← Акыда

Акыда · id 18089

الرد على الجهمية للدارمي - ت الشوامي

عثمان بن سعيد الدارمي

Полный текст (191 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرَّدُّ عَلى الجَهَمِّيَة تَصْنيفُ أبي سَعِيدٍ عُثمَانَ بن سعِيدٍ الدَّارمِيِّ حَقَّقَهُ وضَبَطَ نَصَّهُ أَبوُ عَاصِم الشَّوَامِيّ الأَثرِي وبِذَيْلِهِ التَّخريجَاتُ العِلمِيَّة لِكتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّة تَصْنِيفُ أبي عَاصِمٍ الشَّوَامِيّ الأَثريِ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقدَّمةُ التحْقِيق الحمدُ لله الكَبِيرِ المُتعَالِ، المُتَّصفُ بصفاتِ الجَلالِ ونُعوتِ الكَمَالِ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وأَرسَى فيها الجِبَالَ، تَقَدَّسَ وتنَزَّه عن الشَّبِيهِ والمِثالِ، ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، نَحْمَدُكَ الَّلهُمَّ ونَسْتَهْدِيكَ ونَسْتَغْفِرُكَ، ونَتَوَكَّلُ عليكَ ولا نَكْفُركَ، ونَخْلَعُ مَن يَكفُرك، وصلى الله على نَبِيِّنا مُحمَّدٍ الدَّاعي إلى الهُدى والرَّشَادِ، وعَلى أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ، وعلى أَصْحَابِ رَسُولِه، الذين اصْطَفَاهُم مِنْ خَلْقِهِ، لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وائْتَمنَهُم على حِفْظِ كِتَابِهِ، صَلاةً وسَلامًا دَائِمَيْن، ما نَاحَتْ مُطَوَّقةٌ وما ذَرَّ شَارِقٌ. وبعد: فهذا كتاب «الرَّدُّ عَلَى الجَهْمَيَّة» للحافظ العلامة المحقق أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، وهو من أَجَلِّ ما صُنِّف في هذا الباب، أو هو من أَجلِّ ما وصَلَ إِلينا مما صُنِّف في هذا الباب، فقد صنف تحت هذا العنوان، أكثر أهل العلم، كالإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، والإمام عبد الله بن الإمام أحمد، ونعيم بن حماد، وغيرهم، وذلك في مصنفات مستقلة، أو في طِيَّات كِتابٍ

стр. 4

جَامِعٍ؛ كالبُخَاريِّ، وبعضِ أصحابِ السُّنَنِ، وكابنِ بَطَّة، والأَشْعَري، والَّلَالَكَائِي، والآجُرِّي، وغَيْرِهِم. وقد اهتم العلماء في القرن الثالث الهجري بالتَّصَدِّي لهؤلاءِ الزَّائِغَة -أعنِي الجَهمية- الذين هم كما ذكر المصنف أضل من اليهود والنصارى؛ بحيث إنهم قد عطلوا صفات الرب ﵎، فجعلوه كالعدم، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون عُلوًا كبيرًا. وكان مما يُمَيِّزُ هذه الحِقْبَةَ الزمنية في التصنيف؛ سهولةُ العبارة، والبعد عن التعقيد والتَّكلُّف، واستخدامِ اصطلاحات المناطقة والفلاسفة وعلماء الكلام، الذي ليس من تحته طائِل إلا تشتيت الذهن، وعرقلته عن الوصول إلى الحق، وأيضًا مما يميز هذه الفترة في التصنيف؛ الاهتمامُ بالأسانيد والتنافسُ في العلو بها، وذلك لعلمهم أن ذلك من الدين، فكانوا لا يَصْدُرُونَ عن رأيهم، ولا عن هوى أنفسهم، إنما كان قَائِدُهُم الإِسنادُ، بِقَالَ اللهُ، وقَالَ رَسُولُه ﷺ ، ومن يقرأ في هذا الكتاب وفي أمثاله ممن نَسَجَ عَلى مِنْوَالِهِ، سيجدُ هَذا بيِّنًا لاحِبًا لا لَبْسَ فيه. فكان واجبنا -ونحن نحاول أن نُسْهِمَ في إحياء تراث هذه الأمة التي أتت بما لم تأت به أمةٌ من الأمم قبلها- أن نكونَ أُمناء على هذا الإِرْثِ العظيم الذي تركه لنا أسلافُنا، ليكون نِبْراسًا لنا، نَستضيءُ به في ظلمات الجهل والضلال، وأعني بالأمانة هنا؛ أمانة إخراج النص إلى الناس دون تحريف أو تصحيف أو تبديل لأي كلمة وردت في أصل خطي ورثناه عن أسلافنا، ولا

стр. 5

يَتَأَتَّى ذلك إلا بتعظيم هذا الإرث والتعامل معه بحذر شديد، وإفراغ الجهد في البحث عن أي إشكال يقابلنا أثناء التحقيق، ومحاولة توجيه النص بقدر الطاقة. وهذا وللأسف البالغ أصبح أمرًا عزيزًا جدًا في هذه الأوقات، وأصبح تحقيق النصوص؛ مسخًا لها، بحيث إذا وجد المحقق! كلمة في النص الذي وَرِثَه من أسلافه لا يستطيع أن يفهمها، حذفها بسفاهة جرأته ووضع غيرها مكانها دون أن يَتَعنَّى في البحث عن هذه الكلمة ومحاولة توجيهها، وهذا لعمر الله من أقبح الخيانة. وهذا ما حاولت أن أتلافاه في تحقيقي لهذا الكتاب العظيم في بابه، بقدر طاقتي، والله ولي التوفيق. توثيق نسبة الكتاب: اشتهر هذا الكتاب جدًا بنسبته إلى مُصَنِّفِه مما لا يدع مجالا للشَّك في ذلك، وقد نقل منه كثير من العلماء ونسبوه لمصنفه، وعلى رأس هؤلاء الذين نقلوا منه؛ شيخُ الإِسلامِ ابن تيمية، فقد نَقَل منه فقرات كاملة تجد ذلك بوضوح في كتابه القيم «درء تعارض العقل والنقل»، وكذلك تلميذه ابن قيم الجوزية في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية»، وأيضا الإمام الذهبي والذي قد انتقى من كتاب الرد على الجهمية جملة من أحاديثه رواها بإسناده إلى المصنف في كتابه «المنتقى من كتاب الرد على الجهمية» -وهو مطبوع-، وهذا على سبيل المثال، لا الحصر.

