِ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي كِتْمَانِ أَمْرٍ قَالَ: كَتَمْتُهُ مِنْ نَفْسِي، أَيْ لَا أَبُوحُ لِأَحَدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَيَّامُ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وَأُخْبِرُهَا ... مَا كِدْتُ أَكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الْخَبَرِ وَنَظِيرُ هَذَا مِنَ الْمُبَالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ: رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: «أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي» ، كَمَا نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ خَالَوَيْهِ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ بِزِيَادَةِ: «فَكَيْفَ أُظْهِرُكُمْ

стр. 148

عَلَيْهَا» ، وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ بِزِيَادَةِ: «فَكَيْفَ أُظْهِرُهَا لَكُمْ» وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ: «فَكَيْفَ يَعْلَمُهَا مَخْلُوقٌ» كَمَا نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَكَادُ أُخْفِيهَا أَيْ أُخْفِي الْأَخْبَارَ بِأَنَّهَا آتِيَةٌ، وَالْمَعْنَى أَقْرُبُ أَنْ أَتْرُكَ الْإِخْبَارَ عَنْ إِتْيَانِهَا مِنْ أَصْلِهِ لِشِدَّةِ إِخْفَائِي لِتَعْيِينِ وَقْتِ إِتْيَانِهَا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي قَوْلِهِ: أُخْفِيهَا، هِيَ هَمْزَةُ السَّلْبِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَثِيرًا مَا تَجْعَلُ الْهَمْزَةَ أَدَاةً لِسَلْبِ الْفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَكَا إِلَيَّ فُلَانٌ فَأَشْكَيْتُهُ أَيْ أَزَلْتُ شِكَايَتَهُ، وَقَوْلِهِمْ: عَقَلَ الْبَعِيرَ فَأَعْقَلْتُهُ، أَيْ أَزَلْتُ عِقَالَهُ. وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى: أَكَادُ أُخْفِيهَا أَيْ أُزِيلُ خَفَاءَهَا بِأَنْ أُظْهِرَهَا لِقُرْبِ وَقْتِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ الْآيَةَ [٥٤] ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَنَقَلَهُ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْمَوْصِلِيِّ. وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ: فَإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لَا نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الْحَرْبَ لَا نَقْعُدُ عَلَى رِوَايَةِ ضَمِّ النُّونِ مِنْ: لَا نُخْفِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ: أَنْشَدَنِيهِ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَهْلِهِ فِي بَلَدِهِ بِضَمِّ النُّونِ مِنْ: لَا نُخْفِهِ، وَمَعْنَاهُ: لَا نُظْهِرُهُ. أَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ: لَا نَخْفِهِ، فَلَا شَاهِدَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: «أَكَادُ أَخْفِيهَا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمِمَّنْ قَرَأَ بِذَلِكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَعَاصِمٍ، وَإِطْلَاقُ خَفَاهُ يَخْفِيهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى أَظْهَرَهُ إِطْلَاقٌ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِ لَا تَخْلُو مِنْ شُذُوذٍ. وَمِنْهُ الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ عَلَى رِوَايَةِ فَتْحِ النُّونِ وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ: دَأَبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ...

стр. 149

بِأَرِيكَيْنِ يُخْفِيَانِ غَمِيرًا أَيْ يُظْهِرَانِهِ. وَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: خَفَاهُنَّ مِنْ إِنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا ... خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلَّبِ الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ خَبَرَ كَادَ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُظْهِرُهَا، فَحَذَفَ الْخَبَرَ ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [٢٠ \ ١٥] ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ ضَابِئِ بْنِ الْحَارِثِ الْبُرْجُمِيِّ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكَتْ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُهْ يَعْنِي: وَكِدْتُ أَفْعَلُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ كَادَ تَأْتِي بِمَعْنَى أَرَادَ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى: أَكَادُ أُخْفِيهَا أُرِيدُ أَنَّ أُخْفِيَهَا، وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَأَبُو مُسْلِمٍ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ جِنِّي فِي الْمُحْتَسَبِ، وَمِنْ مَجِيءٍ كَادَ بِمَعْنَى أَرَادَ، قَوْلُ الشَّاعِرِ: كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْوِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى كَمَا نَقَلَهُ الْأَلُوسِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ مِنْ مَجِيءٍ كَادَ بِمَعْنَى أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [١٢] ، أَيْ أَرَدْنَا لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَلَا أَكَادُ أَيْ لَا أُرِيدُ كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ كَادَ مِنَ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عَسَى فِي كَلَامِهِ تَعَالَى نَحْوَ: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [١٧ \ ٥١] ، أَيْ هُوَ قَرِيبٌ. وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى: أَكَادُ أُخْفِيهَا أَنَا أُخْفِيهَا.

стр. 150

الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ كَادَ صِلَةٌ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى الْآيَةَ، وَاسْتَدَلَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِ زِيدِ الْخَيْلِ: سَرِيعٌ إِلَى الْهَيْجَاءِ شَاكٍ سِلَاحُهُ ... فَمَا أَنْ يَكَادَ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ أَيْ فَمَا يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [٢٤ \ ٤٠] ، أَيْ لَمْ يَرَهَا، وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أَيْ لَمْ يَبْرَحْ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ. قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: وَإِنْ أَتَاكَ نَعِيٌّ فَانْدُبَنَّ أَبًا ... قَدْ كَادَ يَطَّلِعُ الْأَعْدَاءُ وَالْخُطُبَا أَيْ قَدِ اطَّلَعَ الْأَعْدَاءُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ سُؤْلِ مُوسَى الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ إِنَّهُ آتَاهُ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى [٢٠ \ ٣٦] ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي حَلِّ الْعُقْدَةِ مِنْ لِسَانِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ شَيْءٍ مِنَ الَّذِي كَانَ بِلِسَانِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [٤٣ \ ٥٢] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ الْآيَةَ [٢٨] . وَالْجَوَابُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَمْ يَسْأَلْ زَوَالَ مَا كَانَ بِلِسَانِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا سَأَلَ زَوَالَ الْقَدْرِ الْمَانِعِ مِنْ أَنْ يَفْقَهُوا قَوْلَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَفْقَهُوا قَوْلِي. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، مَا نَصُّهُ: وَمَا سَأَلَ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ بِحَيْثُ يَزُولُ الْعِيُّ وَيَحْصُلُ لَهُمْ

