← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ذكر ما نقله ابن شداد من دلك قال الصاحب شمس الدين بن (١) شداد-رحمه الله تعالى-فى سيره الملك الظاهر؛ وهو المسمى بالروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر، لما دكر هده السنه ودكر سبب الخلف الدى وقع بين التتار، قال: حكى لى علا الدين على ابن (٤) عبد الله البغدادى، احد اصحاب الامير سيف الدين (٨١) بلبان الرومى الدوادار الظاهرى ﵀ قال: اخدونى (٦) التتار اسيرا من بغداد لما اخدوها، وكنت قد عدت عندهم مختلطا بهم ومطلعا على اخبارهم. فلما كانت سنه ستين وستمايه ورد من عند بركه رسولان، احدهما يسمى بلاغا (٨) والاخر ططرشاه، برساله ضمنها ما جرت به العاده أن يحمل الى بيت باتوا (٩) مما كانوا يحملونه من فتوح البلاد. وكانت العاده ان يجمع [التتار] ما تحصل من البلاد التى يملكونها ويستولوا (١٠) عليها، من حد نهر جيحون مغرّبا الى حيث ينتهى بهم الفتوح، فيقسم خمسه اقسام؛ قسمان للقان الكبير، وقسمان للعساكر، وقسم لبيت باتوا (١٢). فلما مات باتوا وجلس بركه على التخت، منع هلاوون قسمه، فبعث بركه رسله الى هلاوون، وبعث فيهم سحرة يفسدوا (١٣) سحرة هلاوون. وكان عند هلاوون ساحر يسمى يكشا، فاعطوه هديه بعثها له بركه، وسالوه ان يوافقهم على غرضهم فاتفق معهم. وكان هلاوون قد جعل لهولاء الرسل من يخدمهم، وجعل فى الجمله ساحرة من الخطا تسمى كمشى (١٦)، وجعلها عينا له عليهم تطالعه بجميع اخبارهم. فلما اطلعت على دلك اخبرته به، فامر بالقبض على جميعهم، واعتقلهم فى قلعه تلا، ثم قتلهم بعد خمسه عشر يوم (١٨) من قبضهم، وقتل ايضا الساحر يكشا. فلما بلغ بركه

стр. 3607

قتل رسله وسحرته، اظهر العداوه لهلاوون، وبعث رسله الى السلطان الملك الظاهر يحرضه على اجتماع الكلمه على هلاوون، كما ياتى تتمه الكلام بعد دلك. فهدا كان سبب خلفهم [والله أعلم] (٣). وفيها استناب السلطان الملك الظاهر الامير جمال الدين اقوش النجيبى (٨٢) الصالحى بدمشق. حكى لى والدى ﵀ قال: قال السلطان الملك الظاهر ﵀ للامير بدر الدين بيليك الخزندار، ﵀: «افكر لى فى امير اولّيه نيابه دمشق يكون صوره بلا معنى». قال، فلما كان على الخوان وقد اكل الامير جمال الدين اقوش النجيبى وهو يتمسح يده، والامير بدر الدين نظر (٩) الى السلطان واشار الى نحوه، ففهم السلطان انه المطلوب. قال: فضحك السلطان وقال للامير بدر الدين بالتركى: «هو والله هدا». فولاه نيابه الشام. وفى شهر ذى الحجه ظهر بين القصرين عند الركن المخلّق (١٢) حجرا مكتوب عليه: هدا مسجد موسى ﵇. فخلق دلك المكان وعرف بذلك. وفى عاشر شهر شوّال (١٤) توفى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رضى الله عنه. ونزل السلطان الملك الظاهر، وصلى عليه فى سوق الخيل. وفيها كان قتلة الخليفه المستنصر المعروف بالاسود، المقدم دكره، وظهور الامام الحاكم.

стр. 3608

ذكر [حوادث] سنة احدى وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خمسه ادرع وسبع (٢) اصابع. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا وثلث (٣) اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس احمد بن الامير حسن بن الامير ابى بكر بن الامير ابى على القبّى (٦) بن الحسن بن امير المومنين الراشد بالله بن المسترشد. ذكر بيعه الامام الحاكم بامر الله ابى العباس المشار اليه وخبره ودلك لما كان يوم الخميس تاسع المحرم من هده السنه، جلس السلطان الملك الظاهر بالايوان بقلعه الجبل المحروسه، وحضر الصاحب (٨٣) بها الدين بن حنا -المقدم دكر نسبته عند وزارته-وولده فخر الدين، وقاضى القضاه ابن بنت الأعز، واعيان الامرا وارباب الدوله لمبايعه الامام الحاكم بامر الله. وقربت (١١) نسبته على قاضى القضاه، وشهد بالصحه لما ثبت عنده، فحكم به. فبايعه السلطان، ثم الصاحب [بهاء الدين]، ثم الامرا على طبقاتهم. واستقر الحال كدلك واقام فى البرج الكبير الى حين وفاته. وفى العشر الاول من صفر جمع تكفور صاحب سيس جماعه من الارمن خيلا ورجلا، وخرج بهم غايرا الى ان وصل الى العمق والمعرّة وسرمين والفوعه. وكان

стр. 3609

دليله رجل من اهل الفوعه يسمى بن الظهير (١) الفوعى. فاخذ من الفوعه ثلاثمايه وثمانين رجل (٢)، وكبس سرمين وكان بها الامرا مجردين وهم: الامير بها الدين الحموى، وركن الدين السروى، وعلم الدين قيصر الظاهرى، فانحازوا الى دار الدعوه بسرمين. واجتمع عليهم خلق كثير وحوصروا بها. ثم ان الامير ركن الدين عيسى السروى ركب، وركبت (٥) الامرا المدكورون، وفتح باب الدعوه وخرجوا وحملوا عليهم. فصادف رجل منهم تكفور صاحب سيس. وهو لا يعرفه، فطعنه اقلبه عن جواده. فانفلّ عزم اصحابه بعده، وولوا منهزمين لا يلوى احد على احد. وخلصوا من كان معهم من الاسرا. وفيها خرج السلطان الملك الظاهر من الديار المصريه متوجها الى الشام يوم السبت سابع ربيع الاخر، ونزل مسجد التبن، واقام الى يوم الاربعا عاشر الشهر المدكور، ورحل وسار حتى نزل غزه. فوفدت عليه ام الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك شافعة فى ولدها، فأقبل عليها واكرمها. ثم ادن لها فى العوده، ثم رحل ونزل الطور. (٨٤) دكر اخد الكرك من الملك المغيث ولما نزل السلطان الطور، ارسل الله سبحانه الامطار ما منعت الجالب، فغلت الاسعار، ولحق العساكر مشقه عظيمه. وارسل السلطان الى الملك المغيث يطلبه، فسوّف واحتجّ خوفا لما كان قد اسلفه من الافعال القبيحه الدميمه (١٧) واسااته القديمه. ثم ان المغيث، لما غلب عن المدافعه، خرج من الكرك ﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (١٨).