стр. 6

موضوعه وأهميته: ولا يخفى موضوع الكتاب وأهميته وأكتفي بذكر قول العلامة ابن القَيِّم، حيث قال: «وكِتَابَاهُ مِنْ أَجَلِّ الكتب المُصنَّفة في السُّنة وأَنْفَعِهَا، وينبغي لكل طَالبِ سُنَّة -مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة- أن يقرأ كتابَيْه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يُوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما». أهـ من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية (١/ ١٤٣). قلت: ويعني بكتابيه؛ كتابنا هذا، وكتاب نقض الدارمي لبشر المريسي. وصف النسخة الخطية: اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب على نسخة وحيدة، وهي من محفوظات مكتبة كوبرلي رقم (٨٥٠) وتقع ضمن مجموع من صفحة ست وسبعين إلى صفحة مائة وعشرة، أي في حوالي أربع وثلاثين ورقة، وجهان في كل ورقة، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، في كل سطر زهاء خمس عشرة كلمة، وبداية هذا المجموع يحتوي على كتاب نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد، للمُصَنِّف أيضًا، وناسخ المجموع كله واحد وقد كتبت بخط نسخي عادي، واضح، وفي رأيي أن هذه النسخة قيمة جدًا لاسيما وفي بداية الكتاب العديد من السماعات لشيخ الإسلام ابن

стр. 7

تيمية، وأبي الحجاج يوسف المِزِّي، وابن المُحِب، ويوسف بن عبد الهادي، وغيرهم. وقد تم الفراغ من نسخ كتاب الرد على الجهمية في شهر رجب الفرد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (٧٣٥) بمدرسة الحافظ ضياء الدين بسفح قَاسْيُون ظاهر دمشق، جاء ذلك مكتوبًا على آخر ورقة من المخطوط. هذا وقد صنف الدارمي هذا الكتاب تقريبًا سنة مائتين وخمسين من الهجرة النبوية، فقد قال في صفحة (٢٢٤) وهو يتحدث عن القرآن «لم يَأْتُوا بمثله مُنْذُ مائَتَيّ وخمسين سنة». عملي في الكتاب: قابلت هذه النسخة الخطية على مطبوعة مكتبة الدار السلفية والتي قام بتحقيقها فضيلة الشيخ بدر بن عبد الله البدر حفظه الله تعالى (الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٥ هـ) وهي أفضل الموجود من المطبوعات لهذا الكتاب، وإن كان بها بعض القصور، ويعتذر له عن ذلك حيث لم يعتمد الشيخ على نسخة خطية، وإنما اعتمد على الطبعة الأولى والتي طبعت في ليدن (سنة ١٩٦٠ م) بتحقيق أحد المستشرقين ويدعى (جوستا فيتستام)، ولا يخفى القصور في عمل المستشرقين، فأثبتت ما كان في الأصل الخطي، ووجهته حسب ما تقتضيه الفصحى، وأشرتُ إلى بعض الأخطاء في مكانها، وضبطت أكثر النص بالشكل، ورقمت أسانيد الكتاب بالتسلسل.

стр. 8

وإِتمامًا للفائدة فقد ذَيَّلْتُ الكتاب بكتابي «التخريجات العلمية لكتاب الرد على الجهمية»، وهو تخريجٌ وسط، لم أسهب فيه، أدرس فيه أسانيد الكتاب، وأحكم عليها بما تقتضيه قواعد علم الحديث، وقد وجدت في تخريجات فضيلة الشيخ بدر حفظه الله جملة من الأخطاء رأيت أنه لا يحسن السكوت عليها، فنبهت عليها في موضعها من الكتاب، ويعلم الله أني أُجِلُّ الشيخ وإنما كان قصدي إظهار الخطأ ومعالجته بطريقة علمية ليكون مثالا يحتذى، خدمة للعلم لا أكثر، والله على ما أقول شهيد. وأخيرًا قمت بصناعة فهارس علمية للكتاب. وفي الخِتَامِ أَوَدُّ أن أتقدم بالشكر لكل من ساهم في إخراج هذا الكتاب القيم، وأخص بالذكر منهم: أولا: أشكر الشيخين الجليلين؛ الدكتور أحمد مَعْبَد عبد الكريم، والشيخ أبا إسحاق الحُوَيْنِي، متعهما الله بالعافية والستر في الدنيا والآخرة؛ فهما كانا وراء ما أنتجت وما سأنتج إن شاء الله. ثم: فضيلة الشيخ أبا الفضل عبد السلام بن عبد الكريم، صاحب المكتبة الإسلامية بالقاهرة، فهو الذي لفت انتباهي لهذا الكتاب وأشار عَلَيَّ بتحقيقه، ولم يكن هذا في حسباني، ولكن الله إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه. وأخي الفاضل أبا عمر عبد المحسن بن محمد بن فهيم، فقد قام معي بمقابلة الجزء الأكبر من المخطوط، فجزاه الله خيرًا.

стр. 9

وأخيرًا أشكر أخي الباحث النحرير واللغوي القدير الشيخ صفاء الدين بن محمد بن إبراهيم آل قُمِّيح، والذي أرشدني لتوجيه إشكالات الكتاب اللغوية، فأسأل الله ﵎ أن يجعله في ميزان حسناته. ومما لا أشك فيه أنه قد وقع خلل أو خطأ فيما كتبته وذهبت إليه، فذلك مما لا يسلم منه بنو آدم، وأنا لا أستنكف أبدًا أن أراجع الصواب إن ظهر لي، فجزى الله خيرًا أخا كريمًا نظر في عملي نظرة إنصاف، فسددني إن وجد خطأً، ودعا لي إن وجد خيرًا. واللهَ تعالى أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن لا يخزني يوم يبعثون ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ والحمد لله ظاهرًا وباطنًا، أولاً وآخرًا. وكتبه راجي عفو ربه الكريم أبو عاصم الشَّوَامِي محمد بن محمود بن إبراهيم في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة واحد وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي ﷺ -

стр. 10

ترجمة المصنف قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩): الدارمي: عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد: الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، شيخ تلك الديار، أبو سعيد، التميمي، الدارمي، السجستاني، صاحب «المسند» الكبير والتصانيف. ولد قبل المائتين بيسير، وطوف الأقاليم في طلب الحديث. وسمع: أبا اليمان، ويحيى بن صالح الوحاظي، وسعيد بن أبي مريم، ومسلم بن إبراهيم، وعبد الغفار بن داود الحراني، وسليمان بن حرب، وأبا سلمة التبوذكي، ونعيم بن حماد، وعبد الله بن صالح، كاتب الليث، ومحمد بن كثير، ومسدد بن مسرهد، وأبا توبة الحلبي، وعبد الله بن رجاء الغداني، وأبا جعفر النفيلي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وفروة بن المغراء، وأبا بكر بن أبي شيبة، ويحيى الحماني، وسهل بن بكار، وأبا الربيع الزهراني، ومحمد بن المنهال، والهيثم بن خارجة، وخلقًا كثيرًا، بالحرمين والشام، ومصر والعراق، والجزيرة وبلاد العجم. وصنف كتابًا في «الرد على بشر المريسي»، وكتابًا في «الرد على الجهمية» رُوِّينَاهُمَا. وأخذ علم الحديث وعلله عن علي، ويحيى، وأحمد، وفاق أهل زمانه، وكان لَهِجًا بالسُّنة، بَصيرًا بالمناظرة.

