Полный текст (354 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨] أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى: عَالِمًا بِالأَصْوَاتِ عَالمًا بِالْأَلوانِ، لَا يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، ثُمَّ قُلْتَ: وَلم يجِئ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، ويُبْصِرُ بِبَصَرٍ، ولكنكم قَضَيْتُمْ عَلَى الله بِالمَعْنَى الَّذِي وَجَدْتُمُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ: أَمَّا دَعْوَاكَ عَلَيْنَا أَنَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِالمَعْنَى الَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي أَنْفُسِنَا، فَهَذَا لَا يَقْضِي بِهِ إِلَّا مَنْ هُوَ ضَالٌّ مِثْلُكَ. غَيْرَ أَنَّ الله -تَبَارَكَ اسْمُهُ- أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ [١٥/و] يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، وَاتَّصَلَتْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِذَلِكَ أَخْبَارٌ مُتَّصِلَةٌ، فَإِنْ حَرَمَكَ اللهُ مَعْرِفَتَهَا فَمَا ذَنْبُنَا؟!
قَالَ الله تَعَالَى لِمُوسَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]، وَقَالَ: ﴿وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]، ثمَّ ذكر رَسُولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»، وَالعَوَرُ عِنْدَ النَّاسِ ضِدُّ البَصَرِ، وَالأَعْوَرُ عِنْدَهُمْ ضِدُّ البَصِيرِ بِالعَيْنَيْنِ.
وَرَوَيْتَ أَنْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُحْتَجًّا لِمَذْهَبِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا»، فَالصَّمَمُ ضِدُّ السَّمْعِ الَّذِي هُوَ السَّمْعُ عِنْدَ النَّاسِ. وَهَذَا مِمَّا رَوَيْتَهُ وَثَبَتَّهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَحِيحًا فِي بَعْضِ دَعْوَاكَ بِهِ.
فَفِيمَا ذَكَرْنَا عَنِ الله وَعَنْ رَسُولِهِ بَيَانٌ أَنَّ السَّمْعَ غَيْرُ البَصَرِ، وَأَنَّ البَصَرَ غَيْرُ السَّمْعِ، وَأَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، غَيْرَ مُكَيَّفٍ وَلَا مُمَثَّلٍ.
وَمِمَّا يَزِيدُكَ بَيَانًا: قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ، خَلِيلِ اللهِ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ- حِينَ قَالَ لِأَبِيهِ ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢]، يَعْنِي إِبْرَاهِيمُ أَنَّ إِلَهَهُ بِخِلَافِ الصَّنَمِ، يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا أَوَّلْتَ أَيُّهَا
стр. 107
المَرِيسِيُّ لَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ: فَإِلَهُكَ أَيْضًا لَا يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَلَا يُبْصِرُ بِبَصَرٍ.
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَصْنَامِ العَرَبِ: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، يَعْنِي: أَنَّ اللهَ بِخِلَافِهِمْ، لَهُ يَدٌ يَبْطشُ بهَا، وَعَيْنٌ يُبْصِرُ بِهَا، وَسَمْعٌ يَسْمَعُ بِهِ.
وَادَّعَيْتَ أَيْضًا أَنَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الله يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، فَقَدِ ادَّعَيْنَا أَنَّ بَعْضَهُ عَاجِزٌ، وَبَعضَهُ قَوِيٌّ، وَبَعْضَهُ تَامٌّ، وبَضْعَهُ نَاقِصٌ، وَبَعْضَهُ مُضْطَرٌّ، فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ ...
أَيُّهَا المَرِيسِيُّ! لَا يَجُوزُ هَذَا القِيَاسُ فِي صِفَةِ كَلْبٍ مِنَ الكِلَابِ؟ فَكَيْفَ فِي صِفَةِ رَبِّ العَالَمِينَ؟ بَلْ حَرَامٌ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَحَرَامٌ عَلَى المُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ فِيهِ وَالعَجَبُ مِنْ قَائِلِهِ، كَيْفَ لَمْ يَخْسِفِ الله بِهِ؟
غَيْرَ أَنَّ الله حَلِيمٌ ذُو أَنَاةٍ، وحَلِمَ عَمَّن قَالَ: ﴿اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وَعَمَّنْ قَالَ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، وَعَمَّنْ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] وَمَنْ قَالَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَكَذِلَكَ حَلِمَ عَنْ هَذَا المَرِيسِيِّ، إِذْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِ وَلَمْ يُعْجِزْهُ هَرَبًا.
وَيْلَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ! إِنَّا لَا نَدَّعِي فِيهِ هَذِهِ الخُرَافَاتِ الَّتِي احْتَجَجْتَ بِهَا مِمَّا لَيْسَ لِمِثْلِهَا جَوَابٌ، وَنُجِلُّهُ أَنْ نَلْفظَ فِي صِفَاتِهِ بِهَذِهِ الخُرَافَاتِ، غَيْرَ أَنَّا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنَّهُ ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥] و ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]، فَفَرَّقَ بَيْنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، فَأَخَذْنَا عنَ اللهِ، وَرَدَدْنَا عَلَيْكَ جَهْلَكَ وَخُرَافَاتِكَ.
أَوَ لَمْ تَقُلْ أَيُهَّا المَرِيسِيُّ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي صِفَاتِ الله بِمَا يَعْرِفُ
стр. 108
مَعْنَاهُ فِي نَفْسِهِ، فَكَيْفَ نَسَبْتَ اللهَ إِلَى العَجْزِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ عَلَى المَعْنَى الَّذِي تَعْرِفُهُ مِنْ نَفْسِكَ؟ ثُمَّ قُلْتَ: فَكَمَا أَنَّكَ بِأَحَدِهِمَا مُضْطَرٌّ إِلَى الآخَرِ كَذَلِكَ الله -فِيمَا، [١٥/ظ] ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا- مُضْطَرٌّ إِلَى الآخَرِ فَشَبَّهْتَ الله فِي مَذْهَبِكَ بِالإِنْسَانِ المُجَدَّع المَنْقُوص.
أَو لم تَسْمَعْ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ قَوْلَ الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَكَمَا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَيْسَ كَسَمْعِهِ سَمْعٌ، وَلَا كَبَصَرِهِ بَصَرٌ، وَلَا لَهُمَا عِنْدَ الخَلْقِ قِيَاسٌ، وَلَا مِثَالٌ، وَلَا شَبِيهٌ، فَكَيْفَ تَقِيسُهُمَا أَنْتَ بِشَبَهِ مَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ عِبْتَه عَلَى غَيْرك؟
وَأَمَّا دَعْوَاكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]: أَنَّهُ يُدْرِكُ الأَصْوَاتَ، وَيَعْلَمُ الألوان.