стр. 3610

فلما وصل الى العسكر، ركب السلطان والتقاه فى جماعه الامرا، فلما وقعت عينه عليه امر بقبضه، ثم سيره الى مصر صحبة الامير شمس الدين اق سنقر الفارقانى، واعتقل وكان اخر العهد به. ولما قبض عليه ظهر فى وجوه بعض الامرا تغيّر، كراهيه لدلك؛ فانه كان حلف له اربعين يمين (٥)، من جملتها الطلاق من ام الملك السعيد بنت بركه خان. فلما فهم السلطان دلك جمع الامرا والقضاه والشهود، واخرج اليهم كتب المغيث الى التتار، وهو يدعوهم الى البلاد ويهوّن عليهم المسالك، ويصغّر عندهم الامور، واخرج فتاوى العلما انه لا يحل بقا (٨) المدكور بسبب دلك. فعند دلك عدروه الامرا، وزال ما كان بخواطرهم من الكراهيه لمسك المغيث، وكان فى الجمله الملك الاشرف صاحب حمص. ثم ان السلطان توجّه الى الكرك، وكتب الى من فيه بان يسلّموا. فشرطوا شروطا من جملتها، انه ينعم على الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث بامريه (١١) مايه فارس. وتسلم الكرك يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الاخره من هده السنه، ودخل قلعه الكرك المحروس الساعه الثانيه من يوم الخميس (١٣) رابع عشرين الشهر المدكور من هده السنه. وانعم على من بها من حاشية المغيث، (٨٥) وسارت البشاير الى ساير الممالك بتمليك الكرك. ثم خرج قاصدا الى ديار مصر، واستصحب معه اولاد الملك المغيث وحريمه. فلما حصل بمصر انعم على العزيز بامرة، وانزله فى دار القطبيه بين القصرين. وفى ثانى وعشرين رجب قبض السلطان على ثلاثه من الامرا الكبار وهم: الامير سيف الدين بلبان الرشيدى، والامير عز الدين ايبك الدمياطى، والامير حسام الدين لاجين البرلى، وأودعهم الاعتقال بالقلعه المحروسه.

стр. 3611

وفيها وصل رسولان من عند بركه، احدهما يسمى جلال الدين بن قاضى دوقات و [الآخر] (٢) عز الدين التركمانى فى البحر الى الاسكندريه. ومضمون الرساله: «أنت تعلم انى محب لهدا الدين، وان هدا العدو-يعنى هلاوون-كافر ملعون، وقد تعدا (٣) على بلاد الاسلام، وقتل وسفك، وسبى ونهب، وقد وجب علىّ وعليك غزوه وأخذ ثار المسلمين منه، والراى ان تقصده انت من جهتك وانا من جهتى، ونصدمه يد (٦) واحدة، ونزيحه عن البلاد، واعطيك ما فى يده من بلاد الاسلام». قال: فاستحضر السلطان رسله، واقبل عليهما، وأنعم لهما بانعام كثير، وشكر له دلك. ونفّد اليه هديه سنيه، وجهز اليه رسول (٨)، وهو الامير فارس الدين المسعودى الامدى وصحبته السيد الشريف عماد الدين عبد الرحيم الهاشمى العباسى. وفى جمله الهديه: فيل، وزرافه، وقرود. وحمير وحشيه عتّابيه، وحمير فرّه مصريه، وهجن بيض، وجمله كبيره من ملبوس ومصاغ وزركش، وشمعدانات فضه وكفت، وحصر عبدانيه، واوانى صينى، وقماس سكندرى ومن عمل دار الطراز، وسكر نبات، وسكر بياض- (٨٦) شئ كثير جدّا. وكان ضمن الرساله الموافقه لما اشار اليه (١٣)، وطلب الصلح والاتفاق والمعاضده على هلاوون. فلما وصل الرسل الى القسطنطينيه [وجدوا] (١٥) الباسلوس، وهو كر ميخاييل صاحبها، غايبا فى حرب كان بينه وبين الفرنج. فلما بلغه وصول الرسل طلبهم اليه، فساروا فى مده عشرين يوم (١٧) فى عماره متصله، واجتمعوا به فى قلعه كساثا؟؟؟. فاقبل عليهم واكرمهم ووعدهم المساعده على التوجه الى البلاد. ووجدوا عنده رسل (١٨) من

стр. 3612

جهه هلاوون، فاعتدر عليهم انه لخوفه من هلاوون لا يمكنه ان يسفرهم على فورهم. ثم امرهم بالرجوع الى قسطنطينية وان يقيموا بها الاّ (٢) حين عودته ويجهزهم. ثم لم يزل يماطلهم ويسوّف بهم الى ان مضت لهم عنده سنه وثلثه اشهر. فلما طال مكثهم نفدوا اليه يقولون له: «ان لم يمكنك المساعده على توجهنا، فاعيدنا (٤) الى مصر». فادن للشريف بالعوده الى مصر وحده، واعتدر انه يخشى من هلاوون. فعاد الشريف، وتاخر الفارس المسعودى مدة سنتين حتى هلك اكثر ما كان معه من الحيوان. ثم ان عسكر بركه قصد القسطنطينيه وغاروا على اطرافها. وهرب الباسلوس الدى كان فيها، وبعث الفارس الى مقدم عسكر بركه يقول له: «ان البلاد فى عهد السلطان الملك الظاهر وصلحه، وان القان فى صلح من صالحه [الملك الظاهر] وعهد من عاهده». وطلب [مقدم عسكر بركه] خطه بدلك، فكتب [الفارس] له خطه بدلك، وانه مقيم باختياره، وانه لم يمنع من التوجه الى القان. فرحل عسكر بركه من على القسطنطينيه، واستصحب معه السلطان عز الدين فانه كان محبوسا فى قلعه من قلاع القسطنطينيه. (٨٧) ثم ان الباسلوس جهز الفارس الى بركه، وسير معه رسول (١٤) من جهته برساله مضمونها ان يقرر على نفسه، من جملة ما يحمله كل سنة، ثلاثمايه ثوب اطلس على ان يكون فى معاهدته، ومدافعا عن بلاده. ثم توجه الفارس المسعودى الى بركه. فلما اجتمع به انكر عليه تاخيره، فقال [الفارس]: «ان صاحب القسطنطينية منعنى». فاخرج [بركة] اليه خطه بما كتب [الفارس] لمقدم عسكره ثم قال له: «انا ما اواخدك (١٨) لاجل الملك الظاهر». ثم ان السلطان عزّ الدين كتب الى السلطان الملك الظاهر يعرفه جميع ما جرا (١٩) وما صدر من الفارس المسعودى من التقصير.