стр. 11

حدث عنه: أبو عمرو: أحمد بن محمد الحيري، ومحمد بن إبراهيم الصرام، ومُؤَمِّل بن الحسين، وأحمد بن محمد بن الأزهر، ومحمد بن يوسف الهروي، وأبو إسحاق بن ياسين، ومحمد بن إسحاق الهروي، وأحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، وأبو النضر محمد بن محمد الطُّوسِي الفقيه، وحامد الرفاء، وأحمد بن محمد العنبري، وأبو الفضل يعقوب القراب، وخلق كثير من أهل هراة، وأهل نيسابور. قال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي، سمعت أبا الفضل يعقوب بن إسحاق القراب يقول: ما رأينا مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن أبي يعقوب البويطي، والحديث عن ابن معين وابن المديني، وتقدم في هذه العلوم،. وقال أبو حامد الأعمشي: ما رأيت في المحدثين مثل محمد بن يحيى وعثمان بن سعيد، ويعقوب الفسوي. وقال أبو عبد الله بن أبي ذهل: قلت لأبي الفضل القراب: هل رأيت أفضل من عثمان بن سعيد الدارمي؟ فأطرق ساعة، ثم قال: نعم، إبراهيم الحربي، وقد كنا في مجلس الدارمي غير مرة، ومَرَّ به الأمير عمرو بن الليث، فسلم عليه، فقال: وعليكم، حدثنا مسدد ... ولم يزد على رد السلام. قال ابن عبدوس الطرائفي: لما أردتُ الخروج إلى عثمان بن سعيد يعني إلى هراة - أتيت ابن خزيمة، فسألته أن يكتب لي إليه، فكتب إليه،

стр. 12

فدخلت هراة في ربيع الأول، سنة ثمانين ومائتين، فأوصلته الكتاب، فقرأه، ورحب بي، وسأل عن ابن خزيمة، ثم قال: يا فتى! متى قدمت؟ قلت: غدًا. قال: يا بني! فارجع اليوم، فإنك لم تقدم بعد، حتى تقدم غدًا. قال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: أتاني محمد بن الحسين السجزي، وكان قد كتب عن يزيد بن هارون، وجعفر بن عون، فقال: يا أبا سعيد! إنهم يجيئوني، فيسألوني أن أحدثهم، وأنا أخشى أن لا يسعني ردهم. قلت: ولم؟ قال: لقول النبي ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه، ألجم بلجام من نار» قال: إنما قال رسول الله ﷺ عن علم تعلمه، وأنت لا تعلمه. قال يعقوب القراب: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن أحد أجاب إلى خلق القرآن. قال: فتوفي قبل ذلك. قلت: من أجاب تقية، فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي. قلت: كان عثمان الدارمي جِذْعًا في أعين المبتدعة، وهو الذي قام على محمد بن كَرَّام، وطرده عن هراة، فيما قيل. قال عثمان بن سعيد: من لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، فهو مفلس في الحديث - يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ -.

стр. 13

وبلا ريب، أن من جمع علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليًا ونازلًا، وفهم عِلَلَهُ، فقد أحاط بشطر السنة النبوية، بل بأكثر من ذلك، وقد عدم في زماننا من ينهض بهذا، وببعضه، فنسأل الله المغفرة. وأيضا فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده، ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها، ويبين صحيحه من سقيمه، لكان يجئ مسنده في عشر مجلدات، وإنما شأن المحدث اليوم الاعتناء بالدواوين الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، وضبط متونها وأسانيدها، ثم لا ينتفع بذلك حتى يتقي ربه، ويدين بالحديث، فعلى علم الحديث وعلمائه ليبك من كان باكيًا، فقد عاد الإسلام المحض غريبًا كما بدأ، فليسع امرؤ في فكاك رقبته من النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ثم العلم ليس هو بكثرة الرواية، ولكنه نور يقذفه الله في القلب، وشرطه الاتباع، والفرار من الهوى والابتداع. وفقنا الله وإياكم لطاعته. قال المحدث يحيى بن أحمد بن زياد الهروي، صاحب ابن معين: رأيت في النوم كأن قائلا يقول: إن عثمان - يعني الدارمي - لذو حظ عظيم. وقال محمد بن المنذر شكر: سمعت أبا زرعة الرازي، وسألته عن عثمان بن سعيد، فقال: ذاك رُزِقَ حسن التصنيف.

стр. 14

وقال أبو الفضل الجارودي: كان عثمان بن سعيد إمامًا يُقْتَدَى به في حياته وبعد مماته. قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها. وبلغنا عن عثمان الدارمي، أنه قال له رجل كبير يحسده: ماذا أنت لولا العلم؟ فقال له: أردتَ شينًا فصار زينًا. أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو الوقت السجزي، أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري، حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، ويحيى بن عمار، ومحمد بن جبريل أملوه، وأخبرنا محمد بن عبد الرحمن، قالوا: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن محمد الواشقي هروي، أخبرنا عثمان بن سعيد الدارمي، أخبرنا يحيى الحماني، عن ابن نمير عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا ثم أدرك نبوتي لاتبعني» هذا حديث غريب، ومجالد ضعيف الحديث. ومن كلام عثمان في كتاب «النقض» له: اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته. قلت: أوضح شئ في هذا الباب قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].

