← Фикх малики

Фикх малики · id 18146

روضة المستبين في شرح كتاب التلقين

ابن بزيزة

Полный текст (1 291 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المغرب في أول وقتها، والعشاء بعدها من غير تأخير، وهو الصحيح عملا (بظاهر) حكمه، وقيل: يؤخر المغرب قليلًا قدر اجتماع الناس، ثم يصلي العشاء بعدها من غير تأخير، وقيل: يؤخر المغرب إلى آخر وقتها ثم تصليان معًا. الثاني: صفة الجمع، وفيه خلاف، المشهور أنه بأذان واحد وإقامتين، إذ لا معنى للأذان الثاني، وقيل: بأذانين وإقامتين أيضًا لكل واحدة، من الصلاتين حكمها وسنتها، وقيل: بالإقامة من غير أذان أصلاً، وهذا لا أصل له، والصحيح إبقاء كل صلاة على سنتها وحكمها، وإذا قلنا بالأذان الثاني فقيل: يكون داخل المسجد، لأن معنى الإعلان حصل بالأذان الأول، فقيل: في خارجه، لأنها مشروعة الأذان. قوله: ((ومن رعف في صلاته)): إلى آخر الرعاف. وتحصيل القول في الرعاف أنه لا يخلو أن يكون الرعاف يسيرًا يذهب الفتل، أو كثيرًا لا ينقطع حتى ينقضي وقت الصلاة، أو متوسطًا، فإن كان يسيرًا فتله بأنامله، ومضى على صلاته، وإن كان كثيرًا لا يرجى انقطاعه بالخروج صلى على حاله، وأما المتوسط الذي ينقطع عند خروجه فحكمه أن يخرج على الصفة التي أدركها بعد، ثم لا يخلو أن يكون طرأ له الرعاف بعد أن عقد ركعة بسجدتيها، أو قبل ذلك، ثم لا يخلو أن يكون إمامًا أو مأمومًا أو فذًا. أما الفذ فهل يجوز له البناء إن كان عقد ركعة أم لا؟ قولان في المذهب، مذهب المدونة أنه يبني إن عقد ركعة بسجدتيها. والقول الثاني: أنه لا يبني.

стр. 247

وسبب الخلاف اختلاف الفقهاء في علة البناء، هل هي حرمة الصلاة، ويمنع من قطعها، أو حرمة الجماعة، فإن قلنا إن البناء جائز لحرمة الجماعة، اختص ذلك بالإمام دون الفذ، وإن قلنا: لحرمة الصلاة تساوي الفذ والإمام والمأموم. وأما الإمام فيجوز له البناء إن كان قد عقد الركعة فما فوقها. واختلف المذهب في الأفضل، هل البناء، أم القطع، فمذهب ابن القاسم أن القطع أفضل، وقال مالك البناء أفضل، لأن الله سبحانه يقول: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾. واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا كان الدم كثيرًا لا يرجى انقطاعه كجرح صلى على حاله، وهل ينتقل فرضه إلى الإيماء أم لا؟ فيه تفصيل إن اضطر بجسده جاز له الإيماء، ويسقط عنه الركوع والسجود للضرورة الظاهرة، وإن خاف على ثيابه التلطخ دون جسده هل يسقط عنه فرض الركوع والسجود وينتقل إلى الإيماء أم لا؟ فيه قولان في المذهب، والمشهور أنه لا يسقط ذلك تغليبًا لحق الله على الآدمي. الفرع الثاني: إذا اختار الخروج لغسل الدم فصفة الخروج أن يخرج ممسكًا لأنفه قاصدًا لأقرب المواضع إليه غير متكلم ولا ماش على نجاسة. فقولنا: ((ممسكًا لأنفه)) احترزا من تلويث المسجد. وقولنا: ((قاصدًا لأقرب المواضع)) احترازًا من أن يتجاوز موضع الماء إلى ما بعده، فإن جاوزه بطل البناء، ووجب الابتداء عليه. وقولنا: ((غير متكلم)) احترازًا من المتكلم في خروجه، لأن حكمه حكم المصلي، والمصلي ممنوع من الكلام، فإن تكلم عامدًا قطع، وإن تكلم ناسيًا ففيه ثلاثة أقوال:

стр. 248

الأول: إنها تبطل مطلقًا، لأن حكم الصلاة مستدام. الثاني: أنها لا تبطل، وهو قول ابن سحنون وغيره، وعليه أن يسجد لسهوه بعد السلام، لأن كلامه زيادة إلا أن يكون كلامه والإمام لم يفرغ من صلاته، فيكون من سهو الإمام الذي يحمله عنه إمامه، ولا يلزم فيه سجود أصلًا. والقول الثالث: أنه إن تكلم في سيره لم تبطل، لأنه منفصل عن الصلاة حسًا، وإن تكلم في عودته بطلت، لأنه راجع إلى الصلاة، فله حكم المصلي حسًا. واختلف المذهب في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي، وقد قدمناه والماشي على النجاسة كالمتكلم، وفرق ابن سحنون بين قشب اليابس، والنجاسة الرطبة، فإن مشى على نجاسة رطبة بطلت صلاته، ويبني إن شاء على قشب يابس، لأنه لا يتعلق بالرجل ولا بالثوب. الفرع الثالث: إذا أجزنا له البناء فذلك إذا عقد ركعة بسجدتيها، فإن أصابه الرعاف قبل عقد الركعة، فهل يجوز له البناء أم لا؟ فيه قولان في المذهب أحدهما البناء لأن حرمة الصلاة حاصلة وهو قول ابن مسلمة. الثاني: نفيه لنفي الإعادة بما دون الركعة شرعًا. الفرع الرابع: إذا خرج ظنًا أنه دم فكشف الغيم بعد خروجه أنه ليس بدم، فهل يجوز له البناء أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أو لا؟ واختلف في صلاة المأمومين فقال ابن عبدوس لا تبطل وهو قول سحنون، وقال محمد بن سحنون تبطل صلاتهم. الفرع الخامس: إذا عقد ركعة وبعض أخرى فهل يبتدئ الثانية، ويبني على الأولى وهو المشهور، أو يبني على ما مضى من الثانية وهو قول عبد الملك ومحمد بن مسلمة.