стр. 3613

قال ابن شداد صاحب السيره، قال ابن عبد الظاهر انه كان اجتماع رسل السلطان الملك الظاهر بالملك بركه فى سنه سبع وستين (٢) وستمايه، وانهم مرّوا فى طريقهم بالملك الاشكرى فى مدينه اينه، ثم رحلوا الى قسطنطينيه فى عشرين يوم (٣)، ثم منها الى مدينه اصطنبول، ومنها الى دقسيتا وهى ساحل سوداق. فالتقاهم الوالى بها، واسمه طايوق، وعنده خيل اليولاق، يعنى البريد؛ واسم هده الارض قرم، ويسكنها عده من القفجاق والروس والعلان وغيرهم، ومن الساحل الى هده القريه مسيره يوم واحد. ثم ساروا الى يوم اخر، فوجدوا مقدما اسمه طق بغا، وهو مقدم عشره آلاف، وهو الحاكم على تلك الجهات جميعها. ثم ساروا عنه مسيره عشرين يوم (٩) فى صحراه عامره بالخركاوات والاغنام والمواشى الى ان وصلوا الى بحر ايتل، وهو بحر حلو عدب (١٠) سعته سعة نيل مصر، وفيه مراكب الروس، وهو منزله الملك بركه. وهدا الساحل تحمل اليه (٨٨) الاقامات من ساير تلك الاراضى. قال: فلما قاربوا المنزله التقاهم الوزير شرف الدين القزوينى، وهو يتحدث العربيه والتركيه والمغليه، فانزلهم فى منزله حسنه، وحمل اليهم الضيافه من اللحم والسمك واللبن وغير دلك. ونزل بعد دلك الملك بركه فى منزله قريبه واستحضرهم. وكانوا قد عرّفوهم ما يفعلونه عند دخولهم عليه؛ وذلك ان يكون الدخول من جهه اليسار، فادا اخذ الكتب منهم ينتقلون إلى جهه اليمين، فادا امرهم بالجلوس يكون على الركبتين، ولا يدخل احدا منهم معه فى الخركاه بسيف ولا سكين ولا عده؛ ولا يدوس عتبه الخركاه احد منهم برجله، وادا قلع احد منهم عدته فليقلعها على الجانب الايسر، وينزع قوسه من القربان، ويفك وتره، ولا يترك فى تركاشه نشاب (٢٠)، ولا ياكل ملح (٢١) ولا يغسل ثوبه، وان اتفق غسيله ينشره خفيه.

стр. 3614

ثم انهم وجدوا الملك بركه فى خركاه كبيره تسع خمس مايه فارس، وهى مكسوه لبد ابيض كباس، ومن داخلها مستّرة بخطايى واطلس وصندات مكلله بجواهر وحب لولو كبار. وهو جالس على تخت مرخى الرجلين، وعلى التخت مخده؛ فانه كان به وجع النقرس. والى جانبه الخاتون الكبرى، واسمها طقطقاى (٤)، وله امراتان غيرها، واسمهما الواحده ججك خاتون والاخرى كهار خاتون، وليس له ولد. والمشار اليه بولاية العهد بعده ابن اخيه (٦)، واسمه تمرقان ابن طغوان بن تشو قاآن ابن باتوا (٧) قاآن، والملك بركه وتشو قاآن اخوان من ام واب؛ ويعرف تمر قاآن بامير غلو يعنى الامير الصغير. وكان عمر بركه الى دلك التاريخ ست وخمسين سنه. (٨٩) وصفته انه كان خفيف اللحيه، كبير الوجه، فى لونه صفره، يلف شعره عند ادنيه، فى ادنه حلقه دهب [فيها جوهره] (١٠)، وفى رجليه خفّ احمر كيمخت، وليس فى وصطه (١١) سيف، وفى حياصته قرون سود معوجه مقمعه وهى ذهب مجوهره بسولق بلغارى اخضر، وعليه قبا خطايى، وعلى راسه سراقوج. وعنده تقدير خمسين اميرا كبار جلوس (١٣) على كراسى. فلما دخلوا عليه وادوا الرساله. اعجبه دلك عجبا كبيرا، واخد الكتاب وامر الوزير بقراته (١٥). ثم نقلهم عن يمينه، واسندهم مع جانب الخركاه، واحضر لهم القمز، وبعده العسل المطبوخ ثم احضر لهم (١٦) لحما وسمكا فاكلوا. ثم امر بانزالهم عند زوجته ججك خاتون، فضيفتهم الخاتون فى خركاتها، ثم انصرفوا اخر النهار الى منازلهم. وعاد (١٧) [السلطان بركه] (١٨) يطلبهم فى ساير اوقاته، ويسالهم عن الفيل والزرافه، وسال عن النيل

стр. 3615

وعن مطر مصر. وقال: «سمعت ان عظما لابن آدم ممتدّ على النيل يعبروا (١) الناس عليه». فقالوا: «هدا ما رايناه، ولا هو عندنا». واقاموا عنده سته وعشرين يوما، واعطاهم شى جيد (٣) من الدهب الدين يتعاملون به فى بلاد الاشكرى. ثم خلعت زوجته على الفارس، واعطاهم جوابهم وسفرهم، ومعهم ثلاث (٥) رسل من جهته، وهم: اربوقا وارتيور وارنماش. وكان عند الملك بركه رجل فقير من اهل الفيوم اسمه الشيخ احمد المصرى، وله عنده حرمه كبيره. وعند كل امير من امرايه مودن (٧) وامام، ولكل خاتون مودن وامام، وللصغار مكاتب يتعلمون القرآن. وكان غيبه الفارس الى سنه سبع (٨) وستين وستمايه والله اعلم. (٩٠) وفيها توفى ريدا فرنس واسمه تولين (٩)، وهو من اكبر ملوك الفرنج، واعظمهم قدرا، واسعهم (١٠) مملكه، واكثرهم عساكر. وكان قد قصد الديار المصريه واستولى على طرف منها، وكان قد استولى على ثغر دمياط وملكها فى سنه سبع واربعين وستمايه-كما دكرناه فى الجزء الدى قبله. ثم خدله (١٢) الله وامكن المسلمون من ناصيته، وهو المعروف بفرنسيس. وتوجه الى بلاده بعد اطلاقه، وفى قلبه نار لا تطفى (١٣) لما جرا (١٤) عليه. واضمر فى نفسه العوده الى الديار المصريه لأخد ثاره. فجمع جموعا عظيمه، واهتمّ اهتماما زايدا فى مده سنين الى هده السنه عزم على التوجه الى الديار المصريه. فقالوا (١٦) له كبار دولته: «انت قصدت ديار مصر فى الاول، وانت أخبر بما جرا لك، ومن المصلحه ان تقصد تونس من بلاد افريقيه-وكان ملكها يوميد محمد بن يحيى بن عبد الوهاب ويلقب المستنصر. ويدعا (١٨) له على جميع منابر بلاد افريقيه-فادا ملكت

