Полный текст (1 291 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
هل يضمنه المرتهن أم لا؟ وفي الدمياطية عن مالك: المرتهن ضامن وعليه (تفقده ونفضه)، وفي كتاب محمد: لا ضمان عليه وهو المشهور، وألحق القاضي وغيره الحيوان بالعقار، إذ لا يخفى هلاكه.
قوله: "وكذلك إن كان على يد أمين": يعني أن ضمانه من الراهن سواء كان حينئذ مما لا يغاب عليه أم لا؟ وهو نصه في «المعونة»، وإنما لم يضمنه المرتهن إذ لم يقبضه فلا ضمان عليه حينئذ مطلقًا كان مما يغاب عليه أم لا؟ فإشارة القاضي بقوله: «وكذلك أي سقوط الضمان الذي هو أقرب مذكور إلى التفريق.
قوله: «ونماء الرهن داخل معه إن كان مما لا يتميز»: يتعلق به الكلام في غلاة الرهن. وقد اختلف العلماء في غلاة الرهن هل يدخل ذلك في الرهن أم لا؟ على ثلاثة مذاهب: فقال قوم إن جميع ذلك يدخل في الرهن وبه قال أبو حنيفة والثوري، وقال قوم: إن جميع ذلك لا يدخل في الرهن.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن غلات الديار والعبيد والحيوان والثمار غير داخلة في الرهن، وما كان على صورة الرهن وخلقته داخل في الرهن (كولد) الجارية المرتهنة وقال ابن القاسم في الصوف إذا كان موجودًا يوم الرهن، ثم جز، فهو داخل في الرهن، وقال أشهب: هو غلة لا يدخل فيه.
قوله: «ونفقته على راهنه»: وهذا صريح مذهب مالك ﵀، ونبه
стр. 947
بذلك على خلاف أحمد بن حنبل وغيره القائل إن الرهن إن كان حيوانًا فعلى المرتهن نفقته، وله ركوبه والانتفاع به، معتمدًا في ذلك على قوله ﷺ : (الرهن محلوب ومركوب) والجمهور من أهل العلم على أنه ليس للمرتهن الانتفاع بشيء من الرهن اعتمادًا على قوله ﷺ : (الرهن من رهنه غنمه وعليه غرمه). ولذلك وجبت على الراهن نفقته ومؤنته وسقيه وعلاجه وإن كان عبدًا، فمات فعلى الراهن كفنه ودفنه، فإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر الراهن أو بغير أمره فله الرجوع عليه بقدر النفقة، وهل يكون الرهن رهنًا في النفقة أم لا، المنصوص أنه لا يكون رهنًا بالنفقة إلا أن يقول له الراهن أنفق عليه على أن نفقتك في الرهن فحينئذ يكون أحق به من الغرماء، لأن رقبته مرتهنة في الدين، والنفقة لأنها دين، وقال أشهب النفقة على الرهن كالنفقة على الضالة، فالنفقة في هذا مبدأ على غيره من الغرماء، فإن ارتهن زرعًا ببئرها، فانهارت فهل يجبر الراهن على الإصلاح أم لا؟ المشهور أنه لا يجبر، وعن ابن القاسم أنه يجبر إن كان مليًا.
وإذا بنينا على المشهور أنه لا يجبر على الإصلاح فأصلح المرتهن لخوف هلاك الزرع أو النخل فهل تتعلق نفقته بعين النخل، أو الزرع، فما زاد على ذلك باطل ليس فيه شيء، أو يتعلق الزائد بذمة رب النخل فيه قولان.
قوله: "ومال العبد ليس برهن معه": قلت: لا يقتضي عقد الرهن دخول المال كما لا يقتضيه عقد البيع إلا بالشرط، وقد تقدم ما فيه.
стр. 948
قوله: "ويثبت رهنًا (بتقاررهما) ما لم يفلس الراهن": يتعلق به الكلام في صفة الحوز، وفي من يحوز عقد الرهن منه، وهو للراشد الذي لم يتعلق (بماله) حق غيره، احترازًا من المفلس، فلا يجوز رهن المفلس عندنا.
واختلف قول مالك في رهن من أحاط الدين بماله، ولم يحكم بتفليسه هل يجوز رهنه أم لا؟ فالمشهور جوازه قبل التفليس، والشاذ أنه لا يجوز وللمأذون له في التجارة والمكاتب أن يرهنا ويرتهنا ويرهن الوصي عن محجوره للمصلحة، ولا يرهن أحد الوصيين إلا بإذن الآخر.
وأما صفة الحوز ففيه تفصيل، أما قبل قيام الغرماء فيكفي في ثبوته الإقرار به، ولا يلزم معيانة البينة له، وأما بعد الموت، أو المرض، أو الفلس، فالمنصوص اشتراط معاينة الشهود الحوز، فإن لم يثبت ذلك لم يكن حوزًا، وكان للمرتهن إسوة الغرماء، قاله ابن القاسم في كتاب محمد.
فرع: إذا استقرض الوصي ليتيمه من نفسه حاز الرهن لنفسه، فهل يكون هذا حوزًا صحيحًا أو لا؟ قولان حكاهما اللخمي، والصحة أولى لحصول الحيازة حسًا وحكمًا كحوز الوديعة.
قوله: "وإذا كان فيه فضل جاز أخذ حق آخر عليه": يتعلق به الكلام في جواز ارتهان فضلة الرهن، ويجوز رهن الفضلة عند من (الرهن) تحت يده وعند غيره، فإن رهنها عنده وزاد في الدين على ارتهان الفضلة جاز، وكان حائزًا للرهنين جميعًا فإن كان الرهن في هذه الصورة تحت يد عدل ورضى العدل أن يحوز الفضلة لمرتهنها جاز، وإن لم يرض بذلك، ولم يحزها له ففي صحة الرهن في هذه الصورة قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن
стр. 949
اللخمي فإن ارتهن الفضلة عند غير المرتهن الأول فلا يخلو أن يرضى الأول بذلك أم لا؟، فإن رضي به فلا خلاف في صحة الرهن، ويتم حوز الثاني ويبدأ الأول عليه، فإن علم الأول بارتهان الفضلة ولم يرض به، وكان في قيمة الرهن زيادة على (قدر) الحق ففي المذهب في هذه الصورة قولان، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يجوز إلا برضاه، لأن الأول إنما حاز لنفسه، وقال أصبغ بجوازه، وإن لم يرض الأول قياسًا على المخدم يهب صاحبه رقبته لغير المخدم فيجوز ذلك وإن لم يعلم المخدم، وكذلك إذا كان الرهن في هذه الصورة على يد عدل، فإن حاز لهما جاز وإن لم يرض بالحيازة للفضلة فالمشهور البطلان، ويتعلق بهذه المسألة الكلام في ضمان فضلة الرهن، وتحصيل القول في ذلك أنه إذا كان الرهن كله تحت يد المرتهن الأول لنفسه ولصاحب الفضلة، فضاع، وكان مما يغاب عليه، فهل يضمن المرتهن جميعه، أو يسقط عنه ضمان الفضل لأنه فيه أمين (فيه قولان عندنا، قال ابن القاسم: يسقط عن الأول ضمان الفضلة لأنه فيها أمين) وقال أشهب: ضمانه كله من الأول إذ لم تتعين الفضلة، فهو رهن واحد ولو كان الرهن كله على يد الثاني مرتهن الفضلة جرى فيه الخلاف المتقدم.
قوله: "والرهن متعلق بجملة الحق وبابعاضه فما بقى جزء منه فهو رهن به": وهذا تنبيه على مذهب المخالف القائل أن للراهن أن يسترد من (الرهن) بقدر ما أدى من الدين.
قوله: "ولا يجوز غلق الرهن": وهذا كما ذكره لثبوت نهيه ﷺ عن
стр. 950
غلق الرهن لما فيه من الغرر والجهل.
قوله: "فإذا حل الحق وتعذر أخذه من الغريم باعه": قلت: فائدة الرهن أن يتخلص المرتهن من دينه من ثمن الرهن، أو من ثمن منافعه، ولذلك يختص به المرتهن، فإن باعه الراهن بنفسه، ووفى منه دينه فهو الواجب بالأصل، ووكيله بمنزلته، ويصح أن يوكل الراهن المرتهن على بيعه كالأجنبي، فإن وكله فهل له عزله لتعلق حقه بالوكالة أم لا؟ فيه قولان المشهور أنه ليس له عزله لتعلق حقه بالوكالة. والشاذ أن له عزله، وهو قول الشافعي وإسماعيل القاضي من أصحابنا اعتبارًا بسائر الوكالات.