فَقَدْ فَهِمْنَا بِحَمْدِ الله مَعْنَى كُفْرِ مَا تَقْصِدُهُ بِهِ إِلَيْهِ. فَلَا يَجُوزُ لَكَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ أُغْلُوطَةٌ -إِنْ شَاءَ الله-: يَعْنِي أَنَّ إِلَهَكَ مُهْملٌ شَبَحٌ هَوَاءٌ قَائِمٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يُوصَفُ بِسَمْعٍ، وَلَا بَصَرٍ، وَلَا عِلْمٍ, وَلَا كَلَامٍ، وَلَا وَجْهٍ، وَلَا يَدٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَا حَدٍّ، فَالسَّمْعُ عِنْدَكَ مِنْهُ بَصَرٌ، وَالبَصَرُ مِنْهُ سَمْعٌ، وَالوَجْهُ ظَهْرٌ، وَالأَعْلَى مِنْهُ أَسْفَلُ، وَالأَسْفَلُ مِنْهُ أَعْلَى، يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ -بِزَعْمِكَ- أَنَّهُ يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ وَلَا يَفْهَمُهُ؛ كَمَا يَبْلُغُ الجِبَالَ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا أَسْمَاعٌ وَلَا تَفْقَهُهُ، وَيَعْرِفُ الألوان بِالتَّرَائِي وَالمُشَاهَدَةِ، لَا أَنَّ لَهُ سَمْعًا يَسْمَعُ بِهِ فَيَفْقَهُهُ، وَلَا لَهُ بَصَرٌ يُبْصِرُ بِهِ فَيَرَاهُ وَيَعْرِفُهُ، كَمَا يُقَالُ لِلدُّورِ وَالقُصُورِ: يَرَى بَعْضُهَا بَعْضًا، أَيْ يَتَرَائَيا وَلَيْسَتْ لَهَا أَبْصَارٌ، وَالجِبَالُ: يَنْظُرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِلَا بَصَرٍ، فَكَمَا يُقَال: «ذهب فُلَانٌ بَيْنَ سَمْعِ الأَرْضِ وَبَصَرِهَا» مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْأَرْضِ سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ، هُوَ السَّمْعُ وَالبَصَرُ، فَوَصَفْتَ رَبَّكَ بِمَا وَصَفَ الله بِهِ الأَصْنَامَ، مَا تَقُولُ؟! ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ [الأعراف: ١٩٨]، كَمَا قَالَ لِلَّذِينَ
стр. 109
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] وَلَوْ كَانَ مَعْنَى السَّمْعِ وَالبَصَرِ: إِدْرَاكَ الأَصْوَاتِ وَتَرَائِيَ الأَجْسَامِ لَكَانَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الأَصْنَامَ كَمَا يُدْرِكُ اللهَ -فِي دَعْوَاكُمْ-، وَلَكِن مَا وَصَفْتَ أَيُّهَا
المَرِيسِيُّ صِفَةُ الأَصْنَامِ لَا صِفَةُ الله تعالى, فَإِلَى مثل هَذَا المَعْنَى تَقْصِدُ فِي سَمْعِ الله وَبَصَرِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَاهُ مِنْ بَعْضِ خُطَبَائِكُمْ يُغَالِطُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَجِ أَنْبَاطَ كُوثَى، أَوْ أَبْطَاطَا، أَوْ يَهُودَ الحِيرَةِ؛ أهلَ مِلَّة أَبِيك، وجِيرَانَه.
(٥٥) فَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ: إِنَّهُ رَأَى أَبَاكَ يَهُودِيًّا صَابِغًا بِالحِيرَةِ (١).
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِالسَّمْعِ الَّذِي هُوَ السَّمْعُ، وَالبَصَرُ الَّذِي هُوَ البَصَر، ومَيَّزَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى العَجْزِ، فَمَا ظَنَنَّا أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّهُ يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّ العَاجِز الضَّعِيف المُضْطَر المُحْتَاج الَّذِي لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ حَتَّى ادَّعَيْتَ أَنْتَ عَلَى جَهْلٍ مِنْكَ، وَمَا يَدْعُوكَ إِلَى ذِكْرِ العَاجْزِ (٢) وَالقُوَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ خُرَافَاتِكَ؟
صِفْهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، إِنَّهُ القَوِيُّ المَتِينُ الغَنِيُّ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَجَمِيعِ الذَّوَاتِ وَعَلَى كُلِّ الحَالَاتِ، وَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، المُتَعَالِي عَمَّا نَسَبْتَهُ إِلَيْهِ، قَاتَلَكَ الله! مَا أَكْفَرَكَ! وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ بِكُفْرِكَ قَدِيمًا، [١٦/و] وَحُكِيَ لِي بَعْضُهُ عَنْكَ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَعْتَقِدُ مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ كُلَّمَا رَوَى عَنْكَ المُعَارِضُ. стр. 110
قُلْنَا وَمَا إِخَالُه يَعْقِلُ معَاني كَلَامِكَ، وَمَا يُؤَدِّيكَ إِلَى صَرِيحِ الكُفْرِ فَإِنْ هُوَ عَقِلَهُ وَاعْتَقَدَهُ فَهُوَ مِثْلُكَ، إِذْ يَعْتَقِدُهُ ثُمَّ يَبُثُّهُ وَيَنْشُرُهُ لِلْعَوَامِّ، إِذْ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ تَجْتَرِئُ أَنْ تَنْشُرَهُ فِي بَلَدِكَ لِلْأَنَامِ إِلَّا مُنَاجَاةً بَيْنك وَبَين جَهَلَةٍ طِغَامٍ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الله يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ. فَسَنَرْوِي لَكَ فِيهِ مَا قَدْ غَضِبْتَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ الله.
(٥٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ تَمِيمِ بن سَلمَة، عَن عُرْوَة قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «الحَمْدُ لله الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ كُلَّهَا، إِنَّ خَوْلَةَ جَاءَتْ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَيَخْفَى عَلَيَّ أَحْيَانًا بَعْضُ مَا تَقُولُ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]» (١).
(٥٧) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَزِيدَ المَدَنِيَّ قَالَ: «لَقِيَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ يُقَالُ لَهَا خَوْلَة ابنة ثَعْلَبَة، فَقَالَ عُمَرُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ سَمِعَ الله شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» (٢). стр. 111
(٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، ثَنَا أبو عَبْدِ الرَّحْمَن المُقْرِي، ثَنَا حَرْمَلَةُ بنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَرَأَ رَسُولِ الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨] (١) فَوضَعَ أُصْبُعَه الدَّعَّاء عَلَى عَيْنَيْهِ، وإِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ» (٢).
(٥٩) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ابْنُ المُبَارك، أبنا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شُرُفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادي إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ:
«أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (٣). стр. 112
أَفَلَا تَرَى أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ الأَصَمَّ وَالسَّمِيعَ وَهُمَا مُتَضَادَّانِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الله سَمِيعٌ بِخِلَافِ الأَصَمِّ.
(٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أَبَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ إِذْ جَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَتَحَدَّثُوا الحَدِيثَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَى الله يَسْمَعُ مَا قُلْنَاهُ؟ فَقَالَ أحدهما: يَسْمَعُ إِذَا رَفَعْنَا، ولا يَسْمَعُ إِذَا خَفَضْنَا. فقال الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا رَفَعْنَا إِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا خَفَضْنَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣]» (١). стр. 113
(٦١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ المِصْرِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ دَرَّاجٍ، [١٦/ظ] قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَر، عَنْ أبي هُرَيْرَة أَو أَحدهمَا، عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ:
«إِذَا كَانَ يَوْمٌ حَارٌّ، أَلْقَى اللهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مَا أَشَدَّ حَرَّ هَذَا اليَوْمِ، الَّلهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، قَالَ اللهُ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِيَ اسْتَجَارَنِي مِنْ حَرِّكِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكِ فَقَدْ أَجَرْتُهُ مِنْكِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمٌ شَدِيدُ البَرْدِ أَلْقَى اللهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، مَا أَشَدَّ بَرْدَ هَذَا اليَوْمِ، الَّلهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ زَمْهَرِير جَهَنَّمَ، قَالَ اللهُ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِيَ اسْتَجَارَنِي مِنْ زَمْهَرِيركِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكِ أَنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، قَالُوا: وَمَا زَمْهَرِيرُ جَهَنَّمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: بَيْتٌ يُلْقَى فِيهِ الكُفَّارُ، يَتَمَيَّزُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهِ بَعْضُهُ مِنْ بَعْض» (١).
(٦٢) قُلْتُ لِأَبِي اليَمَانِ: أَخْبَرَكَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ ﵄: قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِي النَّاس، فَأثْنى على الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ:
«إِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُنَّ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (٢). стр. 114
فَأَخْبَرَنِي أَبُو اليَمَانِ، أَنَّ شُعَيْبًا أَخْبَرَهُ بِهِ.
فَفِي تَأْوِيل قول رَسُولِ الله ﷺ : «إِنَّ الله لَيْسَ بِأَعْوَرَ» بَيَانٌ أَنَّهُ بَصِيرٌ ذُو عَيْنَيْنِ خلاف الأَعْوَر.
(٦٣) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله، أَنَّ الدَّجَّالَ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
«أَلَا إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبةٌ طَافِيَةٌ» (١).
(٦٤) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ:
«أَعْوَرٌ جَعْدٌ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» (٢).
(٦٥) حَدثنَا عَليُّ بْنُ الجَعْد، أَبَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَول اللهِ: ﴿المر﴾ [الرعد: ١]، قَالَ: «أَنا الله أرى» (٣). стр. 115
(٦٦) حَدَّثَنَا الزَّهْرَانِيُّ أَبُو الرَّبِيعِ، ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ المَدَنِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ -وَهُوَ المَقْبُرِيُّ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ :
«مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، حَتَّى نُوحٍ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ بِشَيْءٍ مَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيٌّ كَانَ قَبْلِي، إِنَّه كَانَ أَعْوَر، وَإِنَّ اللهَ لَيْسَ كَذَلِكَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ» (١).