стр. 3616

افريقيه تمكنت من قصدك الديار المصريه برا وبحرا». فرجع الى قولهم وقصد تونس فى عالم عظيم وفى جماعه من ملوك الفرنج. فاوقع الله فى عسكره وباء عظيم (٢)، فهلك الملعون-مع جماعه من الملوك واكثر جموعه-بظاهر تونس، ورجع من بقى منهم الى بلادهم بالخيبه. ووصلت البشرا (٤) بذلك للسلطان الملك الظاهر، وكتب بدلك الى ساير الامصار ولله الحمد والمنة ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ (٥). ذكر [حوادث] سنة اثنتين وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه. (٩١) ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله امير المومنين ابو العباس أحمد [بالديار المصريه] (١٠). والسلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى سلطان الاسلام بالديار المصريه والبلاد الشاميه الى حدود الفراه (١٢) فى ملكه. وصاحب مكه ابو نمى بن راجح بن قتاده بن حسن الشريف الحسينى. وصاحب المدينه-على سكانها افضل الصلاه والسلام- جماز بن شيحه. وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول المقدم دكره فيما مضى من هدا التاريخ المبارك. وصاحب دلى من الهند ناصر الدين محمود بن شمس الدين ايتامش المقدم دكره. وصاحب ماردين الملك المظفر ارسلان ابن (١٧) الملك السعيد المقدم دكره. وصاحب الروم ركن الدين قلج ارسلان بن السلطان غياث الدين المقدم دكره. وصاحب حماه الملك المنصور ناصر الدين

стр. 3617

محمد بن الملك المظفر تقى الدين المقدم دكره. وصاحب حمص الملك الاشرف مظفر الدين موسى بن الملك المنصور المقدم دكره. وملاك المغرب يوميد صاحب مراكش ابو حفص عمر الملقب بالمرتضى. وتونس لابى عبد الله [محمد] (٣) بن ابى زكريا من ولد عبد المومن المقدم ذكره. ونايب السلطنه بالشام المحروس الامير جمال الدين اقوش النجيبى الصالحى، ونايب السلطنه بمصر الامير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهرى. والوزير الصاحب بها الدين بن حنا المقدم دكر نسبه عند وزارته. وفيها كان الفراغ من بنايه المدرسه الظاهريه التى فى بين القصرين بالقاهره المعزيه المحروسه. وكان الابتدا فى بنايها وانشايها فى اوايل سنه ستين وستمايه. وانتهت عمارتها فى هده السنه المباركه. (٩٢) وفيها ظهرت قتلا كثير (١٠) بالخليج القاهرى، واتهموا به جماعه من الناس. ودام الحال كدلك ما يزيد عن اربعين يوم (١١)، ثم ظهر صحه ذلك. ذكر غازيه الخناقه ودلك انه ظهر ان امرأة حسنا (١٣) تسمى غازيه، كانت تتبهرج على الناس فى زينه فاخره، وتطمع فيها من يراها، وتصحبها عجوز تحدث عنها لمن يروم منها الحاله (١٤)، فتقول له انه لا يمكنها ان تجتمع باحد الاّ فى بيتها خوفا على نفسها. فمن حمله الغرض لفروغ الاجل وافقها على دلك. فادا حصل عندها خرج عليه رجلين فيقتلاه (١٦)، ويوخد ما معه وما عليه من الثياب. فكانوا ينتقلون من مكان الى مكان ليخفى امرهم الى ان سكنوا خارج باب الشعريه على الخليج.

стр. 3618

فاتفق ان كان بالقاهره ماشطه مشهوره بحداقه. فجاءتها العجوز وقالت لها: «عندنا امرأة قد زوجناها، ونقصد منكى (٢) ان تدبرى امرها، وتزينيها احسن زينه، وتحضرى لها من القماش والمصاغ ما تقدرى (٣) عليه، ونعطيكى من الاجره ما احببتى». ثم حضرت الماشطه بما طلبت منها العجوز، وصحبتها جاريه لها. واتيتا (٤) اليهم، ودخلت الماشطه، وانصرفت الجاريه. ثم انهم قتلوا الماشطه، وبطا (٥) خبرها عن الجاريه، فجاءت اليهم تسال عن خبرها، فانكروها. فتوجهت الجاريه الى متولى القاهره، فركب ومسك العجوز والصبيه، وقررهما، فاعترفا (٧) بجميع ما كانوا يفعلوه. واعترفا (٨) على رجل طوّاب يحرق الطوب، فكانوا ادا قتلوا احدا اخرجوه لدلك الطواب، فيحرقه فى القمين، ويخفى امره. ونبشوا الدار، فاخرجوا من حفيرة فيها عده قتلا (١٠). فطالعوا السلطان بامرهم، فرسم بتسميرهم، فسمروا (٩٣) الخمسه فى وقت واحد. ثم ان الامرا شفعوا فى الامرأة فاطلقت، فاقامت يومين وماتت. وفيها قتل هلاوون الزين الحافظى، وهو سليمان بن المويّد بن عامر العقربانى، وقتل جميع اولاده واهل بيته واقاربه، ومن كان يلود (١٣) به. وكان من كلام هلاوون اليه لما اراد قتله، ان قال له: «قد ثبت عندى نحسك وتلاعبك بالدول، فانك خدمت صاحب بعلبك طبيبا فحنته، واتفقت مع غلمانه على قتله حتى قتل؛ ثم انتقلت الى خدمة الملك الحافظ الدى عرفت به، فباطنت عليه الملك الناصر صاحب الشام حتى اخرجته من قلعه جعبر، ثم صرت الى خدمه الملك الناصر، ففعل معك ما لم تسم اطماعك اليه من كل خير، فحنته معى حتى اخرجت دياره وجرا (١٨) عليه ما جرا؛ ثم انقلبت الى خدمتنا فاحسنت اليك احسانا لم يخطر ببالك قط، فشرعت تكافينى (١٩)

стр. 3619

بالافعال الرديه، وتكاتب (١) صاحب مصر، فانت معى فى الظاهر، خارجا عنى فى الباطن، فانت شبيهك شبيه القرعه على وجه الماء؛ كيف ضربها الهوى سارت نحوه». ثم امر به فقتل وجميع اهله. ومما نقله ابن شداد فى سيره الملك الظاهر، ان السلطان الملك الظاهر ﵀ استدعا (٥) اخاه عماد الدين احمد بن المويد المعروف بالاشتر من دمشق، وعوّقه اياما، ثم افرج عنه، وانعم عليه فى الشهر بخمس مايه درهم، ورتب له راتبا جيدا. وامره ان يكتب الى اخيه كتابا يعرفه فيه نيّة السلطان له وشكر منه، ويرغبه فى مكاتبات السلطان، وانه يعطيه من الاقطاعات ما احبّ واختار «وانت بعد دلك على الاختيار ان شيت فى الاقامه او الحضور». فلما وصل اليه الكتب (٩٤) حملها الى هلاوون واوقفه عليها، وقال: «ان صاحب مصر انما يكتب الىّ بمثل هدا ليتع فى يدك، فيكون سببا لقتلى. وقد عزمت ان اكيده واكاتب امرايه الكبار، اعيان دولته بمصر والشأم، لاكيده كما كادنى». فلم يوافقه هلاوون على دلك، ثم عاوده مرارا حتى ادن له فى دلك. فكتب كتبا الى جماعه من الامرا. فوقعت فى يد السلطان، فعلم انها مكيده منه فى قباله ما اكاده به. فكتب اليه يشكره على عرض الكتب على هلاوون، واستصوب رايه فى دلك كونه عرضها لتزول التهمه عنه. وبعث الكتب مع قصاد، وقرّر معهم انهم ادا وصلوا الى شط جزيره بن عمر، يتجردوا (١٦) من ثيابهم على انهم يسبحوا (١٧)، ويحتالوا فى اخفاء انفسهم ليظن بهم انهما غرقا، وكانا رجلان (١٨)، وتكون الكتب فى ثيابهم؛ ففعلوا دلك. قال بن (١٩) شداد صاحب السيره: فراوا نواب التتار الثياب فاخدوها، فوجدوا الكتب فيها. فحملت الى هلاوون، فوقف عليها، وكتم امرها، وكانت اكبر اسباب تلاف الزين الحافظى، والله اعلم.

