← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الحميل أم لا؟ قولان، المشهور أن لا يسقط، إلا أن يسلمه الحميل أو وكيله، وقال ابن عبد الحكم: تسقط الحمالة عن الحميل بإحضار الغريم نفسه للطالب وهو الصحيح، لأنه لا تمكن بذلك من طلبه. قوله: "إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط": قلت: حميل الوجه إذا قال: لست من المال في شيء لم يلزمه منه شيء، إلا أن يمكنه إحضاره فيلزمه لتفريطه غرم المال كمن تعمد إتلاف مال غيره، نص عليه القاضي أبو محمد، فإن تحمل بالوجه، ولم (يتعرض) (لنفي المال) عنه فأحضره موسرًا سقطت الحمالة عنه بلا خلاف، فإن كان الغريم مسجونًا في حق أو تعديًا، بريء الحميل بذلك، وكان إحضاراً، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي عليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي ليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا فالحمالة ساقطة عن الحميل إذا حضر ذلك في بلد تناله فيه الأحكام. واختلف في مسائل: الأولى: إذا قال: أنا حميل بوجهه ولم يقل: ولست من المال في شيء لزمه إحضاره، فإن لم يحضره فهل يغرم المال أم لا؟ فقال مالك وبان القاسم: يغرم المال إذا لم يحضره، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه، لأن الحمالة بعين لم تكن له قدرة على إحضارها، فلم يكن عليه غرم. المسألة الثانية: هل تسقط الحمالة إذا ثبت فقره، المشهور سقوطها، وقال ابن الجهم: لا يبرئه إلا وصوله إلى صاحبه، لأنه تحمل به وقت يساره.

стр. 1017

المسألة الثالثة: إذا حكم عليه بالمال فلم يغرم حتى حضر الغريم، فقال ابن الماجشون: قد مضي الحكم بالغرم فلا ينقض، وقال سحنون: لا غرم عليه. المسألة الرابعة: إذا مات الحميل أو الغريم ففيه تفصيل، أما إذا مات الحميل فلا يخلو أن تكون الحمالة بالمال، أو بالوجه، فإذا كانت بالمال، ومات الحميل بعد حلول الأجل تعين طلبه بلا خلاف، وإن مات قبل الأجل ففيه ثلاثة أقوال، ففي المدونة لصاحب الحق: أن يأخذ ذلك من تركته الآن، وفي المبسوط: إذا حلف رباعًا وقال: ورثته هذا دينك في رباع الميت لم يكن ذلك لهم، وعن مالك أيضًا: أنه يوقف ذلك من ماله إلى الأجل، فإن دفع الغريم وإلا أخذ ذلك من الحميل، وفرق ابن نافع بين أن يكون للحميل ما مأمون أم لا؟ فإن كان له مال مأمون وقف (الحق وإلا أخذ الحق)، الآن من تركته، وأما حمالة الوجه يموت الحميل فيها. فقال مالك وابن القاسم: لا تسقط الحمالة، لأن الطلب متعلق (بالذمة، وعن عبد الملك في كتاب محمد تسقط، لأن الطلب متعلق) بعين الحيمل لا بذمته وهو عكس (القول الأول، وإذا فرغنا على أنها لا تسقط، فإن مات بعد حلول الأجل لزم ورثته ما لزمه، وإن مات قبل الأجل أنظر الورثة إلى حلول الأجل، وأما إن مات الغريم فيتعين طلب حميل المال بشرطه، وأما إن كانت الحمالة بالوجه فتسقط بموت الغريم إذا كان موته في البلد قبل الأجل، وبعده، واختلف إذا مات بغير البلد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هو محمول على اللد وأنه لا يغرم إلا بعد أن يخرج إليه الحميل، فإن بقي من الأجل ما لو تكلف الحميل طلبه خرج ورجع قبل حلول الأجل سقطت عنه

стр. 1018

الكفالة قال: وإن قلت لكم غير هذا فاطر حوه، وخذوا بهذا، وحمله ابن حبيب على الوفاء فقال: إذا بقي مال قدم الغريم ثم قدم عند حلول الأجل فلا شيء عليه، وقال أشبه: سقطت الحمالة إذا مات قبل الأجل لأنه قد ظهر أن غيبته لا تضره، وأنه لو كان حاضرًا لأتي الأجل وهو ميت فتسقط الحمالة. قوله: "وتصح في المعلوم والمجهول" وهذا مذهب مالك ﵀، وخالف في ذلك الشافعي فمنعها بالمجهول، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (الزعيم غارم)، ولأنه ألزم نفسه شيئًا فلزمه كالنذر المبهم. قوله: "قبل وجوب الحق أو بعده" (وهذا كما ذكره، أما بعد وجوب الحق) فظاهر، وأما قبل وجوبه فمثل أن يقول: دائن فلانًا وأنا ضامن لما تعطيه، فيجوز ذلك ويحمل الإطلاق في ذلك على العوائد دون ما يخرج عنها، نص عليه القاضي أبو محمد. قوله: "وعن الميت والحي": أما عن الحي فلا إشكال فيه، وأما عن الميت فلحديث أبي قتادة في الرجل الذي مات عليه دين فأبي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أن يصلي عليه، فقال أبو قتادة: (صل عليه وعلى دينه) الحديث، خرجه أهل الصحيح، وباقي كلام القاضي في الباب قد تكلمنا على مقتضاه.

стр. 1019

باب الوكالة قول القاضي ﵀: "باب الوكالة كل حق جازت فيه النيابة جازت الوكالة (فيه). قلت: الأصل في جواز الوكالة قوله سبحانه: ﴿فابعثوا أحكم بورقكم﴾ الآية [الكهف:١٩]، وصح أن النبي -صلي الله عليه وسلم- (وكل عروة بن الجعد البارقي ليشتري له شاه لأضحيته، ووكل علي بن أبي طالب ﵁ أخاه عقيلاً) وانعقد الإجماع على جوازها، وجري العمل عليها من الطالب والمطلوب الحاضر والغائب ذكرًا كان أو أنثي، ومنع سحنون وغيره من وكالة المطلوب ورآه من باب اللد، ومنه أبو حنيفة الوكالة إلا من الغائب والحاضر مع حضور الخصم وغيبته. قوله: "وهي من العقود الجائزة": يعني إذا كانت على وجه التبرع، ولذلك جاز لوكيل عزل نفسه، فإن قارئها العرض على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب حينئذ أن يكون العمل معلومًا، وإن خرجت مخرج الجعالة ففي المذهب ثلاثة أقوال: الجواز من الطرفين، واللزوم (منها

стр. 1020

واللزوم) من جهة الجعل دون المجهول له قال الإمام أبو عبد الله: الوكيل بالخيار بين أن يقبل الوكالة، أو يمنع، فإن قبلها على الفور عند خطاب الموكل له فلا إشكال في صحة ذلك، وإن لم يقبلها إلا بعد زمان طويل، فيجري على الخلاف في التمليك والتخيير هل لها أن تقضي بعد انفصال المجلس أم لا؟. قوله: "وليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له": قلت: لا خلاف في المذهب أن للموكل أن يعزل وكيله في حضرته أو غيبته ما لم يتعلق بوكالته حق الغير مثل: أن ينشب معه في الخصومة، أو يوكله على قضاء دين (عليه)، فليس له العزل في هذه الصورة، وينعزل الوكيل إذا علم بالعزل بلا خلاف، وهل ينعزل قبل بلوغ العلم إليه بالعزل أم لا؟ قولان مبنيان على اختلاف الأصوليين هل يعتبر النسخ من يوم نزوله، أو من يوم بلوغه، وهل ينعزل بموت الموكل أم لا؟ اما إن كان وكيلاً مخصوصًا فلا لخلاف في انعزاله بالموت، الموكل أم لا؟ أما إن كان وكيلاً مخصوصًا فلا خلاف في انعزاله بالموت، وإن كان وكيلاً مفوضًا إليه المشهور أنه ينعزل بالموت، وقال مطرف: هو على وكالة حتى يعزله الورثة، وعلى هذا الاختلاف يقع الخلاف في تصرف الوكيل يعلم موت الموكل أو عزله قبل علمه بذلك هل يحمل على الرد على الإمضاء، قال أبوبكر بن المنذر: يرد تصرفه في هذا إجماعًا من أهل العلم يعني من الجمهور، وإلا فالخلاف قائم عندنا. قوله: "ويجوز إطلاقه الوكالة في البيع" وهذا كما ذكره من أن الوكالة (تجري) على مقتضي لفظ الموكل من إطلاق أو تقييد، ويجري الإطلاق