(٦٧) حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ -فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَاره خُيَلَاء» (٢).
(٦٨) حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ -فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: стр. 116
«جَرَّ، [١٧/و] إِزَارَهُ بَطَرًا» (١).
(٦٩) حَدَّثَنَا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله (٢).
(٧٠) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ أَبُو الجَلِيلِ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيَّ، يُحِدِّثُ عَنْ أبي جُرَيٍ جَابِر قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ:
«إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَيْنِ لَهُ، فَتَبَخْتَرَ فِيهِمَا، فَنَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فَمَقَتَهُ، فَأَمَرَ الأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ بَيْنَ الأَرْضِينَ، فَاحْذَرُوا وَقَائِعَ اللهِ» (٣). стр. 117
فَهَاكَ خُذْهَا أَيُّهَا المَرِيسِيُّ، قَدْ جِئْنَاكَ بِهَا، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ مَأْثُورَةً صَحِيحَةً، بَعْدَمَا ادَّعَيْتَ بِجَهْلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَمَا تَصْنَعُ فِيهِ بِأَثَرٍ بَعْدَ قَوْلِ الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِشَيْءٍ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، إِلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ ذَوِي الأَسْمَاعِ وَالأَبْصَارِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي مَجَازِ الكَلَامِ: الجِبَالُ وَالقُصُورُ تَتَرَاءَى، وَتَسْمَعُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا يُقَابِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَبْلُغُهَا الأَصْوَاتُ وَلَا تَفْقَه، وَلَا يُقَال: جَبَلٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَقَصْرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ؛ لِأَنَّه سَمِيعٌ. مُسْتَحِيلٌ ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ، وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْحَابُ المَرِيسِيِّ مَا قُلْنَا فَلْيُسَمُّوا شَيْئًا لَيْسَ مِنْ ذَوِي الأَسْمَاعِ وَالأَبْصَارِ، أَجَازَتِ العَرَبُ أَنْ يَقُولُوا: هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِشَيْءٍ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ.
* * *
стр. 118
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. فَادَّعَيْتَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْهُ بِإِتْيَانٍ؛ لِما أَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَرِكٍّ عنْدك، وَلَكِنْ يَأْتِي بالقِيَامَةِ (١) بِزَعْمِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، يَأْتِي اللهُ بِأَمْرِهِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ (٢)، وَلَا يَأْتِي هُوَ بِنَفْسِهِ.
ثُمَّ زَعَمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وَ ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢].
فيُقَالُ لِهَذَا المَرِيسِيُّ: قَاتَلَكَ اللهُ! مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ وَعَلَى كِتَابِهِ بِلَا عِلْمٍ وَلَا بَصَرٍ!
أَنْبَأَكَ الله أَنَّهُ إِتْيَانٌ، وَتَقُولُ لَيْسَ إتيانا، إِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦].
لقد مَيَّزْتَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ، وَجَمَعْتَ بَيْنَ مَا مَيَّزَ اللهُ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ هذَيْن في التَّأْوِيلِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ تأويلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْرُونٌ بِهِ فِي سِيَاقِ القِرَاءَةِ، لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مِثْلُكَ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الكَلِمَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ الله تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ لِعُقُوبَةِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُ يَنْزِلُ يَوْم القِيَامَة ليفصل بَيْنَ عِبَادِهِ، وَيُحَاسِبَهُمْ وَيُثِيبَهُمْ، وَتَشَّقَقُ السَّمَاوَاتُ يَوْمَئِذٍ لِنُزُولِهِ، стр. 119
وَتُنَزَّلُ المَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يومئذ ثَمَانِيَةٌ، كَمَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَلَمَّا لَمْ يَشُك المُسْلِمُونَ أَنَّ الله لَا يَنْزِلُ إِلَى الأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ لِشَيْءٍ مِنْ [١٧/ظ]، أُمُور الدُّنْيَا، عَلِمُوا يَقِينًا أن مَا يَأْتِي النَّاسَ مِنَ العُقُوبَاتِ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُهُ وَعَذَابُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، يَعْنِي مَكْرَهُ مِنْ قِبَلِ قَوَاعِدِ (١) بُنْيَانِهِمْ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]، فَتَفْسِيرُ هَذَا الإِتْيَانِ خُرُورُ السَّقْفِ عليهم مِنْ فَوْقِهِمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]: مَكَرَ بِهِمْ، فَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤمنِينَ، وهم بَنو قُرَيْظَة (٢).
فَتَفْسِيرُ الإِتْيَانِ مَقْرُونٌ بِهِمَا؛ خُرُورُ السَّقْفِ، وَالرُّعْبُ، وَتَفْسِيرُ إِتْيَانِ الله يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْصُوصٌ فِي الكِتَابِ مُفَسَّرٌ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ [الحاقة: ٢٩]، فَقَدْ فَسَّرَ الله تَعَالَى المَعْنَيَيْنِ تَفْسِيرًا لَا لَبْسَ فِيهِ، وَلَا يُشْتَبَهُ عَلَى ذِي عَقْلٍ، فَقَالَ فِيمَا يُصِيبُ بِهِ مِنَ العُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، فحين قَالَ: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عَلِمَ أَهْلُ стр. 120
العِلْمِ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥]،و ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]، وَ ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]، عَلِمَ بِمَا قَصَّ الله مِنَ الدَّلِيلِ، وَبِمَا حَدَّ لِنُزُولِ المَلَائِكَةِ يَوْمَئِذٍ، أَنَّ هَذَا إِتْيَانُ اللهِ بِنَفْسِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَلِيَ مُحَاسَبَةَ خَلْقِهِ بِنَفْسِهِ، لَا يَلِي ذَلِكَ
أَحَدٌ غَيْرُهُ، وأَنَّ مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ لِمَعْنَى إِتْيَانِ القَوَاعِدِ، لاخْتِلَافِ القَضِيَّتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وَلَمْ يَذْكُرْ عِنْدَهَا نَفْخَ الصُّورِ، وَلَا تَشَقُّقَ السَّمَاءِ، وَلَا تَنَزُّلَ المَلَائِكَةِ، وَلَا حَمْلَ العَرْشِ، وَلَا يَوْمَ العَرْضِ. وَلَكِنْ قَالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل: ٢٦]، فَرَدَّ الإِتْيَانَ إِلَى العَذَابِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مَا قُرِنَ بِهِمَا مِنَ الدَّلَائِلِ وَالتَّفْسِيرِ.
وَإِنَّمَا يَصْرِفُ كُلَّ مَعْنَى إِلَى معْنَى الَّذِي يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُهُ فِي سِيَاقِ القَوْلِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَ الشَّيْءَ اليَسِيرَ فِي الفَرْطِ يَجُوزُ فِي المَجَازِ بِأَقَلِّ المَعَانِي وَأَبْعَدِهَا عَنِ العُقُولِ، فَيَعْمِدُ إِلَى أَكثر مَعَاني الأَشْيَاء وَأَغْلَبِهَا فَيَصْرِفُ المَشْهُورَاتِ مِنْهَا إِلَى المَغْمُورَاتِ المُسْتَحَالَاتِ؛ يُغَالِطُ بِهَا الجُهَّالَ، وَيُرَوِّجُ عَلَيْهِمْ بِهِ الضَّلَالَ. فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا مِنْهُ عَلَى الظِّنَّةِ وَالرِّيبَةِ، وَمُخَالَفَةِ العَامَّةِ.
وَالقُرْآنُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، تُصْرَفُ مَعَانِيهِ إِلَى أَشْهَرِ مَا تَعْرِفُهُ العَرَبُ فِي لُغَاتِهَا، وَأَعَمِّهَا عِنْدَهُمْ.
فَإِنْ تَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ مِثْلُكَ، جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُ خُصُوصًا، أَوْ صَرَفَهُ إِلَى
стр. 121
مَعْنًى [١٨/و]، بَعِيدٍ عَنِ العُمُومِ بِلَا أَثَرٍ، فَعَلَيْهِ البَيِّنَةُ عَلَى دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى العُمُومِ أَبَدًا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى.