стр. 3620

ذكر [حوادث] سنه ثلث وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع واصبعان. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا واربعه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس احمد امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام. وساير الملوك بحالهم خلا الملك الاشرف صاحب حمص. فانه توفى الى رحمه الله تعالى، ورجعت حمص الى نيابه الملك الظاهر. وفيها انهى للسلطان الملك الظاهر (٩٥) ان جماعه يجتمعون غالب الاوقات فى دار واحد منهم، وياكلون الططماج (٩) ويزيدون فى الكلام وينقصون، منهم سنقر التركى. فكحل وقطع يده ورجله، وسمر الاخر، واطلق الثالث. وفيها قطع ايدى جماعه من نواب الولاه بالقاهره والمقدمين بدار الولايه وخفر واصحاب ارباع. وسبب دلك ان كان ظهر بالقاهره حراميه وافسدوا فساد كثير (١٢). ثم انهم كبسوا على عرب كانوا نزول تحت القلعه. فقام العايط، فسمع السلطان وعلم الخبر. فلما كان الغد طلعت ورقه الصباح-صحه وسلامه (١٤). فانكر [السلطان] على متولى القاهره فقال: «ان النواب والمقدمين والخفرا لم يعرفونى بشئ». ودكر ان السلطان الملك الظاهر نزل دات ليله الى القاهره متنكرا ليرى احول الناس بالمشاهده والمعاينه. فراى رجل (١٧) من مقدمى الوالى، وقد مسك امراه وعرها

стр. 3621

لباسها من وصطها (١) بيده، والناس وقوف لا يجسروا ان يكلموه. فقال السلطان: «جميع اهل الولايات يفعلوا (٢) مع الناس كدلك». فكان هدا اكبر اسباب قطعهم. والصحيح انه وقع بعض تلك الحراميه، فاحضره السلطان بين يديه وقال له: «بحياتى، اصدقنى وانا اعفك واحسن اليك». فاعترف ان كل ما فعلوه باتفاق من نواب الولاه والمقدمين والخفرا. فقطعهم السلطان بعد ان صحح امرهم. وفيها وردت الاخبار الى مصر بنزول التتار على البيره وحصارها. فجهز السلطان عسكرا كثيفا يقدمه الامير عز الدين ايغان المعروف بسم الموت والامير جمال الدين اقوش المحمدى (٩٦) وجماعه من الامرا. ورسم لعساكر الشام بكمالهم بالتوجه صحبه العسكر المصرى. فاجتمعت العساكر وتوجهوا حتى قطعوا الفراه (٩). وكان السلطان قد سيّر الى الامير شرف الدين عيسى بن مهنا يامره بالركوب والغاره على حران. فلما بلغ التتار قدوم العساكر وغاره العرب على حران ولوا منهزمين ورجعوا خايبين، وعادت العساكر الى الديار المصريه. وفيها يوم السبت رابع ربيع الاخر توجه السلطان الى الشام قاصدا قيساريه. فنزل عليها وحاصرها وفتحها عنوه بالسيف فى ثامن جمادى الاولى. وعصت قلعتها بعدها بعشره ايام وفتحها، وهرب من كان بها الى عكا، ثم اخربها حتى جعلها دكا. وهى اول فتوحاته ﵀. ثم ملّك سايرا اعمالها للامرا الدين حضروا حصارها. ثم رحل عنها ونزل على ارسوف وحاصرها، وجدّ فى حصارها حتى فتحها فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر رجب، ثم هدمها الى الارض دكا. ووصلت البشاير الى دمشق والى مصر، وضربت البشاير فى الممالك الاسلاميه.

стр. 3622

دكر قيساريه وبدو (١) شأنها من أول الاسلام هى من المداين القدم، فتحت فى سنه تسع عشره من الهجره النبويه-على صاحبها افضل الصلاه والسلم (٣) -بعد واقعه اجنادين المقدم دكرها فى هدا التاريخ المبارك فى الجزء الثانى منه. وكان فتحها اولا على يد معويه (٤) ابن ابى سفيان، رضى الله عنه، واستشهد عليها من المسلمين خمسه الاف نفر. وبها ختمت فتوحات الشام فى اول الاسلام، وهى اول فتوحات السلطان الملك الظاهر فى الاخر. قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر (٧) -سقى الله عهده وبرّد ضريحه-: لما فتح السلطان الملك الظاهر-رحمه الله تعالى- (٩٧) قيساريه الشام وبلادها، واحصى المزدرع من ضياعها وقراها، عمل بدلك اوراقا واقامت عند الامير سيف الدين بلبان الدوادار-﵀-ولم تزل عنده حتى فتح الله على يد السلطان بعدها ارسوف فى تاريخ ما دكرناه. فسير طلب قاضى دمشق، وهو يوميد القاضى شمس الدين بن خلكان صاحب التاريخ الحسن ﵀، وجماعه من عدول دمشق، ووكيل بيت المال، وجماعه من الفقها والايمه، وامر ان يملك المجاهدين (١٣) البلاد التى فتحها الله على ايديهم بحد سيوفهم واسنّه رماحهم. وكتب التواقيع بدلك لكل منهم ما سنذكره انشا الله تعالى. ثم سيرها الى الديار المصريه، واخد عليها خط الصاحب بها الدين، وخط الامير بدر الدين الخزندار، وخطوط ديوان الجيوش المنصوره، ومستوفى الصحبه. واثبت دلك واحضرت الاوراق والكتب بين يدى السلطان، فسلمها للامير سيف الدين الدوادار، وامره ان يفرقها على اصحابها ففرقت. وحضروا (١٩) الامرا بعد دلك وقبلوا الارض بين يدى السلطان، وحضر بعد دلك قاضى القضاه شمس الدين بن خلكان الى غزه وكتب مكتوبا جامعا بالتمليك ما هدا نسخته:

стр. 3623

بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد حمدا لله تعالى على نصرته المتناسبة (١) العقود، وتمكّنه الذى رفلت الملة الاسلامية منه فى أصفى البرود، وفتحه الذى إذا شاهدت السير (٢) مواقع نفعه وعظيم وقعه علمت انه لامرها (٣) يسود من يسود. والصلاة على سيدنا محمد الذى جاهد الكفار، وجاهرهم بأعمال السيف البتار، وأعلمهم لمن عقبى الدار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتواصل بالعشى (٩٨) والابكار. فإن خير الكلام النعمة نعمة وردت بعد الياس، وجاات (٦) بعد توحشها وهى حسنة الايناس، واقبلت على فترة من تخاذل الملوك وتهاون الناس، وصرعت ابواب الجهاد وقد غلقت فى الوجوه، وانطقت السنة المنابر وشفاه المحابر بالبشاير التى ما اعتقد أحدا (٨) أنّ بها تفوه. فاكرم بها نعمة على الاسلام وصلت للملة (٩) المحمدية أسبابا، وفتحت للفتوحات أبوابا، ونقمت (١٠) من التتار والفرنج العدوين، ورابطت من الملح الأجاج والعذب الفراه بالبرين والبحرين، وجعلت عساكر [الإسلام] (١١) تذل الافرنج بغزوهم فى عقر الدار، وتحرس (١٢) من حصونهم المانعة خلال الديار والأمصار، وتملأ خنادقهم بشاهق الأسوار، وتقود من فضل عن شبع السيف الساغب فى قبضة القيد إلى حلقات الاسيار (١٣). فرقة منها تقتلع للفرنج قلاعا وتهدم حصونا، وفرقة تبنى ما هدمه التتار بالمشرق وتعليه حصونا (١٥)، وفرقة تتسلم بالحجار قلاعا شاهقة وتتسنّم هضابا سامية. فهى بحمد الله البانية الهادمة، المفيدة العادمة، والقاسية الراحمة. كل ذلك بمن اقامه الله للأمة الإسلامية راحما، وجرّد به سيفا قد شحذت للتجارب خديه فترى، وحمل رياح

стр. 3624

النصرة ركابه تسخيرا فسار إلى مواطن الظفر وسرى، فكوّنته السعادة ملكا إدا رأته فى دستها قالت تعظيما له هذا ملك ما هذا بشرا. وهو مولانا السلطان السيد الأجل العالم العادل المؤيد المنصور ركن الدنيا والدين، سلطان الاسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين، محيي العدل فى العالمين، قاتل الكفرة والمشركين، (٩٩) قاهر الخوارج والمتمردين، سلطان بلاد الله، حافظ عباد الله، سلطان العرب والعجم، مالك رقاب الأمم، اسكندر الزمان، صاحب القران، ملك البحرين، صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، الآمر ببيعة الخليفتين، صلاح الجمهور، صاحب البلاد والأقاليم والمعمور، فاتح الامصار، مبيد التتار، ناصر الشريعة المحمدية، رافع علم الملة الاسلامية، مقتلع القلاع من الكافرين، القايم بفرض الجهاد فى العالمين، ابى (١٠) الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين، جعل الله سيوفه مفاتيح البلاد، واعلامه اعلاما من الاسنة على رأسها من باب الهدايه العباد (١١)، فإنه السلطان الذى يأخذ البلاد ويعطيها، ويهديها بما فيها. وإذا عامله [الله] (١٢) بلطفه شكر، وإذا قدر عفا (١٣) وأصلح فكم وافقه قدر، وإذا أهدت اليه النصرة فتوحا بسيفه قسمها فى حاضريه لديه متكرما، وقال الهدية لمن حضر. وإذا خوّله الله تخويلا من بلاد الكفر، وفتح على يديه قلاعا، جعل الهدم للأسوار، والدماء للسيف البتار، والرقاب للاسار، والنواحى (١٦) المزدرعه للأولياء والانصار. ولم يجد لنفسه الاّ ما تسطره الملايكة فى الصحايف لصفاح من الأمور (١٧)، وتطوى عليه طويات السير التى غدت بما فتحه الله من الثغور باسمه [باسمة] (١٨) الثغور. شعر <من الوافر>:

стр. 3625

فتا (١) ... جعل البلاد من العطايا فأعطا المدن واحتقر الضياعا سمعنا بالكرام على قياس ... ووالا (٢) كان ما فعل ابتداعا. ولما كان-خلد الله سلطانه-بهذه المثابة، وقد فتح الفتوحات (١٠٠) التى اجزل الله بها أجره وثوابه، وله أولياء كالنجوم انارة وضياء، وكالأقدار نفاذا وقضاء (٤)، وكالعقود تناسقا، وكالوبل تلاحقا إلى طاعته وتسابقا، وكالنفس الواحدة عبودية لها وتصادقا، رأى-خلد الله سلطانه-أن لا ينفرد عنهم بنعمة، ولا يتخصص ولا يستأثر بمنحة غدت بسيوفهم تستفيد (٧)، وبعزايمهم تستخلص، وأن يؤثرهم على نفسه، ويقسم عليهم الأشعة (٨) من أنوار شمسه، ويبقا للولد منهم وولد الولد، ما يدوم إلى آخر الدهر ويبقا (٩) على الأبد، لتعيش الأبناء فى نعمته كما عاش الآباء، وخير الاحسان ما [شمل، وأحسنه ما خلد. فخرج الأمر العالى لا زال] (١٠) يشمل الأعقاب والذرارى، ويبين (١١) إنارة الأنجم الدرارى، ان يملّك جماعة امرايه وخواصه الذين يذكرون، وفى هذا المكتوب الشريف يسطرون، ما يعيّن من البلاد والضياع، على ما يشرح ويلقى من الأوضاع، وهو: الامير فارس الدين اقطاى-عتيل بكمالها، الامير جمال الدين ايدغدى العزيزى- النصف من زيتا، الامير بدر الدين بيسرى-نصف طور كرم، الامير بدر الدين بيليك الخزندار-نصف طور كرم، الامير شمس الدين ألدكز الركنى-ربع زيتا،

стр. 3626

سيف الدين قليج البغدادى-ربع زيتا، الامير ركن الدين خاص ترك-افراسين بكمالها، الامير علا الدين البندقدار-ناحيه (٢) الشرقيه بكمالها، عز الدين ايدمر الحلى- نصف قلنسوه (٣)، الامير شمس الدين سنقر الرومى-نصف قلنسوه، الأمير سيف [الدين] (٤) قلاوون الالفى-نصف طيبه الاسم، عز الدين ايغان الركنى- نصف طيبه الاسم، الامير جمال الدين اقوش النجيبى-أم العجم (٥) بكمالها، الأمير علم الدين سنجر الحلبى-بتان (٦) بكمالها، جمال الدين اقوش المحمدى-نصف بورين، (١٠١) الامير فخر الدين ألطنبا الحمصى-نصف بورين، الامير جمال الدين ايدغدى الحاجبى-ثلث جبله، صارم الدين صراغان-ثلث جبله (٨)، الامير ناصر الدين القيمرى-نصف البرج (٩) الاحمر، الامير بدر الدين بيليك الايدمرى-نصف تبرين (٩_)، فخر الدين عثمان بن المغيث-ثلث جبله، الامير شمس الدين سلار البغدادى- نصف البرج الاحمر (١١)، الامير سيف الدين ايتمش السعدى-نصف يما، شمس الدين سنقر السلحدار-نصف يما، الملك المجاهد بن (١٢) صاحب الموصل-نصف دنابه،