стр. 151

فَهْمُ مَا يُرِيدُ مِنْهُ، وَهُوَ قَدْرُ الْحَاجَةِ، وَلَوْ سَأَلَ الْجَمِيعَ لَزَالَ، وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَلِهَذَا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ، قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [٤٣ ٥٢] ، أَيْ يُفْصِحُ بِالْكَلَامِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، قَالَ: حَلَّ عُقْدَةً وَاحِدَةً، وَلَوْ سَأَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أُعْطِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَكَا مُوسَى إِلَى رَبِّهِ مَا يَتَخَوَّفُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فِي الْقَتِيلِ، وَعُقْدَةِ لِسَانِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعِينَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ يَكُونُ رِدْءًا لَهُ، وَيَتَكَلَّمُ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا يُفْصِحُ بِهِ لِسَانُهُ، فَآتَاهُ سُؤْلَهُ، فَحَلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ أَرْطَأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْهُ، قَالَ: أَتَاهُ ذُو قَرَابَةٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا بِكَ بَأْسٌ، لَوْلَا أَنَّكَ تَلْحَنُ فِي كَلَامِكَ، وَلَسْتَ تُعْرِبُ فِي قِرَاءَتِكَ، فَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَا ابْنَ أَخِي أَلَسْتُ أُفْهِمُكَ إِذَا حَدَّثْتُكَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ مُوسَى ﵇ إِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ كَيْ يَفْقَهَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ. وَقَدْ نُقِلَ فِيهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجَوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَذَبَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا [٢٨] ، يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاكِهِ مَعَ هَارُونَ فِي الْفَصَاحَةِ، فَكِلَاهُمَا فَصِيحٌ، إِلَّا أَنْ هَارُونَ أَفْصَحُ، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ الْآيَةَ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا رَسُولَانِ وَهُمَا مُوسَى وَهَارُونُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٢٦ \ ١٦] ، يُوهِمُ كَوْنَ الرَّسُولِ وَاحِدًا.

стр. 152

وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَقَوْلِ الْبُرْجُمِيِّ: [الطَّوِيلِ] فَإِنِّي وَقَيَّارًا بِهَا لَغَرِيبُ وَإِنَّمَا سَاغَ هَذَا لِظُهُورِ الْمُرَادِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَصْلَ الرَّسُولِ مَصْدَرٌ كَالْقَبُولِ وَالْوَلُوعِ، فَاسْتُعْمِلَ فِي الِاسْمِ فَجَازَ جَمْعُهُ، وَتَثْنِيَتُهُ نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَسَاغَ إِفْرَادُهُ مَعَ إِرَادَةِ الْمُثَنَّى أَوِ الْجَمْعِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ مِنْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا، وَمِنْ إِطْلَاقِ الرَّسُولِ عَلَى غَيْرِ الْمُفْرَدِ، قَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو ... لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ يَعْنِي وَخَيْرُ الرُّسُلِ، وَإِطْلَاقُ الرَّسُولِ مُرَادًا بِهِ الْمَصْدَرُ كَثِيرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولٍ يَعْنِي بِرِسَالَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ اثْنَانِ، وَقَوْلُهُ: يَامُوسَى: يَقْتَضِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ وَاحِدٌ، وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِرْعَوْنَ أَرَادَ خِطَابَ مُوسَى وَحْدَهُ، وَالْمُخَاطَبُ إِنِ اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي الْكَلَامِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ غَلَبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ خَاطَبْتَ رَجُلًا اشْتَرَكَ مَعَهُ آخَرُ فِي شَأْنٍ وَالثَّانِي غَائِبٌ فَإِنَّكَ تَقُولُ لِلْحَاضِرِ مِنْهُمَا: مَا بَالُكُمَا فَعَلْتُمَا كَذَا وَالْمُخَاطَبُ وَاحِدٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ خَاطَبَهُمَا مَعًا وَخَصَّ مُوسَى بِالنِّدَاءِ، لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ فِي الرِّسَالَةِ.

стр. 153

الثَّالِثُ: أَنَّهُ خَاطَبَهُمَا مَعًا وَخَصَّ مُوسَى بِالنِّدَاءِ لِمُطَابَقَةِ رُءُوسِ الْآيِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ، وَنَظَيرُ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [٢٠ \ ١١٧] ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَبَعٌ لِزَوْجِهَا، وَبِأَنَّ شَقَاءَ الْكَدِّ وَالْعَمَلِ يَتَوَلَّاهُ الرِّجَالُ أَكْثَرَ مِنَ النِّسَاءِ، وَبِأَنَّ الْخِطَابَ لِآدَمَ وَحْدَهُ، وَالْمَرْأَةُ ذُكِرَتْ فِيمَا خُوطِبَ بِهِ آدَمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [٢٠ \ ١١٧] فَهِيَ ذُكِرَتْ فِيمَا خُوطِبَ بِهِ آدَمُ وَالْمُخَاطَبُ هُوَ وَحْدَهُ، وَلِذَا قَالَ: «فَتَشْقَى» لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَيْهَا هِيَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ. ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ آدَمَ نَاسٍ لِلْعَهْدِ بِالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ قَاسَمَهُ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَهُ نَاصِحٌ حَتَّى دَلَّاهُ بِغُرُورٍ وَأَنْسَاهُ الْعَهْدَ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ لَا عَاصٍ. وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [٢٠ \ ١٢١] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ عَدَمِ الْعُذْرِ بِالنِّسْيَانِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ نَسِيَ بِمَعْنَى تَرَكَ، وَالْعَرَبُ رُبَّمَا أَطْلَقَتِ النِّسْيَانَ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ الْآيَةَ [٧ \ ٥١] ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 154