وَقَدْ كَفَانَا رَسُولُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ تَفْسِيرَ هَذَا الإِتْيَانِ، حَتَّى لَا نحْتَاج لَهُ مِنْكَ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ فِيهِ أَثَرٌ؛ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى تَفْسِيرِكَ؛ لما أَنَّكَ فِيهِ ظنِينٌ غَيْرُ أَمِينٍ.
(٧١) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
«يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يعَبْدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ قَالَ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا. فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ الله، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبنَا فيتبعونه» (١).
(٧٢) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥]. قَالَ: «يَنْزِلُ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ وَمِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ، فَيَقُولُ أَهْلُ الأَرْضِ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَسَيَأْتِي. ثُمَّ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ -وَسَاقه إِلَى السَّمَاء السَّابِعَةِ قَالَ:- فَيَقُولُونَ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَسَيَأْتِي، ثُمَّ يَأْتِي الرُّبُّ ﵎ فِي الكُرُوبِيِّينَ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض» (٢). стр. 122
(٧٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ المِصْرِيُّ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ:- وَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] «قَالَ: يُبَدِّلُهَا اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَرْضٍ مِنْ فِضَّةٍ لَمْ تُعْمَلْ عَلَيْهَا الخَطَايَا، يَنْزِلُ عَلَيْهَا الجَبَّارُ» (١).
(٧٤) وحَدثنَا أَحْمدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مُدَّتِ الأَرْضُ مَدَّ الأَدِيمِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قُبِضَتْ هَذِهِ السَّمَاءُ الدُّنْيَا عَلَى أَهْلِهَا فَنُثِرُوا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَإِذَا أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الأَرْضِ, فَإِذَا رَآهُمْ أَهْلُ الأَرْضِ فَزِعُوا، وَقَالُوا: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَيْسَ فِينَا وَهُوَ آتٍ. قَالَ: ثُمَّ يقبض السَّمَاء الثَّانِيَةِ -وَسَاقَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ- قَالَ: فَلَأَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَحْدَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ سِتِّ سَمَاوَاتٍ، وَمِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الأَرْضِ بِالضِّعْفِ، قَالَ: وَيَجِيءُ الله تَعَالَى فِيهِمْ، وَالأُمَمُ جُثًا صُفُوفٌ قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ» (٢). стр. 123
وَمَنْ يَلْتَفِتُ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ إِلَى تَفْسِيرِكَ المُحَالِ فِي إِتْيَانِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَدَعُ تَفْسِيرَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ مَجْنُونٍ، خَاسِرٍ مَفْتُونٍ لما أَنَّكَ مَغْبُونٌ فِي الدِّينِ مَأْبُونٌ، وَعَلَى تَفْسِيرِ كِتَابِ الله غَيْرُ مَأْمُونٍ.
وَيْلَكَ! أَيَأْتِي الله بِالقِيَامَةِ وَيَتَغَيَّبُ هُوَ بنَفْسه؟ فَمَنْ يُحَاسِبُ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ؟ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَكَ هَذَا، وَأَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَا يُؤمن بِيَوْم الحساب. [١٨/ظ]
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَادَّعَيْتَ أَنَّ تَفْسِيرَ القَيُّومِ عِنْدَكَ: الَّذِي لَا يَزُولُ، يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْزِلُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، وَلَا يَقْبِضُ، وَلَا يَبْسُطُ، وَأَسْنَدْتَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ، غَيْرَ مُسَمًّى، عَن الكَلْبِيّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «القَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُولُ».
وَعِنْدَ أَهْلِ البَصَرِ، وَمَعَ رِوَايَتِكَ هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلَائِلُ وَشَوَاهِدُ أَنها بَاطِلٌ.
إِحْدَاهَا: أَنَّك أَنْت رَوَيْتَهَا وَأَنْتَ المُتَّهَمُ فِي تَوْحِيدِ الله.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّكَ رَوَيْتَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ غَيْرَ مُسَمًّى، وَأَصْحَابُكَ مثلك فِي الظنة والتهمة.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَنِ الكَلْبِيِّ (١) وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ بِالأَثَرِ عَلَى أَنْ لَا يَحْتَجُّوا стр. 124
بِالكَلْبِيِّ فِي أَدْنَى حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. فَكَيْفَ فِي تَفْسِيرِ تَوْحِيدِ الله وَتَفْسِيرِ كِتَابِهِ؟ وَكَذَلِكَ أَبُو صَالِحٍ (١).
وَلَوْ قَدْ صَحَّتْ رِوَايَتُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «القَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُول» لم نستنكره، وَكَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُومًا وَاضِحًا عِنْدَ العُلَمَاءِ، وَعِنْدَ أَهْلِ البَصَر بِالعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى «لَا يَزُولُ»: لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ، لَا أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَزُولُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، إِذَا شَاءَ، كَمَا كَانَ يُقَالُ لِلشَّيْءِ الفَانِي: هُوَ زَائِلٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ ربيعَة:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا محَالةَ زائِلُ
يَعْنِي فانٍ، لَا أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ.
فَإِنَّ أَمَارَةَ مَا بَيْنَ الحَيِّ، وَالمَيِّتِ التَّحَرُّكُ، وَمَا لَا يَتَحَرَّكُ فَهُوَ مَيِّتٌ، لَا يُوصَفُ بِحَيَاةٍ، كَمَا وَصَفَ الله تَعَالَى الأَصْنَامَ المَيِّتَةَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، فَاللهُ الحَيُّ القَيُّومُ القَابِضُ البَاسِطُ، يَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٢)، بِخِلَافِ الأَصْنَامِ المَيِّتَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ حَتَّى تُزَالَ.
وَاحْتَجَجْتَ أَيْضًا أَيُّهَا المريسي فِي نَفْي التَّحْرِيكِ، عَنِ اللهِ وَالزَّوَالِ بِحُجَجِ الصِّبْيَانِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حِينَ رَأَى كَوْكَبًا وَشَمْسًا وَقَمَرًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، ثُمَّ قُلْتَ: فَنَفَى إِبْرَاهِيمُ المَحَبَّةَ مِنْ كُلِّ إِلَهٍ زَائِلٍ، يَعْنِي أَنَّ اللهَ إِذَا نَزَلَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، أَوْ نَزَلَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِمُحَاسَبَةِ العِبَادِ، فَقَدْ أَفَلَ وزَالَ كَمَا أَفَلَ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ، فَتَنَصَّلَ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِمَا إِبْرَاهِيمُ. стр. 125
فَلَوْ قَاسَ هَذِا القِيَاسَ تُرْكِيٌّ طُمْطُمَانِيٌّ، أَوْ رُومِيٌّ أَعْجَمِيٌّ؛ مَا زَادَ عَلَى مَا قِسْتَ قُبحًا وسَمَاجَةً.
وَيْلَكَ! وَمَنْ قَالَ مِنْ خَلْقِ اللهِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا نَزَلَ أَوْ تَحَرَّكَ، أَوْ نَزَلَ لِيَوْمِ الحِسَابِ أَفَلَ فِي شَيْءٍ، كَمَا تَأْفُلُ الشَّمْسُ فِي عَيْنٍ حَمِئَة؟
إِنَّ اللهَ لا يَأْفُلُ فِي خَلْقٍ سِوَاهُ إِذَا نَزَلَ أَوِ ارْتَفَعَ كَمَا تَأْفُلُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالكَوَاكِبُ، بَلْ هُوَ العَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْء فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ مِنْ نُزُولِهِ وَارْتِفَاعِهِ.
وَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ لَا يَأْفُلُ فِي شَيْءٍ، بَلِ الأَشْيَاءُ كُلُّهَا تَخْشَعُ لَهُ، وَالمَوَاضِعُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالكَوَاكِبُ خَلَائِقُ مَخْلُوقَةٌ، إِذَا أَفَلَتْ أَفَلَتْ فِي مَخْلُوقٍ، فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، كَمَا قَالَ اللهُ، وَاللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ شَيْءٌ.
ثُمَّ انْتَدَبَ المَرِيسِيُّ [١٩/و]، الضَّالُّ لِرَدِّ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي الرُّؤْيَةِ فِي قَوْلِهِ: «سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ كَمَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ»، فَأَقَرَّ الجَاهِلُ بِالحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ، وَثَبَّتَ رِوَايَتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ تَلَطَّفَ لِرَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ بِأَقْبَحِ تَأْوِيلٍ، وَأَسْمَجِ تَفْسِيرٍ.