стр. 15

فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال، وتأويلات المعتزلة ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. قال يعقوب بن إسحاق: سمعت عثمان بن سعيد يقول: ما خاض في هذا الباب أحد ممن يذكر إلا سقط، فذكر الكرابيسي فسقط حتى لا يذكر، وكان معنا رجل حافظ بصير، وكان سليمان بن حرب والمشايخ بالبصرة يكرمونه، وكان صاحبي ورفيقي - يعني فتكلم فيه - فسقط. وقال الحسن بن صاحب الشاشي: سألت أبا داود السجستاني عن عثمان بن سعيد، فقال: منه تعلمنا الحديث. قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس: توفي عثمان الدارمي في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين. وهكذا أَرَّخَه إسحاق القَرَّاب وغيره، وما رواه أبو عبد الله الضبي عن شيوخه، أنه مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فوهم ظاهر. أخبرنا عمر بن عبد المنعم قراءة، عن أبي القاسم بن الحرستاني، عن أبي نصر أحمد بن عمر الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن الأحنف، أخبرنا إسحاق بن يعقوب القراب، أخبرنا محمد بن الفضل المُزَكِّي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرام، حدثنا عثمان بن سعيد الحافظ، حدثنا عبد الله بن صالح، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن أبي عمران، عن أبي عَيَّاش بن أبي

стр. 16

مِهْران، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ». هذا حديث غريب جدًا، والمتن قد روي من وجوه، وهو في صحيح مسلم. قال الحاكم أبو عبد الله: والدارمي سجزي، سكن هراة، سمع: ابن أبي مريم، وأبا صالح بمصر، وابن أبي أويس بالحجاز، وسليمان بن حرب، ومحمد بن كثير، وأبا سلمة بالبصرة، وأبا غسان، وأحمد بن يونس بالكوفة، ويحيى بن صالح، والربيع بن روح، ويزيد بن عبد ربه بالشام. * * *

стр. 17

صور المخطوط

стр. 18

الصفحة الأولى من المجموع وعليها عنوان كتاب النقض، ويظهر عليها السماعات، وعلى اليسار الإشارة إلى وجود كتاب الرد على الجهمية ضمن المجموع.

стр. 19

صفحة العنوان

стр. 20

الصفحة الأولى من الكتاب

стр. 21

الصفحة الأخيرة

стр. 22

الرَّدُّ عَلى الجَهَمِّيَة تَصْنيفُ أبي سَعِيدٍ عُثمَانَ بن سعِيدٍ الدَّارمِيِّ المتوفى سنة ٢٨٠ هـ حَقَّقَهُ وضَبَطَ نَصَّهُ أَبوُ عَاصِم الشَّوَامِيّ الأَثرِي وبِذَيْلِهِ التَّخريجَاتُ العِلمِيَّة لِكتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّة تَصْنِيفُ أبي عَاصِمٍ الشَّوَامِيّ الأَثريِ

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رَبِّ يَسِّرْ وأَعِنْ بِرَحمَتِكَ أخبرنا أبو المكارِم عبدُ العظيمِ بن عبد اللطيف بن أبِي نصرٍ الشَّرابِي الأصبهاني في كتابه إلينا قال: أخبرتنا الشَّيْخةُ أمُّ الصُّبْحِ؛ ضَوءُ النِّسَاءِ بِنْتُ أبي الفتحِ عبدِ الرزَّاقِ بنِ مُحمَّدٍ بْنِ سَهلٍ الشَّرابي، بقراءتِي عليها في ربيع الثاني من سنة سبع وستين وخمسمائة، قالت: أخبرنا أبي؛ الإمامُ أبو الفَتْحِ عبدُ الرَّزَّاقِ، قِراءةً عليه في دَارِنا بِأصْبَهَانَ، في صَفَر سَنَةَ تِسعٍ وعِشْرِينَ وخَمْسِمَائة. قال: حدثنا الشيخُ الإمامُ نجمُ الخُطباءِ؛ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المُذَكِّر الهروي، المقيم بصع (١) قرية من قُرى هَرَاة، فيما قرأت عليه بها من أصل سماعه، بخط الحافظ أبي الفتحِ بن سَمْكَوَيْهِ، قلت له: أخبركم الشيخ الفقيه أبو رَوْحٍ ثابتُ بنُ محمدٍ الأزدي السعدي، في شهور سنة ست وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبِي؛ أبو محمدٍ مُحمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ الفَضْلِ قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم القُرَشِي، أنَّ الإمام أبا سعيد عثمان بن سعيد، حَدَّثَهُم قال: الحمدُ للهِ الذي له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ وما بينهُما وما تَحْتَ الثَّرَى عَالمِ الغَيبِ، لا يَعْزُبُ عنه مِثقَالَ ذَرَّةٍ في السماواتِ ولا في الأَرضِ، يَعْلَمُ سِرَّ خَلقِهِ وجَهْرَهُم، ويَعلَمُ ما يَكسِبُون، نَحْمَدُهُ بجميع محامدِه، ونَصِفُهُ بما وصَفَ به نفسَهُ، ووصَفَهُ بِه الرسولُ.

стр. 24

فهو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، قريبٌ مجيبٌ متكلمٌ قائلٌ، وشاءٍ مُريدٌ فَعَّالٌ لما يُرِيدُ، الأولُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيء، له الأمر مِنْ قَبْلُ ومِنْ بعد، وله الخَلْقُ والأَمْرُ، تبارك اللهُ ربُّ العَالمينَ، وله الأسماءُ الحُسْنَى، يُسبِّحُ له ما في السماواتِ والأرضِ وهو العزيز الحكيم، يَقْبِضُ ويَبْسُطُ، ويَتَكَلَّمُ، ويَرضَى ويَسْخَطُ ويَغْضَبُ، ويُحِبُّ ويَبْغَضُ ويَكْرَهُ، ويَضْحَكُ، ويَأْمُرُ ويَنْهَى، ذو الوجهِ الكريمِ، والسَّمعِ السَّمَيع، والبَصَرِ البَصِير، والكَلاَمِ المُبِينِ، واليَدَيْنِ والقَبْضَتَينِ، والقُدْرَةِ والسُّلْطَانِ، والعَظَمَةِ والعِلمِ الأَزَليِّ، لم يَزَلْ كذلك ولا يَزَال، استوى على عَرشِهِ فَبَانَ مِنْ خَلْقِهِ، لا تَخفَى عليه منهم خَافيةٌ، عِلْمُهُ بهم مُحيطٌ، وبَصَرُهُ فيهم نافِذٌ، ليس كمثله شيءٌ، وهو السَّمِيعُ البَصِير. فبهذا الربِّ نُؤمِنُ، وإيَّاه نَعْبُدُ، وله نُصلِّي ونَسْجُدُ، فَمَن قَصَدَ بعبادتِهِ إلى إلهٍ بخلافِ هذه الصفات؛ فإنما يَعبدُ غَيْرَ الله، وليس معبودُهُ بإله -كُفْرَانَهُ لا غُفْرانَهُ -. فَنَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسُوُلُه اصطفاهُ لِوَحْيِهِ وانْتَجَبَهُ لِرِسَالَتِهِ واخْتَارَهُ من خَلْقِهِ لخلْقِهِ، فَأَنْزَلَ عليْهِ كَلامَهُ المُبِين وكِتَابَه العزيز، الذي لا يأتيه البَاطِلُ مِنْ بَيْن يَدَيهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد، قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ يهدي للتي هي أقوم، ويبشر [المؤمنين] (١)، فيه نبأُ الأولين وخبرُ الآخرين، لا تنقضي عِبَرُهُ ولا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، غير مخلوق ولا منسوب إلى مخلوق، نزل به الروح الأمين على قلبك؛ لتكون من المنذرين، من لدن حكيم عليم. قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ [النمل:٦].