فرع: إذا وكل الراهن المرتهن على البيع فهل يستحب له الرفع إلى الحاكم وهو المشهور عن مالك دفعًا للخصومة، أو يستقل بنفسه توفية لمقتضى التوكيل حقه في قولان، وبجوازه من غير حاجة إلى الرفع، قال أشهب.
فرع: إذا بنينا أنه لا يبيع، فباع نفذ البيع، ولا يرد، وقيل إن كان من الأشياء التي لها بال كالدور، والعقار، والحيوان، يرد البيع فيه ما لم يفت، فإن فات مضى قاله في كتاب محمد وفي العتبية عن ابن القاسم أحب (قوله) إلى (أن يمضي إذا أصاب وجه البيع، وإن كان له بال).
стр. 951
قوله: "وإذا اختلف المتراهنان في غير الرهن فالقول قول المرتهن": يتعلق به الكلام في اختلاف المتراهنين، ويتصور الاختلاف في مسائل:
الأولى: التداعي في أصل الرهن والقول قول الراهن إذ الأصل عدمه، قال أشياخنا، ولو ادعى المرتهن أن مال العبد أو ثمرة النخل رهن، وأنكره الراهن فالقول قوله، إذ الأصل عدمه.
المسألة الثانية: الاختلاف في عين الراهن مثل أن يقول أحدهما: رهنتني هذا الثوب (بعينه) ويقول الآخر: هذا الفرس، فالقول في هذه الصورة قول المرتهن، لأنه مدعى عليه.
المسألة الثالثة: اختلافهما في قدر الحق، فالرهن شاهد للمرتهن فيما يدعيه إلى قيمته، فإن قال المرتهن هو في عشرة، وقال الراهن في خمسة، فإن كانت قيمة الرهن عشرة فالقول قول المرتهن مع يمينه وهو أحق به لحوزه له، فإن كانت قيمة الرهن خمسة فالقول قول المرتهن على المشهور. وفي العتبية: إذا كانت قيمة الرهن خمسة فالقول قول المرتهن لأنه يقول: رضيت أن آخذه في عشرة، فإن كرهت أن تفديه فدعه، وهذا بناء على أنه شاهد على نفسه لا على الذمة، فإن كانت قيمته سبعًا حلفًا جميعًا، وكان رهنًا في (قدر) قيمته.
واختلفت الرواية في فروع من هذا النمط.
الأول: إذا بنينا على أن الرهن شهد مع بقاء عينه، فهل يشهد على نفسه أو على الذمة فيه قولان عندنا، أحدهما أنه شاهد على (الذمة) فيحلف المرتهن، ويأخذ من المطلوب العشرة التي حلف عليها، وشهد بها في الرهن، فإن أبي الراهن أخذ الرهن أجبر عليه، والثاني أن الرهن شاهد على نفسه،
стр. 952
فيحبسه المرتهن فيما حلف عليه، ولا يتعلق ذلك بذمة الراهن ولا يجبر على أخذه إلا أن يشاء أن يفديه، فله ذلك مراعاة لأصل ملكه.
الفرع الثاني: إذا جعلناه شاهدًا على نفسه، وحلف المرتهن هل له أن يحلف الراهن أم لا؟ قولان عندنا، أحدهما: أن المرتهن يحلف أنه في عشرة، فإذا حلف المرتهن استحلف الراهن أنه لم يرهنه في عشرة، ثم يسلم الرهن للمرتهن، وإذا استحلفنا الراهن، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: له يمين الاستحقاق، وليس على المرتهن كبير مؤنة في بيعه، فكان أولى أن يحكم على الراهن باليمين، وحمله على ذلك (كاذبًا) على مقتضى دعوى المرتهن. حكى القولين أبو الحسن اللخمي وغيره.
الفرع الثالث: إذا كان الرهن على يد عدل هل يكون القول قول المرتهن إذا ادعى مثل قيمته كما لو كان في يد المرتهن، أو يكون القول قول الراهن فيه قولان: قال محمد بن المواز القول قول المرتهن وإن كان على يد عدل، لأنه إنما أخذه توثقًا فلا فرق. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان على يد عدل فالقول قول الراهن إذ ليس بحائز له، وإنما رجح قوله إذا كان (في) يده اعتبارًا (بحق) الحوز.
الفرع الرابع: إذا ادعى المرتهن أنه في عشرة، وادعى الراهن أنه في خمسة، وكانت قيمته سبعة، فقد قدمنا أنهما يتحالفان معًا لاختلاف الروايات، وهل يحلف المرتهن على عشرة التي هي دعواه، أو على قيمة الرهن المشهور أنه يحلف على أنه رهن في عشرة، ويأخذه إلا أن يفكه ربه بها، إذ هو شاهد على نفسه، لا على الذمة (وقال محمد له أن يحلف على مقدار قيمة الرهن لا غير، وهذا يحقق أن الرهن شاهد على نفسه لا على الذمة).
стр. 953
الفرع الخامس: إذا حلف المرتهن أنه في عشرة، وكانت قيمة الرهن سبعة فأراد الراهن أن يأخذ الرهن ويدفع المرتهن السبعة، قال ابن نافع: ذلك له ولا حجة للمرتهن، والمشهور أنه للمرتهن، وليس للراهن أخذه إلا أن يفكه بالعشرة التي حلف المرتهن على صحتها.
قوله: "فإن كان في يد المرتهن حلف على ما ادعاه" يعني على العشرة في الصورة التي ذكرناها وكان القول قوله في قدر الرهن يريد إذا كانت قيمة الرهن عشرة، فإن كانت قيمته سبعة حلف الراهن على نفي ما زاد، وفرق القاضي بين أن يكون الرهن تحت يده، أو تحت يد عدل، وقد ذكرنا علة الفرق، ثم تكلم القاضي على ما إذا تلف الراهن وصفته مع فوات عينة تتنزل منزله فإن اتفقنا على صفة قومت، وإن اختلفا (فالقول قول المرتهن لأنه الغارم، وهذا إذا اختلفا في قيمته، وإن اختلفا) في مقدار الحق شهدت الصفة بذلك على حكم شهادة العين.
فرع: اختلف المذهب متى تعتبر القيمة فقيل يوم القبض، وقيل يوم الحكم.
قوله: ومن رهن عبداً، ثم اعتقه نفذ عتقه إن كان موسراً": واختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قال الشافعي: لا ينفذ عتقه أصلاً، موسراً كان، أو معسراً تغليباً لحق المرتهن على الرهن، وقال أبو حنيفة: ينفذ عتقه موسراً، ويعجل للمرتهن دينه، وإن كان معسراً رد عتقه، وإذا بيننا على المذهب، وأمضينا العتق مع اليسر فالواجب أن يعجل للمرتهن دينه، فإن أتي الراهن برهن آخر بدل العبد، فقال ابن القاسم: ليس له
стр. 954
ذلك، ويحكم له على الراهن بتعجيل الدين، وأجازه الشيخ أبو بكر الأبهري لحصول المقصود من الرهن بعوضه، وإذا كان الراهن معسرواً لم ينفذ عتقه، وبقي رهناً بيده إلى الأجل، فإن استمر الإعسار رد عتقه وإلا نفذ.