стр. 1021

فيها على مقتضى العوائد، ولا يبيع الوكيل على البيع بدون ما سمي الموكل، فإن باع بدون ذلك لم يلزم الموكل (ذلك) وله الخيار في رد البيع، أو إمضائه، فإن إمضاء أخذ الثمن، وإن فسخه والسلعة قائمة أخذها، وإن كانت فائتة، ولم يسم له ثمنًا (طالبة بقيمتها، وإن سمي له الثمن) فهل له مطالبته بما سماه، أو بالقيمة قولان عندنا، ولو قال الوكيل: أنا أتم ما نقص من الثمن الذي سميت لي فهل يلزم الموكل (البيع) أم لا؟ الرد فيه قولان عندنا، ولو قال له: بع بعشرة فباع بها بعد الإشهار لزم البيع، وإن باع لها بغير إشهار ففيه (قولان) اللزم (ونفيه) وكذلك لو قال: بع بمائة نسيئة فباع بمائة نقدًا، أو قال: اشتر بمائة نقدًا واشتر بمائة نسيئة صح ذلك، ولزم الأشهر قاله الشيخ أبو محمد أبن ابي زيد، قال: وخالفني فيه أبو بكر بن اللباد، ولو قال له: بع بالدنانير باع بالدراهيم، أو بالعكس ففي اللزوم قولان، وكذلك لو قال له: بع بعشرة فباع باثني عشر، فالمشهور لزوم البيع للموكل، لأن ذلك مقتضي المصلحة، والمعتمد في ذلك على حديث عروة بن الجعد البارقي (في شراء الأضحية، وقد رضي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فعله، ودعا له بالبركة) وقد قيل في المدينة: إن للموكل الفسخ في مثل صورة عروة ابن الجعد، واختلف القائلون بأن له الفسخ هل محل خياره في العقد الثانية فقط، أو له الخيار في العقدتين، وهو قول ابن الماجشون، والأول هو المشهور. قوله: "والوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله" وهذا كما ذكره، لأن

стр. 1022

يده يد أمانة فيما بينه وبين، واما ما يقضي من ديونه ونحوه فلا يبرئ منه إلا بالإشهاد جريًا على العادة المتقدمة أن من دفع إلى غير اليد الذي دفعت إليه فلا يبرأ إلا بالإشهاد أصله الوصي، وقيل: لا يضمن إذا كانت (العادة في البلد) ترك الإشهاد، حكاه الإمام أبو عبد الله وغيره.

стр. 1023

باب الإقرار قال القاضي ﵀: "باب الإقراء". قسم القاضي ﵁ عنه الحقوق على قسمين: حق الله سبحانه، وحق آدمي، فحي الآدمي يلزم بالإقرار، ولا يجوز الرجوع عنه لما له في ذلك من الحق ويجوز الرجوع عن الإقرار في حقوق الله سبحانه لتعاليه عن الأغراض، والأمر كما ذكره، وتفصيل القول في حقوق الله سبحانه: أنه أما أن يرجع إلي شبهه، أو إلى غير شبهه، فإن رجع إلى شبهه فلا خلاف أن رجوعه عن الإقرار جائز، وإن رجع إلى غير شبهه فهل يجوز رجوعه أم لا؟ قولان عندنا والأصل في هذا الباب قول النبي -صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ثم تكلم عن الإقرارات (المجملة)، وهي راجعة إلى مفهوم لسان العرب، منها أن يقر بجمع فيقول: على دراهم، أو دنانير فيلزمه أقل الجمع وهو ثلاثة عند مالك وكافة أصحابه تحكمًا للسان العربي في تفريقهم بين المفرد والمثني والمجموع، وإذا قال له: على دراهم كثيرة، فالمشهور أنه يلزمه بالتعظيم زيادة على ما يلزمه بإطلاق، فقيل: يلزمه ما زاد على الثلاثة، وقيل: تسعة دراهم، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وقال بعض شيوخنا الذين درسنا عليهم يلزمه مائتين درهم، وقال أبو حنيفة:

стр. 1024

(عشرة دراهم، فإن أقر بمال، ولم يذكر مبلغه فقال بعض أصحابنا: يرجع إلى العشرة قل أو كثر، وقيل) يلزمه ربع، دينار (أو ثلاثة دراهم) أقل نصاب القطع، وقيل: عشرون دينارًا سكه أقل نصاب الزكاة فإن كان من أهل الإبل أو الغنم أو البقر (فأقل) نصابها، فإن وصف فقال: له عندي مال عظيم، فقيل: يرجع في تفسيره إليه كالمفرد غير الموصوف، قاله الشيخ أبوبكر الأبهري، وليس عن مالك فيه نص، وقال ابن المواز: لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة، وقيل: نصاب السرقة، وكذلك لو قال لفلان: على شيء فيقبل في تفسيره في أقل مما يتمول، فإن أبي أن يفسر سجن حتى يبين ويحلف على ذلك، ولو قال له: على مائة درهم إلا شيئًا لزمه تسعة وتسعون، ولو قال له: على كذا دراهم، وأو بين المائة والألف، فيجري على الخلاف في المذهب في تعمير الذمة، ولو قال كذا وكذا لاحتمل من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين، والصحيح أنه إذا فسر نيته بما يحتمله لفظه رجع إلى تفسيره ولزمه الأقل لأنه المقطوع به، واستظهر عليه باليمين في نفي الزائد. قوله: "ويصح استثناء القليل والقليل من الكثير": أما استثناء القليل من الكثير فلا خلاف في جوازه ووقوعه، وأما استثناء الكثير من القليل فاختلف فيه الأصوليون والنحويون والمعتد في جوازه قوله سبحانه: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من أتبعك من الغاوين) [الحجر: ٤٢] وقال سبحانه: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) [ص: ٨٢ - ٨٣] وبالضرورة أن أحد الصنفين (أقل)، "وهم المخلصون" لقوله سبحانه:

стр. 1025

﴿وقليل ما هم﴾ [ص:٢٤] والتطولي فيه، في فن العربية وقد ألف محمد بن الحسن الشيباني فيه كتاباً مستقلاً بنفسه، وذكر أبو بكر السراج في الأصول من ذلك مسائل (جمة). والاستثناء من غير الجنس جائز، واقع لقول النابغة: "إلا أواري" وقد قيل: إن قوله: ﴿إلا إبليس﴾ [البقرة: ٣٤] من الاستثناء المنقطع. قوله: "والتهمة مؤثر في منبع الإقرار" وهذا كما ذكره أن التهمة (تمنع) الإقرار لما في ذلك من إبطال حق الورثة، أو الغرماء، فإذا أقر في المرض لمن يتهم عليه بطل إقراره، وإن كان ممن لا يتهم في إقراره له جاز، مثل: أن يقر لبعض العصبة الأباعد مع وجود أولاد الصلب فالتهمة تبعد في مثل هذا المحل فيقبل إقراره، وفي إقراره للصديق الملاصق روايتان أحدهما: رده، والأخرى: قبوله ويكون في الثلث فمن أنزله منزلة الوصية رده إلى الثلث، ومن اعتبر التهمة، ولاحظ نفس الإقرار، وهو مغاير للوصية ....

