← Фикх общий

Фикх общий · id 18085

التنبيهات على رسالة الألباني في الصلاة

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (56 стр.). Показаны 36–56 · переход к 41.

стр. 36

عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه؛ إسناده جيد، وهو من جهة عثمان بن أبي شيبة صحيح على شرط مسلم. وأما حديث أبي حميد الساعدي ﵁ فرَوَاه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في جزء رفع اليدين، وأهل السُّنَن الأربعة من حديث عبدالحميد بن جعفر، حدَّثَنا محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا قام في الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر، وإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فاعتدل، فإذا قام من الثنتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة. هذا لفظ إحدى روايتي ابن ماجَهْ، وفي رواية للبخاري: "فقالوا كلهم: صدقت"، وفي رواية أحمد، وأبي داود، والترمذي، والرواية الأخرى لابن ماجه: "قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي رسول الله ﷺ "، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه البخاري كما سيأتي، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: حديث أبي حميد حديث صحيح، متلقى بالقبول لا علة له. قلت: وأسانيد المذكورين كلها على شرط مسلم، وفي الباب أيضًا عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة ﵄ فأما

стр. 37

حديث علي ﵁ فرواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في جزء رفع اليدين، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني في سُننهم من حديث عبيدالله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يده حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام منَ السَّجْدَتَيْن رفع يديه كذلك وكبَّر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، وذكر الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قال: سُئل أحمد - رحمه الله تعالى - عن حديث علي ﵁ فقال: صحيح، وقال البخاري في جزء رفع اليدين: ما زاد ابن عمر وعلي وأبو حميد ﵃ في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا قام من السجدتين كله صحيح، انتهى. وقوله هنا وفي الحديث: "إذا قام من السجدتين"، معناه: إذا قام من الركعتين نبَّه على ذلك الترمذي في جامعه، وقد جاء مُصرحًا به في إحدى روايتي البخاري ولفظه: عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركعَ، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك، وأما حديث أبي هريرة ﵁ فرواه أبو داود في سننه من حديث

стр. 38

الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام منَ الركعتين فعل مثل ذلك؛ إسناده صحيح على شرط مسلم. الرِّواية الثالثة عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: أن الرفع في كل خفض ورفع، ذكرها القاضي وغيره، وهذه الرِّواية خلاف المشهور عنه، وهي أضْعف الروايات، والعمل عن أحمد وجماهير الحنابلة، أو جميعهم على خِلافها، ومن جعلها مذهبًا لأحمد فهو جاهل بمذهبه. وقد تقدَّم نصُّه على خِلافها في رواية حنبل، وقال أبو داود: قيل له - يعني: لأحمد - بين السجدتين أرفع يدي؟ قال: لا، ويحتمل أن أحمد - رحمه الله تعالى - أراد بقوله في كل خفض ورفع الركوع والرفع منه، ويؤخذ ذلك بما ذكره صاحب "المغني" عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: أنه سئل عن رفْع اليدين في الصلاة؟ فقال: في كل خفض ورفع، وقال فيه عن ابن عمر، وأبي حميد أحاديث صحاح، انتهى. فظاهرُ احتجاجه بأحاديث ابن عمر وأبي حميد ﵃ يدل على أنه أراد بالخفْض والرَّفْع الركوع والرفع منه؛ لأنَّ الأحاديث الصحيحة عن ابن عمر وأبي حميد ﵃ إنما جاءتْ بذلك، ولم تجئ بالرَّفْع في السجود والرفع منه، والله أعلم.