قوله: "ومن رهن أمه لم يجزله وطؤها": وهذا كما ذكره، لأن في وطئها إعادتها إلى قبضة، وتعريضها لأن تكون أم ولد، فإن أذن له المرتهن في وطئها بطل الرهن، لأن إذنه في الوطء مبطل للحوز المستدام المشترط في صحة الرهن، فإن وطئها بغير إذنه إما أن تحمل أم لا، فإن لم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وكان معسراً يبعت عليه، وقضي الحق من ثمنها، وإن كان معسراً كانت أم ولد، وعجل للمرتهن حقه اعتباراً بالعتق، فإن أوجبنا بيعها مع العسر فكانت قيمتها أكثر من الدين بيع منها بقدر الحق، وكان ما بقي بحساب أم الولد، أن الزيادة لا حق للمرتهن فيها، ولا سيبل إلي بيع الولد، إذا هو حر على كل تقدير، قال أشهب إن وجد من يبتاع منها بقدر الدين فعلت، وأعتق ما بقي، وإن لم يجد استوفي بالدين إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت كلها، وقضي الدين، وكان ما بقي، وإن لم يجد استوفي بالدين إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت كلها، وقضي الدين، وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء فإن وطئها المرتهن فلا يخلو أن يكون وطؤه لها بإحلال الراهن وإذنه أم لا، فإن كان بغير إذنه فهو زان، وعليه الحد، وإن كان بإذنه، فنص القاضي أبو محمد على سقوط الحد للشبهة وتلزمه قيمتها للراهن لتكمل الشبهة في درء الحد عنه، فإن حملت كانت له أم ولد، ولا شيء على المرتهن من قيمة الولد، لأن السيد حين أباح له الوطء رضي بحرية الولد، لأنه مقتضي ما دخل عليه الواطئ.
стр. 955
قوله: "وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فللمرتهن إجازته وفسخه": وهذا فيه تفصيل وتحصيل القول فيه أنه لا يخلو أن يتعدي الرهن في بيعه قبل حوز المرتهن أو بعده، فإن باعه قبل الحوز ففيه قولان: المشهور أن البيع ماض، والمرتهن مفرط، والثاني: أن المرتهن مخير بين إمضاء البيع، أو رده لتعلق حقه بالرهن إلا أن يتبين تفريطه، وأما إذا قبض المرتهن الرهن فتعدي الراهن فباعه فالمرتهن بالخيار بين فسخ البيع وإمضاه، لأن المرتهن قد قبض الرهن، وحازه وهذا هو المشهور، والشاذ أن البيع ماض، ويوقف الثمن إلى محل الأجل، قال ابن القاسم: ليس عليه أن يعطيه رهناً غيره، لأنه مفرط حين تركه يبيعه، وف يكتاب محمد: يمضي البيع والثمن للراهن ولا يتعجل للمرتهن حقه، ولا يوضع له رهن في مكانه، ولا ينفض ما بينهما من بيع، أو سلف، وقد قيل يجبر على رهن آخر مكانه قاله ابن الماجشون فإن لم يجد له رهناً فللمرتهن رد سلعته، وله أن يمضيها بالثمن إلا الأجل من غير رهن، فإن باعه (بأمر) المرتهن ومضي البيع، فإن أراد تعجيل الحق، وزعم أنه إنما أجاز البيع ليتعجل الحق فالقول قوله مع يمينه كما ذكر القاضي.
والله الموفق.
стр. 956
كتاب الحجر والتفليس وما يتصل به
قال القاضي ﵀ تعالي: "المستحق عليهم الحجر ضربان" إلى آخره.
شرح: الحجر: منع المالك من التصرف في ملكه لمعني ما، والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ الآية [النساء:٥]، وأما السنة فما ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وقال لغرمائه خذوا ما وجدتم، وليس لكم غيره) قال الزهري: أدان معاذ ديناً فباع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-[ماله] حتى قضي دينه، وقال: (ليس لكم إلا ذلك)، وأجمع العلماء على أن جنس الحجر مشروع، أما على الأيتام الذين لم يبلوغ الحكم فبالاتفاق، لأنه نص القرآن، وإذا اختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار السفهاء فالجمهور على أن للقاضي أن (يستأنف) الحجر عليهم
стр. 957
اعتمادًا على فعله -صلي الله عليه وسلم- حين حجر على معاذ، وعلى أنه إجماع الصحابة، حين وقعت قضية عبد الله بن جعفر مع أن الآية التي ذكرناها أصل في هذا الباب، تقتضي أن سبب الحجر السفه، فحيث وجد علق الحكم (عليه)، وللخصم أن يقول السفه جزء العلة، ومجموع العلة الصغر والسفه معاً بناء على جواز التعليل بالعلة المركبة، وتعليل الحكم الواحد بعلتين وهو الأصح من أقوال الأصوليين، وقال طائفة من العلماء لا يبدأ الحجر على الكبار، و (الدليل) لهم حديث حسان بن سعد وفيه أنه ذكر لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه يخدع في البيوع فجعل له رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الخيار ثلاثاً ولم يحجر عليه).
وقسم القاضي المحجور عليهم على قسمين، وقال علماؤنا: أسباب الحجر سبعة، الصبا، والجنون، والتبذير، والرق، والفلس، والمرض، والنكاح في حق الزوجة، وسنذكر ذلك مفصلاً، ثم قسم المحجور عليهم لحق أنفسهم أقساماً، وبين ذلك ﵁ أحسن تبيين.
قوله: "ولا تراعي عدالته في دينه أو فسقه": وهذا لأن المقصود من الرشد ضبط المال وإصلاحه وتنميته، ونبه على خلاف الشافعي حين راعي العدالة في الرشد، وأوجب الحجر على الفاسق المصلح لماله.
стр. 958
قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وهذا يدل على أنه لا بالبلوغ محمول على الرشد، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد يذهب بنفسه لا بماله.
قوله: "وأما (في) الصغيرة فيراعي مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج، ويدخل بها زوجها": ويؤنس رشدها إذ لا يتصور إيناس الرشد من المرأة إلا (بعد اختبارها غالباً)، وفي المذهب في ذلك روايات:
الأولى: إنها بالبلوغ وإيناس الرشد محمولة على الرشد من غير اشتراط التزويج كالذكران، وهي رواية عن مالك، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
والرواية الثانية: أن المعتبر الدخول وأبناء الرشد من غير تحديد بمدة مقدرة.
والثالثة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا بعد سنة.
والرواية الرابعة: اعتبار سنتين بعد الدخول.
والرواية الخامسة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا أن تمر بها بعد الدخول خمس سنين.
والرواية السادسة: أنه لا يحكم لها بعد إلا بعد سبع سنين التي هي أقصي (أمد) الحمل، وهذا لا وجه له، وهذا كلها استحسانات ليس عليها من الشرع دليل.
стр. 959
واختلف المذهب في فروع:
الأول: أفعال المهمل، وعندنا في ذلك روايتان، فروي ابن القاسم أن أفعاله كلها على الرد وروي ابن كنانة، وابن نافع أن أفعاله كلها ماضية، وزاد المتأخرون قولين: أحدهما أنه إن كان ظاهر السفه ردت أفعاله، (وإن كان خفي السفه مضت أفعاله)، القول الآخر: أنه إن كان (سفهه) حاصلاً قبل البلوغ، ثم استمر ولم يأت عليه حال رشد فأفعاله مردودة، لأنه لم يزل في ولاء، يبيع ما يساوي ألفاً بمائة.
(الفرع الثاني: المحجور عليه إذا رشد ولم يفك الحجر عنه هل تمضي أفعاله أو ترد فيه قولان حكاهما الإمام أبو عبد الله)، ثم ذكر علامات البلوغ، والاختلاف فيها إلا في الإنبات خاصة، وفي تقدير السنين، أما الإنبات فهو من علامات البلوغ عندنا، ولم يعتبره أبو حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، والدليل على أنه بلوغ، أو دلالة على البلوغ، قوله -صلي الله عليه وسلم- (الجزية على من جرت عليه المواسي وقال في بعض غزواته: (اقتلوا من جرت عليه المواسي) وحكم-صلي الله عليه وسلم- سعدًا في قريظة، فحكم بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم، فكنا نكشف عن مآزرهم فمن أنبت منهم قتلناه،
стр. 960
ومن لم ينبت جعلناه في الذراري، فقال -صلي الله عليه وسلم- (حكمت فيهم بحكم الله) وذكر أهل الآثار أن عثمان بن عفان أتي بغلام قد سرق فقال إن كان أخضر منزره فاقطعوه، واختلف في سن البلوغ فعن ابن وهب أن أقل ذلك خمسة عشرة سنة، وقيل ثمانية عشر، وقيل ما بينهما، وحديث ابن عمر حين (أغزاه) النبي -صلي الله عليه وسلم- وهو ابن خمسة عشر سنة، ورد ابن أربع عشر سنة، دليل على صحة ما ذهب إليه ابن وهب على أن حديث ابن عمر فيه اختلاف بيه (الرواة).