стр. 25

وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]، من قال به صدق ومن تمسك به هُدِي إلى صراط مستقيم. ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦] فقرأه كما أمر، دعا إليه سِرًّا وجَهرًا، فلما سمع المشركون آيات مُبَيِّنَاتٍ قالوا: ساحرٌ وكاهنٌ وشاعرٌ ومُعلَّمٌ ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٦ - ٧] و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] و ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ [الأنفال: ٣١] وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، إنما يعلمه بشر مخلوق بكلام مخلوق مختلق. فَكَذَّبَ اللهُ قولهَم، وأبطلَ دعواهَم؛ فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان:٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ [النحل:١٠٢] وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. ثم قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء:٨٨]. ثم نَدَبَهُم جميعًا إلى أن يَأْتُوا بِمِثْلِهِ تَخَرُّصًا وتَعلُّمًا من الخُطَبَاءِ والشُّعَرَاءِ

стр. 26

وغَيرِهِم إن كانوا صَادِقين، فقال ﵎: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣] وأتوا ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤]. فلم يَقْدَر الجنُّ والأنسُ عَربُها وعَجَمُها، من عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وعُلَماءِ أهلِ الكِتَابَيْنِ، أن يَأتُوا بِسُورَةٍ ولا بِبَعْضِ سُورَةٍ، ولَوْ عَلِمُوا أَنَّهم قادرونَ عليها؛ لَدَعَوْا شُهَدَاءَهُم إلى ذلك، وبَذَلُوا فيها الرَّغَائِبَ من الأموالِ وغَيرِهَا لخطبائهم وشعرائهم وأَحْبَارِهِم وأَسَاقِفَتِهِم وكَهَنَتِهِمْ وسَحَرَتِهِم؛ أن يأتوا بسورة مثلها تَصْدِيقًا لما ادَّعَوا من الزُّورِ تكذيبًا بمحمدٍ ﷺ . وأنَّى يأتي المخلوقُ بمثل كلام الخالق؟! وكيف يَقْدِرُ عليه؟! وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا، فلن تفعلوا إلى يوم القيامة، فكما أنه ليس كمثله شيء؛ فليس ككلامه كلام. فلم يزلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يدعو النَّاسَ إلى اللهِ وإِلى كتابه وكلامه سِرًّا وجَهْرًا، مُحْتَمِلاً لما نَالَهُ من أَذَاهُم صَابرًا عليه. حتَّى أظهره اللهُ وأعزَّهُ وأنزل عليه نَصرَهُ؛ فضربَ وجوهَ العَرَبِ والعَجَمِ بالسيوفِ؛ حتى ذَلُّوا ودَانُوا ودخلوا الإِسْلَامَ طَوْعًا وكَرْهًا، واستقاموا حَيَاتَهُ وبعدَ وفاتِهِ، لا يَجْتَرِئُ كافرٌ ولا منافقٌ مُتَعَوِّذٌ بالإسلام أن يُظهِرَ ما في نفسه من الكُفْرِ وإِنْكَارِ النُّبوَّةِ؛ فَرَقاً من السَّيف وتَخَوُّفاً من الافْتِضَاحِ، بَلْ كَانُوا يَتَقَلَّبُونَ مع المسلمين بِغَمٍّ، ويعيشون فيهم على رُغمٍ دَهْرًا

стр. 27

من الدَّهرِ وزَمَانًا مِنَ الزَّمَانِ، وكان أولُ من أَظْهَرَ شيئًا منه بعد كُفَّارِ قُريش؛ «الجَعْدُ بن دِرْهَم» (١) بالبَصْرةِ، و «جَهْمٌ» (٢) بخُرَاسَان؛ اقتداءً بكفار قريش، فَقَتَلَ اللهُ جَهْمًا شَرَّ قِتْلة. وأما الجعدُ فأخذه خالدٌ بن عبد الله القَسْرِي (٣)، فذبحه ذبحًا بواسط في يوم أضحى (٤) على رؤوس من شهد العيد معه من المسلمين، لا يَعِيبُهُ به عَائِبٌ، ولا يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله، وصَوَّبوه من رأيه (٥). (١) حدثناه القَاسِمُ بنُ محمد البَغْدَادِيُّ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمد بنِ حَبِيبِ بنِ أَبِي حَبيب، عن أَبِيِه، عن جَدِّهِ حَبيبِ بنِ أَبِي حَبِيبٍ، قال: ... «خَطَبَنا خَالدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ بِواسِط يوم أضحى (٦) فقال: أَيُّهَا النَّاسُ! ارجعوا فَضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ منَّا ومِنْكُم؛ فإنِّي مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إِنَّه زَعَمَ أنَّ اللهَ لم يتخذْ إبراهيمَ خَليلاً، ولم يُكَلِّم موسى تَكليمًا، وتعالى الله عما يقولُ الجَعْدُ بنُ دِرْهَم عُلوًّا كَبيرًا، ثم نَزَلَ فَذَبَحَهُ» (٧).

стр. 28

قال أبو سعيد: ثم لم يزالوا بعد ذلك مَقْمُوعِينَ أَذِلَّةً مدحورين حتَّى كان الآن بأخرة؛ حيثُ قَلَّتِ الفُقهاء وقُبِضَ العلماءُ، ودَعَا إلى البِدَعِ دُعاةُ الضَّلالِ؛ فَصَدَّ (١) ذَلِكَ طَمَعَ كلِّ مُتَعَوِّذٍ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأَنْبَاطِ العراق، وَوَجَدُوا فُرصَةً للكلام؛ فَجَدُّوا في هَدمِ الإسلام وتَعْطِيلِ ذِي الجلالِ والإكرام، وإِنْكارِ صِفَاتِهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ وإِبْطَالِ وَحْيِهِ؛ إِذْ وجَدُوا فُرصتَهُم وأَحَسُّوا من الرُّعَاعِ (٢) جَهلاً، ومِنَ العُلماءِ قِلَّةً؛ فَنَصَبُوا عِنْدَهَا الكُفرَ للناس إِمامًا بِدَعْوَتِهم إليه، وأظهروا لهم أُغْلُوطَات من المسائل وعَمَايَات من الكلام، يُغالِطون بها أهلَ الإسلام؛ ليُوقِعُوا في قلوبهم الشك ويلبسوا عليهم أمرَهم ويُشَكِّكُوهُم في خَالِقِهم، مقتدين بأئمتهم الأقدمين الذين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥] و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].