стр. 39

التنبيه الثامن قال المؤلف في حاشية صفحة ١٠١ ما نصه: "ووجه مخالفة البعير بوضع اليدين قبل الركبتين هو أن البعير يضع أول ما يضع ركبتيه، وهما في يديه كما في "لسان العرب" وغيره من كتب اللغة، وذكر مثله الطحاوي في "مشكل الآثار"، و"شرح معاني الآثار"، وقد أغرب ابن القيم، فقال: إنه كلام لا يُعقل ولا يعرفه أهل اللغة، ويرد عليه المصادر التي أشرنا إليها فلتراجَع"، اهـ. وأقول هذا المنقول عن ابن القيم - رحمه الله تعالى - مقتطع من كلام له في "زاد المعاد"، ولو استوفاه الناقلُ لكان أَوْلَى. ونصُّ كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وأما ما في حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه، ((إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه))، فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهْمٌ من بعض الرواة؛ فإن أوله يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولاً، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذًا برك وضع ركبتيه أولاً، فهذا هو المنْهِيُّ عنه، وهو فاسد لوجوه: أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولاً، وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولاً، وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى

стр. 40

عنه ﷺ وفعل خلافه، وكان أول ما يقع منه على الأرض منه الأقرب منها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منه الأعلى فالأعلى، وكان يضع ركبتيه أولاً ثم يديه ثم جبهته، وإذا رفع رفع رأسه أولاً ثم يديه ثم رُكبتيه، وهذا عكس فعل البعير، وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدي المصلِّي مخالف لهدي الحيوانات. الثاني: أن قولهم ركبتا البعير في يديه كلام لا يعقل، ولا يعرفه أهل اللغة، وإنما الركبة في الرجلين، وإن أطلق اللتين في يده اسم الركبة، فعلى سبيل التغليب؛ انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - وقوله هذا غير مدفوع، واستغراب المؤلف له هو المستغرب في الحقيقة! وأما قولُ بعضهم: إن ركبتي البعير في يديه، وهو الذي نقلَهُ المؤلف عن "لسان العرب" وغيره، فقد رده صاحب "القاموس" في كتابه "سفر السعادة"، وقال: الذي قال ركبة البعير في يديه وهْم وغلط، وخالف قول أئمة اللغة، وقال ياقوت الحموي في "معجم البلدان": ركبة - بضم أوله، وسكون ثانيه، وباء موحدة - بلفظ الركبة التي في الرجل من البعير وغيره. وهذا القول من صاحب "القاموس" وياقوت، مُوافق لقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - وبه يرد ما ادَّعي عليه من الإغراب، والله أعلم.

стр. 41

ولا يخفى على الصبيان الصغار فضلاً عن الرجال الكبار: أن البعير إذا أراد البروك وضع يديه أولاً ثم رجليه، والمصلي إذا قدَّم يديه على ركبتيه في السجود، فقد برك كما يبرك البعير بلا شك، وإذا قدم ركبتيه على يديه عند القيام من السجود، فقد قام كما يقوم البعير، وكذلك من اعتمد بيديه على الأرض ورفع ركبتيه قبلهما، وإذا قام من التشهُّد الأول. فهذا مُتشبه بالبعير عند قيامه، والأول متشبه به عند بروكه، وكل ذلك منهي عنه، وعلة النهي التشبه بالبعير في هيئة بروكه، وهيئة قيامه، وسواء قيل: إن ركبتي البعير في يديه أو في رجليه، فلا عبرة بذلك، وإنما الاعتبار بالهيئة الفعلية، ومن توقَّفَ فيما ذكرنا من التشبُّه، فليُشاهد البعير عند بروكه وعند قيامه، وليشاهد المقدم ليديه عند السجود، والمقدم لركبتيه عند القيام حتى يرى تمام المشابهة منهما للبعير. وهذا مما يستدل به على وقوع الغلط فيما رواه الدراوردي، من حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵃ فأما حديث ابن عمر ﵄ فرواه الدارقطني في سُننه من طريق الدراوردي عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه، ورواه الحاكم في مستدركه بنحوه، وقال: صحيحٌ على شرْط مسلم، ولَمْ يُخَرِّجاه.