стр. 1026

وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقرار المريض للوارث جملة، وقال الشافعي: يقبل إقراره على كل حال. قوله:"وإذا أقر أحد الأبنين بثالث لم يثبت نسبه وأعطاه ثلث ما في يده": وهذه المسألة من مشهور مسائل الخلاف فقال قوم من أهل العلم: لا يثبت بذلك النسب، ولا يجب الميراث وهو الصحيح من أقوال الشافعي، والقول الثاني: ثبوت النسب والميراث، ومذهب مالك ﵁ أن (هذا) الإقرار يتبعض فيثبت به حكم الميراث، ولا يثبت به النسب، والمعتمد لنا أن الخطة إقراره يتضمن) شيئين: أحدهما: على نفسه وهو استحقاق المقر له حظه مما بيده، والثاني: على غيره وهو كونه ابنًا لأبيه، فيقبل إقراره على نفسه، ولا يقبل على غيره، ومن رأي أنه إقرار واحد لا يقبل التبعيض، ولم يتصور عند انفكاك المتلازمين أبطلهما أو أثبتهما، وهذان القولان للشافعية، وإذا أمضينا إقراره في المال على مقتضي المذهب أعطيناه (من يد المقر قدر ما حصل في يده في الزيادة على ميراث اثنين لو ثبت هذا النسب، فإذا أقر بأخ واحد أعطي) نصف ما بيده، وإن اقر باثنين (أعطاهما ثلثي) ما بيده، والأنثى في هذا الإقرار معتبرة بفريضتها في المواريث، وعلى الجملة فضابط مشهور المذهب أنه يعطي المقر له ما كان يجب عليه لو أقر الأخ الثاني أو ثبت النسب وهو مقدار الزيادة على ميراثه لأنه تمام الميراث في يد الابن الآخر، فلا يلزم المقر دفع ما ظلمه به الجاحد، ولو ترك أمًا وأخًا فأقرت بأخ

стр. 1027

آخر، فإنها تخرج نصف ما بيدها وهو السدس فيأخذه الأخ المقر له وحده، قال محمد وهو قوله في موطئه، وعليه الجماعة من أصحابنا، وقال في رواية أخرى: يقسمه هو وأخوه والله الموفق.

стр. 1028

باب اللقطة والضوال والآباق قال القاضي ﵀: "باب اللقطة والضوال". اختلف الفقهاء في حكم التقاط التالف من أموال الناس، فمن أهل العلم من أوجب ذلك، لأنه من حفظ مال المسلم، وقال جماعة من السلف منهم ابن عباس الالتقاط مكروه مطلقًا وبه قال أحمد وغيره من الفقهاء لأمرين: الأول: قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ضالة المؤمن حرق النار) ولما يخاف من التقصير في حفظها، وقال أبو حنيفة: الالتقاط أفضل من الترك، وتحصيل المذهب فيه أنه بحسب الأحوال والأزمان، فإن كانت اللقطة بين مأمونين والغمام عدل كره الاقتاط لما في ذلك في الخطر، وإن كانت بين غير مأمونين، (والإمام جائر التقطها) لما يؤمر به من حفظ مال أخيه المسلم، ولعله الذي أشار القاضي إليه بالاستحباب، والأصل في جوازها قوله -صلي الله عليه وسلم- للذي سأله عنها (أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) الحديث.

стр. 1029

والمقصود من ذلك ماله خطر، وأما التافه اليسير فهل يعرف أم لا؟ (استحب) أشهب تعريفه، وأسقطه غيره وذلك كالسوط والنعل والدرهم، واختلف المذهب في مسائل تتعلق بتعريفها: المسألة الأولى: منها التعريف سنة على الأشهر بعد الاستبراء، وقيل: من يوم الوجود، وقيل: هو بحسب الاجتهاد. المسألة الثانية: العفاص: الخرقة، والوكاء: الخيط، وقيل عكسه، وهل يكتفي بالعلامات أو لا بد من البينة على ذلك قولان. المسألة الثالثة: إذا اعتبرنا العلامات من غير بينة فهل يكفي بالعفاص والوكاء، أو لا بد من معرفة العدد والصفة، قولان، وإذا قلنا: إن العلامة تكفي عن البينة، فهل يكتفي بواحدة من العلامات أم لا بد من معرفة جميعها، واختلفت الروايات في ذلك عن المذهب، وهل يستظهر عليه باليمين مع معرفة العلامات، إذا بيننا على جواز الاكتفاء بها أم لا قولان. قوله: "فإن مضت سنة، ولم يأت من يطلبها فإن شاء الملتقط تركها في يده أمانة": قلت: هو مخير بين ثلاثة أمور أن يتركها تحت يده أمانة، ولا ضمان عليه إن تلفت بغير فعله، أو يتصدق بها، أو يتملكها دينًا في ذمته، فإن جاء ربها غرمها له، وإن تصدق بها فهل يضنها أم لا؟ قولان عندنا، الضمان وهو المشهور نقلاً، ونفيه وهو الظاهر نظرًا لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإلا فشأنك بها) وهذا تمليك شرعي.

стр. 1030

قوله: "على كراهية (منا لذلك) ": يشير إلى نحو ما قدمناه في كراهية استسلاف الوديعة، وهذا فيما يتصور فيه التعريف، وأما الطعام (الرطب) الذي يفسد بتركه فحكمه ما ذكر أن ملتقطه بالخيار بين أن يتصدق به أو يأكله، ويضمنه إن كانت له قيمة، وقد بين -صلي الله عليه وسلم- حكم ضالة الإبل والغنم فلا يعرض لضالة الإبل، ويأكل ضالة الغنم في الصحراء، ولا يضمن قيمتها، وإن شاء تصدق بها، وقد قيل في المذهب: لا ضمان عليه إذا أكلها، لأنها تمليك شرعي، فإذا وجد ضالة الغنم في قرية أو بقرب العمران لم يلتقط. واختلف المذهب في ضالة البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم فيه ثلاثة أقوال: إلحاقها بالغنم أو بالإبل أو التفرقة، فإن كان لها قرون تدفع بها عن نفسها، فهي في معني الإبل وإلا فهي في معني الغنم، ثم ذكر حكم اللقطة يردها بعد أن أخذها، و (لباب) القول فيه أنه إن أخذها اختباراً لم يضمن، وإن أخذها احتفاظاً ضمن.

стр. 1031

كتاب الشفعة والقسمة قال القاضي ﵀: "ولا شفعة إلا في عقار أو ما يتصل به" قلت: الشفعة مشقة من (الشفع) الذي هو ضد الوتر، لأن الشفيع شفع حظه بالحفظ المستشفع فيه فصار شفعًا بعد أن كان وترًا، وقيل: إنها مشتقة من الشفاعة، لأن فيها توسطًا وعدلاً بين الشركاء عند المشاحة في الأملاك (وقيل: من الزيادة، قال الله تعالي: ﴿من يشع شفاعة حسنة﴾ [النساء: ٨٥] أي: يزيد عملاً صالحًا إلى عمله) وهي قاعدة أنشأتها المصلحة، ودعت إلهيًا الضرورة، وإلا فهي خارجة عن أصول الشرع، لأن فيها جبرًا لمالك على الخروج عن ملكه (دفعًا) لضرر الشركة، قال بعض (أشياخنا) وقيل: إنها معلة برفع ضرر القسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، وأجمع المسلمون على أنها مشروعة، والدليل على ذلك قوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة) ولم يختلف العلماء أنها واقعة

стр. 1032

في الأرضين كلها مبنية كانت أو غير مبنية، واختلفوا فيما سوي ذلك، والجمهور على أنه لا شفعة فيما عدا العقار اعتمادًا منهم على دليل الخطاب في قوله -صلي الله عليه وسلم- (الشفعة فيما يقسم) فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة). وقسم القاضي محل الشفعة ثلاثة أقسام: عقار، ومتعلق بالعقار كالبئر، وفحل النخل، ومشبه به كالثمار، وكراء الأرض للزرع ونحوه، ودرج في هذا التقسيم أنواعًا مختلفة أما العقار فلا خوف في وجوب الشفعة فيه، واختلف المذهب في مسائل: المسألة الأولى: ما لا ينقسم من العقار إلا قسمة فساد كالحمام والرحي ونحوه، وهل تثبت فيه الشفعة أم لا؟ اختلف فيه عن مالك على قولين: إثبات الشفعة ونفيه، فالإثبات لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفعة في كل شرك) والنفي لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضرار) وقياسًا على العبد والعرض ونحوه مما لا ينقسم، وكذلك الخلاف في جواز قسمته وإن أدي ذلك إلى الفساد، وهل يجبر ليها من أباها أم لا قولان، وحكي بعض أشياخنا في أحجار الرحي ثلاثة أقوال: وجوب الشفعة فيها لابن وهب، ونفي الشفعة مطلقًا، والشفعة في الأسفل لكونه من البنيان دون الأعلى.