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَعْبُودَاتِ مَعَ عَابِدِيهَا فِي النَّارِ. وَقَدْ أَشَارَتْ آيَاتٌ أُخَرُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَعْبُودِينَ كَعِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا [٤٣ \ ٥٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [٤٣ \ ٤٠] وَقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ الْآيَةَ [١٧: ٥٧] . وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَتَنَاوَلِ الْمَلَائِكَةَ وَلَا عِيسَى لِتَعْبِيرِهِ بِـ: «مَا» الدَّالَّةِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [٤٣ \ ٥٨] لِأَنَّهُمْ لَوْ أَنْصَفُوا لَمَا ادَّعَوْا دُخُولَ الْعُقَلَاءِ فِي لَفْظٍ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لُغَةً. الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَعِيسَى نَصَّ اللَّهُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْ هَذَا دَفْعًا لِلتَّوَهُّمِ وَلِهَذِهِ الْحُجَّةِ الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ الْآيَةَ [٢١ \ ١٠١] ،، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [٢١ \ ١٠٨] . عَبَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِلَفْظِ: «إِنَّمَا» وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَيْهِ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْوَحْيِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ. وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ

стр. 155

نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ الْآيَةَ [٧٢] ، وَقَوْلِهِ: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ [١١ \ ٤٩] ، وَقَوْلِهِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ الْآيَةَ [١٢ \ ٣] . وَالْجَوَابُ أَنَّ حَصْرَ الْوَحْيِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ حَصْرٌ لَهُ فِي أَصْلِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْفُرُوعِ، لِأَنَّ شَرَائِعَ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ دَاخِلَةٌ فِي ضِمْنِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا خَلْعُ كُلِّ الْأَنْدَادِ سِوَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَإِفْرَادُ اللَّهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالِاعْتِقَادِيَّةِ.

стр. 156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِتَالَ الْكُفَّارِ مَأْذُونٌ فِيهِ لَا وَاجِبٌ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ [٩ \ ٥] . وَقَوْلِهِ: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً الْآيَةَ [٩ \ ٣٦] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، ثُمَّ أَوْجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ "، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ آيَةَ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْأَبْصَارَ لَا تَعْمَى، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى عَمَى الْأَبْصَارِ كَقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [٤٧ \ ٢٣] ، وَكَقَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ [٢٤ \ ٦١] . وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الضَّارِّ وَالنَّافِعِ، وَبَيْنَ الْقَبِيحِ وَالْحَسَنِ، لَمَّا كَانَ كُلُّهُ بِالْبَصَائِرِ لَا بِالْأَبْصَارِ، صَارَ الْعَمَى الْحَقِيقِيُّ هُوَ عَمَى الْبَصَائِرِ لَا عَمَى الْأَبْصَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ صِحَّةَ الْعَيْنَيْنِ لَا تُفِيدُ مَعَ عَدَمِ الْعَقْلِ كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، وَقَوْلُهُ: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يَعْنِي بَصَائِرَهُمْ أَوْ أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَإِنْ رَأَتْ غَيْرَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.

стр. 157

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْيَوْمِ عِنْدَ اللَّهِ أَلْفُ سَنَةٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [٣٢ \ ٥] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " سَأَلَ سَائِلٌ ": تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ الْآيَةَ [٧٠ \ ٤] . اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ حَضَرَ كُلًّا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهَا، وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. وَلِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: هُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ يَوْمَ الْأَلْفِ فِي سُورَةِ " الْحَجِّ " هُوَ أَحَدُ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَيَوْمُ الْأَلْفِ فِي سُورَةِ " السَّجْدَةِ "، هُوَ مِقْدَارُ سَيْرِ الْأَمْرِ وَعُرُوجِهِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَيَوْمُ الْخَمْسِينَ أَلْفًا هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِجَمِيعِهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [٧٤ \ ٩ - ١٠] ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ الْإِتْقَانِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ وَكُلَّ نَبِيٍّ يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، أَيْ تِلَاوَتِهِ إِذَا تَلَا. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي عُثْمَانَ ﵁: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ ... وَآخِرَهَا لَاقَى حِمَامَ الْمَقَادِرِ

стр. 158

وَقَوْلُ الْآخَرِ: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلَةٍ ... تَمَنِّيَ دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رِسْلِ وَمَعْنَى تَمَنَّى فِي الْبَيْتَيْنِ قَرَأَ وَتَلَا، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا تَمَنَّى أَحَبَّ شَيْئًا وَأَرَادَهُ، فَكُلُّ نَبِيٍّ يَتَمَنَّى إِيمَانَ أُمَّتِهِ، وَالشَّيْطَانُ يُلْقِي عَلَيْهِمُ الْوَسَاوِسَ وَالشُّبَهَ، لِيَصُدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى أَنَّ تَمَنَّى بِمَعْنَى قَرَأَ وَتَلَا، كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، فَمَعْنَى إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي تِلَاوَتِهِ، إِلْقَاؤُهُ الشُّبَهَ وَالْوَسَاوِسَ فِيمَا يَتْلُوهُ النَّبِيُّ لِيَصُدَّ النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، أَوْ إِلْقَاؤُهُ فِي الْمَتْلُوِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ لِيَظُنَّ الْكُفَّارُ أَنَّهُ مِنْهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خِيَارَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [١٦ \ ٩٩ - ١٠٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [١٥ \ ٤٢] ، وَقَوْلِهِ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [٣٨ \ ٨٢ - ٨٣] . وَقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [١٤ ٢٢] . وَوَجْهُ كَوْنِ الْآيَاتِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا، أَنَّ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ الْمَنْفِيَّ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ فِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى السُّلْطَانِ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ، إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَ الشَّيْطَانِ الْبَتَّةَ، كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي. الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِمْ بِإِيقَاعِهِمْ فِي ذَنْبٍ يَهْلَكُونَ بِهِ وَلَا يَتُوبُونَ مِنْهُ، فَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَقَعَ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ ذَنْبٌ مَغْفُورٌ