стр. 42

وأمَّا حديث أبي هريرة ﵁ فرواه أبو داود، والنسائي، والدارقطني في سُننهم من حديث الدراوردي عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعْرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه))، وقد اختلف الأئمة في الدراوردي؛ فوثَّقَهُ يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وقال أحمد كان معروفًا بالطلَب، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبدالله بن عمر يرويها عن عبيدالله بن عمر. وقال أبو زُرعة: كان سَيئ الحفْظ، وربما حدَّث من حفظه السيئ فيخطئ، وقال النسائي: ليس به بأس، وحديثه عن عبيدالله بن عمر منكر، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال الساجي: كان من أهل الصدق والأمانة، إلا أنه كثير الوهم، وقال ابن سعد: كان ثِقةً كثير الحديث يغلط، قلتُ: فلعلَّ ما في هذين الحديثين من أغلاطه، والله أعلم. قال ابنُ القَيِّم - رحمه الله تعالى -: وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة ﵁ مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله: ((وليضع ركبتيه قبل يديه))، وقال علي القاري: الذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا الحديث آخره انقلب على بعض الرواة، وأنه كان: ((ولا يضع يديه قبل ركبتيه))، وقال صاحب "القاموس" في "سفر السعادة": في حديث أبي هريرة ﵁ وهم من بعض الرواة؛ لأن أول الحديث ينقض آخره، فإنَّ البعير يضع يديه قبل

стр. 43

ركبتيه حال البروك، والذي قال ركبة البعير في يديه، وهم وغلط، وخالف قول آئمة اللغة. قلت: وقد رواه عبدالله بن نافع، عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل))؛ رواه أهل السنن إلا ابن ماجه، وقال التِّرْمذي: حديثٌ غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه؛ انتهى. وهذه الرواية سالمة من الانقلاب الذي في رواية الدراوردي، وإذا فسرت بالتفسير الصحيح المعروف بالمشاهدة من بروك البعير، صارت موافقة لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه؛ رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال الذهبي: على شرط مسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ولا يقدح فيه أن في سنده شريكًا القاضي، وليس بالقوي؛ لأن مسلمًا روى له فهو على شرطه، قلتُ: وروى له البخاري في صحيحه تعليقًا، ولحديث وائل هذا شاهد من حديث أنس ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه، رواه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، وأقرَّهُ الذهبي في تلخيصه.

стр. 44

قال البخاري - رحمه الله تعالى -: حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة لا يتابع عليه، فيه محمد بن عبدالله بن الحسن، قال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ وقال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا، يشير إلى ما رواه الدراوردي، عن محمد بن عبدالله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: والعمل عليه - يعني حديث وائل - عند أكثر أهل العلم يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وقال الإمام أحمد ﵀ في كتاب الصلاة: وخصلة قد غلبتْ على الناس في صلاتهم، وقد يفعله شبانهم، وأهل القوة والجلد منهم، ينحط أحدهم من قيامه للسجود ويضع يديه على الأرض قبل ركبته، وإذا نهض من السجود أو بعد ما يفرغ من التشهد يرفع ركبتيه من الأرض قبل يديه، وهذا خطأ، وخلاف ما عليه الفقهاء، وإنما ينبغي له إذا انحطَّ من قيامه للسجود أن يضعَ ركبتيه على الأرض ثم يديه ثم جبهته، بذلك جاء الأمر عن النبي ﷺ فأمروا بذلك، وانهوا من رأيتم يفعل ذلك؛ انتهى. وقد رُويَ حديث أبي هريرة ﵁ مستقيم المتن، على وفق ما جاء في حديث وائل وأنس ﵄ ولكن إسناده ضعيف، فروى البَيْهَقِي من طريق إبراهيم بن موسى، عن محمد بن فضيل، عن عبدالله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل

стр. 45

يديه، ولا يبرك بروك الجمل))، قال البيهقي: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل، إلا أن عبدالله بن سعيد المقبري ضعيف. قلتُ: ورواه الترمذي في جامعه تعليقًا، وقال فيه عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .قال: وعبدالله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، انتهى. ويتأيد حديث عبدالله بن سعيد بما تقدم عن وائل، وأنس ﵄ ويؤيده أيضًا ما رواه أبو داود في سُننه بإسناد جيد عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة، وفي لفظ: نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ولا ريب أنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه اعتمد عليهما، فيكون قد أوقع جزءًا من الصلاة معتمدًا على يديه بالأرض، وأيضًا فهذا الاعتماد بالسجود نظير الاعتماد في الرفع منه سواء فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك، انتهى. فإن قيل: إن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض؛ رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث ﵁ وظاهر هذا الحديث أنه معارض لما في حديث ابن عمر ﵄.