стр. 29

فحين رَأَيْنَا ذلك منهم، وفَطِنَّا لمذهبهم وما يقصدون إليه من الكفر وإِبْطَالِ الكُتُبِ والرُّسُلِ، ونَفْيِ الكلامِ والعِلْمِ والأَمْرِ عن الله تعالى؛ رَأَيْنَا أن نُبَيِّنَ من مذاهبهم رُسُومًا من الكتاب والسنة، وكلام العلماء ما يَسْتَدِلُّ به أهلُ الغَفْلَةِ من النَّاسِ على سُوءِ مَذْهَبِهِم؛ فَيَحْذَرُوهُم على أنفسهم وعلى أولادهم وأهليهم، ويجتهدوا في الرَّدِّ عليهم؛ محتسبين مُنَافِحِينَ عن دين الله تعالى، طالبين به ما عند الله. وقد كان من مَضَى مِنَ السَّلَفِ يكرهون الخَوْضَ في هذا وما أشبهه، وقد كانوا رُزِقُوا العافية منهم، وابْتُلِينَا بهم، عند دُرُوسِ الإِسلامِ وذَهَابِ العُلماءِ؛ فلم نَجِدْ بُدًّا من أَنْ نَرُدَّ ما أَتَوْا به من البَاطِلِ بالحَقِّ، وقَدْ كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتَخَوَّفُ ما أشبه هذا على أمته، ويحذرها إياهم، ثم الصحابة بعده والتابعون؛ مَخَافَةَ أن يَتَكَلَّمُوا في الله وفي القرآن بأهوائهم؛ فَيَضِلُّوا، ويَتَمَارَوْا به على جَهْلٍ؛ فَيَكْفُرُوا. فإن رسول الله ﷺ قد قال: «المِراءُ في القُرآنِ؛ كُفْرٌ» (١). وحتَّى أَنَّ بَعْضَهُم كانوا يَتَّقُونَ تَفْسِيرَهُ؛ لأن القَائِلَ فيه إنما يقول على الله. قال أَبو بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵁: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وأَيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلتُ في كلام الله ما لا أعلم (٢). وسُئِل عَبِيدَةُ السَّلْمَاني عن شيءٍ من تَفْسِيرِ القرآنِ فقال: اتَّقِ اللهَ،

стр. 30

وعَليْكَ بالسَّدَادِ؛ فَقَد ذَهَب الذين كَانُوا يَعْلَمُونَ فيما أُنْزِل القرآن (١). فهذا الصِّدِّيقُ خَيرُ هذه الأمة بعد نبيها، والخَلِيفةُ بعده، قد شَهِدَ التنزيل، وعاين الرسول، وعلم فيما أُنزِل القرآن -إلا ما شاء الله- يَتَوقَّى أن يقول في القرآن؛ مخافة أن لا يصيب ما عنى الله؛ فيهلك. ثم عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيّ بَعْدَهُ، وكان من كِبَار التَّابعين. فكيف بهؤلاء المنْسَلِخِينَ من الدِّينِ والعِلم، الذين يَنْقُضُونَهُ نَقْضًا ويُفَسِّرُونَه بأهوائِهم خِلاَفَ ما عَنَى اللهُ، وخِلاَفَ ما تَحْتَمِلُه لُغَاتُ العَرَبِ، ولقد قال بعضُ أهلِ العِلم: لا تهلك هذه الأمة حتى تظهر فيهم الزَّنْدَقَة ويتكلَّمُوا في الربِّ ﵎. (٢) حدثناه سُوَيْدُ بنُ سَعَيدٍ الأَنْبَاريُّ، حَدثنا خَلَفُ بنُ خَلِيفَة، عن الحجَّاجِ بن دِينَارٍ، عن مَنْصُور بن المُعْتَمِر، قال: «مَا هَلَكَ دِينٌ قَطُّ حَتَّى تَخَلَّفَ المَنَانِيَّة، قُلتُ: وما المنانية؟ قال: الزَّنَادِقَةُ» (٢). (٣) وحدثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ العَبْدِيُّ، أخبرنا سُفْيَانُ يعنِي الثَّوْرِيُّ، عن سَالِمِ يعنِى ابن أَبِي حَفْصَةَ، عن أَبِي يَعْلَى، عن محمد بن الحَنَفِيَّةَ ﵁، قال: «لا تَنْقَضِي الدُّنيَا حَتَّى تَكُونَ خُصُومَتُهُم في رَبهِم» (٣).

стр. 31

(٤) وحدثناه يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، حدثنا عمرُو بنُ ثَابِت، عن سالم ابن أبي حَفْصَةَ، قال أبو سعيد: وأَحْسَبُهُ عنْ أَبِي يَعْلَى مُنْذِرِ الثَوْرِيِّ، عن محمد بن الحنفية قال: «إِنَّما تَهْلَكُ هذه الأُمَّةُ إِذَا تَكَلَّمَتْ في رَبِّها» (١). (٥) حدثنا الحَسنُ بنُ الصبَّاح البَزَّارُ، حدثنا عَلِيُّ بنُ الحسنِ بن شَقِيقٍ، عن ابن المباركِ، قال: «لأَنْ أَحْكِي كَلامَ اليهودِ والنَّصَارى، أحب إلَيَّ مِنْ أن أَحْكِي كلامَ الجهمية» (٢). (٦) حدثنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ، حدثنا أَبو عَوَانَةَ، عن عُمَرَ بنَ أَبِي سَلمة، عَن أَبِيِه، عن أَبِي هُريرةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَزَالونَ يَسْأَلونَ حَتَّى يُقَالَ لأَحَدِكُم هذا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ- ﵎». قال أبو هريرة: وإِنِّي لجالسٌ ذات يومٍ، إذ قال رجلٌ من أهل العراق: يا أبا هريرة! هذا الله خلقنا، فمن خلق الله ﵎؟ قال أبو هريرة: فَوَضعتُ إِصْبَعِي في أُذُنِي، وصَرَخْتُ، صدق الله ورسوله؛ اللهُ الواحدُ الأحدُ، الصَّمَدُ، لم يَلِدْ ولم يُولَد، ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٣). (٧) وحدثناه يَحيى بنُ بُكَيْرٍ المِصْرِيُّ، حدثنا الليث -يعني ابن سعد-، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروةُ بنُ الزُّبَير؛ أنَّ أبا هريرة قال:

стр. 32

قال رسول الله ﷺ : «يَأتِي الشَّيطَانُ العبدَ فيقولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وكذَا؟ حتَّى يقول لهُ: مَنْ خلق رَبَّكَ؟ فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ» (١). (٨) حدثنا عليُّ بنُ المَدِينِيِّ، حدثنا سُفْيَانُ، عن هِشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتِي الشَّيطانُ أَحَدَكُم فيقول من، [....] (٢) فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُل: آمَنَّا بالله» (٣). (٩) حدثني أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حدثنا محمدُ (٤) بنُ مُيَسَّر أبو سعد، حدثنا أبو جعفر الرَّازِي، عن الرَّبِيع بن أنس، عن أبي العَالِيَة، عن أُبَيٍّ بنِ كَعْبٍ؛ أنَّ المُشركِينَ قالوا: يا رسول الله! انسب لَنا رَبَّك، قال: «فَأَنْزَلَ الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]،قال: فَالصَّمَدُ؛ الذِي لم يَلِدْ ولم يُولَد؛ لأنه لَيسَ شَيءٌ يُولَد، إِلا سَيَمُوت، وليس شَيءٌ

стр. 33

يموت [إلا] (١) سَيُوَرَّث، وإِنَّ الله لا يَمُوت، ولا يُورَّث ولم يكن له كُفُوًا أحد، قال: لم يكن له شِبْهٌ ولا عِدْلٌ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (٢). (١٠) حدثنا مُوسى بنُ إِسمَاعيلَ، حدثنا أَبُو هِلال -وهو الراسبي-، قال: حدثنا رَجُلٌ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ قال للحَسَن: هَل تَصِفُ رَبَّك؟ قال نعم بِغَيْرِ مِثَالٍ (٣). (١١) حدثنا أبو سَلَمةَ [] (٤)، عبد الواحد -يَعنِي ابن زياد-، حدثنا سَالمٌ يَعنِي ابنُ أَبِي حَفْصَةَ، حدثنا مُنْذِرٌ أبو يَعْلَى الثَّوري قال: قال محمدُ بنُ الحَنَفِيَّةَ: «إن قومًا ممن كانوا قَبْلَكُم؛ أُوتُوا عِلْمًا كانوا يَكْتَفُون (٥) فيه، فسألوا عَمَّا فَوْقَ السَّماءِ ومَا تَحْتَ الأرضِ؛ فَتَاهُوا، كان أَحَدُهُم إذا دُعِي من بين يَدَيْهِ أَجَاب مِنْ خَلْفِهِ، وإذا دُعِي مِنْ خَلفِهِ أجاب من بين يديه» (٦).

стр. 34

قال أبو سعيد: ولولا مخافةُ هذه الأحاديث وما يُشْبِهُهَا؛ لحَكَيتُ مِنْ قُبْحِ كلامِ هؤلاء المُعَطِّلة، وما يرجعون إليه من الكفر، حكايات كثيرة؛ يتبين بها عَوْرَةُ كلامِهِم، وتكشف عن كثير من سوءاتهم، ولكِنَّا نتخوف من هذه الأحاديث، ونخاف أن لا تحتمله قلوبُ ضعفاءِ النَّاسِ؛ فَنُوقِعُ فيها بَعضَ الشَّك والرِّيبة. لأن ابنَ المباركِ قال: لأن أحكي كلامَ اليهودِ والنَّصَارى أحب إليَّ من أن أحكي كلام الجهمية. وصدق ابن المبارك، إن من كلامهم في تعطيل صفات الله تعالى ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى، غير أَنَّا نختصر من ذلك [ما] (١) نستدل به على الكثير، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 35

بَابُ الإِيمَانِ بِالْعَرْشِ وَهُوَ أَحَدُ مَا أَنْكَرَتْهُ المُعَطِّلَةُ قال أبو سعيد: وما ظَنَنَّا أنَّا نَضطرُّ إلى الاحتجاج على أحد ممن يَدَّعِي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابْتُلِينَا بهذه العِصَابة المُلحِدة في آيات الله؛ فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأُمَمُ قبلنا، وإلى الله نشكو ما أَوْهَبَ (١) هذه العصابة من عُرَى الإسلام، وإليه نلجأُ، وبه نستعين. وقد حَقَّقَ اللهُ العرشَ في آَيٍ كثيرةٍ مِنَ القرآنِ؛ فقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩] ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، في آي كثيرة سِوَاها. فادَّعت هذه العِصَابة أنهم يؤمنون بالعرش، ويُقِرُّون به؛ لأنه مذكور في القرآن، فقلت لبعضهم ما إيمانكم به إلا كإيمان ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وكالذين ﴿إِذَاَ لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤] أَتُقِرون أَنَّ للهِ عَرشًا مَعْلُومًا مَوْصُوفًا فَوقَ السَّماءِ السَّابِعَة تحمله الملائكة، والله فوق؛ كما وصف نفسه، بَائِنٌ من خلقه؟ فأبى أن يُقِرَّ به كذلك، وتَرَدَّدَ في

стр. 36

الجَوابِ، وخَلَّطَ، ولم يُصَرِّحْ. قال أبو سعيد: فقال لي زعيمٌ منهم كبير: لا، ولكن لمَّا خلق الله الخلق ... - يعني السموات والأرض وما فيهن- سَمَّى ذلك كُلَّه عرشًا له، واستوى على جميع ذلك كُلِّه. قلت: لم تَدَّعوا من إنكار العرش والتكذيب به غاية، وقد أحاطت بكم الحجج من حيث لا تدرون، وهو تصديق ما قلنا، إن إِيمانَكم به؛ كإيمان ... ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] فقد كَذَّبَكم الله تعالى به في كتابه، وكذَّبكم به الرسول ﷺ ، أرأيتم قولكم؛ إن عَرشَه سماواتُهُ وأرضُهُ وجميعُ خَلقِهِ، فما تفسيرُ قولِهِ عندكم ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧]؟ أَحَمَلةُ عرشِ الله أَمْ حملةُ خلقِهِ؟ وقوله ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧] أيحملون السموات والأرض ومن فيهن أم عرش الرحمن؟ فإنَّكم إِنْ (قَدْ تَم قَوْلُكُمْ قَولاً) (١)؛ هذا يُلزِمْكُم أن تقولوا: عَرشُ رَبِّكَ خَلْقُ رَبِّكَ أَجْمَع، وتُبطلون العرشَ الذي هو العرش، وهذا تفسيرٌ لا يَشُكُّ أَحَدٌ في بُطُولِهِ واستحالته، وتكذيب بعرش الرحمن ﵎. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وقال رسول الله ﷺ «كان الله ولم يكن شيء وكان عرشه على الماء». ففي قول الله تعالى، وحديثِ رسولِ الله ﷺ ؛ دَلالةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ العَرشَ كان مخلوقًا على الماء، إِذْ لَا أَرْضٌ ولا سَمَاءٌ.