стр. 249

الفرع السادس: إذا غسل الدم عنه، ورجع إلى صلاته، وهل يلزمه الرجوع إلى المسجد أم لا؟ أما إن علم أن الإمام لم يكمل صلاته فلا بد من رجوعه، وإن علم أن الإمام فرغ من صلاته، فإن كانت غير جمعة فلا يعود، وإن عاد بطلت صلاته، لأنها زيادة مستغنى عنها، وإن كانت جمعة فيه ثلاث أقوال في المذهب: فقيل: يعود، لأن شروط الجمعة معتبرة في جميعها، وقيل: لا يعود بناء على أن الشروط مشترطة في أوائلها، وقيل: إن حال بينه وبين العودة حائل صلى في موضعه، وأجزاه وإلا فلا. الفرع السابع: إذا أصابه الرعاف وهو صلاة الجنازة أو صلاة العيدين فحكمه حكم ما لو كان صلاة الفريضة، والتكبير في صلاة الجنازة كالركعة في غيرها، وروى عن أشهب أنه إن رعف قبل أن يعقد ركعة من صلاة العيدين، أو تكبيرة من صلاة الجنازة، وخاف فوات الصلاة إن هو خرج لغسل الدم عنه، فله أن يصلي على حاله، ولا ينصرف، وكذلك إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعفي عنها، وخاف فوات الصلاة إن اشتغل بغسلها، فله أن يصلي على حاله، لأن الصلاة على هذه الحالة أولى من فوات الصلاة. الفرع الثامن: إذا لم يدرك مع الإمام ركعة يعتد بها، ثم رعف، فهل يبتدئ تكبيرة الإحرام، أو يبني على تكبيرة الإحرام أم لا؟ فيه قولان: والصحيح أنه يبتدئ من حيث لم يحصل له ركن يعتد به. قال القاضي ﵀: ((وصلاة المريض بحسب إمكانه)) إلى آخر الباب. شرح: الأصل في صلاة المريض ما ثبت أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرعه فجحش شقة الأيمن فصلى جالسًا فصلى الناس بصلاته

стр. 250

جلوسًا وقال: (إنما جعل الإمام) الحديث. قوله: ((ويختار له أن يجلس متربعًا)): وهذا هو المشهور عملاً بفعل ابن عمر وكان يتربع. قوله: ((ولا يجذب إليه أحدًا)): تنبيهًا على مذهب المخالف، وعمدة المذهب قول عائشة ﵂: (شبهونا بالكلاب لقد رأيتني معترضة بين يدي رسول الله ﷺ اعتراض الجنازة فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا رفع بسطتها). قوله: ((ويستحب للمصلي في الفضاء أن تكون بين يديه سترة تحول بينه وبين المارين)): وهو كما ذكره، والأصل في السترة ما ثبت أن

стр. 251

رسول الله ﷺ كانت له سترة توضع له إذا صلى، وكان يصلي إلى سترة، وإنما ذلك في حق الإمام والفذ إذا صليا بحيث لا يأمنا المرور فإن آمنا فهل يتوجه عليهم بالسترة أم لا؟ فيه قولان، قال مالك والإمام سترة لمن خلفه، وفي لفظ آخر: سترة الإمام لمن خلفه، والمعنى مختلف وهو ظاهر.

стр. 252

باب (في) قصر الصلاة في السفر الأصل في القصر في السفر قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوات﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وثبت أن رسول الله ﷺ قصر الصلاة وأصحابه، ثبت ذلك عنه قولاً وفعلاً. وأجمعت الأمة أنها مشروعة، وإنما اختلف الفقهاء في أصل الفرض، فذهبت طائفة من أهل العلم سلفهم وخلفهم إلى مقتضى حديث ابن عباس قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم أربعًا في الحضر، وركعتين في السفر، وركعة في الخوف). فهؤلاء رأوا أن الفرض في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. وقالت طائفة بل كان أصل الفرض ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على حالها، وهو مقتضى حديث عائشة ﵂، وقالت

стр. 253

طائفة من أهل العلم: بل فرض كل واحد منهما على ما هو عليه، ففرضت صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين، وظاهر قوله سبحانه: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ أن أصل الفرض كان على التمام، لأن القصر لا يقصر، وقد رد أبو المعالي وغيره حديث عائشة ﵂ بناء على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى غير مقبول لتوقي الرواة على نقل مثله. قوله: ((القصر في الصلاة الرباعية)): وهو كما ذكره، ولا خلاف بين الأمة إلا ما روي عن ابن عباس وغيره أن العتمة لا تقصر، لا أصل له من السنة، وأما المغرب وصلاة الفجر فالإجماع على أنهما لا تقصران. قوله: ((وأداؤها على صفة أداء التامة)): الضمير عائد على الصلاة المقصورة، والمعنى أنها في التكبير، والركوع، والقراءة، وسائر أقوالها وأفعالها كانت تامة سواء، وإن خالفها من جهة العدد لا من جهة الهيئة مورد استثناء القاضي بقوله: ((إلا في الاتمام)) والجمهور من أهل العلم أن القصر المراد بقوله تعالى: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ هو قصر العدد لا قصر الهيئة.

стр. 254

قوله: ((وحد سفر القصر ثمانية وأربعون ميلاً)): يتعلق بهذا الكلام في حكم القصر، وفي حد المسافة، وقد اختلف الفقهاء في حكم القصر في السفر، فقيل: هو فريضة، والاتمام ممنوع احتجاجًا بحديث عائشة ﵂، وحققه الأئمة، لأنها كانت تتم، ولأنه ﵇، يتم وقيل: القصر سنة، لأنه ﵇ فعله مظهرًا مداومًا عليه. وهو حقيقة السنة، وقيل: إنه رخصة، لأن سبب الرخصة قائم، وهو المشقة اللاحقة، فرخص للمسافر في القصر والفطر، وقيل: إنه مباح اعتمادًا على حديث أنس قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم، ومنا المفطر، ومنا المتم، ومنا المقصر، فلم يعتب أحد منا على الآخر) وهذا معقول الإباحة. والذي اختاره القاضي من المذهب ونصره أن القصر سنة، والاتمام مكروه اعتمادًا على الفعل الدائم المستمر. وأما المسافة المبيحة فاختلف السلف فيه اختلافًا كثيرًا. وتحصيل المذهب في ذلك أن السفر إما أن يكون بريًا أو بحريًا، وأما المسافة ففي المذهب روايتان، إحداهما: التحري بالزمان. الثانية: بالمكان. واختلفوا في تعيين الزمان على روايات. الرواية الأولى أنه لا قصر إلا في مسيرة اليومين التامين. الرواية الثانية أن لا قصر إلا في مسيرة اليوم والليلة. الثالثة: أنه لا قصر إلا في مسيرة اليوم. والذين حدوه بالمكان اختلفوا ي تعيينه، فقيل: أقل