стр. 46

فالجواب أن يقال: ليس هذا مما نحن فيه، فإن هذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة، ومن اعتمد على الأرض إذا أراد أن يقوم من هذه الجلسة فإنما يعتمد بيديه، وهما بحذاء جنبه لا من أمامه، فلا يكون متشبهًا بالبعير حال قيامه. قال العيني في شرح البخاري: فيه بيان الكيفية بأن يجلس أولاً ثم يعتمد ثم يقوم، قال الفقهاء يعتمد كما يعتمد العاجن للخمير. قلت: وهذا يفعله من تشق عليه المبادرة بالقيام كالشيوخ، ومن به علة ونحوهم، وقد رُوِيَ أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك لما بدن - أي: أخذه اللحم. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" لما ذكر قوله ﷺ : ((لا تبادروني بالقيام، فإني قد بدنت))، قال: فدل على أنه يفعلها لهذا السبب، فلا تشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك، انتهى. ومما ذكرنا يعلم أن الاعتماد المنهي عنه في حديث ابن عمر ﵄ هو ما كان فيه تشبه بالبعير عند بروكه وعند قيامه، وما جاء في حديث مالك بن الحويرث ﵁ فهو أن يعتمد بيديه على الأرض، وهما بحذاء جنبيه لا من أمامه، وهذا الاعتماد نوع وما في حديث ابن عمر ﵄ نوع آخر، فلا تعارض حينئذ بين الحديثين، والله أعلم.

стр. 47

التنبيه التاسع قال المؤلِّف في صفحة ١١٢: "وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانًا"؛ يعني: عند الرفع من السجود، ثم قال المؤلِّف في الحاشية ما نصه: "وبالرفع ها هنا وعند كل تكبيرة، قال [قاله] أحمد". اهـ. ونحوه في صفحة ١١٥ وحاشيتها، وظاهِرُ كلام المؤلِّف في هذَيْن الموضعين أن هذا هو قول أحمد، وليس له قول غيره. وقد تقدم في التنبيه السابع أن هذا هو أضعف الروايات عن الإمام أحمد، وأن الصحيح عنه الرفع في ثلاثة مواضع لا غير: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه. وهذا هو الذي حكاه الترمذي عن أحمد، ولم يحك عنه غيره، ونقله عنه أيضًا أبو داود، وحنبل، ونقلا أيضًا نصَّه، بخلاف ما قرَّره الشيخُ الألباني في هذين الموضعين، وقد تقدَّم كل هذا في التنبيه السابع، فليراجع.

стр. 48

التنبيه العاشر قال المؤلِّفُ في حاشية صفحة ١١٢ نقلاً عن "بدائع الفوائد"؛ لابن القيم - رحمه الله تعالى - ما نصه: "ونقل عنه ابن الأثرم"، ثم قال أيضًا: "قال ابن الأثرم". اهـ، ولفظ هذا الأخير في "البدائع"، قال ابن أثرم بدون "أل". والذي يظهر لي - والله أعلم - أنَّه قد وقع في هذا الاسم غلط، إما مطبعي، وإما من بعض النساخ قبل ذلك؛ إذ لم أرَ في أصحاب الإمام أحمد مَن يقال له: ابن الأثرم، ولا ابن أثرم؛ وإنما فيهم الأثرم بدون لفظ "ابن"، وهو لقب: لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، وفيهم أيضًا: أحمد بن أصرم - بالصاد المهملة. فالمنقول عنه ها هنا يحتمل أنه الأثرم، بدون لفظة "ابن"، ويحتمل أنه ابن أصرم، وأن الصاد أبدلتْ بالثاء تحريفًا، والله أعلم.