стр. 3627

الملك المظفر صاحب سنجار-نصف دنابه، الأمير ناصر الدين (١) محمد بن بركه خان- دير القصور (٢) بكمالها، الامير عز الدين الافرم-نصف الشويكه، الامير سيف الدين كرمون اغا-نصف الشويكه، الامير بدر الدين الوزيرى-نصف طبرس (٣)، الامير ركن الدين منكورس-نصف طبرس، الامير سيف الدين قشتمر العجمى-علار بكمالها، علا الدين كور قفجاق (٥) -نصف عرعرا، الامير سيف الدين قفجق البغدادى- نصف عرعرا، الامير حسام الدين [بن] (٦) اطلس خان-سيدا بكمالها، علا الدين كمغدى (٧) الظاهرى-الصفرا بكمالها، الامير سيف الدين كجك البغدادى-نصف فرعون، الامير علم الدين سنجر الازكشى-نصف فرعون، علم الدين سنجر طرطج الآمدى (٩) -استانه بكمالها، الامير عز الدين الحموى الظاهرى-نصف ارتاح، الامير شمس الدين سنقر الألفى-نصف ارتاح، علا الدين طيبرس الظاهرى-نصف نما الغريبه، الامير علا الدين السكزى-نصف نما الغربيه (١١)، الامير عز الدين ايبك الفخرى-القصير بكمالها، علم الدين سنجر الصيرمى (١٢) -اعناص بكمالها، الامير ركن الدين بيبرس المعزى-نصف قفين (١٣)، الامير شجاع الدين طغرل الشبلى- نصف كفر مراعى (١٤)، علا الدين كندغدى الحبيشى-نصف كفر مراعى،

стр. 3628

(١٠٢) الامير شرف الدين عيسى الهكارى-نصف كسفا، الامير بها الدين يعقوبا الشهرزورى-نصف كسفا، جمال الدين موسى يغمور-نصف (٢) رمكه، الامير علم الدين سنجر امير اخور-نصف حانوتا، الامير علم الدين سنجر الحلى-نصف رمكه (٤)، سيف الدين بيدغان الركنى-افراديسا (٤_) بكمالها، الامير عز الدين ايدمر الظاهرى-ثلث حله، الامير شمس الدين سنقر شاه-ثلث حله (٥)، جمال الدين اقوش الرومى-ثلث حله (٦)، الامير بدر الدين بكتاش الفخرى-ثلث جلجوليا، الامير علا الدين كشدغدى (٧) الشمسى-ثلث جلجوليا، بدر الدين بكجا الرومى-ثلث جلجوليا. ثم اشهد السلطان على نفسه الكريمه بدلك وكتب كتاب التمليك الشرعى الجامع بدلك، وفرقت النسخ لكل امير نسخه بما ملكه اياه. وأحسن السلطان الى القاضى شمس الدين بن خلكان واخلع عليه. وفيها وردت الاخبار على السلطان ان هلاوون هلك فى سابع ربيع الاخر بمرض الصرع، وكان يعتريه فى كل يوم مرتين. وكان هلاكه ببلد مراغه، ونقل الى قلعه تلا ودفن بها، وبنى عليه قبه. وان التتار اجتمعوا على ولده أبغا، وأن بركه قصده وكسره. فعزم السلطان على التوجه الى العراق لاغتنام الفرصه فى هدا الوقت فلم يمكنه دلك. وورد الخبر ان الفرنج ربما لما بلغهم [فتوح السلطان] (١٦) قالوا: «نقصد الديار المصريه لنسترجع دلك منه». فتأخر السلطان بهدا السبب عن قصده العراق وعاد الى الديار المصريه مويدا مجبورا محمودا مشكورا.

стр. 3629

ولما كان يوم الخميس ثانى عشر شوال سلطن ولده ناصر الدين محمد بركه خان، ولقبه الملك السعيد. وركبه من القلعه، وحمل (١٠٣) بين يديه الغاشيه بنفسه راجلا والملك السعيد راكبا. ثم أنه نزل، وشق القاهره وقد زينت زينه عظيمه. ودخل من باب النصر وخرج من باب زويله، والامرا جميعهم مشاه بين يديه، والامير عز الدين الحلى راكبا (٥) يحجبه، وكدلك الصاحب بها الدين بن حنا وقاضى القضاه راكبان قدامه، والامير بدر الدين بيسرى حامل الشتر، وكان يوما مشهودا. وفيها قبض السلطان على الامير شمس الدين سنقر الاقرع؛ وسببه ان رسولا ورد من الملك بركه على السلطان فى شهر دى القعده، ومعه رجل ادعا (٨) انه الملك الاشرف ابن الملك المظفر شهاب الدين غازى. فطلب من يشهد له بدلك، فشهد له الامير شمس الدين سنقر الاقرع. فكشف السلطان عن حقيقه الأمر فادا الامير شمس الدين كان سبب مجيه (١١)، فانه نفّد خلفه واستدعاه من بلد بركه. فقبض عليه وعلى الاقرع وعلى سنقر الرومى فانه كان مخاويه. وفيها صحّت الاخبار بهلاك هلاوون وجلوس ولده ابغا. وكان [ابغا] لما توفى هلاوون غايبا فى بلاد يا نغر (١٤) مقابل براق، فسيروا خلفه واجلسوه بوصيه من ابيه. وكان لهلاوون سبع (١٥) عشر ولدا وهم: ابغا نوين الملك بعده، يشموط، قنشين، بكشى، آجاى، يستر، منكو تمر، قالودر (١٦)، ارغون، تغاى تمر، كيختوا، احمد اغا، قيدوا وهو الدى قتله قازان حسبما ياتى من ذكره، والباقى لم اقف على اسماهم (١٧).