стр. 255

من ذلك ثمانية وأربعون ميلاً، لا قصر في أقل من ذلك. وقيل: خمسة وأربعون ميلاً، وقيل: أربعون ميلاً، وقال ابن القاسم إن قصر في ستة وثلاثين ميلاً لم يعد. وحكى أبو محمد بن عطية المفسر في كتاب التفسير عن المذهب القصر في ثلاثين وقال: وفي المذهب أيضًا القصر في ثلاثة أميال فصاعدًا. قلت وهذا غير معروف في المذهب، والمشهور ما ذكرناه من الروايات الأولى، وهذه الروايات الواقعة في المذهب مبنية على اختلاف الأحوال وتقارب الزمان، لأن هذه المسافة المكانية هي مظنة لا يقطعها المسافر في هذه المسافة الزمانية، وإن اختلفت فذلك بحسب اختلاف المسافرين في المشاة والركبان، وقد قال ﵇: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة مع غير ذي محرم) ففي هذا النص الصريح ما يدل على أن هذه المسافة توجب حكم السفر، ومفهومه أن أقل من ذلك لا يوجب. وثبت في هذا الباب آثار مختلفة عن السلف من الصحابة والتابعين، وذكرناها في موضعها، وأما سفر البحر فأكثر الرواة على أنه كسفر البر، وقال مالك بقصر أهل البحر في مسافة (اليوم) التام هكذا وقع في

стр. 256

المبسوط، وإنما حده بالزمان، لأن الأميال قد لا تنحصر فيه غالبًا، ولهذا اختار بعض الأشياخ التفصيل، فإن كان المسافر (ملجئًا) اعتبرناه باليوم التام، وإن كان (مسهلاً) اعتبرناه بالأميال على اختلاف الروايات فيه، وكل ذلك اختلاف في أحوال لا في فقه، فإن اجتمع السفر في البر والبحر غلب الكثر، وقيل يقع التلفيق. قوله: ((فإن كان خلف مقيم فليتبعه)): وهذا الذي ذكره هو المشهور من المذهب، وعندنا في الصورة قولان: احدهما: أن المسافر يتبع الإمام المقيم بدل المخالفة، والثاني: أنه لا يتبعه بناء على أن فرضه القصر، فزيادته على الركعتين تبطل صلاته وإذا أمرناه بالاتباع هل يعيد في الوقت أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وهو جار على ما قدمناه في حكم القصر، وعندنا قولان أيضًا في من أتم عامدًا، فقيل: صلاته باطلة بناء على وجوب القصر، وتعيين عدد الركعات، وقيل: صلاته صحيحة مراعاة للخلاف. قوله: ((وإن كان خلف مسافر فأتم فلا يتبع)): وهذا أيضًا فيه قولان عندنا الاتباع بدل المخالفة، ونفيه بناء على أن القصر مطلوب شرعًا. قوله: ((ويستمر المسافر على القصر وإن عرضت له (إقامة) ما لم يبلغ بعزيمته إقامة أربعة أيام وليالهن)): وهذا مذهب مالك ﵀، والدليل على تخصيص هذه المسافة أن رسول الله ﷺ : (حرم على المهاجرين المقام بمكة أكثر من ثلاثة أيام): فدل على أن ما زاد، في حكم الحضر، وأن الثلاثة في حكم السفر.

стр. 257

قوله: ((ولا يقصر حتى يفارق بلده، ويخلفه وراء ظهره)): وهذا الذي ذكره هو المشهور من المذهب وعندنا فيه قولان أحدها: ما ذكره. والثاني: ما ذكره ابن القاسم وابن حبيب أنه لا يقصر حتى يجاوز البلد بثلاثة أميال، لأن هذا المقدار هو الذي يلزم فيه إتيان الجمعة، وكأنه في حكم الحاضر، ولا يتحقق له حكم المسافر إلا بالزيادة على ذلك. قوله: ((ولا يقصر العاصي بالسفر)): وهذا هو المشهور من المذهب أيضًا، وعندنا قولان في العاصي هل يرخص له لعموم ورود الرخصة ام لا يباح له، لأن في ذلك إعانة على المعصية، والمشهور ما ذكره القاضي. قوله: ((وإن فرغ من صلاة مقصورة ثم عزم على الإقامة لم تلزمه إعادة)): وهذه المسألة لم يختلف فيها المذهب، وإنما الخلاف إذا حدثت له نية الإقامة في أثناء الصلاة، ومبناه على أصل، وهو هل يلزمه عدد الركعات أم لا؟ وفي هذا الأصل قولان في المذهب قال مالك: إذا عقد منها ركعة وهو مسافر، ثم نوى الإقامة أضيف إليها أخرى، وجعلها نافلة، وصلى صلاة مقيم. وقال ابن دينار يبتدئ الصلاة، وإن كان إمامًا أتبعه المأموم، وابتدأ جميعهم الصلاة، وقال ابن القاسم إن كان إمام قدم غيره وخرج.