стр. 49

التنبيه الحادي عشر في هامش صفحة ١٢٦ تعقَّب الألباني على ابن القيِّم - رحمه الله تعالى - في قوله تبعًا لشيخه شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيميَّة - رحمه الله تعالى - أنه لم يجئ حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم معًا - يعني في قوله: "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم"، ثم تبجَّح الألباني بإيراد الرواية بذلك، قال: "وهذا في الحقيقة من فوائد هذا الكتاب"؛ يعني: بذلك كتابه إلى آخر كلامه. وأقول: بل هذا من فوائد كتاب "الاختيارات"؛ للشيخ علاء الدين المعروف بابن اللحام، ومن فوائد "فتح الباري"؛ للحافظ ابن حجر العسقلاني، أما ابن اللحام فإنَّه ذكر في باب صفة الصلاة: أن شيخ الإسلام أبا العباس - رحمه الله تعالى - قال الأحاديث التي في الصحاح لم أجد في شيء منها: "كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم"، بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ: "آل إبراهيم"، وفي بعضها: "لفظ إبراهيم"، وروى البيهقي الجمع بين لفظ إبراهيم وآل إبراهيم بإسناد ضعيف عن ابن مسعود، قال ابن اللحام: قلت: بل روى البخاري في صحيحه الجمع بينهما. وأما ابن حجر فقال في شرح كتاب الدعوات من صحيح

стр. 50

البخاري ما ملخصه: وادَّعى ابن القيم أن أكثر الأحاديث - بل كلها - مصرحة بذكر محمد وآل محمد، وبذكر آل إبراهيم فقط، أو بذكر إبراهيم وآل إبراهيم معًا، قال ابن حجر: وغفل عما وقع في صحيح البخاري كما تقدم في أحاديث الأنبياء في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبدالله بن عيسى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى بلفظ: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، كذا في قوله: "كما باركت". ثم ذكر الحافظ روايات أُخَر لغير البخاري فيها الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم، والظاهر أن الشيخ الألباني أخذ تعقبه على ابن القيم من كلام ابن حجر، ويدل على ذلك إحالته في هامش صفحة ١٢٨ على "فتح الباري" في معرفة الأجْوِبة عن وجه التشبيه في قوله: "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم"، والأجوبة والتعقُّب على ابن القيم كلها في باب واحد، فلو أنَّ الألباني نسب التعقُّب إلى قائله الأول، لكان أليق به وأولى من نسبته إلى نفسه.

стр. 51

التنبيه الثاني عشر في صفحة ١٣٨ ذكر المؤلِّف قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، ثم فسر المغرم في الحاشية بأن المرادَ به الذنوب والمعاصي. وأقول هذا قول ضعيف جدًّا، ذكَرَه ابن الأثير في "النهاية"، وتبعه ابن منظور في "لسان العرب"، ولم يعرج على ذلك غيرهما من أئمة اللغة فيما علمت، ولم يعرِّج عليه أيضًا ابن الأثير في "جامع الأصول"، وعلى هذا القول الضعيف يكون معنى المأثم والمغرم واحدًا، ولا يكون للعطف فائدة، ومن المعلوم أن العطفَ يقتضي المغايرة، والصَّحيحُ أن المراد بالمغرم ها هنا الغرم وهو الدين، قال الجوهري: الغرامة ما يلزم أداؤه، وكذلك المغرم والغرم. وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": المغرم بأن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، كمَن يَتَكَفَّل إنسانًا بدين فيزنه عنه، وقال الراغب الأصفهاني: الغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضَرر لغير جناية، يقال: غرم كذا غرمًا ومغرمًا، وقال النووي في شرح مسلم: المغرم معناه: الغرم، وهو الدَّين. وقال ابن حجر في "فتح الباري": المغرم الدَّين، يقال: غرِم - بكسر الراء - أي: ادَّان ... قال: وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين، قلتُ: وفي الحديث الذي ساق الشيخ الألباني بعضه ما يُبَيِّن أن المراد بالمغرم الدين، ففي الصحيحين، وسنني أبي داود والنسائي عن عائشة