стр. 37

فلم تغالطون الناس بما أنتم له منكرون؟ ولكنَّكُم تُقِرُّون بالعرش بألسنتكم؛ تَحَرُّزًا من إكفار الناس إياكم بنص التنزيل؛ فَتُضْرَبُ عَليهِ رِقَابُكُم، وعند أنفسكم أنتم به جاحدون، ولَعَمْرِي لئن كان أهلُ الجهلِ في شكٍ من أمركم؛ إنَّ أَهلَ العِلمِ مِنْ أَمْرِكُم لَعَلَى [يقين] (١)،أو كَما قُلْتُ لَهُم زَادَ أو نَقَصَ. (١٢) حدثنا محمدُ بنُ كَثير، أخبرنا سُفيانُ وهو الثَّوْرِي، عن جَامِعِ بنِ شَدَّاد، عن صَفْوانَ بنِ محرز، عن عِمْرَانَ بنِ حُصَيْن ? قال: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تميمٍ إِلى رسول الله ﷺ فقال: «يا بَنِي تميم! ابْشِرُوا، قالوا: قَدْ بشرتنا فأعطنا، قال فتغيَّر وجهُ رسولِ الله ﷺ ، فَجَاءَهُ أهلُ اليَمَنِ، فقال لأهل اليمن: يا أهل اليمن! اقبلوا البُشْرَى إِذْ لم يَقْبَلْهَا بَنُو تميم، قالوا: قد قبلنا، فأخذ رسول الله ﷺ يُحدِّث بِبُدُوِّ الخلق، والعَرْشِ، قَال: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَال يا عمران! رَاحِلَتُكَ، قال: فَقُمْتُ، ولَيْتَنِي لم أَقُمْ» (٢). (١٣) وحدثنا محبوبُ بنُ مُوسى الأَنْطَاكِي، أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عن الأَعْمَشِ، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحْرِز، عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قال أتيت رسول الله ﷺ فَعَقَلتُ ناقتي بالباب، ثم دخلت فأتاه نفرٌ من بني تميم، فقال: «اقبلوا البُشْرَى [يا بَنِي تَمِيم! قالوا قد بَشَّرتَنَا فَأَعطِنا مرتين، ثم دَخَل عليه نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقالَ اقْبَلُوا البُشْرَى] (٣) يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها

стр. 38

إِخْوَانُكُم بَنُو تميم، قالوا: قَبِلْنَا يا رسولَ الله، أَتَيْنَاكَ لِنَتَفَقَّه في الدِّينِ، ونَسْأَلَك عن أَوَّلِ هَذَا الأَمرِ حَيْثُ كَان، قال: كانَ اللهُ لم يَكُنْ شَيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذِّكْرِ كلَّ شيء، ثم خلق السماواتِ والأرضَ»، قال ثم أتاني رجلٌ فقال: أدرك ناقتك؛ فقد ذهبت، فخرجت فوجدتها قد يقطع دونها السراب، وأيم الله لوددت أني تركتها (١). قال أبو سعيد: فَفِي هذا بَيَانٌ بَيِّنٌ أن الله تعالى خَلَق العرشَ قَبل السماوات والأرض وما فيهن، وتكذيب لما ادَّعوا من الباطل. (١٤) وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ (٢)،حدثنا بِشْرُ بنُ نُمَيْرٍ، عن القَاسِم، عن أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «خَلق الله الخَلْقَ، وقضى القَضِيَّةَ، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، وأَخَذَ أهلَ اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى، وكلتا يَدِي الرحمنِ يمين، ثم قال يا أصحاب اليمين! قالوا لبيك ربنا وسعديك، قال ألست بربكم؟ قالوا بلى، ثم قال يا أصحاب الشمال! قالوا لبيك ربنا وسعديك، قال ألست بربكم؟ قالوا بلى، قال فخلط بَعضَهُم ببعضٍ، فقال قائل: ربِّ لمَ خلطت بيننا؟ قال ﴿لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ [المؤمنون: ٦٣]

стр. 39

إلى (١) قولهِ ﴿كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ثم رَدَّهُم في صُلْبِ آدم قال وقال رسول الله ﷺ : خلق الله الخَلْق وقَضَى القَضية وأخذَ ميثاقَ النبيينَ، وعرشه على الماء، وأهل الجنة أَهْلُهَا، وأهل النارِ أَهْلُهَا، قال فقال قائلٌ: يا نَبيَّ اللهِ! ففيم العمل؟ قال: أن يَعْمَلَ كلُّ قَومٍ لمنزلَتِهم، فقال عمر: إذا نجتهد. قال: وسُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عن الأعمال، فقيل يا رسول الله! أَرَأَيْتَ الأَعْمالَ، أَشَيءٌ يُؤْتَنَفُ، أو فُرِغَ منها؟ قال: بَل فُرِغَ مِنْهَا» (٢). (١٥) حدثنا يَحيَى الحِمَّانِيُّ، ويحيَى بنُ صَالحٍ الوُحَاظِيُّ قالا: حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد الدَّرَاوَرْدِيُّ، حدثنا زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنةِ مائةُ دَرَجةٍ، ما بَيْنَ كلِّ درجتين، كما بين السَّماءِ والأرضِ، والفِرْدَوسُ أعلى الجنةِ وأَوْسَطُها وفَوْقُهَا عرشُ الرَّحمنِ، ومِنها تُفَجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ، فإذا سألتُم اللهَ؛ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ» (٣).

стр. 40

(١٦) حدثنا مُحَمدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيَانُ وهو الثَّوْرِيُّ، حدثنا أبو هَاشِمٍ، عن مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: «إن [اللهَ] (١) كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخلُقَ شيئًا، فكان أولَ ما خَلَقَ اللهُ؛ القَلَمَ، فأمره وكَتَبَ مَا هو كَائِنٌ، وإِنَّما يَجْرِي النَّاسُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» (٢). (١٧) حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صَالِحٍ المِصْرِيُّ، قال حدثني ابنُ لَهِيعَةَ ورِشْدِينَ بنِ سَعْدٍ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو قال: «لما أرادَ اللهُ ﵎ أن يَخْلُقَ شيئًا إذْ كان عرشُهُ على الماء، وإذ لا أرضَ ولا سماءَ؛ خَلَقَ الرِّيحَ فَسلَّطها على [الماء] (٣) حتى اضطربت أمواجُهُ وأثار رُكَامَه؛ فأخرج من الماء دُخَانًا وطِينًا وزَبَدًا، فأمرَ الدُّخَانَ فَعَلاَ وسَمَا وَنَمَا؛ فخلق منه السماواتِ،
следующие страницы →