стр. 1033

المسألة الثانية: اختلف المذهب في الشفعة في الثمار على قولين المشهور وجوب الشفعة وهو قول ابن القاسم، وأشهب كان الأصل لهما أو لم يكن، والشاذ نفي الشفعة قاله المغيرة وابن الماجشون لأنها من قبيل (المنقولات) وهو قول الشافعي، وقال مالك في قوم شركاء في ثمرة إذا كان الأصل لهم، أو كانت النخل في أيديهم مساقاة، أو كانت حبسًا على قوم، وأثمرت فباع أحدهم نصيبه منها فإن شركاءه يأخذون ما باع بالشفعة. المسألة الثالثة: البئر والنخلة الواحدة ونحو ذلك هل فيه الشفعة أم لا فيه القولان الجاريان فيما لا ينقسم من العقار. المسألة الرابعة: في أكرية الدور والمدين وكتابة المكاتب، هل في ذلك الشفعة أم لا فيه قولان في المذهب، وذلك مثل أن تكون الدار بين مالكين فيكري أحدهما نصيبه فشريكه أحق بذلك من الأجنبي، وكذلك صاحب الدين أحق بالدين الذي عليه من الأجنبي، وروي أن النبي ﷺ (قضى بالشفعة في الدين) والمكاتب أولى بنجومه من المشتري اعتمادًا على قاعدة رفع الضرر. المسألة الخامسة: الأنقاض هل فيها شفعة أم لا. اختلف المذهب في ذلك على قولين إثبات الشفعة ونفيها، قال مالك في قوم بنوا في عرصة مغارة فباع أحدهم نصيبه من النقض فرب الأرض مبدأ فإن شاء أخذ ذلك

стр. 1034

بالأقل من القيمة نقضًا، أو الثمن، فإن أبى فلشريكه أخذه بالثمن، وقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه، إذا لا ملك له في العرضة، قال: وهو بيع لا يجوز بيعه جميعًا، أو أحدهما لأن رب الأرض له أن يبقيه، ويؤدي قيمته نقضًا، أو يأمره بقلعه، فلم يدر المشتري ما اشترى نقضًا أو قيمته. قوله: «وتجب الشفعة بالخلطة» يعني: خلطة الشريك، ولا خلاف في وجوبها للشريك المخالط لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفعة في كل شرك) واحترز القاضي من مذهب أهل العراق في الشريك المقاسم قال أبو حنيفة (الشفعة مرتبة) فأولى بها الشريك الذي لم يقاسم، ثم الشريك المقاسم، إذا بقيت الشركة في (الطرق) ثم الجار، والمعتمد لنا أنه -صلي الله عليه وسلم- (قضي بالشفعة فيما لا ينقسم بين الشركاء، فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة). قوله: "ولا شفعة في سائر العروض والحيوان والرقيق". تنبيه على مذهب أبن أبي ليلي القائل بوجوب الشفعة في ذلك، وكذلك لا شفعة عندنا في الطعام، ولا في حقوق الأملاك كالممر ومسيل الماء والطريق أي العلو ونحوه كما بينه القاضي بعد. قوله: "وما يعتبر في انتقال المالك الذي تجب (وفيه) الشفعة روايتان": تقرر في هذا للمشفوع عليه، وهو كل ما تجرد ملكه اللازم اختيارًا (بالتجرد بعوض، واحترز بالتجرد) من رجلين اشتريا دارًا معًا فلا شفعة

стр. 1035

لأحدهما على صاحبه إذا لم تجد لأحدهما، وقولنا: "اختيارًا" احترازًا من تجدد الملك بالميراث. قال القاضي ﵀: "فأما الميراث فمجمع علي أن لا شفعة فيه" قلت: وهذا إجماع من الجمهور، وحكي (الطائي) عن مالك أن الشفعة تكون في الميراث وهو شاذ، وفي الشفعة في الهبة والصدقة لوجه الله روايتان الشفعة في ذلك، وإثباتهما فمن اعتبر الضابط الأول الذي ذكرنا وهو العوض أسقط الشفعة، ومن اعتبر دخوله في الملك اختياراً الحق الهبة والصدقة بالبيع والصلح، لتساويها في أنه ملك اختياري، وهبة الثواب بيع من البيوع يأخذ الشفيع فيها بقيمة الثواب أو بمثله إن كان له مثل، فإن أتي به أكثر من القيمة قال ابن القاسم يأخذ بقيمة العوض ما بلغ وقال أشهب ذلك قبل الفوت، وأما بعده فيأخذ بالأقل من قيمة الثواب أو الهبة، واختلف قول مالك في المناقلة: وهي تبديل أرض بأرض فقال ابن القاسم في العتيبة فيها الشفعة، وقال مطرف، وأبن الماجشون لا شفعة في ذلك، ويأخذ الشفعة في الإقالة والتولية والشركة، وتقع الشفعة في البيع الفاسد، إذا فات بالقيمة، وإن كان قائمًا رد. قوله: "وهي على قدر الحصص": وهذا هو المعتمد عليه من المذهب، وعندنا رواية شاذة أنها على عدد الرؤوس سمعناها في المذكرات، ولا تكاد تعرف في المذهب، وهذا صريح مذهب أبي حنيفة والكوفيين، والمعتمد لنا أن الشفعة حق مرتب على حسب الملك، فينبغي

стр. 1036

أن توزع على مقدار الأصل كسائر الحقوق المشتركة من الغلاة وغيرها. قوله: "والشريك الأخص أولى من الشريك الأعم": ومعني ذلك أن وجوه الشركة تختلف كذوي السهام أحق من العصبة، ويدخل أهل السهام من العصبة لقوة مرتبتهم، ولا يدخل العصب على ذوي السماع مثل أن يموت رجل ويترك ابنتين وابن عم، فتبيع أحد النبيين حظها، فأختها أحق بالشفعة في حظها من بني عمها، ولو باع أحد من بني العم شفع فيه البنات وابن العم الآخر، ومن ذلك أن يترك الميت جدتين وأخوين لأم وإخوة لأب فأرادت إحدى الجدتين بيع حظها من السدس، فالجدة الأخرى أحق من باقي لشركاء، فإن باعت الجدتان فالشفعة لباقي الورثة، وإن باع أحد من الأخوين للأم شفع في حظه أخوه لأمه، وعلى هذا الأسلوب يتخرج هذا الباب، هذا صريح المذهب، ورواية ابن القاسم عن مالك، وقال أشهب: ولا يدخل أهل السهام على العصبة (ولا العصبة على أهل السهام، وقيل: يدخل السهام على العصبة) ولا ينعكس. قوله: "وتجب الشفعة بمثل العوض (وصفته إن كان من الأثمان أو مما يكال أو يوزن، وبقيمته إن كان من غير ذلك) وقيمة الشقص": وهذا تنويع بحسب الحال فتجب بمثل الثمن فيما له مثل كالمعدود والمكيل والموزون، بالقيمة إن كان الثمن عرضًا أو حيوانًا والقيمة تقوم مقام المثل عند تعذر المثل، ولو صالح بشقص في موضحة، أو منقلة فإنه يأخذ دية، الموضحة أو المنقلة ولو صالح بشقص عن دم عمد شفع الشفيع بقيمة الشقص (وشفع) عن دماء الخطأ بالدية إذ هي الواجبة في الخطأ دون العمد، ومن