стр. 258

باب الجمعة قال القاضي ﵀: ((وهي فرض)) إلى آخر الباب. شرح: الجمعة واجبة بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] الآية والأمر وإن اجمل فالقرائن الفعلية والمقالية تخلصه للوجوب، وثبت العمل بها، والمواظبة بالمدينة حتى مات ﷺ على ذلك، وأجمع جمهور أهل العلم على وجوبها. وعندنا في المذهب رواية عن أصبغ أن الجمعة سنة، وتحرز القاضي بقوله: ((وهي فرض على العيان)) من فرض الكفاية الذي يسقطه البعض. ولها شروط وجوب وشروط اداء، كما ذكره القاضي، وحصر شروط الوجوب في ستة: البلوغ: تحرزًا من الصبي، لأنه غير مكلف. والعقل:

стр. 259

احترازًا من المجنون. والحرية: احترازًا من العبد، فلا جمعة على العبد ولا على المسافر، لأنه مستغرق في حق سيده. والذكورية احترازًا من المرأة. والإقامة احترازًا من المسافر، ولا جمعة على العبد ولا على المسافر. وموضع الاستيطان تحرزًا من الموضع الذي لا يستقر فيها، وليست وطنًا، وتتفضل هذه الصلاة على سائر الصلوات باشتراط الإمام والخطبة والجامع. قوله: ((ولا حد لهذه الجماعة)): احترازًا من مذهب المخالف. فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال عديدة مبناها على اختلاف الروايات في عدد من بقي في الصلاة مع النبي ﷺ يوم (ورود) العير من الشام، وبسبب ذلك أنزل الله : ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا افضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]، الآية وقد روي عن مالك: أن حد الجماعة ثلاثون رجلًا، وروى عنه خمسون رجلاً، واختار بعضهم أربعين رجلاً. واختلف المذهب على قولين إذا كان هذا العدد ممن لا تلزمهم الجمعة كالعبيد والنساء هل تنعقد بهم أم لا؟ وكذلك اختلف المذهب هل هو شرط مستدام أم لا؟ وفيه قولان. قوله: ((ووقتها وقت الظهر)): وهذا مذهب جمهور اهل العلم، فلا تصلي قبل الزوال عندنا، وقوله في حديث طنفسة عقيل بن أبي

стр. 260

طالب: (فنقيل قائلة الضحى). وهو مصدر تشبيه فنقيل قائلة مثل قائلة الضحى. واختلف المذهب في آخر وقت الجمعة على خمسة أقوال، فروى مطرف عن مالك أنه يصليها ما بينه وبين غروب الشمس، وقال ابن القاسم عن مالك ما لم يبق للعصر بعدها أقل من ركعة، وروى عن مالك أنه وقع منها ركعة في آخر وقت الظهر، وركعة في أول وقت العصر كانت جمعة، وروى عنه أن آخر وقتها أن تدخل وقت العصر، وروى عنه أن وقتها ما لم يبق لغروب الشمس أربع ركعات فهي جمعة. وسبب هذا الاختلاف اختلافهم هل هي صلاة قائمة بنفسها، أو بدل من الظهر، فيعطي البدل حكم المبدل منه، وكذلك أيضًا اختلفوا هل يبرد بها كما يبرد بالظهر أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان الصحيح أنه ﵇ لم يبرد بها قط، ووقع في البخاري عن النبي ﷺ إذا اشتد البرد عجل الجمعة، وإذا اشتد الحر أبرد بصلاة الجمعة. قوله: ((يؤذن لها على المنار لا بين يدي الإمام)): تنبيهًا على مذهب

стр. 261

المخالف. قوله: ((والخطبة فيها قبل الصلاة)): قلت الخلاف في سبع مواضع: الأول: هل هي واجبة أو سنة، وفي المذهب فيه قولان المشهور أنها واجبة وقيل: هي سنة. الثاني: هل هي شرط في صحتها أم لا؟ قال ابن الماجشون: على أي وجه كان، فالجمعة صحيحة والمشهور انها شرط. الثالث: هل لها قدر أم لا؟ ويجزئ منها ما يسمى عند العرب خطبة، وفي ثمانية أبي زيد إذا صعد المنبر وتكلم بما كان فهي خطبة وجمعتهم صحيحة. الرابع: هل الطهارة لها شرط أم لا؟ واختار القاضي أنها مشروطة مع الذكر، وقال سحنون: هي مشروطة مطلقًا، وقال أصبغ: إن خطب على غير وضوء اجزأه، لأن ذكر الله على كل حال. الخامس: هل من شرطها الجلوس بين خطبتها، والمشهور أنها سنة واجبة.

стр. 262

السادس: هل القيام شرط فيها أم لا؟ وفيه قولان. قال القاضي: ((إن خطب جالسًا إيماء اجزأه، ولا شيء عليه)). السابع: هل حضور الجماعة مشترطًا في الخطبة كاشتراطه في الصلاة أم لا؟ وفيه قولان. مبنيان على الخلاف في افعاله ﵇ هل هي محمولة على الوجوب أم لا؟ وفيه قولان. وذكر أن الخطبة فيها قبل الصلاة وهو الذي كان عليه عمل رسول الله ﷺ والخلفاء بعده وقد قال تعالى: ﴿وتركوك قائمًا﴾ إشارة إلى قيامه في الصلاة، وقيل: وتركوك قائمًا في الخطبة وكانت الخطبة حينئذ بعد الصلاة، ثم نسخ ذلك، ذكره أبو داود. قوله: ((متوكيًا على قوس أو عصا)): قد قيل: إنما ذلك خوفًا أن يتشاغل بالعبث بيده. قوله: ((ولا يركع من دخل والإمام يخطب)): وهذا فيه خلاف في المذهب المشهور انه لا يركع، وروى محمد بن الحسن عن مالك أنه يركع وهو قول الشافعي اعتمادًا على قوله ﵇ لسليك بن الغطفان (قم فاركع ركعتين) الحديث، وتأوله المالكية على أنه كان فقيرًا فأراد ﵇ أن

стр. 263

يراه الناس فيتصدقوا عليه، وقد وقع هذا التعليل في بعض طرق هذا الحديث. قوله: «وتدرك بقدر ركعة من فعلها أو وقتها»: أشار بقوله: ((من فعلها)) إلى المسبوق الذي أدرك مع الإمام منها ركعة فقط فهو مدرك للجماعة عند الجمهور من أهل العلم، خلافًا لمن رأى أن من لم يدرك الخطبة فلا جمعة له بناء على أن الخطبة بدل من الركعتين. قوله: ((أو وقتها)) إشارة إلى من يستجمع شروط وجوب الجمعة أو أدائها إلى آخر وقتها بمقدار ما يبقى منه ركعة منها فقط، فإدراك الوقت المقدر بالركعة كإدراك المسبوق بالركعة فتأمله فهو ظاهر. قوله: ((ومن سننها المتأكدة الغسل متصلاً بالرواح)): وهذا هو المشهور من المذهب أن غسل الجمعة سنة، والدليل على قول عمر ﵁ للداخل الوضوء أيضًا، ولو كان واجبًا لأمره به، وقال ﵇: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». قوله ﵇: «الغسل للجمعة واجب»