وَلَوْ قَدْ رَدَّ الحَدِيثَ أَصْلًا؛ كَانَ أَعْذَرَ لَهُ مِنْ تَفَاسِيرِهِ هَذِهِ المَقْلُوبَةِ الَّتِي لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ العَرَبِيَّةِ.
فَادَّعَى الجَاهِلُ أَنَّ تَفْسَيرَ قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : «سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ»: تَعْلَمُونَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا لَا تَشُكُّونَ فِيهِ كَمَا أَنَّكُمْ لَا تَشُكُّونَ فِي القَمَرِ أَنَّهُ قَمَرٌ، لَا عَلَى أَنَّ أَبْصَارَ المُؤْمِنِينَ تُدْرِكُهُ جَهْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى
стр. 126
قَوْلِ المُشَبِّهَةِ، فَقَوْلُهُ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ»: تَعْلَمُونَ أَنَّ لَكُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيكُمْ فِيهِ الشُّكُوكُ، والرَّيْبُ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الأَعْمَى يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَا أَبْصَرَهُ، أَيْ مَا أَعْلَمَهُ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: قد نَظَرْتُ فِي المَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَسْأَلَةِ جِسْمٌ يُنْظَرُ إِلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: نَظَرْتُ فِيهَا، رَأَيْتُ فِيهَا، فَتَوَهَّمَتِ المُشَبِّهَةُ الرُّؤْيَةَ جَهْرَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ العَيَانِ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ: أَقْرَرْتَ بِالحَدِيثِ وَثَبْتِهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخَذَ الحَدِيثُ، بِحَلْقِكَ، لما أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، قَدْ قَرَنَ التَّفْسِيرَ بِالحَدِيثِ فَأَوْضَحَهُ وَلَخَّصَهُ يَجْمَعُهَا جَمِيعًا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ حَتَّى لَمْ يَدَعْ لِمُتَأَوِّلٍ فِيهِ مَقَالًا.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ رُؤْيَةُ العَيَانِ نَصًّا، كَمَا تَوَهَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُسَمِّيهِمْ بِجَهْلِكَ مُشَبِّهَةً، فَالتَّفْسِيرُ فِيهِ مَأْثُورٌ مَعَ الحَدِيثِ، وَأَنْتَ تُفَسِّرُهُ بِخِلَافِ مَا فَسَّرَ الرَّسُولُ، مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ تَأْثُرهُ عَمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، فَأَيُّ شَقِيٍّ مِنَ الأَشْقِيَاءِ، وَأَيُّ غَوِيٍّ مِنَ الأَغْوِيَاءِ يَتْرُكُ تَفْسِيرَ رَسُولِ الله ﷺ المَقْرُونَ بِحَدِيثِهِ، المَعْقُولَ عِنْدَ العُلَمَاءِ، الَّذِي يُصَدِّقُهُ نَاطِقُ الكِتَابِ، ثُمَّ يَقْبَلُ تَفْسِيرَكَ المُحَالَ الَّذِي لَا تَأْثُرُهُ إِلَّا عَمَّنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْكَ وَأَضَلُّ؟!
أَلَيْسَ قَدْ أَقْرَرْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ لَا تُضَامُونَ فِيهِ كَمَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ»، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَشُكُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُحَالٌ خَارِجٌ عَنِ المَعْقُولِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي رُبُوبِيَّةِ الله ؛ زَائِلٌ عَنِ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ يَوْمئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ رَبُّهُ لا يَعْتَرِيهم فِي ذَلِكَ شَكٌّ، فَيَقْبَلُ اللهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَقْبَلُهُ من الكَافِرِينَ، ولا يَعْذِرُهُم يَوْمَئِذٍ بِمَعْرِفَتِهِمْ وَيَقِينِهِمْ بِهِ، فَمَا فَضْلُ المُؤْمِنِ عَلَى الكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَكَ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى؟ إِذْ مُؤْمِنُهُمْ، [١٩/ظ] وَكَافِرُهُمْ لَا يَعْتَرِيهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ شَكٌّ.
стр. 127
أَوَمَا عَلِمْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَنَّ اللهَ رَبُّهُ فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى يَعْرِفَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا وَمَصِيرُهُ النَّارُ أَبَدًا؟ وَلَنْ يَنْفَعَهُ الإِيمَانُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَا يَرَى مِنْ آيَاتِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ آمَنَ بِهِ مِنْ قَبْلُ، فَمَا مَوْضِعُ بُشْرَى رَسُولِ الله ﷺ المُؤْمِنِينَ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟
إِذْ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ فِي الرُّؤْيَةِ يَوْمَئِذٍ سَوَاءٌ عِنْدَكَ، إِذْ كُلٌّ لَا يَعْتَرِيهِ فِيهِ شَكٌّ وَلَا رِيبَةٌ.
أوَلَمْ تَسْمَعْ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٣٠]؟
فقد أخبر الله ، عَنِ الكُفَّارِ أَنَّهُمْ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُوقِنُونَ، فَكَيْفَ المُؤْمِنُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِينَ سَأَلُوهُ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ وَقَدْ عَلِمُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوهُ أَنَّ اللهَ رَبُّهُمْ لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ وَلَا رَيْبٌ.
أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]؟ يُقَالُ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهِا، فَإِذَا لَمْ يَنْفَع الرَّجُلَ إِيمَانُهُ عِنْد الآيَاتِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَنْفَعُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَسْتَحِقُّ بِهَا النَّظَرَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟
فَاعْقِلْ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ مَا يَجْلِبُ عَلَيْكَ كَلَامُكَ مِنَ الحُجَجِ الآخِذَةِ بِحَلْقِكَ.
وَأَمَّا إِدْخَالُكَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فِيمَا حَقَّقَ مِنْ رُؤْيَةِ الرَّبِّ يَوْمَ القِيَامَةِ- قَوْلَهُ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فَإِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَزَلَ، وَقَدْ عَرَفَ مَا أَرَادَ الله بِهِ وَعَقِلَ، فَأْوَضَحَهُ تَفْسِيرًا، وَعَبَّرَهُ تَعْبِيرًا؛ فَفَسَّرَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا تَفْسِيرًا شَافِيًا كَافِيًا، سَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ -يَعْنِي فِي الدُّنْيَا-؟
стр. 128
فَقَالَ: «نُورٌ أَنَّى أرَاهُ؟».
(٧٥) حَدَّثَنَا الحَوْضِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عبد اللهِ بن شَقِيق، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١).
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَحِينَ سُئِلَ عَنْ رُؤْيَتِهِ فِي المَعَادِ قَالَ: «نَعَمْ، جَهْرَةً كَمَا تَرَى الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»، فَفَسَّرَ رَسُولُ الله ﷺ المَعْنَيَيْنِ عَلَى خِلَافِ مَا ادَّعَيْتَ.
وَالعَجبُ مِنْ جَهْلِكَ بِظَاهِرِ لَفْظِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِذْ تَتَوَهَّمُ فِي رُؤْيَةِ الله جَهْرَةً كَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ، ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ تَوَهُّمِ مَنْ سَمَّيْتَهُمْ بِجَهْلِكَ مُشَبِّهَةً، فَرَسُولُ الله ﷺ فِي دَعْوَاكَ أَوَّلُ المُشَبِّهِينَ؛ إِذْ شَبَّهَ رُؤْيَتَهُ بِرُؤْيَةِ الشَّمْس وَالقَمَر، كَمَا شَبَّهَهُ هَؤُلَاءِ المُشَبِّهُونَ فِي دَعْوَاكَ.
وَأَمَّا أُغْلُوطَتُكَ الَّتِي غَالَطْتَ بِهَا جُهَّالَ أَصْحَابِكَ فِي رُؤْيَة الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقُلْتَ: أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْمَ مُوسَى حِينَ قَالُوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، وَقَالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، وَقَالُوا: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١]، فَادَّعَيْتَ أَنَّ الله أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَعَابَهُمْ بِسُؤَالِهِمُ الرُّؤْيَةَ.