واختلف المذهب في أفعال البكر المعنسة، فروي ابن الحكم ومطرف عن مالك أنها إذا عنست جاز صنيعها في مالها، وإن كان لها أب أو وصي، وقال ابن القاسم: لا يجوز لها بيع، ولا عتق، ولا عطية، ولا كفالة، وإن أجازه الولد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وعن ابن وهب وغيره أن بيعها جائز، وهبتها وصدقتها لا تجوز.
قوله:"ولا يحجر عليه إلا الحاكم": يعني الكبير السفيه، ونبه على خلاف محمد بن الحسن، حيث قال يحجر عليه الأب من غير حاكم وهو
стр. 961
ضعيف وكل مختلف فيه فيفتقر إلى اجتهاد الحاكم بترجيح أحد القولين على الآخر.
قوله: "ولا ينفك (حجره إلا بحاكم" في هذه اللفظة روايتان أحدها ولا ينفك حجره فيتقيد ذلك بالكبير السفيه، والرواية الثانية: ولا ينفك الحجر، وهذا إطلاق في كل حجر، وهذا إطلاق في كل حجر، والرواية الأولى أجري على المشهور من المذهب، لأن للأب أو الوصي أن يفك الحجر من غير إذن حاكم، أما الأب فلا أعلم فيه خلافاً عندنا، وأما الوصي، فاختلفت فيه الروايات عن المذهب والمشهور أن الوصي من قبل الأب كالأب، فله أن يفك الحجر إذا علم رشده من غير افتقار إلى حكم حاكم، وقيل لا ينفك عنه الحجر إلا أن يعلم غيره رشده من غير حكم، وعندنا رواية ثالثة أنه لا بد من يثبت رشده ويتقرر عند الحاكم ثبوته.
قوله:"وأما المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة": وبدأت بالزوجات وهن قسم مختلف فيه، والمذهب كله متفق على الحجر عليهن فيما زاد على الثالث إلا في المعاوضات والمصالح، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا حق لزوجها في مالها، ولا حجر عليها، والدليل لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (تنكح المرأة لدينها، ومالها، ولجمالها) وذلك يدل على أن للزوج حقًا في مالها، هذا استدل به القاضي أبو محمد وغيره، وفيه نظر، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (لا يجوز لامرأة
стр. 962
أن تقضي في ذي بال إلا بإذن زوجها) رواه ابن الماجشون بإسناده إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال-صلي الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه) فإن صح مقتضاه الحجر عليها في جميع مالها، وهو خلاف المذهب أن تصرفها بالعطية والائتلاف جائز في الثلث فما دونه، ولعله قياس على المريض فإن تصرفت في أكثر من الثلث فهل يحمل ذلك على الجواز حتى يسترده الزوج، وهو قول ابن القاسم، أو على الرد حتى يجيزه وهو قول مطرف وابن الماجشون، ثم إذا اختار الرد فقال مالك: يرد جميعه لأنه ضرر، وقال المغيره، يجوز منه مقدار الثلث (اعتباراً بالمريض، وقيل يجوز منه مقدار الثلث) إلا في العتق خاصة، إذا لا يتصور فيه التبعيض فيرد جميعه حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره، وأما المريض (والعبيد والمفلسون) فلا خلاف في الحجر عليهم، وألحق الحامل والزاحف في القتال والمقرب للقتل بالمريض، للاشتراك في العلة غالباً.
قوله: "ومن استدان من المحجور (عليهم) ديناً (بغير إذن وليه)، ثم فك حجره لم يلزمه ذلك فيمن حجر عليه لحق نفسه كالسفيه والصغير": وهذا كما ذكره، إذا لو لزمهم لم يكن للحجر عليهم فائدة بخلاف من حجر عليه لحق غيره لذهاب العلة، فإن فسخ السيد عن عبده الدين قبل عتقه بطل، ويكفي في ذلك الإشهاد من غير حاجة إلى حكم حاكم، وهذا في غير المأذون له، وأما المأذون فلا تفك عنه الديون، لأنها مقتضي الإذن له في التجارة.
стр. 963
قوله: "ولولي المحجور عليه لسفه أو لصغر أن (يأذن) له في التجارة:: وهذا كما ذكره أن اختبار الولي لمحجوره مأذون فيه بمقتضي قوله سبحانه: ﴿وابتلوا اليتامي﴾ الآية [النساء:٦]، ومخرج الخطاب على الغالب، وما استدان من دين فمتعلق بمال الاختبار (لا بذمته) لبقاء الحجر عليه، وقدر مال الاختبار تابع القدر مال اليتيم (وولي اليتيم) مصدق فيما يدعيه من النفقة على محاجيره الذين في حجره، وتحت حضانته فإن كان الأيتام عند الأم، أو الحاضنة لزمه إقامة البينة على ما يدعي دفعه من النفقة، ثم ذكر أن النفقة على الأيتام تابعة لأموالهم وأحوالهم، وتلزمهم نفقة أمهاتهم وآبائهم مع يسرهم، وعسر آبائهم، ويجوز تأديب الوصي ليتيمه وضربه وخلط نفقته، بنفقته على وجه النظر والمصلحة، وكذلك التجارة في ماله لقوله سبحان ﴿ويسئولنك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: ٢٢٠] ويأكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف إذا كان محتاجاً إلى ذلك بقدر أجر له إذا كان ينظر في مصلحته ويقوم بأشغاله ومنع من ذلك أبو حنيفة والدليل لنا قوله تعالي: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:٦] وبه أفتي ابن عباس وغيره، ولا يقبل قول الوصي في رد المال إلى اليتيم بعد الرشد إلا بالإشهاد" لقوله تعالي ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء:٦]، وقال أبو حنيفة: القول قوله مع يمينه لأنه أمين، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنه مقتضي النص.
فصل
قال القاضي ﵀: "وأما المفلس فإذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه (فللحاكم) أن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله": وهذا كما
стр. 964
ذكره، وقد ذكرنا أن الأصل في ذلك أن النبي -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وإنما يجوز الحاكم الحجر علي المديان بالديون الحالة الزائدة على قدر ماله، لا بالديون المؤجلة، وإذا أفلس (الغريم) نفسه، ومكن غرماءه من ماله، فقسموه من غير حكم، فهو كحكم الحاكم بتفليسه، وهذا حكم الحاضر، وأما الغائب فلا يخلو أن يكون قريب الغيبة مثل الأيام فليكتب الإمام في الكشف عن أمره حتى يعلم ملؤه من عدمه، وإن كان بعيد الغيبة وعرف ملؤه فهل يفلس أم لا؟ قولان قال ابن القاسم: لا يفلس اعتباراً بما علم من ملئه وقال أشهب: يفلس وتحل ديونه أخذاً بالاحتياط.
قوله: "ويمنعه التصرف في ماله" قلت: للحجر أربعة أحكام: التصرف في المال بالتفويت، والثاني: حلول دينه، وبيع ماله وقسمته على الغرماء، والثالث: حبسه إلى ثبوت (إعساره)، والرابع: الرجوع إلى (عين) المال.
(أما الأول: منع التصرف) في المال، ولا خلاف أن الحجر يمنع التصرف في المال بالإتلاف، فلا يجوز عتقه ولا هبته ولا بيعه بالمحاباة، لأن ذلك إتلاف لمال الغرماء، والحاكم بتحجيره عليه قد منعه من ذلك فأما بيعه بالقيمة فموقوف على إجازة الغرماء.
واختلف المذهب في عتقه أم ولده هل يمضي، إذا ليس له من رقبتها إلا الوطء أم لا (إجراء لها مجري) الرقيق في انتفاعه بها، فإمضاء ابن القاسم في الكتاب وفي كتاب ابن سحنون، وقيل: مردود قاله المغيرة: وإذا قلنا بمضي العتق على قول ابن القاسم: فهل يتعبها أم لا؟ ففي كتاب
стр. 965
محمد يتبعها مالها، وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرًا، وأما ما لا يتعلق بماله وتصرفاته كالطلاق، والخلع، واللعان، واستحاق النسب وغير ذلك فلا خلاف أنه ماضي عليه.
واختلف المذهب في فرعين:
الأول: إذا أقر بعد الحكم بتفليسه بدين عليه هل يقل إقراره أم لا؟ ثلاثة أقوال المشهور أنه لا يجوز إقراره بدين مطلقاً لقريب و (لا) بعيد.