стр. 1037

ابتاع شقصًا وعروضًا في صفقة فض الثمن على ذلك بالقيمة، فما وجب للشقص شفع به، و (ليس للمشتري فريق الصفقة لأن الشفيع لا يلزمه أن يأخذ ما لا شفعة فيه) ولو اشتري أشقاصًا شفيعها واحد، وأراد الشفيع أن يأخذ شفة في واحد منها، (ويترك بقيمتها) لم يكن له ذلك إلا برضي المشتري، ولوباع شقصًا لرجل وله عدة شفعاء، فأراد بعضهم الأخذ بشفعته في حظه، وسلم سائرها فليس له إلا أن يأخذ الكل أو يدع، ولو كان بعض الشفعاء حاضرًا، وبعضهم غائبًا، فأراد الحاضر أن يأخذ بحظه لم يكن له ذلك، لأن تبعيض الصفقة ضرر (وكذلك إذا تعدد المشتري والشفيع .. فسلم لبعضهم فليس له ذلك، وأجازه أشهب). قوله: "ولا تبطل الشفعة إلا بتركها أو ما يدل على الترك أو يأتي من طول المدة ما يعلم معه أنه تارك"قلت: الشفيع على قسمين: غائب، وحاضر، فالغائب على شفعته أبدًا، ولو طالت غيبته ما طالت، واختلف في الحاضر على خمسة أقوال، الأول: أنه لا حد في بطلان شفعته، والثاني تبطل بانقضاء السنة قاله أشهب، والثالث: أنها تبطل (إذا قاربت السنة كعشرة الشهر ونحوها، والرابع أنها تبطل) إذا ترك القيام بطلبها أكثر من سنة، والخامس أنها تبطل (بعد) الخمس الأعوام لا أقل من ذلك قاله ابن الماجشون: إلا أن يحدث المشتري بناء أو نحوه فتنقطع شفعته في أقل من ذلك، وقال أصبغ: تبطل بعد السنتين والثلاثة، وروي عن أشهب أنه بالغ في التحديد بالسنة حتى قال: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة ولم يقم، فلا شيء له، وقال ابن ميسر: ما قارب السنة فحكمها حكمه، وقال ابن وهب: إذا علم بوقوع الشفعة فسكت فلا شفعة له إلا أن يشهد، وفي العتيبة من رواية

стр. 1038

ابن القاسم في شفيع قام بعد شهرين أيحلف قال: لا، وروي عنه فيمن قام بعد ستة أشهر قال: يحلف: وفي كتاب محمد يحلف بعد (سبعة) أشهر أو خمسة، ولا يحلف في شهرين قال ابن عبد الحكم إذا قال الشفيع: لم أعلم بالبيع وهو بالبلد فهو مصدق، ولو بعد أربع سنين، قال محمد: وإن الأربع كثير، ولا يصدق في أكثر منها وروي عن (ابن الماجشون) أن الشفعة للحاضر بعد أربع سنين، ووقع إلى العشرة أعوام، والمختار عند المحققين أنها لا تبطل إلا بالقول أو بالفعل الدالين على الإبطال لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (الشفيع أحق بشفعته) ولم يعلقه بمدة، ولم يفرق بين حاضر وغائب، ولو أضطر المشتري شفيعة إلا الأخذ، أو الترك كان له ذلك، ويتلوم (للمضطر) في ذلك اليومين والثلاثة مما لا يضر بالمشتري، وقيل: لا تأخير البتة، ومجهلة الثمن مع طول الزمان، وموت الشهود يسقط الشفعة. قوله: "ولا تجب إلا بعد تمام البيع واستقراره": نص على بيع البتة احترازًا من بيع الخيار، ولا شفعة فيه حتى يتم البيع عندنا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال إن كان الخيار للبائع فلا شفعة فيه، وإن كان للمشتري وجبت فيه الشفعة، وفي معني البيع كل معاوضة. قوله: "وهي (موروثة) كسائر الحقوق": تنبيهًا على مذهب أبي

стр. 1039

حنيفة لقوله ﷺ : (من ترك مالاً أو حقًا فلورثته) ولأنه خيار لدفع الضرر، فقام فيه الوارث مقام المورث أصله الرد بالعيب. قوله: "وإذا بني المشتري أو غرس لم يكن للشفيع أن يأخذ بالشفعة إلا مع قيمة (البناء) أو الغرس": وهذا تنبيه على خلاف أبي حنيفة، قال: هو متعد في البناء والغرس، ويأخذ الشفيع بالثمن، ويجبر المشتري على نقض البناء والغرس، ويأخذ الشفيع بالثمن، ويجبر المشتري على نقض البناء والغرس إلا أن يكون زرعًا فيترك إلى الحصاد، والدليل لنا أنه تصرف بوجه جائز، فلا سبيل إلى إتلافه بالنقض تفريقًا بينه وبين عرق الظالم. قوله: "وإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه": وهذا هو المشهور ومن المذهب فيما إذا اختلف المشتري والشفيع، فالقول قول المشتري مع يمينه إن أتي بما يشبه، لأنه المدعي عليه، وقال أشهب: القول قوله إن أتي بما يشبه من غير يمين، فإن أتي بما لا يشبه قيل: القول قول الشفيع وهو قول ابن القاسم، أو قول المشتري وهو قول أشهب، وإذا أقاما معًا البينة قضي بأعده لما، فإن تساوت بينهما سقطتا على المشهور، وقال أشهب: البينة بينة المشتري لأنها زادت، ولو تنازعا في كون الشفيع شريكًا فالقول قول المشتري فيحلف أنه لا يعرف له شريكًا وإذا أقر (أحد) ببيع الشقص، وأنكر الىخر الشراء حلف أنه لم يشتر وسقطت الشفعة، لأنه عهدة الشفيع على المبتاع.

стр. 1040

قوله: "وإذا بيع الشقص بثمن إلى أجل فإن وثق المشتري بالشفيع وإلا أتاه بثقة مليء": وهذا (مذهب) مالك ﵀ وقال غيره لا يأخذ الشفيع بالشفعة إلا أن يعجل الثمن وهو ظلم عليه. قوله: "ويوضع عن الشفيع ما حط (البائع) عن المشتري من الثمن مما يشبه" وهذا مذهب مالك، لأن الشفيع قد حل محل المشتري، وقال الشفاعي: لا يحط عنه شيء البتة، لأنها هبة محضة، والأول أصح تحكيمًا للعادة، وإلحاقًا لذلك بالثمن، وهذا فيما قرب، وأما ما زاد على (المعتاد) فهبة (محققة) وههنا مسائل تتعلق بالشفعة: المسألة الأولى: تثبت الشفعة للشريك، وإن كان كافرًا إذا كان البائع مسلمًا، كان المشتري مسلمًا أو كافرًا، وإن كان الشفيع والمشتري ذميين فلا شفعة، إذا لا محاكمة بينهما، قال أشهب: تجب الشفعة إذا كان في الصفة مسلم من غير تفصيل. المسألة الثانية: الإقالة لا تبطل الشفعة لأنها بيع حادث بعد تقرر ملك المشتري ووجوب الشفعة عليه، ولا خلاف عندنا أن عهده الشفيع على المشتري على المشتري، واختلف المذهب على من تكون العهد بعد الإقالة، فقيل:

стр. 1041

على المشتري نظرًا إلى أنها وجبت عليه بالعقد الأول، وقيل: الشفيع مخير بين أن تكون عهدت على البائع تحكيمًا للإقالة، أو على المشتري تحكيمًا للعقد الأول، قال مطرف وابن الماجشون: إن ظهر من حال المتقائلين أنهما قصدًا قطع الشفعة، فالعهدة على المبتاع، وإن ظهر أن الإقالة بقصد صحيح لا يقصد قطع الشفعة فالخيار للشفيع في أن تكون عهدت على أيهما شاء. المسألة الثالثة: إذا تصرف المشتري في الشقص قبل قيام الشفيع ببناء، أو غرس وجب للمشتري علي الشفيع قيمة ما زاد من بناء أو نحوه، فإن أحب الشفيع دفع قيمة ذلك له مع ثمن الشقص وأخذ بالشفعة وإلا ترك، ولا يضمن المشتري للشفيع شيئًا مما حدث في الشقص من هدم، أو حرق، أو قطع، ونحوه، وإلا أن يفعل ذلك قصد الإتلاف عليه، وليس للشفيع شيئًا فيما اغتل المشتري من دار، أو أرض، لقوله -صلي الله عليه وسلم- (الخراج بالضمان). المسألة الرابعة: لو اشتري أرضًا فزرعها، ثم استحق نصفها، فأراد المستحق أن يأخذ نصفها الآخر بالشفعة والزرع لم يطلع ففيه تفصيل، أما النصف المستحق فزرعه للمشتري وعلين كراء الأرض وأما النصف المستحق بالشفعة فزرعه للمتشري، ولا كراء عليه فيه، لأنه كان ضامنًا له، فخراجه له، وروي عن مالك أن الشفيع يأخذ نصف الأرض بنصف الثمن ويدفع قيمة نصف العمل والبذر، ويكون له نصف الزرع حينئذ. المسألة الخامسة: إذا بيع الشقص مراراً فللشفيع أن يأخذ بأي البياعات شاء (وينتقض) وما بعده ولو باع نصف دار، أو نصفًا من شقص بيع خيار، ثم باع النصف الآخر من آخر بيع (بت) فهل تكون الشفعة لمبتاع الخيار أم لمبتاع البت قولان مبنيات على بيع الخيار هل يعد ماضيًا من حين انعقاده أو من حين إمضائه، وفي هذا الأصل خلاف.