فَيُقَالَ لِهَذَا، [٢٠/و] المَرِيسِيِّ: تَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ، وَقَلْبُكَ غَافِلٌ عَمَّا يُتْلَى عَلَيْكَ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ مُوسَى سَأَلُوا مُوسَى رُؤْيَةَ الله فِي الدُّنْيَا إلحَافًا، فَقَالُوا: ... ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]؟ وَلَم يَقُولُوا: حَتَّى نَرَى الله فِي стр. 129
الآخِرَةِ وَلَكِنْ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ سَبَقَ مِنَ اللهِ القَوْلُ بِأَنَّهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أَبْصَارُ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ، وَسُؤَالِهِمْ عَمَّا حَظَرَهُ الله على أَهْلِ الدُّنْيَا، وَلَوْ قَدْ سَأَلُوهُ رُؤْيَتَهُ فِي الآخِرَةِ كَما سَأَلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا ﷺ ، لَمْ تُصِبْهُمْ تِلْكَ الصَّاعِقَةُ، وَلَمْ يقل لَهُم إِلَّا مَا قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأَصْحَابِهِ إِذْ سَأَلُوهُ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» فَلَمْ يَعِبْهُمُ الله وَلَا رَسُولُهُ بِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ حَسَّنَهُ لَهُمْ وَبَشَّرَهُمْ بِهَا بُشْرَى جَمِيلَةً، كَمَا رَوَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ عَنْهُ.
وَقَدْ بَشَّرَهُمُ الله تَعَالَى بِهَا قَبْلَهُ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وَقَالَ لِلْكُفَّارِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، فقوم مُوسَى سألوا نَبِيَّهُمْ مَا قَدْ حَظَرَهُ الله عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وَسَأَلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيَّهُمْ مَا أَخْبَرَ الله أَنَّهُ سَيُعْطِيهِمْ وَيُثِيبُهُمْ بِهِ، فَصُعِقَ قَوْمُ مُوسَى بِسُؤَالِهِمْ مَا لَا يَكُونُ، وَسَلِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسُؤَالِهِمْ مَا يَكُونُ.
وَمَتَى عَابَ اللهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى سُؤَالَ الرُّؤْيَةِ فِي الآخِرَةِ, فَتَفْتَرِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ؟ تَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَالله لَا يُحِبُّ الكَاذِبِينَ.
وَقَدْ فَسَّرْنَا أَمْرَ الرُّؤْيَةِ، وَرَوَيْنَا مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الآثَارِ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ، الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ فِي الجَهْمِيَّةِ (١)، وَرَوَيْنَا مِنْهَا صَدْرًا فِي صَدْرِ هَذَا الكِتَابِ أَيْضًا، فَالتَمِسُوهَا هُنَالِكَ، وَاعْرِضُوا أَلْفَاظَهَا عَلَى قُلُوبِكُمْ وَعُقُولِكُمْ؛ يَنْكَشِفْ لَكُمْ стр. 130
عَوْرَةُ كَلَامِ هَذَا المَرِيسِيِّ، وَضَلَالُ تَأْوِيلِهِ، وَدُحُوضُ حُجَّتِهِ -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى-، وَلَوْلَا أَنْ يَطُولَ بِهِ الكِتَابُ؛ لَأَعَدْتُ البَابَ بِطُولِهِ وَأَسَانِيده.
* * *
стр. 131
وَرَوَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنه قال: «القُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ شَاءُ».
فَأَقْرَرْتَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ، ثُمَّ رَدَدْتَهُ بِأَقْبَحِ مُحَالٍ، وَأَوْحَشِ ضَلَالٍ. وَلَوْ قَدْ دَفَعْتَ الحَدِيثَ أَصْلًا كَانَ أَعْذَرَ لَكَ مِنْ أَنْ تُقِرَّ بِهِ، ثُمَّ تَرُدَّهُ بِمُحَالٍ مِنَ الحُجَجِ، وَبِالَّتِي هِيَ أَعْوَجُ، فَزَعَمْتَ أَنَّ أُصْبُعِي اللهِ قُدْرَتَيْه، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] أَيْ: فِي مُلْكِهِ.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المُعْجَبُ بِجَهَالَتِهِ: فِي أَيِّ لُغَاتِ العَرَبِ وَجَدْتَ أَنَّ أُصْبُعَيْهِ: قُدْرَتَيْهِ؟ فَأَنْبِئْنَا بِهَا، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَاهَا خَارِجَة من جَمِيع لُغَاتِهم.
إِنَّمَا هِيَ قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ كَفَتِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا وَمَلَأَتْهَا وَاسْتَنْطَقَتْهَا، فَكَيْفَ صَارَتْ لِلْقُلُوبِ مِنْ بَيْنِ الأَشْيَاءِ قُدْرَتَانِ؟ وَكَمْ تَعُدُّهَا قُدْرَةً؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ»، [٢٠/ظ] وَفِي دَعْوَاكَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ قُدْرَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ. حَكَمْتَ فِيهَا لِلْقُلُوبِ قدرتين وَسَائِرُهَا لِمَا سِوَاهَا، فَفِي دَعْوَاكَ هَذَا أَقْبَحُ مُحَالٍ، وَأَبْيَنُ ضَلَالٍ، فَكَيْفَ ادَّعَيْتَ أَنَّ الأَرْضَ قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ: أَنَّهَا صَارَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي مُلْكِه؟ كَأَنَّهُمَا كَانَتا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ فِي مُلْكِ غَيْرِه، خَارِجَة عَن مُلْكِهِ، فَكَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهَا -فِي دَعْوَاكَ- حَتَّى صَارَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي مُلْكِهِ!! وَمَا بَالُهَا تَصِيرُ فِي مُلْكِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مَطْوِيَّاتٍ، وَلَا تَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَنشُورَات؟ وَمَا أَرَاكَ إِلَّا سَتَدْرِي أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: ٦٧]: نَاقِضٌ لِتَأْوِيلِكَ.
وَمِمَّا يَزِيدُهُ نَقْضًا: قَوْلُهُ في المَكَانِ الآخَر: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَقَوْلُ رَسُولِ الله ﷺ : «يَطْوِي الله السَّمَاءَ يَوْم القِيَامَة بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ».
стр. 132
فَفِي قَوْلِ الله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾، وَحَدِيثِ رَسُولِه ﷺ بَيَانٌ وَمَعْنًى مُخَالِفٌ قِيلَكَ لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَيْفَ أَقرَرْتَ بِالحَدِيثِ فِي الأُصْبُعَيْن مِنْ أَصَابِعِ اللهِ وَفَسَّرْتَهُمَا قُدْرَتَيْنِ؟ وَكَذَّبْتَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خَمْسِ أَصَابِعَ، وَهُوَ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الأُصْبُعَيْنِ؟ أَفَلَا أَقْرَرْتَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ تَأَوَّلْتَهُ: القُدْرَةُ خَمْسُ قُدْرَاتٍ، كَمَا تَأَوَّلْتَ فِي الأُصْبُعَيْنِ بِقُدْرَتَيْنِ؟ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَين أَصْبُعَيْن مِنَ الأَصَابِع».
فَأَمَّا تَكْذِيبُكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
«أَنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَلَغَكَ أَنَّ الله يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ وَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ؟، فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ ؛ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ الحَبْرُ، وَتَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]».
فَادَّعَيْتَ أَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَ الحَبْرُ، ثُمَّ قُلْتَ: أَفَتَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اليَهُودِ؟
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ: قَلَّمَا رَأينَا مُفَسِّرًا ومُتَكَلِّمًا أَشَد مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ مِنْكَ؛ مَرَّةً تَقُولُ: الحَدِيثُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُفَسِّرُهُ قُدْرَتَيْنِ، وَمَرَّةً تَقُولُ: هُوَ كَذِبٌ.
وَقَوْلُ اليَهُودِ تُقِرُّ بِهِ مَرَّةً، وتُنْكِرُهُ أُخْرَى، وَلَوْ قَدْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ وَرُوَاتِهِ؛ لَعَلِمْتَ أَنَّ الأَثَرَ قَدْ جَاءَ بِهِ تَصْدِيقًا لِلْيَهُودِيِّ، لَا تَكْذِيبًا لَهُ كَمَا ادَّعَيْتَ.
стр. 133
(٧٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: ضَحِكَ مِنْ قَوْلِ الحَبْرِ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ وَتَصْدِيقًا لَهُ (١).
فَعَمَّنْ رَوَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ قَالَ تَكْذِيبًا لَهُ، فَأَنْبِئْنَا بِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّكَ فِيهَا من الكَاذِبين.