الثاني: إقراره ماض إن كانت ديونه ثابتة بإقراره للتساوين وإن كانت (بغير) بينة فلا يجوز إقراره إلا أن يقيم المقر لهم بينة لما في ذلك من إدخال النقص عليهم في المحاصة بقوله.
والثالث: جوازه إذا علم أن رب الدين كان يتقاضاه.
الفرع الثاني: إذا أقر المفلس بقرض معين، أو وديعه بعينها، ففيه ثلاثة أقوال أجاز ابن القاسم (إقراره) بذلك، وأبطله اصبغ إلا ببينه على ذلك، والثالث جوازه) إذا كان على أصل القراض والوديعة بينه، (وإن لم تقم علي عينه)، فإن لم تكن على أصله بينة فهو إقرار باطل وهذا حكم المديان بعد تفليسه، وتحجير الحاكم عليه، وأما قبل الحجر فيمنع من الإتلاف كما ذكرناه وأما معاوضته وما يلزمه بالشرع من النفقات والأضحية والصدقة اليسيرة فجائز، واختلف المذهب في جواز رهنه، وقضاء بعض غرمائه دون بعض،
стр. 966
فعن مالك في ذلك روايتان.
فرع: وإذا أبطلنا إقراره بالدين (يتعلق) بذمته إن أفاد مالاً غير ما حر عليه فيه، ويحلف المفلس على دين يقوم له به شاهد واحد، فإن نكل عن اليمين مع شاهده فلغرمائه من أحب منهم أن يحلف قاله ابن حبيب، وكذلك إن نكل عن اليمين المردودة، وإن أراد سفراً فلمن بقي له عليه دين حال منعه من السفر.
قوله: "وتحل الديون المؤجلة عليه بفلسه" وهذا مذهب مالك ﵁ لخراب الذمة بالفلس والموت فتحل الديون في المحلين عندنا قال ابن شهاب: مضت السنة أن الدين الذي عليه يحل بالموت، وقال غيره: لأن الله سبحانه لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، وقال الحسن وغيره: لا تحل الديون بالموت، وللشافعي في حلول الديون المؤجلة بالفلس روايتان، والصحيح ما ذهب إليه مالك لما ذكرناه، وأما ديون المفلس، أو الميت فباقية إلى آجالها (لاستمرار) الذمم، وانتقال حق رب الدين إلى الورثة والغرماء، ثم ذكر أن حقوق الغرماء منها ما يتعلق بمال معين كبائع السلعة يجدها بعد التفليس على الشرائط التي نذكرها، ومنها ما يتعلق بالذمة، ويوجب المحاماة، وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره) وروه الزهري على مساق آخر عن
стр. 967
أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: أيما رجل غاب أو فلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو إسوة الغرماء ولتعارض هذه الأحاديث اختلف الفقهاء في ذلك فحمل الحديث الأول جماعة من الفقهاء على الوديعة والعارية وهذا ضعيف لم ثبت في الرواية الصحيحة من ذكر البيع، وقد بينه عبد الرازق في مصنفه مسنداً إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وفيه: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه (شيئاً فوجد بعينه فهو أحق به، وإن مات ابتاعه فصاحب المتاع) إسوة الغرماء، وفي طريق الزهري: فإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو إسوة الغرماء ذكره أبو عبيد في كتاب الفقه.
وتحصيل مذهب الفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
قال قوم: صاحب السلعة أحق بها من الغرماء في الموت والفلس (وهو قول الشافعي وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والكوفيون هو إسوة الغرماء في الموت والفلس).
وقال مالك: هو أحق بها في الفلس دون الموت على شروط
стр. 968
نذكرها، وذلك إذا تعذر الثمن من مال المفلس، وههنا فروع:
الأول: إذا أراد الغرماء أن يدفعوا لبائع السلعة ثمنها من أموالهم ويأخذوها لأنفسهم فلا يخلو أن يحطوا عن المفلس من دينهم أم لا؟ فإن التزموا دفع ثمنها من أموالهم والحطيطة عن المفلس من ديونهم فلا خلاف في المذهب أنهم يمكنون من ذلك، وقال ابن كنانة: ليس لهم دفع ثمنها من أموالهم بحال ولا معني، وإلا أرادوا دفع ثمنها من أموالهم من غير حطيطة عن المفلس فهل يمكنون من ذلك أم لا؟ قولان عندنا، المشهور: أن ذلك لهم، وقال أشهب: ليس لهم ذلك إلا بعد الحطيطة، ولو اتفق الغرماء على أن يدفعوا الثمن للبائع من مال المفلس، ويتمسكوا بالسلعة لجاز ذلك، ويكون نماء السلعة (ويقضي لهم عليه).
الفرع الثاني: إذا قبض البائع الثمن، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال داود، وإسحاق، إن قبض من الثمن شيئًا فهو أسوة الغرماء اعتماداً على مساق حديث عبد الرازق، وقال مالك هو بالخيار بين أن يرد ما قبض، ويختص بسلعته، أو يحاص بما بقي له من الثمن، (ولو قبض بعض الثمن ووجد بعض السلعة فهو بالخيار بين أن يضرب ببقية الثمن) أو يرد ما قبض، ويأخذ ما وجد، ويضرب بقية ثمن ما فات، وهذا ما لم يتغير المبيع بغير انتقال فذلك فوت فليس حينئذ مع الفوت إلا المحاصة، والفوت كالحنطة يطحنها، أو يزرعها، أو يخلط جيدها مع رديئها، والكبش يذبحه والثوب يصبغه، والخشبة يقطعها، والهزيل يسمنه، وقد قيل: إن طحن القمح لا يكون فوتًا في باب العيوب، ويتخرج ذلك ههنا.
واختلف عندنا في صبغ الثوب ودبغ الجلد هل هو فوت أم لا؟
واضطرب في ذلك قول ابن وهب، ونبه على أنه ليس بفوت، وروى عن
стр. 969
مالك أنه سئل عن قطع مثله، فوقف فيه وقال لا أدري، فإن أضاف إليه (صناعة) مثل الغزل ينسجه، أوعينًا مثل البناء في الأرض، فله الرجوع في عين سلعته، ويكون شريكاً للغرماء بقيمة ما زاد، وأما إذا خلط السلعة بجنسها المماثل لها كالزيت يخلط بمثله، والزبيب بجنسه ونحو ذلك، فله أخذ مكيلته، ويتنزل المثل منزلة العين ولو ولدت الأمة، أو الماشية فله أخذ الولد مع أمه لأنها كالعين الواحدة فولدها كعضو منها، وأما الثمرة والصوف على ظهور الغنم كالغلة إلا أن تكون الثمرة مأبورة يوم الشراء، أو الصوف كاملاً على ظهور الغنم فحينئذٍ يدفع مع أصله، ويرجع للبائع، لأنه عين شيئه.
فرع: إذا باع ثوباً أو ثوبين فوجد أحدهما قائماً وفات الآخر، فله أن يأخذ القائم، ويحاص الغرماء بقيمة الفائت من الثمن الأول، ولو ولدت الأمة فمات أحدهما فقد ذكرنا أن الولد مع أمه كالعين الواحدة فليس له أخذ الباقي بجميع الثمن، أو المحاصَّة، فإن بيع الولد، وبقيت الأمة أو عكسه ففيه اختلاف، تحصيله إن بيعت الأم، وبقي الولد فقولان أحدهما أنه يأخذ الباقي بحسابه من الثمن حكاه الشيخ أبو القاسم، والثاني أنه يأخذ الباقي في جميع الثمن وهو قول سحنون، وكذلك إذا بيع الولد، وبقيت الأم فالمشهور أنه يأخذها بجميع الثمن وهو قول ابن القاسم، وقيل: يأخذها بحصتها من الثمن، ويحاص الغرماء بما ينوب الولد من الثمن وهما كسلعتين في صفقة.
فرد: إذا ابتاع عبدًا فجنى، ثم فلس المشتري قبل قبض البائع الثمن فله المحاصة مع الغرماء، فإن أراد البائع أن يفديه من الجناية، فذلك له ويأخذه حينئذٍ بنفسه بجميع الثمن، ولا يحاص بما فداه به، (لأن ذلك منه يتنوع، ولو وجده مرهوناً فأراد فداه وأخذه بالثمن، فله الرجوع إلى محاصة الغرماء بقدر
стр. 970
ما فداه به)، والفرق بين أن يفديه من الرهن أو من الجناية ظاهر، لأن الرهن متعلق بذمة المشتري بخلاف الجناية، فلهذا أوجبنا له المحاصة بقدر الفدية من الرهن دون الفدية من الجناية.