стр. 264

يريد وجود السنن والله أعلم. قوله: «ولا يجمع إلا في موضع واحد»: وتحصيل القول في هذه المسألة أن إقامتها في جمعتين جائزة في المصر الكبير الذي لا يكتفي فيه بجامع واحد. وأما المصر الصغير فلا يقام فيه في جامعين، فإن أوقعت في جامعين فالمشهور أن الصلاة صلاة أهل الجامع العتيق. قوله: ((إلا أن يظهر عذره)): احترازًا من المسجون والمريض، وهل يصلون الظهر جماعة أم لا؟ فيه قولان: المشهور: المنع، والشاذ: الجواز تحصيلًا لفضيلة الجماعة.

стр. 265

باب صلاة الخوف الأصل في صلاة الخوف قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء: ١٥٨] الآية وسبب نزول الآية أن المشركين استقبلوا رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، فنزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية بين الظهر والعصر. وأجمع العلماء على أن هذه الصلاة مشروعة في حياته ﵇ وأنه صلاها مرارًا كثيرة، فقيل: عشر مرات، وقيل: ثلاث مرات، وقيل: أكثر من ذلك. واختلف هل هي باقية بعد موته أم لا؟ فذهب الجمهور على أنها باقية بعد موته اعتمادًا على عمل الصحابة وصلاتهم على هذه أدعية بعد موته ﷺ وشذ (محمد بن الحسن)

стр. 266

وغيره فرأوها غير مشروعة تعلقًا بمقتضى خطاب الواحد المفهوم من قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، وإذا ثبت أنها مشروعة، فقد ورد لها هيئات مختلفة عنه ﷺ تبلغ خمسة عشر هيئة ذكرناها في المطولات. واختلف الفقهاء في المختار منها، والذي عول عليه الجمهور من المالكية هو العمل على حديث صالح بن خوات وهو الذي ذكره القاضي ﵀ وهو ان يقسم العسكر فريقين فيصلي بالفرقة الأولى شطر الصلاة إن كانت رباعية أو ثنائية، وإن كانت ثلاثية صلى بالطائف الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة واحدة، فإذا صلى بالأولى فهل يتمون لأنفسهم فينصرفون قبل الإمام بعد تكميلهم لأنفسهم، أم ينصرفون قبل التكميل فيستقبل العدو وهم في حكم الصلاة، ثم تجيء الطائفة الثانية، فتدرك مع الإمام الركعة الثانية فما فوقها فيه قولان في المذهب مبنيان على اختلاف الأحاديث. فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم يكملوا. واختار ذلك أشهب من حيث لا يكون

стр. 267

إلا بعد سلام الإمام، وفي حديث صالح بن خوات أنهم اكملوا لأنفسهم، وهو المختار عند المالكية فرارًا من العمل في الصلاة، وقال تعالى: ﴿فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ [النساء: ١٠٢] فهل المقصود لأنفسهم أو سجودهم. قوله: ((فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثانية)): وهذا الفرع فيه خلاف، وذلك إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى، وقامت للقضاء لأنفسهم على ما هو المختار من المذهب، وانتظر الإمام قضاءهم، وإتيان الطائفة الثانية، فهل ينتظرهم قائمًا او جالسًا، لا يخلو أن يكون موضع جلوس أم لا، فإن كان موضع جلوس فإنه ينتظرهم جالسًا، وإن لم يكن موضع جلوس فهل ينتظرهم جالسًا أو قائمًا، فيه قولان في المذهب منيان على تقابل المكروهين، فينظر في تغليب أحدهما، وذلك أن زيادة القيام مستغن عنها ومكروه، وزيادة جلوس مستغن عنها كذلك، ويقع النظر في ترجيح أحدهما، وإذا قلنا إنه ينتظرهم قائمًا، فهل يسكت، أو يقرأ، أو يسبح فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يسكت، لأن القيام ليس هو للقراءة، بل للانتظار، وقيل: يقرأ، لأن الصلاة محل القراءة، وقيل: يسبح، لأن الصلاة محل الذكر. وإذا فرغ من (الصلاة) بالطائفة الثانية، فهل يسلم، ثم تسلم الطائفة بعد تكميلها أو ينتظر تكملتهم، ثم يسلم بعد ذلك، فيه قولان في المذهب الأشهر: أنه يبادر بالسلام بعد كمال صلاة نفسه، ثم يسلم المأمون بعده، لأن ذلك حكم المأموم، وقد جاء أنه ﵇ انتظر إكمالهم ثم سلم. قوله: ((فأما إن اشتد خوفهم)): إلى آخره وهذه الصلاة سائفة، وللسائف

стр. 268

أن يصلي كيف امكنهم مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها راكبًا أو ماشيًا أو مطاعنًا، لأن دين الله يسر، وتأخير الصلاة عن وقتها لا سبيل إليه وإنما أخر ﵇ الصلاة يوم الخندق حتى غربت الشمس نسيانًا، والناسي غير مؤاخذ. فرع: لو قسم الإمام في المغرب ثلاثة طوائف، فصلى بكب طائفة ركعة، أو قسم من معه في الظهر، وسائر الرباعيات أربع طوائف، فصلى بكل طائفة ركعة، ففيه نظر تفصيله: أما في المغرب ففي صلاة الإمام، والطائفة الثانية والثالثة قولان أحدهما: أنها باطلة لأنهم زادوا في صلاتهم جهلاً، وأخرجوها من الصفة الشرعية. والثاني: أنها صحيحة بناء على أن هذه الصلاة مشتملة على التوسعة والتخفيف. وأما الطائفة الأولى فصلاتهم باطلة باتفاق، وكذلك الرباعية تبطل فيه صلاة الأولى والثانية لأنهم فارقوا إمامهم من غير موضع المفارقة. واختلف المذهب في صلاة الإمام والثالثة والرابعة على قولين أحدهما: أن صلاتهم صحيحة، والثاني: إنها باطلة بناء على ما ذكرناه.