وَأَمَّا تَشْنِيعُكَ عَلَى هَؤُلَاءِ المُقِرِّينَ بِصِفَاتِ الله المُؤْمِنِينَ بِمَا قَالَ اللهُ، أَنَّهُمْ يَتَوَهَّمُونَ فِيهَا جَوَارِحَ وَأَعْضَاءً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ زُورًا [٢١/و] بَاطِلًا، وَأَنتَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاس بِمَ يُرِيدُونَ بِهَا، إِنَّمَا يُثْبِتُونَ مِنْهَا مَا أَنْتَ لَهُ مُعَطِّلٌ وَبِهِ مُكَذِّبٌ، وَلَا يَتَوَهَّمُونَ فِيهَا إِلَّا مَا عَنَى اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ ، وَلَا يدعونَ جَوَارِح، وَلَا أَعْضَاء كَمَا تَقَوَّلْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَأْلُو فِي التَّشْنِيعِ عَلَيْهِم بِالكَذِبِ، لَيَكُون أَرْوَجَ لِضَلَالَتِكَ عِنْدَ الجُهَّالِ، وَلَئِنْ جَزِعْتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الحَبْرِ، مَالَكَ رَاحَةٌ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يُحَقِّقُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيُثْبِتُ رِوَايَتَهُ.
(٧٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو سَلَمَةَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«قُلُوبُ العِبَادِ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله، إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ» (٢). стр. 134
(٧٨) وَحَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ابْنُ المُبَاركِ، أخبرناه حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح، أَخْبرنِي أَبُو هَانِئٍ الخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عبد الرَّحْمَن الحُبْلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِع الرَّحْمَنِ؛ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرَّفُ كَيفَ شَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ الله ﷺ : اللهمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» (١).
(٧٩) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا ابْنُ المُبَاركِ، أَبَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ (٢) بْنَ عَبْيدِ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الكِلَابِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْن مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ». وَكَانَ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: «اللهمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ! ثَبِّتْ قُلُوبنَا عَلَى دِينِك» (٣). стр. 135
(٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ صَالِحٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي عَيَّاش بن أبي مِهْرَان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ :
«إِنَّمَا قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» (١).
(٨١) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الحِمْصِيُّ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، عَن عُتْبَةَ ابْن أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِذَا شَاءَ قَالَ بِهِ هَكَذَا -وَأَمَالَ يَدَهُ- وَإِذَا شَاءَ قَالَ بِهِ هَكَذَا -وَأَمَالَ يَدَهُ- وَإِذَا شَاءَ ثَبَّتَهُ» (٢). стр. 136
(٨٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنِ بِهْرَامٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال:
«مَا مِنْ بَنِي آدَمَ بَشَرٌ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» (١). стр. 137
فَهَذِهِ أَلْفَاظُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْتُهُ وَثَبَتُّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
فَفِي أَيِّ لُغَاتٍ وَجَدْتَ أَنَّهَا قُدْرَتَينِ مِنَ القُدَرِ؟
وَهَلْ من شَيْءٍ لَيْسَ [تَحْتَ] (١) قُدْرَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى يَخُصَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ القُلُوبَ مِنْ بَيْنِهَا بِقُدْرَتَيْنِ؟!
فَلِمَ تَدَّعِ مَا إِذَا رَجَعْتَ فِيهِ إِلَى نَفْسِكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ ضَلَالٌ وَبَاطِلٌ وضَحِكَةٌ وسُخْرِيَةٌ؟ مَعَ أَنَّ المُعَارِضَ لَمْ يَقْنَعْ بِتَفْسِيرِ إِمَامِهِ المَرِيسِيِّ حَتَّى اخْتَرَقَ لِنَفْسِهِ [٢١/ظ] فِيهِ مَذْهَبًا خِلَافَ مَا قَالَ إِمَامُهُ، وخِلافَ مَا يُوجد فِي لُغَاتِ العَرَبِ وَالعَجَمِ، فَقَالَ: أُصْبُعَاهُ: نِعْمَتَاهُ قَالَ: وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ العَرَبِ.
فَيُقَالُ: لِهَذَا المُعَارِضِ: فِي أَيِّ كَلَامِ العَرَبِ، وَجَدْتَ إِجَازَتَهُ؟ وَعَنْ أَيِّ فَقِيهٍ أَخَذْتَهُ؟ فَاسْتَنِدْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِنَّكَ مِنَ المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ وعَلَى رَسُولِهِ. فَلَوْ كُنْتَ الخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ (٢)، أَوِ الأَصْمَعِيَّ (٣) مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ.
وَأَمَّا إِنْكَارُكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَتَرَاءَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِالله مِنْكَ، ثُمَّ стр. 138
يَتَرَاءَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَعْرِفُوْنَهُ، فَيَتَّبِعُونَهُ».
فَزَعَمْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَهُوَ مُشْرِكٌ.
يُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتُمْ رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ جَهِلْتُمُوهُ عِنْدَ العَيَانِ وَشَكَكْتُمْ فِيهِ؟
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ
مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ.
(٨٣) حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١).
كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ الله ﷺ مِنْ جَوْدَةٍ- يَقُولُهُ، فَاحْذَرْ أَنْ لَا يَكُونَ قَذْفُكَ بِالشِّرْكِ أَنْ يَقَعَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَمَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ سَلَبَ عَقْلَكَ حَتَّى جَهِلْتَ مَعْنَاهُ؟
وَيْلَكَ! إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّ اللهَ تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي صُورَتِهِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ صِفَاتَهَا فِي الدُّنْيَا لَاعْتَرَفُوا بِمَا عَرفُوا، وَلم يَنْفِرُوا، وَلَكِنَّهُ يُرِي نَفْسَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ فِي صُورَةٍ غَيْر ما عَرَّفَهُم اللهُ صِفَاتَهَا فِي الدُّنْيَا، لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ ثَانِيَةً فِي الآخِرَةِ، كَمَا امْتَحَنَ فِي الدُّنْيَا ليثبتهم أَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالعُبُودِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا لِلْمَعْبُودِ الَّذِي عَرَفُوهُ فِي الدُّنْيَا بِصِفَاتِهِ، الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَاسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا مُثِّلَ فِي أَعْيُنِهِمْ غَيْرُ مَا عَرَفُوا مِنَ الصِّفَةِ؛ نَفَرُوا وَأَنْكَرُوا، إِيمَانًا مِنْهُمْ بِصَفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا стр. 139
الَّتِي امْتَحَنَ الله قُلُوبَهُمْ تَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا، وَمَاتُوا، وَنُشِرُوا عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ اللهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَلَكِنْ يُمَثِّلُ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ.
فَلَيْسَ هَذَا أَيُّهَا المَرِيسِيُّ بِشَكٍّ مِنْهُمْ فِي مَعْبُودِهِمْ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ يَقِينٍ وَإِيمَانٌ بِهِ مَرَّتَيْنِ.
كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لَهُم يَوْمَ القِيَامَةِ: أَتَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا اعْتَرَفَ لَنَا عَرَفْنَاهُ، يَقُولُونَ: لَا نُقِرُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا لِمَنِ اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُنَا، بِصِفَاتِهِ الَّتِي أَنْبَأَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَحِينَئِذٍ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي صُورَتِهِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، فَيَزْدَادُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، [٢٢/و] اغْتِبَاطًا وَطُمَأَنِينَةً.
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّكِّ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ بَعْدَ يَقِينٍ، وَإِيمَانٌ بَعْدَ إِيمَان وَلَكِن الشَّكَّ والرِّيبةَ كُلَّهَا، مَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤْيَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ»، فَادَّعَيْتَ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ تِلْكَ: أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، كَأَنَّهُمْ فِي دَعْوَاكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ لَمْ يَعْلَمُوا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ رَبُّهُمْ، حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا بِهِ فِي الآخِرَةِ.