فرع: قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته إذا فلس المشتري قبل دفع الثمن، وهذا إذا كان البيع صحيحاً، واختلف المذهب في المبيع الفاسد هل يكون البائع أحق به من السلعة كالبيع الصحيح أو لا؟ قولان، قال سحنون: كالبيع الصحيح)، وقد محمد: لا يكون أحق بها.
فرع: إذا فاتت السلعة بالبيع فللبائع المحاصة لا غير، فإن ردت بعيب على البائع المفلس وهو المشتري أو لا فهل للبائع أن يرد ما أخذ في الحصاص ويأخذ سلعته أم لا؟ المنصوص عن ابن القاسم أن له ذلك، وقيل حكم مضي فلا يرد، خرجه الشيخ أبو الحسن اللخمي.
قوله: "وفي الموت لا رجوع له": وهذا كما ذكره، هذا مذهب مالك ﵀ لأن ذمة الورثة كذمته بخلاف الفلس لخراب ذمته.
قوله: " وإذا جمع الحاكم مال المفلس": يتعلق به الكلام في (تلف) مال المفلس، وفصل القاضي بين أن يتلف بعد جمع الحاكم له، وقبل بيعه، أو يتلف ثمنه على يد الحاكم، فضمان الأول من المفلس في الثاني روايتان، وحكي الشيخ أبو الحسن، وغيره فيه خلافاً مطلقاً في المذهب فيما إذا تلف مال المفلس بعد أن جمع قبل البيع أو بعده يرجع حاصلة إلى أقوال ثلاثة: الأول: المشهور عن مالك أن مصيبته (من المفلس حتى يقبضه الغرماء كان عرضاً أو عيناً، والثاني رواية عبد الملك عن مالك أن مصيبته) من الغرماء
стр. 971
من حضر منهم ومن غاب، ومن علم ومن لم يعلم، كان دينه عيناً، أو عرضًا، أو حيوانًا، أو ما كان، والثالث: إن كان عينًا فضمانه من الغرماء، وإن عرضًا فضمانه من المفلس وهو قول المغيرة وغيره، والصحيح أنه باق على ملك المفلس حتى يقبضه الغرماء وههنا فروع:
قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته في الفلس، وإذا حكمنا له بأخذها فهل ذلك نقض للبيع الأول، أو ابتداء بيع قولان عندنا، وتظهر ثمرة ذلك في مسائل منها: إذا باع عبداً فأبق عند المشتري، ثم فلس فقال ابن القاسم: ليس له ذلك)، وقال أشهب: له ذلك فإن وجده كان أحق به، وإلا رجع فحاص، وفي كتاب ابن حبيب عن أصبغ: ليس له أن يختاره، وهذا بناء على أنه بيع الآبق.
فرع: هل يكون في الفلس أحق بالعين كما يكون أحق بالعرض أم لا؟ قولان عندنا ففي المدونة فيمن أسلم عينًا دنانير أو دراهم ثم فلس المسلم إليه فربها أحق بها في الفلس إذا عرفت وهي كالمكيل والموزون، وقال أشهب: يكون إسوة الغرماء، ومبناه على الخلاف في تعيين الدراهيم والدنانير.
فرع: إذا كان العرض من قرض ففي كتاب محمد فيمن أقرض عرضاً أو عبداً هو أسوة الغرماء، لأن الحديث إنما جاء في البيع، وقيل: هو أحق به كالبيع، حكاه أبو محمد الأصيلي لقوله -صلي الله عليه وسلم- (أيما رجل أدرك ماله
стр. 972
بعينه)، وهذا عام وملاحظة للمعني وهو فيهما واحد.
فرع: اختلف المذهب في الحوالة هل يكون المحال أحق بالسلعة إذا كانت من بيع، وأحيل بثمنها وفلس المحال عليه، فقال ابن القاسم: لا يكون أحق (بالسلعة) وقال غيره هو أحق، ومبناه على الحوالة هل هي من باب البيع أو من باب المعروف.
فرع: إذا باع ثمرة قد أزهت ثم فلس المشتري بعد أن يبست فقال مالك: هو أحق بها لأنها عين ماله، وقال مرة هو إسوة الغرماء لانتقال حالها.
فرع: اختلف المذهب هل تقع المحاصة مع الغرماء بنفقة الزوجات والأبوين والصداق، (والجنايات، ومتعة المطلقة أم لا؟ بناء على أن ذلك هل يلحق بالمعاوضات أو بالهبات)، وموجبات الأحكام قولان عندنا، ثم ذكر حبس المديان إذا أدعي الفلس من غير بيان وهو الحكم الرابع الذي أوجبه الحجر، والواجب أولاً (خلعه) من ماله فيؤخذ العين وتباع عروضه للتجارة أو للقنية، واختلف في فروع.
الأول: هل تباع خاتمة عليه أم لا؟ قال ابن القاسم: تباع، وقال أشهب: لا تباع وكذلك اختلف المذهب في ثياب جمعته هل تباع عليه أم لا؟ قولان، وكذلك كتب العلم هل تباع عليه أم لا؟ وفي كتاب محمد: لا تباع (عليه) للغرماء، وإن مات كان الوارث (وغيره) ممن هو أهل للانتفاع بها سواء، وقال ابن عبد الحكم: تباع عليه، وتباع كتابه المكاتب، وخدمة المعتق
стр. 973
إلى أجل، والمدبر ودينه المؤجل ويترك له من النفقة ما يعيش به هو وأهله الأيام، وفي كتاب محمد: الشهر، وعن ابن كنانة في كتاب المدنيين لا يترك له شيء من النفقة وهل يترك له كسوة زوجته أم لا؟ قولان قال سحنون: لا يترك له كسوة، والمشهور خلافه، وإذا خليت كسوته وكسوه ولده وزوجته فهل تجرد لهم أم لا؟ قولان قال سحنون: تجرد، وقال غيره لا تجرد.
فصل في الحبس وإنما يحبس من جهل حاله، وأدعي الفقر، فإذا ثبت فقره فهل يقضي عليه باليمين على صحة الشهادة لأنها إنما تعلقت بالظاهر فقط، أو لا يحلف، قولان.
قوله: "ومدة الحبس غير مقدرة" وقال ابن الماجشون: لا يحبس في الدريهمات (أكثر) من نصف شهر ويبلغ في الكثرة أربعة أشهر وفيما بين ذلك الشهرين، وهل يحبس الولد في دين الوالد أو نفقته قولان عندنا، وصح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- سجن في تهمة وسجن الصحابة بعده) وقال -صلي الله عليه وسلم- (يحل عرضه وعقوبته) والعقوبة هنا السجن وعرضه أن يقول مطلني ظلمني ونحوه، وذكر أبو عبيد أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدم عليه ناس من البادية ومعهم إبل فصحبهم في الطري قرجلان وباتا معهم، فلما أصبحوا فقدموا بعض إبلهم فجاؤوا إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- فحبس أحدهما، وقال لصحابه أذهب فأطلب ما ذهب، فذهب فجاء بما ذهب، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (استغفر لي، فقال له
стр. 974
يغفر الله لك، فقال له النبي-صلي الله عليه وسلم- وأنت يغفر الله لك) فأخذ منه بعض الفقهاء السجن بمجرد الدعوي مع الشبهة، ويحبس النساء في الدين كالرجال، وتجعل معهن امرأة أمينة، ويمنع المسجون من دخول زوجته عليه تضييقاً سيما إذا سجن في أمر بين، ولا يمنع المسجون من أن يزوره من إخوانه من النسب والإسلام، وإذا لم (يجد من) يشهد له، وقد طال سجنه أخرج، وقد سئل مالك عن التجار الذين يأخذون أموال الناس ثم يقولون ذهبت منا، ولا يعرف ذلك، فقال يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم أو يتبين أنه لا شيء له، قال: فهذا لا يعرف ولا يعجل سراحهم حتى يستبرأ أمرهم، وفي كتاب محمد، وابن حبيب عن مالك وأري أن يخرج هؤلاء من السوق، وإذا ثبت عسر المحبوس خلي سبيله، وهل للغرماء أن يدوروا معه حيث دار، ويلازموه؟ المنصوص ليس لهم ذلك، والحجة عليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (خذوا ما وجدتم معه ليس لكم غيره) ولأن الملازمة حبس، وقد ثبت موجب نفيه وهو مقتضي قوله سبحانه: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ويحبس الوصي على الأيتام فيما عليهم من دين إذا كان لهم بيده مال، لأن امتناعه من الأداء من باب اللدد، وهل يطاف بالمفلس في السوق (والملعن بالسفه)، وينادي عليه، فيه خلاف عندنا، وجري العمل عليه حفظاً لأموال الناس، وهل
стр. 975
يؤخذ المديان بعمل صنعة يكتسب منها، ويؤدي الدين، قال الجمهور: ولا يؤاجر اعتمادًا على الآية وقضية معاذ، وقال أحمد بن حنبل يؤاجر، واختاره اللخمي إذا كان صانعًا (إنما عوامل غالبًا على صناعته، ثم ذكر فلس (الصناع) ومستأجريهم، وتحصيل القول فيه فأنهم إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فهم أحق بها في أيديهم إذا كانوا قد عملوا الصنعة في الموت والفلس، لأن صنعتهم بأيديهم ولم يسلموها، وإن كان التفليس قبل العمل فهو بالخيار بين أن يفسخ الإجارة، أو يكون أسوة (الغرماء) إن عمل، وإن فلس الصانع فلرب السلعة أن يخلص بقيمة تلك السلعة، وباقي مسائل التفليس (مذكور في المطولات).