стр. 1042

المسألة السادسة: هل يلزم إسقاط الشفعة قبل وجوبها أم لا؟ قولان مبنيان على الوفاء بالوعد هل هو لازم أم لا؟ والمشهور أنه إذا وهب شفعته قبل وجوبها لم يلزمه، وإذا أخذ العوض عن ذلك قبل الشراء بطل، ورد العوض وكان على شفعته. المسألة السابعة: إذا باع الحظ الذي يستشفع به فهل له الشفعة أم لا؟ قولان عندنا، وذلك مثل أن يتراخي عن الأخذ بالشفعة حتى يبيع الحظ الذي كان به شريكًا، فاختلف قول مالك، هل له الأخذ بالشفعة لوجوب الحق له قبل البيع أو لا؟ لانتقاء الضرر، وهو قول أشهب، ويبطل الشفعة مساومة الشفيع لمبتاع وطلبه المعاوضة والكراء والقسمة، ولا يجوز بيع الشفعة لغير المبتاع ولا أخذها للبيع، لأن مشروعيتها لرفع (الضرر بالشركة). قال القاضي ﵀ "فصل الأعيان ضربان": القسمة تصرف فيما له كمية بالتفريق قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايبني، والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربي واليتامي والمساكين﴾ [النساء:٨] الآية وقوله سبحانه: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات: ١٤١]، وقوله: ﴿إذا يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤]، وأما السنة فقوله -صلي الله عليه وسلم-: (كل ملك أدركه قسم الاهلية فهو على قسم الجاهلية، وما أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام)، وقال ﵇: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) وقد قسم الله سبحانه المواريث والغنائم بين أهلها، وأسهم -صلي الله عليه وسلم- بين العبيد (الستة) المعتقين في المرض، والإجماع منعقد على أنها مشروعة، وقسم القاضي الممتلكات قسمين: منها ما ينقسم نوعه دون عينه، ومنها ما ينقسم (نوعه وعينه) فالأول كالثوب، والدابة والعبد والسفينة وما في معني ذلك كالخف

стр. 1043

والنعل والباب، وما لا يمكن إفراده إلا بفساد وضرر، وهذا إن لم تنقسم عينه انقسم ثمنه (بالبيع) من الأجنبي، أو بالمزايدة بين الشريكين ويجبر على ذلك من أباه منهما، ولا سبيل إلى قسمة عينه لما في ذلك من الإضرار لشريكة، وإبطال منفعته، وإتلاف ملكه عليه فلا يمكن من ذلك من دعا إليه، وإن رضي بإتلاف ملكه، ويجبر من أبي البيع عليه، لأن في بيع حصته وحده ضرراً (علي شريكه ونقصًا من القيمة وحطًا من حقه فيجبر على البيع في هذه الصورة) كما يجبر على إخراج ملكه بالشفعة رفعًا للضرر في المحلين من حيث إن البقاء على حكم الشركة غير لازم، ومن أراد من الشركاء الانفراد بحصته فذلك له بالوجه الممكن، فإن أمكن بالقسمة وإلا (بيع) إذا لا طريق للانفراد إلا ذلك، وأما ما ينقسم من الأعيان (فإن قسمته) على ثلاثة أضرب: قسمة مهاياة، وقسمة بيع ومراضاة، وقسمة تعديل وتقويم. القسمة الأولى: قسمة المهاياة بالياء، سميت بذلك لأن كل واحد هيأ لصاحبه السكني والانتفاع، ويقال المهاناة بالنون من قولهم هنان الطعام، والمعني صادق على اللفظين، وهذه القسمة على ضربين مهاياة في الأعيان، ومهاياة في الأزمان، أما مهاياة الأعيان فمثل أن يأخذ أحد الشريكين داراً ليسكنها (والآخر دار أخرى يسكنها)، أو أرضًا يزرعها، والآخر أرضًا مثلها، ولا خلاف في أنها جائزة مع التراضي ولا يجبر عليها من أباها عندنا خلافًا لأبي حنيفة، وهذه قسمة الانتفاع لا قسمة الأعيان، وأما مهاياة الأزمان فمثل أن يكون في عين واحدة أزمنة مختلفة كدار يسكنها هذا شهرًا، وهذا شهرًا، أو أرضًا يزرعها هذا سنة، وهذا سنة وهي أيضًا جائزة، مع التراضي منهما، ولا يجبر عليها من أباها.

стр. 1044

القسمة الثانية: قسمة البيع مثل أن يكون أحد الشريكين أخذ داراً على أن يأخذ الآخر داراً من غير تقديم، ومحصلوها راجع إلى البيع الذي من شرطه (الرضي) والقبول من الطرفين، وهذه القسمة جائزة في المتفق والمختلف، لجواز البيع فيهما، ولا يجبر عليها أيضًا من أباها بقرعة أو بغير قرعة. القسمة الثالثة: قسمة التقويم والتعديل وهي جائزة في المتفق والمختلف بعد معرفة القيمة وهذه القسمة تمييز حق، وقيل: بيع من البيوع، وقد ذكر القاضي صفة (هذه) القسمة، وهي أن تقسم الفريضة، وتحقق على أقل ساهامها، ثم تقوم الأملاك وتعدل على أقل السهام، وتقع التجزئة بحسب ذلك، فمن حصل له سهم من جهة كانت له، فإن اختلفا بأي الجهات يبدأ في الإسهام عليه أسهم على الجهتين. وصفة القرعة تتصور ببندقة واحدة للإسهام، ثم يرمي إلى الجهات، أو ببندقتين، بندقة للسهم، وبندقة للجهة كما ذكر القاضي ﵀. فرع: إذا وقعت القسمة في المنافع التي سميناها قسمة مهاياة، واختلف تقدير مدة الانتفاع بحسب اختلاف المقسومات، فأما العقار الذي لا ينقل، ولا يحول فيجوز أن تكون مدة الانتفاع فيه بعيدة وقريبة، وإذا وقعت القسمة للسكني في الدارين أو للزراعة في الأرضين، فإن وقعت القسمة للانتفاع بالغلة والكراء فهل يشترط في ذلك قرب المدة حذرًا من الغرر باختلاف الأكرية في اللازمة المتطاولة، أو يجوز ذلك في المدة اليسيرة والكثيرة، لأن الأعيان باقية على أصل الشركة فيه قولان عندنا، وأمل القسمة فيما ينقل ويحول ويسرع إليه التغيير من الحيوان، فيشترط فيها قرب مدة الانتفاع والاغتلال، ولا يجوز ذلك مع طول المدة للتغير اللاحق المحقق للغرر والمخاطرة. واختلفت الروايات في تقدير المدة اليسيرة فيما ينقل ويتغير، فقيل:

стр. 1045

اليوم الواحد فقط، وقيل: الخمسة الأيام، وقيل: الشهر وما دونه، ولا يجوز أكثر من ذلك، والصحيح أن المدة تختلف بحسب اختلاف المقسوم (فإنه من ما يسرع إليه التغير، ومنه ما لا يسرع إليه فيتنزل تقدير المدة على ذلك). قوله: "وإذا أراد بعض الورثة قسمة دور" إلى آخره، حاصل هذه المسألة يرجع إلى الاختلاف في تقدير القسمة فدعا بعضهم إلى القسمة على العدد، ودعا الآخرون إلى التجزئة في كل عين من الأعيان فالقول قول من دعا إلى التجزئة في الأعيان إلا أن تتفق المواضع، أو تتقارب وتتساوي المنافع أو تتقارب فالقول حينئذ قول من دعا إلى القسمة على العدد (وهو صريح مذهب مالك، لأن قسمة العدد) أنفع للفريقين، وأبعد عن الإضرار، وأعود بالصلاح (علي) الجميع، وقال أبو حنيفة والشافعية تقسم كل عين على حدتها مطلقًا، والصحيح ما ذهبنا إليه لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار) ثم ذكر الخلاف في قسمة الرحي والحمام، وقد ذكرنا ما فيه، وجري العمل في الأندلس بقول ابن القاسم في امتناع قسمة ذلك، وإن حصل لكل واحد (ما ينتفع) به انتفاعًا عامًا إلى مدة حكم المنتصر بالله، فأمر بالأخذ بقول مالك فجري الحكم به، وترك قول ابن القاسم، واعتمد مالك وفي ذلك على قوله سبحانه: ﴿قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء:٧]. تكميل: حكي المتأخرون من أشياخ المذهب في قسمة ما ينقسم إلى ما لا منفعة فيه عن المذهب ستة أقوال:

стр. 1046

الأول: قول مالك وابن كنانة أنه يقسم ولو صار لأحدهم مقدار القدم اعتمادًا على قوله سبحانه: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾. والثاني: قول ابن القاسم أنه لا يقسم إلا أن يصير لكم واحد في حظه ما ينتفع به كانتفاعه قبل القسمة من غير مضرة داخله عليه في الانتفاع. والقول الثالث: أنه يجبر على القسمة من أباها إذا دعا إليها صاحب النصيب القليل، ولا يجبر عليها إذا دعا إليها صاحب النصيب الكثير. والقول الرابع: عكس هذا القول. القول الخامس: قال مطرف إن كانت القسمة تبطل المنفعة على جميعهم لم يقسم، وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به، وفي حط الآخر ما لا ينتفع به أجبروا كلها على القسمة. والقول السادس: قال ابن الماجشون: القول قول من دعا إلى القسمة، إذا صار لكل واحد (منهم) ما ينتفع به وإن كان الانتفاع أقل من انتفاعه حال الشركة، والصحيح أن قسمة ما تؤدي قسمته إلى يطال منفعته إفساد للمال وهو منهي عنه. قوله: "وأجرة القسام على الرؤوس": وهذا تنبيه على مذهب الشافعي القائل إنها على قدر الأنصباء، والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن زيادة السهام، واختلاف المقادير لا يوجب زيادة في فعل (القسام) بل التعب واحد، وفي العتيبة: كره مالك ما جعل للقسام قال ابن حبيب: إنما كرهه إذا كانوا يأخذونه من أموال اليتامي، فأما إن كانت أجرتهم في بيت

стр. 1047

المال كأرزاق القضاة ونحوهم فجائز واحتساب ذلك كله لوجه الله العظيم أفضل، ولو طلب القسم أحد الورثة، وأبي غيره فالأجرة على الطالب والآبي سواء، وقال اصبغ: أجرة القسام على قدر الأنصباء كقول الشافعي: وهل يكتفي بقاسم واحد إذا ولاه القاضي، ويجعل ذلك حكمًا أو لا بد من قاسمين قصاعدًا قولان، وأجراه الشيخ أبو إسحاق مجري الشهادة، فلا يكتفي فيه بأقل من قاسمين عدلين، وكان خارجة ومجاهد يقسمان بين الناس بغير أجر، فاستحسنه مالك ومن طلب القسم من أهل السهم الواحد قسم له، ويقسم على أقل السهام (لأن صاحب السهم القليل يحتاج إلى تمييز حقه، فلو لم يقسم على السهام) لم يصل إلى (فرضه) وبقيت مسائل تتعلق بالقسمة: المسألة الأولى: اختلف أصحاب مالك إذا اختلفت الرباع (المتفقة)، تباعدت مواضعها هل تجمع في قسمة واحدة أم لا؟ قوان عندنا، والصحيح أنهما إذا تباعدت جدًا لم تجمع في القسم، وحد البعد ما جاوز ثلاثة أميال. المسألة الثانية: الحوائط المثمرة، والأرض المزروعة إذا قسمت دون ثمارها وزرعها جازت قسمتها فإن أرادوا قسمة الثمرة أو الزرع مع الأصول، فإن بدا صلاحه، وكان ممر يخرص فهل يقسم بينهم بالخرص أم لا؟ قولان الجواز لأنه بيع بعد الطيب والمنع لأنه مزابنة. المسألة الثالثة: يجمع في القسمة الصنف الواحد بعضه إلى بعض، وكذلك ما تقارب من الصنفين كالخز والحرير والقطن والكتان، ولا يجوز

стр. 1048

جمع الصنفين المتبانيين بكل حال في قسمة القرعة لما في ذلك من المخاطرة، وتجوز في قسمة التقويم لأنها بيع من البيوع. المسألة الرابعة: الطوارئ على القسمة خمسة أنواع: الأول: الغلط ولا يقبل دعوي مدعي الغلط إلا ببينة إذا كان غلطًا فاحشًا لا (يسمح) بمثله غالبًا، والثاني: طرو وارث أو موصي له أو غريم طالب بدين، أما الوارث إذا طرأ بعد القسمة، ولا يخلو أن تكون التركة عينًا، أو مختلفة الأنواع، فإن كانت عينًا أخذ الوارث الطارئ من كل وارث ما ينوبه، ومضت القسمة، إذ لا فائدة لنقضها، فإن وجد أحدهم معسرًا تبع الطارئ الموسر بلا خلاف، وهل يتبعه بما ينوبه وما ينوب المعسر، ويرجع على المعسر متى أيسر يومًا ما (قولان عندنا) قال ابن القاسم: يتبعه بحظه مما في يده فقط، وخالفه أشهب وابن عبد الحكم وقالا يتبعه بجميع حظه، ويتبعان معًا المعسر وإن كانت التركة عقاراً، أو عروضًا مختلفة مما لا يمكن الوارث الطارئ أن يصل إلى ميراثه إلا بعد نقض القسمة، فله نقضها، فإن أمكن وصوله إلى حقه من غير نقض فهو الصواب، فإن طرأ دين على التركة بعد القسمة فهل تفسخ أم لا؟ أم إذا اتفق الورثة على أداء الدين، فإن القسمة لا تفسخ بلا خلاف فإن دعا بعضهم إلى فسخها، ودعا الآخرون إلى أداء الدين، فالقول قول من دعا إلى الفسخ على المشهور، وقال سحنون: لا تنفسخ القسمة بطرو الدين، وينظر إلى الدين من قيمة (التركة) يوم الحكم، ويرجع فيما بيد كل واحد من الورثة بنسبة ذلك على حكم التجزئة واختلف المذهب في طرو الموصي له (بالثلث) هل هو كطرو المديان أو كطرو الوارث، فقيل: هو كالغريم، لأن الله سبحانه قرن الوصية بالدين، وقال ابن القاسم: إن أوصى له بجزء

стр. 1049

شائع من ثلث، أو سدس أو نحوه فهو كالوارث، وإن أوصي له بدنانير، أو طعام مكيل فهو كالمديان، والثالث: ظهور عيب وهو إذا طلع أحد المتقاسمين على عيب، فإن كان المعيب الأكثر رده وبطلت القسمة، فإن رد قيمته أو مثله، وكان كالأصل فيقسم مع المعيب المردودن وإن كان المعيب الأقل رده، ورجع على شريكه بقيمة نصف العيب، واقتسما المعيب، ومضت القسمة، والرابع: الاستحقاق ولا يخلو أن يستحق بعض المال شائعًا أو معينًا، فإن استحق جزءًا شائعًا لم تنتقض القسمة، ويتتبع كل وارث بقدر ما صار إليه من حقه (وإن) استحق بعضًا معينًا، وكان تافهًا رجع بنصف قيمة ذلك دنانير أو دراهم، وإن كان كثيرًا رجع بقدر نصيبه فيما بيد صاحبه؟ والخامس: الغبن، ويرجع بالغبن، الفاحش في قسمة التقويم والتعديل سواء كانت بالمراضاة أو بالقرعة لأنها بيع من البيوع، ولا يرجع به في قسمة المراضاة بغير تقويم لأن مبناها على المكارمة. مسألة: إذا اقتسموا الدار، ولم يذكروا مجاري المياه، ولا مخارج الأنصباء، وخرج الباب أو القناة في سهم أحدهم لم تنفسخ القسمة في قول ابن القاسم، وقضي على من حصل ذلك في سهمه لأصحابه بالدخول، أو الخروج، وصرف الماء إلى القناة القديمة لبقائها على أصل الاشتراك، وقال ابن حبيب: تنفسخ القسمة والأول أشهر تحكيمًا (للعادة)، ثم ذكر إسلام الصغير، والمعتمد عليه عندنا أنه تابع لأبيه في الدين، ولأمه في الحرية والرق، وقال ابن وهب: هو تابع لمن أسلم من أبويه، والدليل (لنا) أنه -صلي الله عليه وسلم- سئل عن أولاد المشركين فقال هم من آبائهم، والنفقة على اللقيط احتسابًا