стр. 159

لِوُقُوعِ التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَإِلْقَاءُ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيَّةِ النَّبِيِّ سَوَاءٌ فَسَّرْنَاهَا بِالْقِرَاءَةِ أَوِ التَّمَنِّي لِإِيمَانِ أُمَّتِهِ، لَا يَتَضَمَّنُ سُلْطَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى النَّبِيِّ، بَلْ مِنْ جِنْسِ الْوَسْوَسَةِ وَإِلْقَاءِ الشُّبَهِ لِصَدِّ النَّاسِ عَنِ الْحَقِّ كَقَوْلِهِ: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الْآيَةَ [٢٧ \ ٢٤] . فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ " النَّجْمِ، بِمَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [٥٣ \ ١٩ - ٢٠] ، أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى، فَلَمَّا بَلَغَ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَشَاعَ فِي النَّاسِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَسْلَمُوا بِسَبَبِ سُجُودِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى رَجَعَ الْمُهَاجِرُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ قَوْمَهُمْ أَسْلَمُوا، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. وَعَلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، فَسُلْطَانُ الشَّيْطَانِ بَلَغَ إِلَى حَدٍّ أَدْخَلَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ الْكُفْرَ الْبَوَاحَ، حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ الْمَزْعُومَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قِصَّةَ الْغَرَانِيقِ مَعَ اسْتِحَالَتِهَا شَرْعًا لَمْ تَثْبُتْ مِنْ طَرِيقٍ صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ، وَصَرَّحَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ بَيَانًا شَافِيًا فِي رِحْلَتِنَا. وَالْمُفَسِّرُونَ يَرْوُونَ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلْبِيَّ مَتْرُوكٌ. وَقَدْ بَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّهَا لَا تُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا طَرِيقَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وَقَعَ فِي وَصْلِهِ. وَقَدِ اعْتَرَفَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ انْتِصَارِهِ لِثُبُوتِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، بِأَنَّ طُرُقَهَا كُلَّهَا، إِمَّا مُنْقَطِعَةٌ أَوْ ضَعِيفَةٌ، إِلَّا طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ يَرْوِهَا بِهَا أَحَدٌ مُتَّصِلَةً إِلَّا أُمَيَّةَ بْنَ خَالِدٍ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً فَقَدْ شَكَّ فِي وَصْلِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ

стр. 160

وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَحْسَبُ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَالَ: الْبَزَّارُ لَا يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: وَإِنَّمَا يُرْوَى مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ قِصَّةَ الْغَرَانِيقِ لَمْ تَرِدْ مُتَّصِلَةً إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الَّذِي شَكَّ رَاوِيهِ فِي الْوَصْلِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ. وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ إِنَّهُ لَمْ يَرَهَا مَسْنَدَةً مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَلَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَا ثَبَتَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَمَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ بَلْ بُطْلَانُهُ، فَقَدْ دَفَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الْآيَةَ [٦٩ \ ٤٤] ، وَقَوْلِهِ: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [٥٣ ٣] ، وَقَوْلِهِ: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ الْآيَةَ [١٧] . فَنَفَى الْمُقَارَبَةَ لِلرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ عَنِ الْبَزَّارِ أَنَّهَا لَا تُرْوَى بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ، وَعَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ. وَذُكِرَ عَنْ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ، وَأَبْطَلَهَا عِيَاضٌ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيَّيْنِ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَجَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي بُطْلَانِهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " النَّجْمِ " قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [٥٣ \ ٢٣] ، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ قَالَ تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا، ثُمَّ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا فَكَيْفَ يَفْرَحُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ هَذَا الْإِبْطَالِ وَالذَّمِّ التَّامِّ لِأَصْنَامِهِمْ، بِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ بِلَا مُسَمَّيَاتٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَخِيرُ. وَقِرَاءَتُهُ ﷺ سُورَةَ " النَّجْمِ " بِمَكَّةَ وَسُجُودُ الْمُشْرِكِينَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ قِصَّةِ الْغَرَانِيقِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهَا فَلَا إِشْكَالَ. وَأَمَّا

стр. 161

عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْقِصَّةِ، كَمَا هُوَ رَأْيُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ ثَبَتَتْ بِثَلَاثَةِ أَسَانِيدَ، كُلُّهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ مَرَاسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِهَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لِأَنَّ الطُّرُقَ إِذَا كَثُرَتْ وَتَبَايَنَتْ مَخَارِجُهَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا. فَلِلْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَحْسَنِهَا وَأَقْرَبِهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ تَرْتِيلًا تَتَخَلَّلُهُ سَكَتَاتٌ فَلَمَّا قَرَأَ: وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، قَالَ الشَّيْطَانُ لَعَنَهُ اللَّهُ مُحَاكِيًا لِصَوْتِهِ ﷺ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعَلَا إلخ. . . فَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الصَّوْتَ صَوْتُهُ ﷺ ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةَ الشَّمْسِ مِنَ اللَّمْسِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا شَافِيًا فِي رِحْلَتِنَا، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا هُنَا، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 162

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ فِيهِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى الرَّبِّ، وَالضَّمِيرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا وَاحِدٌ. وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَظْهَرُهَا، أَنَّ الْوَاوَ لِتَعْظِيمِ الْمُخَاطَبِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعْنِي كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: أَلَا فَارْحَمُونِي يَا إِلَهَ مُحَمَّدٍ ... فَإِنْ لَمْ أَكُنْ أَهْلًا فَأَنْتَ لَهُ أَهْلُ وَقَوْلِ الْآخَرِ: وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نَقَاخًا وَلَا بَرْدًا الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: «رَبِّ» اسْتِغَاثَةٌ بِهِ تَعَالَى، وَقَوْلَهُ: «ارْجِعُونِ» خِطَابٌ لِلْمَلَائِكَةِ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْوَجْهِ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ: إِذَا عَايَنَ الْمُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: نَرْجِعُكَ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: إِلَى دَارِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ؟ فَيَقُولُ: بَلْ قَدِّمُونِي إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيَقُولُونَ لَهُ: نَرْجِعُكَ، فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الْمَازِنِيِّ، أَنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلَى التَّكْرَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: رَبِّ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي. وَلَا يَخْلُو هَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي مِنْ بُعْدٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمئِذٍ، وَأَنَّهُمْ