فَهَذَا التَّفْسِيرُ إِلَى الشَّكِّ أَقْرَبُ مِمَّا ادَّعَيْتَ فِي قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ فِي الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، لَا بَلْ هُوَ الكُفْرُ؛ لِأَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ مُؤْمِنَهُم وكَافِرَهُم يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ اللهَ رَبُّهُمْ، لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢]؛ فَالشَّكُّ فِي الله الَّذِي تَأَوَّلْتَهُ أَنْتَ فِي الرُّؤْيَةِ لَا مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَيْلَكَ! إِنَّ اللهَ لَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ فِي أَعْيُنِهِمْ يَوْمَئِذٍ،
стр. 140
أَوَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابَ اللهِ: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]؟ وَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، كَمَا مَثَّلَ جِبْرِيلَ ﵇ مَعَ عِظَمِ صُورَتِهِ وَجَلَالَةِ خَلْقِهِ فِي عَيْنِ رَسُولِ الله ﷺ صُورَةَ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَكَمَا مَثَّلَهُ لِمَرْيَم بَشَرًا سَوِيًّا، وَهُوَ مَلَكٌ كَرِيمٌ فِي صُورَةِ المَلَائِكَةِ، وَكَمَا شَبَّهَ فِي أَعْيُنِ اليَهُودِ أَنْ قَالُوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ [النساء: ١٥٧] فَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. (١) стр. 141
وَمَا عَمَلُكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْكَ آثَارٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَخَذَتْ بِحَلْقِكَ، وَنَقَضْتَ عَلَيْكَ مَذْهَبَكَ فَالتَمَسْتَ الرَّاحَةَ
стр. 142
مِنْهَا بِهَذِه المَغَالِيطِ وَالَأَضَالِيلِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالبَصَرِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَأَنْتَ مِنْهَا فِي شُغُلٍ، كُلَّما غَالَطْتَ بِشَيْءٍ أَخَذَ بِحَلْقِكَ شَيْءٌ فَخَنَقَكَ حَتَّى تَلْتَمِسَ لَهُ أُغْلُوطَةً أُخْرَى، وَلِئِنْ جَزِعْتَ مِنْ هَذِهِ الآثَارِ فَدَفَعْتَهَا بِالمَغَالِيطِ مَالَكَ رَاحَةٌ فِيمَا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى دفع هَذِهِ الآثَارِ وَقَدْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَلْفَاظُهَا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، نَاقِضَةٌ لمذاهِبِكَ وتَفَاسِيرِك، وَقد تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي المُؤْمِنِينَ وَتَنَاسَخُوهَا، يُؤَدِّيهَا الأَوَّلُ إِلَى الآخِرِ، وَالشَّاهِدُ إِلَى الغَائِبِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، لِيَقْرَعُوا بهَا رُؤُوسَ الجَهْمِيَّةِ، وَيُهَشِّمُوا بِهَا أُنُوفَهُمْ، وَيَنْبُذُ تَأْوِيلَكَ هذا فِي حشِّ أَبِيك، وَيُكْسَرُ فِي حَلْقِكَ كما كُسِرَ فِي حُلُوقِ مَنْ كَانَ فَوْقَكَ مِنَ الوُلَاةِ وَالقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ فَوْقِكَ، مِثْلَ ابْنِ أَبي دُؤَاد (١)،وَعبْدِ الرَّحْمَن (٢)،
وَشُعَيْبٍ (٣) بَعْدَهُ، وَغَسَّانَ (٤)، وَابْنِ رَبَاحٍ (٥) المُفْتَرِي عَلَى القُرْآنِ.
فَإِنْ كُنْتَ تَدْفَعُ هَذِهِ الآثَارَ بِجَهْلِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِي القُرْآنِ، وَكَيْفَ تَحْتَالُ لَهُ؟ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، [٢٢/ظ] نَاقِضٌ لِمَذْهَبِكَ، وَمُكَذِّبٌ لِدَعْوَاكَ حَتَّى стр. 143
بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ المُعَارِضِ أَنَّكَ قُلْتَ: «مَا شَيْءٌ أَنْقَضُ لِدَعْوَانَا مِنَ القُرْآنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ إِلَّا مُكَابَرَة بالتأويل».
* * *
стр. 144
ثُمَّ أَنْشَأْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ تَطْعَنُ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ ، بَعْدَمَا صَدَّقْتَ بِهِ، وَعَرَفْتَ أَنَّهُ قَدْ قَالَهُ، ثُمَّ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا مُخَالِفًا لِتَفَاسِيرِ أَهْلِ الصَّلاةِ (١)، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَنْزَوِى فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ».
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّ الحَدِيثَ حَقٌّ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَكَ: أَنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ قَدَمَهُ فِيهَا، فَقُلْتَ: مَعْنَى «قَدَمِهِ»: أَهْلُ الشِّقْوَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -بِبَاطِلِ زَعْمِكَ- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] قَالَ: «مَا قَدَّمُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ».
فَقَدْ رَوَيْنَا أَيُّهَا المَرِيسِيُّ عَنِ الثِّقَاتِ الأَئِمَّةِ المَشْهُورِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَفْسِيرِ القَدَمِ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ مِنْ تَأْوِيلِكَ هَذَا.
(٨٤) حَدَّثَنَاه عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَحْيَى الحِمَّانِيُّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا الله » (٢).
فَهَذَا الَّذِي عَرَفْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا مَشْهُورًا.
فَمَا بَالُكَ تَحِيدُ عَنِ المَشْهُورِ المَنْصُوصِ مِنْ قَوْله وتتعلق بالمغمور مِنْهُ، الملتبس الَّذِي يتَحَمَّل المعَانِي. стр. 145
وَكَيف تَدَّعِي أَنَّهَا لا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُلْقِيَ اللهُ فِيهَا الأَشْقِيَاءَ الَّذِينَ هُمْ قَدَمُ الجَبَّارِ عِنْدَكَ، فَتَمْتَلِئَ بِهِمْ فِي دَعْوَاكَ؟ وَهل اسْتَزَادَتْ أَيُّهَا التَّائِه إلا بَعْدَ مَصِيرِ الأَشْقِيَاءِ إِلَيْهَا، وإِلْقَاءِ اللهِ إِيَاهُم فيها فَاسْتَزَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
أَفَيُلْقِيهُمْ فِيهَا ثَانِيَةً، وَقَدْ أَلْقَاهُم فِيهَا قَبْلُ، فَلَمْ تَمْتَلِئْ؟ كَأَنَّهُ فِي دَعْوَاكَ حَبَسَ عَنْهَا الأَشْقِيَاءَ، وألقى فِيهَا السُّعَدَاءَ، فَلَمَّا اسْتَزَادَتْ أَلْقَى فِيهَا الأَشْقِيَاءَ بَعْدُ، حَتَّى مَلَأَهَا.
لَوِ ادَّعَى هَذَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ حَرْفًا مِنَ القُرْآنِ مَا زَادَ!
ثُمَّ رَدَدْتَ الحَدِيثَ بَعْدَمَا أَقْرَرْتَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَقُلْتَ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشَبِّهَةِ: أَلَيْسَ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يُخْلِفُ وَعْدَهُ كَافِر؟ فَإِن قَالُوا: نعم، فَقل لَهُمْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ غَيْرِ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣].
وَيْلَكَ أَيُّهَا المَرِيسِيُّ! إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ مَنْ أَنْزَلَ الَّتِي فِي «ق» ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].
وَيَجُوزُ فِي الكَلَامِ أَنْ يُقَالَ لِمُمْتَلِئٍ اسْتَزَادَ، كَمَا يَمْتَلِئُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَيَقُولُ: قَدِ امْتَلَأْتُ وَشَبِعْتُ، وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَزْدَادَ، كَمَا يُقَالُ: امْتَلَأَ المَسْجِدُ مِنَ النَّاسِ، وَفِيهِ فَضْلُ سَعَة لِلرِّجَالِ بَعْدُ، وَامْتَلَأَ الوَادِي مَاءً وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَخْرُجُ المَهْدِيُّ فَيَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»، وَفِي الأَرْضِ سَعَةٌ بَعْدُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، [٢٣/و] وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ القِسْطِ، فَتَمْتَلِئُ جَهَنَّمُ بِمَا يلقى الله فِيهَا مِمَّا وَعَدَهَا مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ. فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ لِفَضْلٍ فِيهَا غَضَبًا للهِ عَلَى الكفَّار، حَتَّى يَفْعَلَ الجَبَّارُ بِهَا مَا أَخْبَرَ رَسُولُ الله ﷺ كَمَا شَاءَ، وَكَمَا عَنَى رَسُولُ
следующие страницы →