стр. 269

باب صلاة العيدين قال المؤلف الأصل في صلاة العيدين قوله : ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] قيل: هو إشارة إلى صلاة العيدين. وقال تعالى: ﴿فإذا فرغت فأنصب﴾ [الشرح: ٧] قيل: هو إشارة إلى صلاة العيدين وجمهور أهل العلم على أنها سنة. وقال قوم من أهل العلم هي فرض كفاية لما فيها من إظهار شرائع الإسلام، وقد استمر عليه عمل رسول الله ﷺ والمسلمون بعده إلى الآن، وجعلها مؤكدة تنبيهًا على ما ذكرناه من إقامة شعائر الإسلام. قوله: ((وسنتها المصلى دون المسجد)): وهذا كما ذكره إلا في أهل مكة فإنهم يقيمونها في المسجد لأن داخل الحرم أفضل من خارجه، والمقصود

стр. 270

تحصيل الأفضل ويخرج إليها الإمام، وكل من تلزمه الجمعة بقدر ما إذا (بلغ) المصلي حلت الصلاة. واختلف المذهب على قولين فيمن لا تلزمه الجمعة، هل يؤمر بالخروج إليها لما في ذلك من المباهاة أو لا يؤمر بها، والصحيح الأمر بذلك اعتمادًا على حديث أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج العواتق والحيض (وذات الخدر) والحديث ثابت. قوله: ((ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو، وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى)): وهذا كما ذكره، وعليه كان عمل رسول الله ﷺ في حديث بريدة قالت: (كان ﵇ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي). قوله: ((ومن سنتها الغسل والطيب)): قد اشتهر أن غسل الجمعة

стр. 271

والعيدين سنة مؤكدة لقوله ﷺ : (إن هذا اليوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك) والحديث ثابت في الصحيح. قوله: ((والتكبير في المشي والجلوس إظهارًا لملة المسلمين)): وأما الرجوع من غير الطريق التي أتى منه فسنة ثابتة عنه ﷺ . وقد اختلف العلماء في تعليل ذلك، فقيل: لكثرة الخطوات، وقال بعضهم: إنما كان ﵇ لتصافحه ملائكة الطرقات، وقيل: لكثرة السواد والمباهاة للعدو، وقيل: لتنال بركته الطريقان، وقيل: ليتصدق على أهل الطريقين إلى غير ذلك من التعاليل التي ذكرها علماؤنا، ويحتمل أن يكون فعله ﵇ معللًا بجميعها. قوله: ((يزاد في الأولى ست تكبيرات بعد الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام)): وهذا مذهب مالك ﵁، والحكمة في ذلك أن يجتمع في هذه الصلاة عدد تكبيرة الرباعية فهذا هو من التخصيص. قوله: ((بسبح والغاشية)): هذا هو المختار، وبهذا كان يقرأ

стр. 272

رسول الله ﷺ ، وروي أنه كان يقرأ ((بقاف)) في الأولى، وفي الثانية ((باقتربت)). واختلف المذهب في فروع: الأول: إذا لم يكبر حتى قرأ، فأمرناه بإعادة التكبير، فهل (يعيد التكبير) أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وإذا أمرنا بإعادة التكبير فهل يسجد أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وإن لم يكبر حتى ركع تمادى وسجد قبل السلام. الفرع الثاني: إذا أتى المسبوق بعد تكبيرة الإحرام فهل يكبر في حال قراءة الإمام أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يكبر اعتبارًا له بحكم غير المسبوق. والثاني: أنه لا يكبر، لأن ذلك مخالفة على إمامه. الفرع الثالث: إذا أدرك المسبوق التشهد، وقام بعد سلام الإمام، فهل يعتد بتكبيرة الإحرام أو يكبر سبعًا، لأنه غير مدرك للصلاة، فتكبير الأولى غير مجزئة عنه، ولا داخل في تكبيره، فيه قولان في المذهب ومبناهما على ما ذكرناه.

стр. 273

الفرع الرابع: إذا كبر الإمام في أثناء خطبته، فهل تكبيره محصور بعدد أم لا؟ فيه قولان فقيل: لا حد له، وقيل: حده سبع. الخامس: هل يكبر الناس حينئذ بتكبيره أم لا، فيه قولان: فقيل: لا يكبرون، بل يصلون بالسماع والإنصات، وقيل: يكبرون اتباعًا للإمام. قوله: ((ولا أذان فيها ولا إقامة)): هذا هو الذي مضى عليه العمل. قوله: ((ويكبر خلف الصلوات يبدأ بالظهر من يوم النحر)): الأصل في التكبير في أيام التشريق في أدبار الصلوات الاقتداء بأهل منى والأصل في تكبيرات الغدو إلى المصلى قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية. واختلف المذهب في هذا التكبير دبر الصلوات في مسائل: الأولى: هل ينحصر بأدبار الصلوات فيه، أم يكون في سائر الأوقات، والمشهور أنه ينحصر بأدبار الصلوات، والشاذ: عمومه في سائر الأوقات لأهل منى خاصة. الثانية: متى ينقطع هذا التكبير على أقوال كثيرة بين السلف، وفي المذهب في ذلك قولان، فقيل: ينقطع في صلاة الصبح من يوم الرابع، وقيل: في صلاة الظهر، ومبناه على اختلاف الروايات الواقعة فيه.

стр. 274

والثالثة: إذا نسي صلاة من أيام التشريق، ثم ذكرها بعد انقضائها هل يكبر أم لا؟ فيه قولان: التكبير إعطاء لها حكم وقتها الثاني نفي التكبير إعطاء (لها) حكم وقت القضاء. الرابعة: اختلفوا في المستحب من التكبير، والمشهور ما ذكره القاضي، وقيل: يقتصر على ((الله أكبر)). فرع: إذا صليت صلاة العيد في المصلى فلا يتنفل قبلها ولا بعدها عنده اقتداء بالعمل لوجهين الأول: سد الذرائع خيفة من أهل البدع. الثاني: قال ابن حبيب: صلاة العيد حظ ذلك اليوم من النافلة. فإن صليت في المسجد ففي جواز التنفل ثلاثة أقوال، فروى ابن القاسم عن مالك جواز التنفل قبلها وبعدها، وروي أشهب عنه لا يتنفل قبلها ولا بعدها. قال ابن حبيب: يتنفل بعدها، ولا يتنفل قبلها خشية التطويل في النافلة فتؤخر عن وقتها.