стр. 976
باب الصلح والمرافق وإحياء الموات
وما يتصل بذلك
شرح: الأصل في الصلح الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨] وأما السنة فما روي مرفوعًا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا، أو حرم حلالاً) وقد روي موقوفًا على عمر بن الخطاب ﵁، وهو على قسمين: صلح على الإقرار، وصلح على الإنكار، فالصلح على الإقرار جائز، بإجماع المسلمين،
стр. 977
وأما الصلح على الإنكار فأجازه الجمهور، ومنعه الشافعي لأنه من أكل المال بالباطل، واعتمد الجمهور على أنه شراء خصومه وافتداء من اليمين، وقد صح جوازه عن عثمان، وابن مسعود وغيرهما فكان حجة، وقسمه القاضي قسمين، معاوضة وإسقاط وإبراء، فالقسم الأول: أن يدعي على رجل شيئًا، ثم يبيعه منه فلا يجوز إلا في معلوم وحكمه حكم البيع، فيراع (في صحته) ما يراعي في البياعات، فيحرم فيه (من وجوه الربا ما يحرم في البيع ويحل فيه ما يحل فيه، والقسم الثاني: وضع بعض الحق المدعي فإن كان الغريم مقرأ فهو صلح على (الإقرار، وإن كان منكراً فهو صلح علي) الإنكار، وهل يراعي في الصلح على الإنكار ما يرعي في البيع أم لا؟ فيه قولان عندنا مثل أن يدعي دنانير فينكر فيصالحه عليها بدراهم مؤاجلة، فهو محرم عند ابن القاسم، لأنه صرف مستأخر، وأجازة أصبغ وغيره، ولم يره صرفًا وإنما رآه معاوضة على إسقاط المنازعة فقط، فإذا وقع الصلح فاسدًا بخروجه إلى باب الربا فهل يفوت بوقوعه أم يفسخ أبدًا، أو يفسخ ما لم يطل هذه الثلاثة الأقوال واقعة عندنا، والصحيح أنه كالبيع الفاسد فيفيته ما يفيت البيع الفاسد.
قوله: "وإحياء الموات على وجهين": قلت اختلف الفقهاء في إحياء الموات على ثلاثة أقوال، فاشترط فيه أبو حنيفة إذن الإمام قرب من العمران
стр. 978
أم لا؟ ولم يشترط الشافعي مطلقًا، وفصل مالك فاشترطه في القريب دون البعيد هذا هو المشهور من مذهبه، وقال أصبغ وسحنون: لا يفتقر إلى إذن الإمام فيما قرب، ولا فيما بعد، ورواه ابن عبدوس عن أشهب، والأصل في جوازه قوله -صلي الله عليه وسلم-: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق) والإحياء: البناء والغرس وحفر الآبار وشق العيون وغير ذلك من أنواع (العمارة) مما يعلم أنه إحياء، واختلف الرواية عن المذهب فيمن أحيا (أرضًا) وتركها حتى خربت، ثم أحياها رجل آخر فهل تكون للأول لأنه ملكها أولاً بالإحياء، أو للثاني لأنها كالموات حيث خربت فيه عندنا قولان المشهور أنها للثاني كالصيد إذا استأنس ثم استوحش، ثم صاده صائد فهو للثاني، لأنه باستيحاشه صار غير مقدور عليه.
فرع: إذا بيننا على المشهور من اشتراط إذن الإمام فيما قرب تعين النظر في أمرين:
الأول: حد القرب والنظر فيما إذا أحيي بغير إذن الإمام فيما اشترطنا فيما إذنه، وحد القرب عندنا مختلف فيه، أما البلدان فالقريب منها ما تلحقه مواشيها بالرعي في غدوها ورواحها وهو لهم مسرح، ومحطب، وأما الدار فحريمها إذا كانت محفوفة بما احتوت مرافقها التي يضطر إليها (ويعلمها)
стр. 979
الناس من مرافقها في العادة كمطرح التراب، ومصب الميزاب، ومواضع الطريق، وأما البئر فليس لها حريم معلوم لاختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة، وحريمها في الحقيقة ما لا يضر بمائة، ولا يضيق مناخ إبلها، ومرابط مواشيها، وأما إذا أحيي بغير إذن الإمام ممن أوجبنا عليه الاستئذان فالحكم فيه للإمام إن حسن عنده أمر فعله، فإما أبقاه (بيد من أحياه)، وإما أزاله وإما أقطعه، وإما أبقاه للمسلمين وأعطاه قيمته، وهل يعطي قيمته مقلوبًا وهو المشهور لأنه متعد بالإحياء، أو قائمًا حكاه ابن القاسم في وثائقه.
فرع: هل للذمي أن يحي في بلاد المسلمين أم لا؟ اختلفت الرواية فيه عن المذهب، فحكي القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب أنه ليس له ذلك، وقال ابن القاسم: له الإحياء لعموم لفظ الحديث إلا في جزيرة العرب لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا يبقين دينان بأرض العرب) فإن أحيي في جزيرة العرب نزع من يده، وأعطي قيمة ما عمر، وقال مطرف وابن الماجشون له الإحياء في البعيد عن العمران دون القريب، ولا يجوز له الإحياء (في القريب)، وإن أذن له الإمام، ويعطي قيمته، وينزع من يده.
قوله: "وليس لحريم البئر حد إلا الاجتهاد"، وهذا كما ذكره،
стр. 980
والمعهود من الشريعة رفع الضرر (فما يعلم أن يضر) بالبئر الأول كذلك الحريم، وهو مختلف باختلاف الأرضي، هذا في آبار (البراري) والفلوات، وأما إذا أراد أن يحفر بئراً في أرض ملكه تضرب ببئر جاره، فهل يمنع من ذلك أم لا؟ حكي القاضي فيه روايتان المنع رفع للضرر، (والجواز) لأنه تصرف في ملكه بما يحتاج إليه.
قوله: "ومن حفر بئرًا في ملكه فإن البئر مع الأرض ملك له، وله منع الناس منها": اختلف الفقهاء في منع الماء للناس على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: لا يمنع ولا يباع مطلقًا كان في أرضه مملوكة أم لا؟ وهو مذهب أهل الظاهر، وقوم رأوا أنه مما يتصور ملكه، والمنع منه بالإطلاق، وفرق قوم من الفقهاء بين أن يكون في الأ ﴿ض المملوكة فيملك، أو غير المملوكة فلا يملك، واعتمد الأولون على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يمنع نفع ولا فضل ماء) وجعله رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الأشياء المشتركة كالحطب والنار، واعتمد من أجاز منعه على أنه كسائر (المتمولات الممتلكة).