стр. 163

لَا يَتَسَاءَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْأَنْسَابِ بَيْنَهُمْ، كَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الْآيَةَ [٨٠] ، وَآيَاتٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَسَاءَلُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [٣٧ \ ٢٧] . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْأَنْسَابِ انْقِطَاعُ فَوَائِدِهَا وَآثَارُهَا الَّتِي كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، مِنَ الْعَوَاطِفِ وَالنَّفْعِ وَالصِّلَاتِ وَالتَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ لَا نَفْيُ حَقِيقَتِهَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ نَفْيَ السُّؤَالِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأَوْلَى، وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتُهُ بَعْدَهُمَا مَعًا. الثَّانِي: أَنَّ نَفْيَ السُّؤَالِ عِنْدَ اشْتِغَالِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَإِثْبَاتَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَهُوَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْفِيَّ سُؤَالٌ خَاصٌّ، وَهُوَ سُؤَالُ بَعْضِهِمُ الْعَفْوَ مِنْ بَعْضٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ لِقُنُوطِهِمْ مِنَ الْإِعْطَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْؤُولُ أَبًا أَوِ ابْنًا أَوْ أُمًّا أَوْ زَوْجَةً، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ أَيْضًا صَاحِبُ الْإِتْقَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يَزْعُمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ مَا لَبِثُوا إِلَّا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ يُفْهَمُ مِنْهَا خِلَافُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا [٢٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [٣٠] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْءَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [١٨ \ ١٩] . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَبِثْنَا سَاعَةً. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَبِثْنَا عَشْرًا. وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْقُرْءَانِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ أَقْوَاهُمْ إِدْرَاكًا وَأَرْجَحَهُمْ عَقْلًا

стр. 164

وَأَمْثَلَهُمْ طَرِيقَةً، هُوَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ يَوْمٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [٢٠ \ ١٠٤] ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ أَقْوَالِهِمْ فِي مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 165

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النُّورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّوَانِي وَالزُّنَاةِ عَلَى الْأَعِفَّاءِ وَالْعَفَائِفِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ الْآيَةَ [٤ \ ٢٥] ، وَقَوْلُهُ: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ الْآيَةَ [٤ \ ٢٤] . وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ الْآيَةَ [٢٤] ، وَقَوْلِهِ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [٤ \ ٢٤] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، اخْتِلَافًا مَبْنِيًّا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِ تَزَوُّجِ الْعَفِيفِ لِلزَّانِيَةِ أَوِ الْعَفِيفَةِ لِلزَّانِي، فَمَنْ يَقُولُ هُوَ حَرَامٌ، يَقُولُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَعُمُومِ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ، أَجَابُوا بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْإِتْقَانِ عَلَى النَّسْخِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالنَّسْخِ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيُّ. وَمِنْهَا أَنَّ النِّكَاحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْوَطْءُ، وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يُطَاوِعُهُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُشَارِكُهُ فِي مُرَادِهِ إِلَّا زَانِيَةٌ مِثْلُهُ، أَوْ مُشْرِكَةٌ لَا تَرَى حُرْمَةَ الزِّنَا. وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا خَاصٌّ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي نِسْوَةٍ بَغَايَا كَانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ إِحْدَاهُنَّ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِمَّا كَسَبَتْهُ مِنَ الزِّنَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأُحِلَّ لَكُمْ الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى الْآيَةَ، وَهَذَا أَضْعَفُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 166

قَوْلُهُ تَعَالَى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِي بَرَاءَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ مِمَّا رُمِيَتْ بِهِ، وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهَا: الْخَبِيثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ النِّسَاءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، أَيْ فَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ غَيْرَ طَيِّبَةٍ لَمَا جَعَلَهَا اللَّهُ زَوْجَةً لِأَطْيَبِ الطَّيِّبِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ. وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ يَظْهَرُ تَعَارُضُهَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ - إِلَى قَوْلِهِ - مَعَ الدَّاخِلِينَ [٦٦ \ ١٠] . وَقَوْلِهِ أَيْضًا: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ الْآيَةَ [٦٦ \ ١١] . إِذِ الْآيَةُ الْأُولَى دَلَّتْ عَلَى خُبْثِ الزَّوْجَتَيْنِ الْكَافِرَتَيْنِ مَعَ أَنَّ زَوْجَيْهِمَا مِنْ أَطْيَبِ الطَّيِّبِينَ، وَهُمَا نُوحٌ وَلُوطٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ دَلَّتْ عَلَى طِيبِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ مَعَ خُبْثِ زَوْجِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَجْهَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ: الْأَوَّلُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَالضَّحَّاكِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ مَعْنَاهَا الْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ، لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلْخَبِيثَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الْقَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجَالِ لِلطَّيِّبَاتِ مِنَ الْقَوْلِ، أَيْ فَمَا نَسَبَهُ أَهْلُ النِّفَاقِ إِلَى عَائِشَةَ مِنْ كَلَامٍ خَبِيثٍ هُمْ أَوْلَى بِهِ، وَهِيَ أَوْلَى بِالْبَرَاءَةِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْهُمْ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [٢٤ \ ٢٦] ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا تَعَارُضَ أَصْلًا بَيْنَ الْآيَاتِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ مَا قَدَّمْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَلَيْهِ فَالْإِشْكَالُ