стр. 275

باب صلاة الخسوف الكسوف، والخسوف: عبارة عن إظلام القمرين قال ابن حبيب: هو تغيير لون الشمس، وقيل: إنها تغور في البحر فينقطع ضوؤها، وقد يكسف منها البعض، فيسمى كسوفًا، وقد يأتي الخسوف في جميعها فيسمى خسوفًا، ولا خلاف في المذهب أنها سنة مؤكدة، والخلاف بعد ذلك في عشرة مواضع: الأول: من تلزمه، وفي المذهب فيه قولان: فقيل: كل من تلزمه الجمعة، وقيل: كل مكلف. الثاني: هل تصلي في المسجد قياسًا على سائر النوافل، أو يبرز لها إلى المصلى قياسًا على صلاة العيد فيه قولان عندنا. الثالث: لا خلاف في تطويل القراءة والركوع، واختلف في حد الطول، والمشهور أنه بقدر ما يقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن وسورة البقرة، وفي

стр. 276

الركوع الثاني من الركعة الأولى بآل عمران. والقول الثاني: غير محدود وهو قوله: (ما لم يضر بمن خلفه). الرابع: هل يطول السجود كما يطول الركوع فيه قولان مبنيان على اختلاف الروايات في الأحاديث. الخامس: هل يقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن أم لا؟ المشهور القراءة، وقال ابن مسلمة لا قراءة عليه لأنها ركعة واحدة. السادس: هل القراءة فيها سرًا أو جهرًا فيه روايتان في المذهب مبنيتان على اختلاف الروايات، ففي حديث عائشة نحو سورة البقرة، وهذا يقتضي السر، وروي أنه ﵇ جهر فيها بالقراءة. السابع: اختلف المذهب في وقتها، فقيل: قبل الزوال كصلات العيدين والاستسقاء، وقيل: إنها من طلوع الشمس إلى صلاة العصر كصلاة النافلة. الثامن: اختلفوا في كسوف القمر، فقيل: إنها كصلاة الكسوف، وقيل: كسائر النوافل لا يعتبر فيها. [الجمع].

стр. 277

التاسع: هل يجمع لكسوف القمر أم لا؟ فيه قولان والمشهور أنه لا يجمع له. العاشر: إذا تجلت الشمس في أثناء الصلاة هل تكمل على صفتها أو على صفة النوافل فيه قولان في المذهب.

стр. 278

باب صلاة الاستسقاء الاستسقاء هو: طلب السقي من الله ، وأجمعت الأمة على أنها مشروعة بالدعاء والتضرع والابتهال إلى الله ، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] الآية وثبت ذلك من فعله ﷺ وفعل الصحابة بعده. واختلف هل الصلاة من سنته، والجمهور على أنه دعاء، وصلاة كسائر النوافل لما ثبت في ذلك من عمله ﷺ وشذ أبو حنيفة فرأى أنه دعاء ليس معه صلاة. واختلف المذهب بعد هذه القاعدة في مسائل تتعلق به. المسألة الأولى: اتفقوا على أن من سنتها الخروج إلى المصلى، وهل يكبرون في حال الخروج قياسًا على العيدين أولًا يكبرون قياسًا على سائر النوافل فيه قولان في المذهب، المشهور نفي التكبير، لأنه موضع الخضوع،

стр. 279

وموضع الاستكانة، والتكبير موضع المباهاة، وإظهار شرائع الإسلام. الثانية: اتفق العلماء على أن كل من لزمته الجمعة يؤمر بالخروج لها، واختلف في البهائم والأطفال الصغار هل يؤمر بخروجهم، لأن تضرعهم مظنة الإجابة والقبول أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك اختلف في خروج النساء المتجالات، وأما الشابة التي يخاف الفتنة بخروجها، فلا خلاف أنها لا تخرج، لأن خروجها داع إلى الفساد والفتنة. الثالثة: اختلفوا في أهل الذمة هل يمنعون من الخروج لها أم لا؟ قولان: المشهور أنهم لا يمنعون: لأن الله يجيب دعاءهم استدراجًا، والشاذ أنهم يمنعون، وإذا أجزنا خروجهم فهل يخرجون منفردين أو مجتمعين مع المسلمين في يوم خوفًا ألا يجاب دعاء أهل الإسلام امتحانًا لهم، ويجاب دعاء الكافر فيه استدراجًا، فيه قولان في المذهب. الرابعة: هل يؤمر الناس قبل الخروج للاستسقاء بالصدقة والصيام أم لا؟ والمشهور أن ذلك غير متوجه خوفًا من اعتقاد الإجابة، واستحبه ابن حبيب في هذا الموطن، لأنه أقرب إلى الخضوع وأدعى إلى الإجابة. الخامسة: هل يجوز الاستسقاء بعد الزوال فيه قولان الجواز قياسًا على سائر النوافل، والمنع قياسًا على صلاة العيدين. السادسة: لا خلاف أن الخطبة مشروعة في هذه الصلاة، إلا أنهم اختلفوا هل تقام قبل الصلاة قياسًا على الجمعة، أو تقدم الصلاة عليها قياسًا

стр. 280

على العيدين قولان في المذهب. السابعة: اختلف المذهب هل يجوز التنفل قبل هذه الصلاة وبعدها، لأن ذلك خير أو يكره قياسًا على صلاة العيدين وفيه قولان في المذهب. الثامنة: لا خلاف في المذهب أن تحويل الرداء في هذه الصلاة مشروع رجاء التفاؤل بانتقال حالهم من الجدب إلى الري، ومن الضر إلى النعماء، واختلفوا فيمن يؤمر بالتحويل، وفي وقت التحويل، أما النساء فلا يؤمرن بالتحويل، لأن ذلك تعرض للفتنة. ولم يختلفوا أن الإمام يحول رداءه، واختلفوا في المأمومين هل يحولون أم لا؟ بناء على اختلاف روايات الأحاديث، ففي بعضها أنهم حولوا، وفي بعضها أنهم لم يحولوا واختلف المذهب في التحويل فقيل: (بعد) الخطبتين، وقيل: بعد كمال الخطبتين، وهو مبني على اختلاف روايات الحديث، وكذلك اختلفوا متى يستقبل الإمام القبلة، فقيل: بعد الفرغ من الخطبة، وقيل: في أثنائها، والقولان في المذهب.