стр. 52

- ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم))، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف))، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": والمراد أن ذلك شأن من يستدين غالبًا؛ انتهى. وفي "صحيح مسلم" عن أبي اليسر كعب بن عمرو ﵁ قال: كان لي على فلان بن فلان الحزامي [الحرامي] مالٌ، فأتيت أهله فسلَّمْت، فقلت: ثمَّ هو؟ قالوا: لا، فخرج علي ابن له جفر، فقلْتُ له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، فقلت: اخرج إليّ فقد علمت أين أنت، فخرج فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيتُ والله أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ وكنتُ والله معسرًا. وذكر تمام الحديث، والمقصود منه قوله: خشيتُ والله أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، فهذا صاحب رسول الله ﷺ اختبأ من غريمه؛ من أجل إعساره؛ خوفًا منَ الوُقُوع في الكذب وإخلاف الوعد، والذي خشي منه صاحب رسول الله ﷺ وهو الذي كان رسولُ الله ﷺ يتعوَّذ في صلاته من انعقاد

стр. 53

سببه وهو الغرم، والله أعلم. والحكمة في جمع النبي ﷺ بين المأثم والمغرم: أن المأثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا، أفاد ذلك العلاَّمة ابنُ القيِّم - رحمه الله تعالى - والله الموفق. التنبيه الثالث عشر قال المؤلِّف في آخر النبذة ما نصه: "تنبيه هام: أن رسالة الصلاة المنسوبة إلى الإمام أحمد ﵁ والتي أعيد طبعها مرارًا، قد ثبت لدينا أنه لا تصح نسبتها إلى الإمام أحمد، بل قال الحافظ الذهبي فيها: أخشى أن تكون موضوعة، وسننشر تحقيقنا في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى - وعليه، فلا يغتر أحد بما جاء فيها من المخالفة لكتابنا هذا". اهـ. وأقول: هذا تنبيه غريبٌ جدًّا، وجراءة غير محمودة، ولقد شان المؤلف نبذته بهذا التنبيه المتوهم، وأظنه أراد بذلك دفْع ما قرره الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في رسالته من تقديم الرُّكبتين قبل اليدين في السجود؛ لأنه مخالِفٌ لما رآه وقرَّره في نبذته، وقد تقَدَّمَ كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - بِحُرُوفه في التنبيه الثامن، فليراجع.

стр. 54

وكلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - هو حق بلا ريب، ودليله حديث وائل بن حجر، وحديث أنس، وحديث أبي هريرة أيضًا بدون الزيادة التي رواها الدراوردي كما تقدَّم إيضاح ذلك. وأما قولُ صاحب النبذة: أنه ثبت لديه أنه لا تصِحُّ نِسْبة الرسالة إلى الإمام أحمد، فهو مجرَّد دعوى لا دليل عليها، ويا ليت شعري: هل شهد عنده رجال مرضيون أن مهنا بن يحيى الشامي وضعها، ونسبها إلى الإمام أحمد، أو وضعها من دون مهنا من رواتها، أو وضعها صاحب "طبقات الحنابلة" القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفرَّاء؟! وإذا لم يثبت عنده الوضْع بشهادة العدول، فهل في الرِّسالة ما يخالف قول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في الأصول أو في الفروع حتى يستدل بذلك على أنها موضوعة أو محرَّفة بالزيادة والنقصان؟! وإذا كان كل هذا معدومًا، فلا دليل له إلا الرَّجم بالغيب، والقول بغير علم. فإن قال: إن الدليل على ذلك قول الذهبي فيها: "وأخشى أن تكون موضوعة ". فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الذهبي - رحمه الله تعالى - قد حماه الله بالورع، فلم يجزم بالوضع بغير دليل كما فعل صاحب النبذة، وإذا كان الذهبي لم يجزمْ بالوضع، فأي متعلق لصاحب النبذة في قوله؟! الثاني: لو قدرنا أن الذهبي جزم بذلك، فجزمه غير مقبول إلا ببينة. الثالث: أن الشيخ الموفق أبا محمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله تعالى - قد نقل من الرسالة في كتابه المغني جازمًا بنسبتها