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن المياه على ثلاثة أقسام: عام، وخاص، ومتردد بين الخصوص والعموم، فالعام ضربان: الأول: الماء الجاري في الأرض المملوكة المستقر فيها، فهذا لا خلاف في المذهب أنه مملوك لمن جري في ملكه، واستقر في أرضه على صفة الملك لواحد كان أو للجماعة فلمالكه منعه، وتحجير فضله، والاختصاص بجميعه، وليس عليه أن يرسله إلى من تحته، لأنه بدخوله في أرضه وجريانه عليها، واستقراره فيها
стр. 981
صار ملكًا له، ويقتسمه الشركاء في هذه الأرض على حسب أملاكهم، والثاني: الماء الذي طريقة في الأرض المباحة كالماء الذي يسيل من شعاب الجبال وبطون الأودية، وهذا حكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى، إذا كان الأعلى قديمًا، وإن كان محدثًأ فسنذكره، واختلفت الرواية في تحديد السقي، فقال ابن وهب، وابن الماجشون وغيرهم يسقي الأول ويرسل جميع الماء في حائطة حتى يبلغ الماء في الحائط كله كعب من يقومفيه فحينئذ يغلق مدخل الماء ويرسله إلى جاره، وروي زياد بن عبد الرحمن عن مالك: أن الأول يجري الماء في (ساقيته إلى حائطه) قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه، أو يفني الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله، فاعتبر في هذه الرواية ري الحائط، وجعل الكعبين مقدار الماء في الساقية لا في أرض الحائط، وفي المدينة من رواية عيسي عن ابن وهب أن الأول يسقي حتى يروي حائطه، ثم يمسك بعد ري حائطه من الماء ما يبلغ إلى الكعب، فجعل الكعبين في هذه الرواية مقدار الماء المسقي بعد الري، وقال ابن كنانة: إن كان المسقي زرعًا فيمسك الماء حتى يبلغ النعل، وإن كان شجرًا فيمسكه حتى يبلغ الكعبين، فهذه (أربع) روايات واقعة عن مالك، وهذا إذا كان الأعلى قديمًا (لا يسبقه) الأسفل بإحياء وغرس، ثم أراد غيره إحياء ما فوقه، والسبق إلى الماء، فالقديم أحق، ويمنع المحدث من الأحداث إلى علي حسب دولته، فإذا رضي بحطه من الماء مما فضل عن الأقدم، فله ذلك، نص عليه سحنون.
стр. 982
والقسم الثاني: الماء الخاص وهو المصون في الأواني، أو في الآباء الممتلكة بالحر أو بالشراء، فهذا من جملة الأملاك التي يختص بها مالكها ولا يتصرف فيها غيره إلا بإذنه.
والقسم الثالث: المتردد بين الخاص والعام، وهو ماء (البئر) المحتقرة في الفيافي والبوادي للماشية، فلا يباع ولا يورث، وحافرها أحق (بقدر كفايته)، وعليه إرسال فضلته وورثه حافرها بمنزلته، والعادة تشهد في مثل هذا، لأن حافره إنما يحفره (لتشرب) ماشيته، ويتصدق بما فضل من مائة على من احتاج من مسافر أو مقيم إلا أن ينص حين الحفر على التمليك التام، ويشهد بذلك فلا سبيل عليه، وإذا وقعت الضرورة وتبينت الحاجة كان المسافر أولى من المقيم بالماء الذي فضل عن صاحبه لإضرار المسافر. وروي ابن وهب عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (لا يقطع طريق ولا يمنع فضل ماء ولا ابن السبيل على شربه للدلو والرشا والحوض، ويخلي بينه وبين الدلو فيستقي، ولا يلزم الاستقاء له)،وفي الأثر: أن أبناء السبيل اقتتلوا مع أهل الماء وجرحوهم فأهدر عمر ﵁ جراحات أهل الماء وأغرمهم جراحات ابن السبيل، وقال: ابن السبيل أولي الماء من الساقي عليه، وهو مقتضي المصلحة والله أعلم.
وحكي القاضي قولين فيهما، وإذا أوجبنا على الجار أن يبذل فضل مائة المملوك لزرع جاره الذي خيف عليه الهلاك، هل يقضي عليه ببدل الفضلة بالثمن، أو بغير ثمن قولان مبنيان على اعتبار المصالح، وإنما يقضي عليه لزرع جاره الذي خيف هلاكه عطشًا إذا كان جاره قد زرع على أصل ماء ثم انهارت بئره، فأما إن زرع اتكالاً على فضل ماء جاره فلجاره المنع، إذا لا ضرورة حينئذ.
стр. 983
قوله: "ويستحب لمن سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره أن لا يمنعه": قلت: اختلف الفقهاء هل يقضي بهذا على من امتنع منه أم لا؟.
فقال الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور: يقضي به اعتمادًا على نص حديث أبي هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتفاكم)، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقضي بها على من أباه اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس)، ومن هذا النمط ربيع عبد الرحمن بن عوف وخليج الضحاك بن خليفة ذكر مالك في موطئه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمه فأبي محمد، فقال له الضحكاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخرًا ولا يضرك، فأبي محمد فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فكرر عليه، فامتنع، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك، روي أصبغ عن مالك فقال: لا يؤخذ بقضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة في الخليج، وروي مالك أيضًا في موطئه عنعمر بن يحيي المازني عن أبيه قال: كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط فكلم عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب فقضي له بتحويله، وروي أصبغ عن مالك قال: يؤخذ بقضاء عمر
стр. 984
لعبد الرحمن في تحويل الربيع دون قضائه في الخليج، قلت: لعله فرق بينهما، لأن تحويل الربيع ليس من إحداث طريق لم يكن، ثم ذكر القاضي حكم فتح الكوة.
وتحصيل القول في ذلك على مقتضي المذهب: أن لا يمنع من إحداث ما ينتفع به، ولا يضر بجاره، فإن أضرت الكوة بجاره رفع الضرر شرعًا، وأما الجدار المشترك فليس له فتح الكوة فيه إلا بإذن الشريك ثم ذكر أن السقف لصاحب السفل، وعليه إصلاحه ليتمكن صاحب العلو من الانتفاع به تمكن مثله، فإن اختلفا في السقف حكم به لصاحب السفل، (كما ذكرنا: وقال الشافعي: هو مشترك بينهما؛ لأن السقف محمول على ملك صاحب السفل) فكان حائزًا له بملك حامله كالدابة يحمل عليها مالكها فالحامل والمحمول ملك له إلا أن يثبت خلافه، والعرف شاهد في الجدال المتداعي فيه (فمن شهد له به) العرف فهو له بعد يمينه، وقيل بغير يمين بناء على أن العرف كشاهدين، والقمط بسكون الميم جمع قماط، وأصل القماط الخرقة التي يلف بها الصبي.
قوله: "وليس لأحد الشريكين في الحائط أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه" وهذا حكم جميع الأملاك المشتركة، وإذا انهدم الحائط المشترك فهل (جبره) عليهما، وهل يجبر علي بنائه من أباه، في المذهب قولان: أحدهما: الجبر لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضررا)،والثاني: نفي الجبر، لأن
стр. 985
جبر المالك على أن يبني ملكه غير معهود، وللقائل أن يقول تصور الجبر ههنا لحق الغير.
قوله: "ومن له حق في إجراء (مائة) على سطح غيره فنفقه السح على صاحبه"، وهذا كما ذكره لأن صاحب المسيل له حق في مرور الماء على السطح، فعلي صاحب السطح (تمكينه) من ذلك بحيث يتمكن من منفعته، ويتوصل إلى حقه بخلاف من له شرب في بستان، فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى نفقه فهي عليهما جميعًا، لأن موضع الماء لهما والسطح لصاحبه فقط، ولا شيء معه فيه لصاحب المسيل، وقد تقدم الكلام في وجوب طرح المتاع من المركب يخاف عليه الغرق، وذلك من باب التسبب في إحياء النفوس، ولا كلام في وجوبه، ومن هذا المعني أكل المضطر الميتة إذا خاف الموت، وقد تقدم الكلام في كيفية التوزيع بين أهل السلع، وهل الرقيق كالمال أو كالأحرار، وفي ذكر موضع التقويم، ثم ذكر مسألة المركبين يصطدمان ولا ضمان علي واحد منهما، إذا لا يقدر على رد الريح، بخلاف الفارسين يصطدمان فيقتل أحدهما صاحبه فدية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه والله الموفق.
следующие страницы →