стр. 281

كتاب الجنائز الجنائز جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها، ينطلق على الميت بنفسه وعلى السرير الذي يحمل عليه، وبدأ بغسل الميت. قوله: ((وغسل الميت المسلم واجب)): وهذا كما ذكره، وقد اختلف المذهب في حكم غسل الميت على قولين، فقيل: هو واجب على من حضره من المسلمين، فيلتحق بفروض الكفاية، فمن قام به من الناس سقط على (البعض)، وقيل: هو سنة، والقولان في المذهب. ومبنى الخلاف على اختلاف في أوامره ﵇ هل تحمل على الوجوب أو على الندب، وقد قال ﵇ لما ماتت ابنته (اغسلوها بماء وسدر) الحديث. ويدخل تحت عموم لفظ القاضي الصغير من الأطفال المسلمين، لأنه له بحكم الإسلام.

стр. 282

قوله: ((ويستحب (فيه) الوتر)): وهذا كما ذكره لقوله ﵇: (اغسلها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك) ويحمل هذا الأمر عندنا على الاستحباب. قوله: ((وتنزع ثيابه)): وهذا قد اختلف فيه، فقالت طائفة: ينزع عنه القميص، وقال الجمهور لا تنزع ثيابه. وسبب الخلاف أن رسول الله ﷺ غسل في قميص، وسمع من جانب بيته ﷺ : (لا تنزعوا عنه القميص) فهل ذلك خاص به أو عام فيه الخلاف المذكور. قوله: ((وتستر عورته)): وهذا كما ذكره، لأن ستر العورة فرض، وقد ذكرنا تفصيل العورة. واختلف المذهب هل تستحب خرقة على صدره أم لا؟ فيه قولان في المذهب، الجواز والاستحباب لأن ذلك كان الميت يكره كشفه، ومن أهل العلم من استحسن ذلك في ما أنهكته العلة والمرض. واختلف في هذا الغسل

стр. 283

هل هو عبادة فلا يجزئ إلا بالماء المطلق، أو مشروع للنظافة فيغسل الميت حينئذ بماء الورد وماء الريحان ونحو ذلك فيه قولان في المذهب، وعلى هذا اختلف المذهب هل يستحب تقديم الوضوء قبله أم لا؟ وفيه قولان: والمشهور أنه يتوضأ، لأن ذلك أبلغ في النظافة، وقد صح أنهم وضؤوه ﵇ حين غسلوه، وذلك حجة، واختلفوا هل يتكرر الوضوء بتكرير الغسلات أم لا؟ فيه قولان في المذهب. قوله: ((وإن (اضطر) إلى مباشرتها فبخرقة)): وهذا كما ذكره وقال ابن حبيب: ((لا يباشر عورة بيده وإن احتيج إلى ذلك)). قال بعض الأشياخ: يريد إلا بخرقة. واختلف المذهب هل يكره غسله بماء زمزم أم لا؟ وفيه قولان عندنا، المشهور جوازه، لدخوله تحت عموم المياه، والشاذ الكراهية تعظيمًا، ولما يزعم أهل مكة أن من استنجى به يحدث به الباسور. قوله: ((ويعصر بطنه)): وهذا فيه خلاف بين أهل العلم والمشهور ما ذكره القاضي، وقيل: لا يعصر قياسًا على الحي، وإذا خرج بالعصر حدث، فهل يعاد الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب، وإذا قلنا: بإعادة الغسل فهل واحدة، أم ثلاثًا، أم سبعة، فيه خلاف بين أهل العلم. قوله: ((ولا يزال عنه شيء من خلقته من ظفر أو شعر)): وهذا هو

стр. 284

المشهور من أقوال أهم العلم وقيل: يقلم ظفره، ويؤخذ من شعره، وليس فيه أثر، وإنما هو من باب القياس على الحي. قال القاضي ﵀: ((ويغسل كل واحد من الزوجين صاحبه)) إلى آخر الفصل. شرح: أصل مذهب مالك جواز غسل أحد الزوجين صاحبه، هل يقضى بذلك أم لا؟ فقيل: إن ذلك حق يقضى به لكل واحد منهما عند موت صاحبه، لأن حق الزوجية باق، وقيل: لا يقضى به وحكى في الرجعية قولان: بناء على الخلاف في جواز الخلوة بالمطلقة طلاقًا رجعية. وفي هذا الأصل خلاف في المذهب. واختلف المذهب في ذوي المحارم من الرجل هل يغسل نساؤهم من ذوي المحارم أو ينتقل إلى التيمم فيه قولان في المذهب. واختلف المذهب في الصغيرة التي لا تشتهي هل تعطى حكم الذكر أو حكم الأنثى فيه قولان في المذهب. قوله: ((ويستحب الاغتسال من غسل)): وهذا لقوله ﵇: (من حمل ميتًا فليتوضأ، ومن غسله فليغسل) وفي هذا الحديث مقال من جهة

стр. 285

الإسناد. والميت الكافر يلف ويوارى، ولا يحل للمسلم موالاته، وقيل: له أن يغسله، والأصل في ذلك أن النبي ﷺ قال: حيث مات أبو طالب ((فواراه)). قال القاضي ﵀: ((والكفن والحنوط من رأس المال)) وهذا كما ذكره، إلا أن يوصي الميت في كفنه سرف فيه قولان، فقيل: ترد وصيته في ذلك، وقيل: تمضي من الثلث، واختلف إن كفن ثم سرق كفنه هل يلزم الورثة إعادة كفنه أم لا؟ فقيل: يعاد، وقيل: لا يلزمهم ذلك مطلقًا، وقيل: يلزمهم إن لم تقسم التركة ولا يلزمهم إن اقتسموا، والثلاثة الأقوال في المذهب، وهل يجوز الكفن في الحرير أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: جوازه مطلقًا، ومنعه مطلقًا، وجوازه للنساء فقط. وجه الأول أن التحريم قد سقط بالموت، ووجه المنع أن ذلك من السرف، وهو منهي عنه. ووجه التفريق أن
следующие страницы →