стр. 1050

محض، وليس له أن ينفق عليه على شرط الرجوع سواء أذن له في ذلك الإمام أم لا؟ إذ ليس للإمام أن يلزم ذممهم الديون التي لا تلزمهم وهو حينئذ من فقهاء المسلمين، ونبه القاضي على الإمام تحرزًا من مذهب المخالف القائل أنه يرجع عليه إذا أذن له الإمام، والصحيح أن إذن الإمام لا يغير حكمًا، وميراث اللقيط لبيت المال، إذ لا وارث له، والله الموفق بفضله.

стр. 1051

كتاب الجنايات (وموجباتها من قصاص ودية وما يتصل بذلك من أحكامها) قال القاضي ﵀: "القصاص واجب في القتل وما دونه من الجراح": الأصل في وجوب القصاص في النفس والجرامات الكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية وقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] , وقوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا﴾ [الإسراء: ٣٣] , وقوله سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن شاء قتله, وإن شاء عفا وأخذ الدية) وقال ﷺ لأنس بن النضر: (يا أنس كتاب الله القصاص) وانعقد الإجماع على مشروعيته لظهور المصلحة فيه, وحفظ

стр. 1052

القاعة به وهي الحياة التي أشار إليها القرآن وقصدتها العرب في أمثالها بقولهم: القتل أنفى للقتل, والقائل الذي يجب القصاص منه وهو العاقل البالغ المختار للقتل المباشر له, والقائل الذي يجب القصاص منه وهو العاقل البالغ المختار للقتل المباشر له, وسنفسر هذه الضوابط بعد. واشترط القاضي ﵀ في وجوب (القصاص) ثلاثة شروط: أحدهما: أن يكون دم المقتول غير ناقص عن دم القاتل, ويدخل تحت هذا التقييد نوعان: المساواة والأرجح احترازًا من محل الشبهة الواجب فيه تغليظ الدية والثلث أن يكون القتل طارئًا على من حياته معلومة احترازًا من الجنين إذا سقط بضرب أمه فلا قصاص فيه, لأن حياته غير معلومة كما نص عليه القاضي في آخر الفصل, وانظر فيما إذا ضرب رجل رجلاً فأنفذ مقاتله ثم جاء آخر فأجهز عليه, وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة, فقال مالك: يقتل به, الثاني دون الأول, لأن فعل الإزهاق مرتب على فعل الثاني, وقيل: يقتلان جميعًا حكاه أبو الوليد بن رشد رواية عن المذهب, وحكي رواية ثالثة عن المذهب أنه يقتل به الأول ويؤدب به الثاني بناء على أن من أنفذت مقاتله في حكم الميت, (وكذلك) لا يرث, ولا يورث رواه أبو زيد عن ابن القاسم. قوله: "وتكافؤ الدماء يعتبر بأمرين" قلت: هما الحرية والدين, وفسر (الحرمة) بالحرية والرق وهو كما ذكره, وضابط التكافؤ الذي بني عليه راجع إلى تساويهما, أ, رجحان دم المقتول على دم القاتل وأعطى كلامه حصول هذا المعنى وهو (صورة) اشتراط مكافأة دم القاتل لدم المقتول

стр. 1053

ونقصان دم القاتل عن دم المقتول عدم الزيادة, فعدم زيادة دو القاتل عن دم المقتول مستلزم للمكافأة, أو النقصان (ففي كلامه) تكرار من حيث إن أول الكلام قد استقل بإفادة مقصده, قال: وتفصيل هذه الجملة أن الحر لا يقتل بالعبد المحض, ولا بمن فيه بقية رق مطلقًا, وهذا (مذهب مالك) الذي لا اختلاف عنه فيه, وبه قال الشافعي, والليث, وأحمد, وأبو ثور اعتمادًا على دليل (خطاب) قوله سبحانه: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال داود: يقتل الحر بالعبد مطلقًا سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره اعتمادًا على (عموم) قوله سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وعلى قوله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم) الحديث, وفرق أبو حنيفة فقال يقتل بعبد غيره, ولا يقتل بعبد نفسه, ولا حجة له في النظر. (وأجمعوا كلهم) على أن العبد يقتل بالحر, وكذلك الأنقص بالأعلى, والمدبر والمكاتب, والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل, وأم الولد كالعبد المحض سواء, بدليل نقصان طلاقهم وحدودهم, ومنع شهادتهم إجراء لهم مجرى العبيد.

стр. 1054

قوله: "ولا يقتل مسلم بكافر قصاصًا": وهذا صريح مذهب مالك ﵀ اعتمادًا على قوله ﵇: (لا يقتل مسلم بكافر) واحترز بقوله: (قصاصًا) من أن يقتله غيلة مراعاة على ماله فهل يقتل به أم لا؟ فيه قولان عندنا المشهور أنه يقتل به اعتمادًا على حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن رسول الله ﷺ : (قتل رجلاً من أهل القبلة برجل من أهل الذمة قتلة غيلة) ثم نص على أن الرق كله حكم واحد فيقاد لبعضهم من بعض كالمدبر بالمكاتب, والمعتق (بعضه بالعتق) إلى أجل, وكذلك سائر أنواع الكفر لتساوي الجميع في نقض الرق والكفر. فرع: يقتصر الأعلى من الأدنى مثل أن يقتل العبد الحر, أو الكافر المسلم, فإن جرح الكافر المسلم, أو العبد الحر جرحًا يقع فيه القصاص, فهل يقاد به أو يرجع فيه إلى الدية قولان حكاهما القاضي, ومشهور المذهب

стр. 1055

التفريق بين النفس والأطراف, فيقع القصاص في النفس دون الأطراف, وانظر الفرق بينهما, ومقتضى الدليل أنهما سواء. قوله: «وإذا صادف القتل تكافؤ الدماءين القاتل والمقتول لم يسقط القصاص بزواله من بعد»: الضمير في قوله: «بزواله» عائد على التكافؤ, لأن دم النصراني مكاف لدم النصراني, فإذا أسلم القاتل زال التكافؤ إلا أن القصاص ثبت قبل زواله, فترتب عليه حكمه, وكذلك إذا أعتق العبد. قوله: «إلا أن يراعى في قتل الأب بابنه أن (يقول) عمدًا محضًا لا شبهة فيه ولا احتمال كإضجاعه وذبحه» قلت: اختلف العلماء هل يقتل الأب بالابن فذهبت طائفة إلى أنه لا يقتل به مطلقًا على أي وجه من وجوه العمد قتله, وهو قوله قول جمهور أهل العلم, وبه قال أشهب, وقال مالك: يقتل به إذا أضجعه وذبحه. واعتمد الجمهور على حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقام الحدود بالمسجد, ولا يقاد بالولد الوالد) ورأى مالك ﵀ أن العمد ﴿إنما﴾ يتحقق في مسألة (الإضجاع) ونحوه, وما عداه لا يكون عمدًا لما للأب شرعًا من السلطنة على تأديب ولده, ولما عنده من المحبة الطبيعية المانعة من تعمد القتل غالبًا إلا في قتل تلك الصورة فلما تحقق عنده العمد فيها وقع القصاص كعموم القصاص بين المسلمين, وروى يحيى بن سعيد أن رجلاً من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنًا له بالسيف,
следующие страницы →