стр. 167

ظَاهِرٌ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ إِلَى آخِرِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، بِدَلِيلِ امْرَأَةِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. وَعَلَيْهِ فَالْغَالِبُ تَقْيِيضُ كُلٍّ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالطَّيِّبِينَ وَالْخَبِيثَاتِ وَالْخَبِيثِينَ لِجِنْسِهِ وَشَكْلِهِ الْمُلَائِمِ لَهُ فِي الْخُبْثِ أَوِ الطِّيبِ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى رُبَّمَا قَيَّضَ خَبِيثَةً لِطَيِّبٍ كَامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ، أَوْ طَيِّبَةً لِخَبِيثٍ كَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَقَوْلُهُ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا مَعَ قَوْلِهِ: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [٢٩ \ ٤٣] . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَقْيِيضَ الْخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أَوِ الطَّيِّبَةِ لِلْخَبِيثِ فِيهِ حِكْمَةٌ لَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعُلَمَاءُ، وَهِيَ فِي تَقْيِيضِ الْخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ الْقَرَابَةَ مِنَ الصَّالِحِينَ لَا تَنْفَعُ الْإِنْسَانَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُدَافِعُ عَنْهُ الْإِنْسَانُ زَوْجَتُهُ، وَأَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ رُسُلُهُ، فَدُخُولُ امْرَأَةِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ لُوطٍ النَّارَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [٦٦ \ ١٠] فِيهِ أَكْبَرُ وَاعِظٍ وَأَعْظَمُ زَاجِرٍ عَنِ الِاغْتِرَارِ بِالْقَرَابَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالْأَعْلَامِ، بِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ الْآيَةَ [٤ \ ١٢٣] . كَمَا أَنَّ دُخُولَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ الْجَنَّةَ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ لِمُخَالَطَةِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَأَحْسَنَ عَمَلَهُ وَصَبَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِدِينِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَضُرُّهُ خُبْثُ الَّذِينَ يُخَالِطُهُمْ وَيُعَاشِرُهُمْ، فَالْخَبِيثُ خَبِيثٌ وَإِنْ خَالَطَ الصَّالِحِينَ، كَامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ، وَالطَّيِّبُ طَيِّبٌ وَإِنْ خَالَطَ الْأَشْرَارَ كَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَلَكِنَّ مُخَالَطَةَ الْأَشْرَارِ لَا تَجُوزُ اخْتِيَارًا، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ أُخَرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. لَا يَخْفَى مَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ فِيهِ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: «جَاءَهُ»

стр. 168

يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مَوْجُودٍ وَاقِعٍ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْمَجِيءِ عَلَى الْعَدَمِ لَا يُعْقَلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّفَةَ الْإِضَافِيَّةَ لَا تَتَقَوَّمُ إِلَّا بَيْنَ مُتَضَائِفَيْنِ، فَلَا تُدْرَكُ إِلَّا بِإِدْرَاكِهِمَا، فَلَا يُعْقَلُ وُقُوعُ الْمَجِيءِ بِالْفِعْلِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ فَاعِلٍ وَقَعَ مِنْهُ الْمَجِيءُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «جَاءَهُ» . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: فَإِنَّ قَائِلَ: وَكَيْفَ قِيلَ: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّرَابُ شَيْئًا، فَعَلَامَ دَخَلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى إِذَا جَاءَهُ؟ . قِيلَ: إِنَّهُ شَيْءٌ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ كَالضَّبَابِ الَّذِي يُرَى كَثِيفًا مِنْ بَعِيدٍ، وَالْهَبَاءِ فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ دَقَّ وَصَارَ كَالْهَوَاءِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْضِعَ السَّرَابِ لَمْ يَجِدِ السَّرَابَ شَيْئًا، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ السَّرَابِ عَنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهِ، انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أُظْهِرَ عِنْدِي وَعِنْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ. . . إلخ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَهُ الْإِذْنُ لِمَنْ شَاءَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الْآيَةَ [٩ \ ٤٣] يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ لَهُ الْإِذْنُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ، كَصَلَاةِ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوِ اجْتِمَاعٍ فِي مَشُورَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [٢٤ \ ٦٢] . وَأَمَّا الْإِذْنُ فِي خُصُوصِ التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ، فَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ الْأَوْلَى فِيهِ أَلَّا يُبَادِرَ بِالْإِذْنِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّادِقُ فِي عُذْرِهِ مِنَ الْكَاذِبِ،

стр. 169

وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [٩: ٤٣] . فَظَهَرَ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْآيَاتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 170

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْفُرْقَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى انْقِضَاءِ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ، لِأَنَّ الْمَقِيلَ لِلْقَيْلُولَةِ أَوْ مَكَانِهَا، وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ. وَمِمَّنْ قَالَ بِانْقِضَاءِ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنَ مَا نَصُّهُ: وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ انْقِضَاءُ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ، انْتَهَى مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ مِقْدَارَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [٧٠ \ ٤] . وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ: أَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَطُولُ عَلَى الْكُفَّارِ وَيَقْصُرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَيُشِيرُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [٢٥ \ ٢٦] فَتَخْصِيصُهُ عُسْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْكَافِرِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [٧٤ \ ٩ - ١٠] ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَسِيرٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاع يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [٥٤ \ ٨] ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدًا الصَّوَّافَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقْصُرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ

стр. 171

النَّاسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّرُورَ يَقْصُرُ بِهِ الزَّمَنُ، وَالْكُرُوبَ وَالْهُمُومَ سَبَبٌ لِطُولِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَرْثِي النَّبِيَّ ﷺ [الْوَافِرِ] : أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ ... وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَقَالَ الْآخَرُ: فَقِصَارُهُنَّ مَعَ الْهُمُومِ طَوِيلَةٌ ... وَطِوَالُهُنَّ مَعَ السُّرُورِ قِصَارُ وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ: لَيْلِي وَلَيْلَى نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافُهُمَا ... فِي الطُّولِ وَالطُّولُ طُوبَى لِي لَوِ اعْتَدَلَا يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّمَا بَخِلَتْ ... بِالطُّولِ لَيْلَى وَإِنْ جَادَتْ بِهِ بَخِلَا وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جِدًّا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْمَقِيلَ بِأَنَّهُ الْمَأْوَى وَالْمَنْزِلُ، كَقَتَادَةَ ﵀ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَصْلًا، لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًا وَأَحْسَنُ مَأْوًى وَمَنْزِلًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُجْزَوْنَ غُرْفَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ، [٣٩ \ ٢٠] ، وَكَقَوْلِهِ: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [٣٤ \ ٣٧] . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْغُرْفَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْغُرَفِ، كَمَا تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى بِشَوَاهِدِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ، الْآيَةَ [٢ \ ٢٩] . وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْغُرْفَةِ، الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا فِي الْجَنَّةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا إِشْكَالَ وَقِيلَ: الْغُرْفَةُ الْجَنَّةُ، سُمِّيَتْ غُرْفَةً لِارْتِفَاعِهَا.

стр. 172

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَذَّبُوا جَمَاعَةً مِنَ الْمُرْسَلِينَ بِدَلِيلِ صِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: «الْمُرْسَلِينَ» ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَذَّبُوا رَسُولًا وَاحِدًا وَهُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِقَوْلِهِ: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِلَى قَوْلِهِ - قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [٢٦ \ ١٠٦ - ١١٧] . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، لَمَّا كَانَتْ دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةً وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، صَارَ مُكَذِّبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَذِّبًا لِجَمِيعِهِمْ، كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [٢١ \ ٢٥] وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا الْآيَةَ [١٦ \ ٣٦] ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مُكَذِّبَ بَعْضِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلْجَمِيعِ بِقَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [٤ \ ١٥٠ - ١٥١] . وَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا الْإِشْكَالِ، وَالْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ إِلَى آخِرِهِ [٢٦ \ ١٢٣ - ١٢٤] ، وَقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ [٢٦ \ ١٤١ - ١٤٢] . وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ لُوطٍ وَشُعَيْبٍ، عَلَى الْجَمِيعِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

стр. 173

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّمْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ بِلْقِيسَ: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ. يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ رُسُلِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ [٢٧ \ ٣٦] ، بِإِفْرَادِ فَاعِلِ جَاءَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ الْآيَةَ [٢٧ \ ٣٧] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ وَاحِدٌ. وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ، هُوَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ الرُّسُلَ جَمَاعَةٌ، وَعَلَيْهِمْ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، فَالْجَمْعُ نَظَرًا إِلَى الْكُلِّ وَالْإِفْرَادُ نَظَرًا إِلَى الرَّئِيسِ، لِأَنَّ مَنْ مَعَهُ تَبَعٌ لَهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا. هَذِهِ الْآيَةُ يَدُلُّ ظَاهِرُهَا عَلَى أَنَّ الْحَشْرَ خَاصٌّ بِهَؤُلَاءِ الْأَفْوَاجِ الْمُكَذِّبَةِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [٢٧ \ ٨٧] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَشْرَ عَامٌّ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ عَنْ كَثْرَةٍ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، هُوَ مَا بَيَّنَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ يُرَادُ بِهِ الْحَشْرُ الْعَامُّ وَقَوْلَهَ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا أَيْ بَعْدَ الْحَشْرِ الْعَامِّ يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ لِأَجْلِ التَّوْبِيخِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢٧ \ ٨٤] ، فَالْمُرَادُ بِالْفَوْجِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ الْفَوْجُ الْمُكَذِّبُ لِلرُّسُلِ يُحْشَرُ لِلتَّوْبِيخِ حَشْرًا خَاصًّا، فَلَا يُنَافِي حَشْرَ الْكُلِّ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ مِنْ تَخْصِيصِ الْفَوْجِ بِالرُّؤَسَاءِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ.

стр. 174

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ الْجِبَالَ يَظُنُّهَا الرَّائِي سَاكِنَةً وَهِيَ تَسِيرُ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِبَالَ رَاسِيَةٌ، وَالرَّاسِي هُوَ الثَّابِتُ فِي مَحَلٍّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [٧٩] ، وَقَوْلِهِ: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [١٦ \ ١٥] . وَقَوْلِهِ: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [١٥ \ ١٩] ، وَقَوْلِهِ: وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ [٧٧ \ ٢٧] . وَوَجْهُ الْجَمْعِ ظَاهَرٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: «أَرْسَاهَا» وَنَحْوَهُ، يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلَهُ. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ [٢٧ \ ٨٧] ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَتَرَى الْجِبَالَ الْآيَةَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ عَلَى أَنَّ سَيْرَ الْجِبَالِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً [١٨ \ ٤٧] ، وَقَوْلِهِ: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [٧٨ \ ٢٠] .

стр. 175

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْقَصَصِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ الْآيَةَ. الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: «وَلَكَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ وَاحِدٌ، وَفِي قَوْلِهِ: «لَا تَقْتُلُوهُ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَمَاعَةٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ. الثَّانِي: أَنَّهَا تَعْنِي فِرْعَوْنَ وَأَعْوَانَهُ الَّذِينَ هَمُّوا مَعَهُ بِقَتْلِ مُوسَى، فَأَفْرَدَتِ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهَا: «لَكَ» ، لِأَنَّ كَوْنَهُ: «قُرَّةُ عَيْنٍ» فِي زَعْمِهَا يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ دُونَهُمْ وَجَمَعَتْهُ فِي قَوْلِهَا: «لَا تَقْتُلُوهُ» ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ مَعَهُ فِي الْهَمِّ بِقَتْلِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَمَّا اسْتَعْطَفَتْ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى الْتَفَتَتْ إِلَى الْمَأْمُورِينَ بِقَتْلِ الصِّبْيَانِ قَائِلَةً لَهُمْ: لَا تَقْتُلُوهُ. مُعَلِّلَةً ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا الْآيَةَ. أَهْلُهُ زَوْجَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَسَارَ بِأَهْلِهِ [٢٨ \ ٢٩] ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّهُ سَارَ مِنْ عِنْدِ شُعَيْبٍ بِزَوْجَتِهِ ابْنَةِ شُعَيْبٍ أَوْ غَيْرِ شُعَيْبٍ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: «امْكُثُوا» : خِطَابُ جَمَاعَةِ الذُّكُورِ، فَمَا وَجْهُ خِطَابِ الْمَرْأَةِ بِخِطَابِ جَمَاعَةِ الذُّكُورِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَاطِبُ الْمَرْأَةَ بِخِطَابِ الْجَمَاعَةِ، تَعْظِيمًا لَهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ

стр. 176

.. وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نَقَاخًا وَلَا بَرْدًا الثَّانِي: أَنَّ مَعَهَا خَادِمًا، وَالْعَرَبُ رُبَّمَا خَاطَبَتِ الِاثْنَيْنِ خِطَابَ الْجَمَاعَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَدَانِ لَهُ اسْمُ الْأَكْبَرِ مِنْهُمَا: جيرشومُ وَاسْمُ الْأَصْغَرِ الِيعَازِرُ. وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُحْتَمَلَانِ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [٤٢ \ ٥٢] أَنَّ الْهُدَى الْمَنْفِيَّ عَنْهُ ﷺ هُوَ مَنْحُ التَّوْفِيقِ وَالْهُدَى الْمُثْبَتَ لَهُ هُوَ إِبَانَةُ الطَّرِيقِ.

стр. 177

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ الْآيَةَ. لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [٢٩ \ ١٣] ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، فَأَثْقَالُهُمْ أَوْزَارُ ضَلَالِهِمْ، وَالْأَثْقَالُ الَّتِي مَعَهَا أَوْزَارُ إِضْلَالِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ أَوْزَارِ أَتْبَاعِهِمُ الضَّالِّينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فِي خُصُوصِ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ «الْحَدِيدِ» مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاكِ نُوحٍ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [٥٧ \ ٢٦] . وَالْجَوَابُ أَنَّ وَجْهَ الِاقْتِصَارِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَذُكِرَ نُوحٌ مَعَهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ: كَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَيُونُسَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَانَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ لَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ فِي عَصْرِهِ، كَلُوطٍ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

стр. 178

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرُّومِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا الْآيَةَ. هَذَا خِطَابٌ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهُ: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ [٣٠ \ ٣١] ، فَقَوْلُهُ: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ الْمُسْتَتِرِ فِي قَوْلِهِ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ الْوَاقِعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَقْرِيرُ الْمَعْنَى فَأَقِمْ وَجْهَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي حَالِ كَوْنِكُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْحَالَ إِنْ لَمْ تَكُنْ سَبَبِيَّةً لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً لِصَاحِبِهَا إِفْرَادًا وَتَثْنِيَةً وَجَمْعًا وَتَذْكِيرًا وَتَأْنِيثًا، فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْحَالِ وَصَاحِبِهَا؟ فَالْحَالُ جَمْعٌ وَصَاحِبُهَا مُفْرَدٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، فَالْأُمَّةُ تَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِهِ ﷺ ، فَتَكُونُ الْحَالَةُ مِنَ الْجَمِيعِ الدَّاخِلِ تَحْتَ خِطَابِهِ ﷺ . وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي دُخُولِ الْأُمَّةِ تَحْتَ الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِهِ ﷺ ، قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [٦٥] . فَقَوْلُهُ: طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ بَعْدَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الْأُمَّةِ تَحْتَ لَفْظِ «النَّبِيِّ» . وَقَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [٦٦] ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [٦٦ \ ٢] وَقَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [٣٣ \ ١] ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [٣٣ \ ٢] . وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [٣٣ \ ٣٧] ، ثُمَّ قَالَ: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ الْآيَةَ [٣٣ \ ٣٧] . وَقَوْلُهُ:

стр. 179

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [١٠ \ ٦١] ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ [١٠ \ ٦١] . وَدُخُولُ الْأُمَّةِ فِي الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِالنَّبِيِّ ﷺ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀.

стр. 180

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ لُقْمَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى يُفْهَمُ مِنْهَا خِلَافُ ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ [٥٨ \ ٢٢] . ثُمَّ نَصَّ عَلَى دُخُولِ الْآبَاءِ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ: وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [٥٨ \ ٢٢] ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ. وُوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُصَاحَبَةَ بِالْمَعْرُوفِ أَعَمُّ مِنَ الْمُوَادَّةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ إِسْدَاءُ الْمَعْرُوفِ لِمَنْ يَوَدُّهُ وَمَنْ لَا يَوَدُّهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْأَعَمِّ، فَكَأَنَّ اللَّهَ حَذَّرَ مِنَ الْمَوَدَّةِ الْمُشْعِرَةِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ بِالْبَاطِنِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَ الْإِنْسَانَ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ لِوَالِدَيْهِ إِلَّا الْمَعْرُوفَ وَفِعْلُ الْمَعْرُوفِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَوَدَّةَ لِأَنَّ الْمَوَدَّةَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ لَا مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ إِذْنُهُ ﷺ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنْ تَصِلَ أُمَّهَا وَهِيَ كَافِرَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ قِصَّتَهَا سَبَبٌ لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ الْآيَةَ [٦٠ \ ٨] . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ الْآيَةَ. هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ فِيهِ وَالِدٌ وَلَدَهُ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ دَرَجَاتِ الْأَوْلَادِ بِسَبَبِ صَلَاحِ آبَائِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا فِي دَرَجَةِ الْآبَاءِ مَعَ أَنَّ عَمَلَهُمْ - أَيِ الْأَوْلَادَ - لَمْ يُبَلِّغْهُمْ تِلْكَ
следующие страницы →