стр. 55

إلى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - ولم يعب ذلك عليه أحد لا من الحنابلة ولا من غيرهم. وقد نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ما نقله صاحب المغني وأقره. وكذلك الشيخ عبدالرحمن بن أبي عمر نقل في كتابه "الشرح الكبير" من الرسالة جازمًا بنسبتها إلى الإمام أحمد، وكذلك العلامة الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى - نقل منها في كتاب الصلاة جازمًا بنسبتها إلى الإمام أحمد، ولما انتهى ما نقله قال بعده: هذا كله كلام أحمد، ونقل من مضمونها في موضع آخر، ثم قال: وقد احتج أحمد بهذا بعينه. وكذلك الشيخ محمد بن مفلح قد نقل منها في كتاب الفروع جازمًا بنسبتها إلى الإمام أحمد، وكذلك غيرهم من أئمة الحنابلة، ولا نعلم أحدًا عاب على هؤلاء الأئمة الأعلام لا في نقلهم منها، ولا في نسبتهم لها إلى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى. وقد قرَّر الأصوليون أن المثبِت مقدَّم على النافي، هذا إذا كان كل منهما جازمًا في دعواه، وأما مَن لم يجزم فلا عبرة بقوله، وهؤلاء الأئمة من أكابر الحنابلة قد جزموا بنسبة الرسالة إلى الإمام أحمد، وهم أعلم بكلام إمامهم وكتبه ومذهبه ممن سواهم من أهل المذاهب، وقد تلقَّاها من قبلهم ومن بعدهم من الحنابلة وغيرهم من أهل العلم جيلاً بعد جيل، جازمين بنسبتها إلى الإمام أحمد، ولم يقدح فيها أحد، لا من الحنابلة ولا من غيرهم، حتى جاء الشيخ الألباني في آخر القرن الرابع عشر، فقدح فيها وفي نِسبتها إلى مُصَنِّفها بغير مستند يسوغ به القدح، ولو استجاز الناس

стр. 56

ما استجازه الشيخ الألباني لأوشك أن تنكر كتب السلف أو أكثرها؛ لأن كثيرًا منها لم تبقَ أسانيدها متصلة إلى اليوم، وإنما تعرف بالنسبة والاستفاضة والتلقِّي جيلاً بعد جيل، وكذلك غالب كُتُب العلماء بعدهم ليس لها أسانيد متصلة، وإنما تعرف بالتلقِّي والنسبة والاستفاضة، وتناسب كلام المصنف والْتِئام بعضه مع بعض، وما زال أهل العلم يكتفون في نسبة الكتب إلى مصنفيها بمجرد التلقِّي والاستفاضة، وينكرون منها ما لم يلتئم مع كلام المنسوب إليه، وما كان مخالفًا لأقواله في الأصول أو في الفُرُوع. ومَن تأمَّل رسالة الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وجدها ملائمة لكلامه وموافقة لمذهبه، ومن أنكرها أو أنكر شيئًا منها لذلك لقلة علمه بكلام أحمد ومذهبه، وأن العجب لا ينقضي من سوء جراءة الشيخ الألباني وإقدامه على القدح في تلك الرسالة الجليلة بغير برهان، فالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. وقد وقع الفراغ من تسويد هذه التنبيهات في أثناء سنة ١٣٧٦، ثم كان الفراغ من كتابة هذه النُّسخة في يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة ١٣٨٢ على يد كاتبها وجامعها الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبدالله التويجري، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. تم بحمد الله