стр. 3630

ذكر [حواث] سنة اربع وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وسبعه وعشرون اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واثنا عشر اصبعا. (١٠٤) الخليفه الامام الحاكم بأمر الله ابو العباس امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس البندقدارى سلطان الاسلام بالممالك الاسلاميه من حدود الفراه (٦) الى بلاد النوبه. ومن خلف الفراه الى اخر الدنيا بمطلع الشمس فى مملكه التتار من بنى جكز خان عده ملوك. والمجاور لبلاد الاسلام بين الفراه (٧) بيت هلاوون، والملك عليهم يوميد ابغا ولده-حسبما دكرناه. وباقى الملوك حسبما دكرناه فيما تقدم خلا صاحب مراكش المغرب الملقب بالمرتضى فانه قتل وولى مكانه ابو العلا ولقب بالواثق. وفيها خرج السلطان الملك الظاهر الى صفد فى مستهل شهر شعبان المكرم، وترك بالديار المصريه نايبا الامير عز الدين الحلى فى خدمه الملك السعيد ولد السلطان. ونزل السلطان عين جالوت، وقدّم الامير جمال الدين ايدغدى العزيزى على عسكر وكدلك الامير سيف الدين قلاوون الالفى. وتوجهوا للغاره على بلاد السواحل، فغاروا على عكا وصور وعرقا وحلبا وطرابلس وحصن الاكراد. وهده الغاره كانت على هده الاماكن فى سلخ شعبان، وغنموا وسبوا، ثم كان النزول على صفد فى ثامن شهر رمضان المعظم.

стр. 3631

ذكر فتح صفد المحروسه ولما نزل السلطان الملك الظاهر ﵀ على صفد فى التاريخ المدكور نصب المناجنيق، ودام عليها الحصار من ثامن رمضان المعظم الى مستهل شوال. فجدّ فى قوة الزحف بعد تمكن النقوب وتعليق الاسوار. فلما كان يوم الثلثا خامس عشر شوال المبارك طلبوا الامان. (١٠٥) فشرط عليهم لا (٥) يستصحبوا معهم مالا ولا سلاحا، ورسم ان يفتشوا عند خروجهم، فان وجد مع احد منهم شئ من دلك انتقض العهد. فلما كان يوم الجمعه ثامن عشر شوال طلعت السناجق المنصوره السلطانيه على الاسوار، وعلت على الابراج، وقد خلت من تلك الأعلاج، مويده بالظفر والنصر، مرفوعه على قمم الاعدا وحصونها بالغلبه والقهر. ووقف السلطان بنفسه الكريمه على بابها، واخرج من كان بها من الديويه والاسبتار فى حال اضيق من سوار. فلما خلت دخل اليها الامير بدر الدين بيليك الخزندار نايب السلطنه المعظمة وتسلمها. ثم قيل ان جماعه من الملاعين الفرنج معهم اشياء من الاموال، ففتشوا فوجدوا دلك صحيحا، فامر السلطان بضرب رقابهم. ثم امر بعمارتها وتحصينها، ونقل اليها الدخاير والسلاح واقتطع بلادها للجند. وجعل مقدمهم الامير علا الدين الكبكى، ونيابه البر فى نواحيها الامير عز الدين العلايى، ونيابه القلعه بها الامير مجد الدين الطورى. وحكى الامير ركن الدين بيبرس العلايى ان السلطان لم يحلف لاهل صفد، وانما اجلس مكانه كرمون اغا التترى (١٨)، وأوقف الامرا فى خدمته، فحلف لهم كرمون. وكان عمل عليهم وزيرهم وكان نصرانيا، فنزلوا على يمين كرمون، فلما نزلوا جعلوا

стр. 3632

عليهم الحجة انهم استصحبوا معهم الاموال وخرجوا عن الشرط، فضربت رقابهم عن اخرهم. وكانوا نحو من الفى فارس. فلما قتلوا سيّروا اهل عكا يقولوا (٣) للسلطان: «تصدق علينا بنقل اجساد هولاء الشهدا الى عكا لاجل البركه بهم». (١٠٦) فترك السلطان الرسول عنده، ثم اخد جماعه من العساكر وساق من أول الليل، فما اصبح الاّ وهو على باب عكا. فلما فتحوا الباب وخرجوا لقضا حوايجهم ساق عليهم، فقتل منهم خلق كثير (٦) وعاد من فوره. فلما وصل الى الدهليز طلب الرسول وأعاد الرساله فقال: «عود (٧) اليهم، فقد عملنا عندهم شهدا وكفيناكم مؤونه النقل وكلفته». ثم دخل السلطان بعد رحيله من على صفد الى دمشق يوم الخميس مستهل دى القعده، وقد زينت له احسن زينه، ونزل بالقلعه. وامر العساكر بالمسير الى سيس والغاره عليها، فخرجوا من دمشق يوم السبت ثالث دى القعده. وقدم عليهم الملك المنصور صاحب حماه، وفوض التدبير للامير شمس الدين اقسنقر الفارقانى. فوصلوا الى الدربندات التى منها الدخول الى سيس. وكان صاحبها قد بنا (١٣) عليها ابرجه، وجعل فيها عده من المقاتله فملكوها (١٤) المسلمون، وقتلوا بعض من كان بها، وهربوا (١٥) الباقى. ثم هدموها، ودخلوا الى بلاد سيس. فقتلوا ونهبوا وسبوا ومسكوا ابن صاحب سيس، واسمه ليفون ابن هيثوم (١٦)، وكدلك اسروا ابن اخيه وجماعه من اكابرهم. ودخلوا المدينه، ونهبوها واخدوا ما فيها. وعادوا بعد ما اخلوا الأوطان من القطّان. فخرج السلطان اليهم والتقاهم، ودلك فى ثانى شهر دى الحجه.

стр. 3633

وفيها نهب السلطان قارا. وسبب دلك ان ركابيا من ركابيه الديار المصريه كان خدم مع الطواشى شهاب الدين مرشد مقدم عسكر حماه، وخرج معه عند منصرفه من الرساله التى قدم فيها. فحصل للركابى مرض، فانقطع قريبا من قارا، وامسا (٣) عليه الليل (١٠٧) فلم يشعر إلاّ وقد اتاه رجلين (٤) من اهل قارا. وقالوا له «انت الليله ضيفنا»، وحملوه (٥) الى قارا. فاقام عندهم ثلاثه ايام، ثم تعافا. فاخداه اوليك الرجلان تحت الليل، وهو مكتوف، وقد وضعوا (٦) فى فيه مسد يمنعه من العياط. ومضوا به الى حصن الاكراد، فاباعوه (٧) باربعين دينار صوريه. واتفق ان فى تلك السنه توجه بعض تجار دمشق الى حصن الاكراد، واشترى اسارا (٩) واشترى دلك الركابى فى الجمله. فلما دخل دمشق واطلق الركابى، خدم ركبدارا مع بعض الاجناد. فلما نزل السلطان على قارا، حضر دلك الركابى الى عند الامير فارس الدين اتابك، فانهى له قصته. فقال: «تعرف الرجل الدى اخدك واباعك»، قال: «نعم»، فنفده مع جانداريه، فوجدوا احد الرجلين، فمسكوه واحضروه الى اتابك. فدخل اتابك على السلطان واعلمه بصورة الحال. فامر باحضارهما بين يديه. فانكر دلك الرجل القارى، فقال الركابى: «انا اعرف دورهما وما فيهما»، فاعترف القارى بدلك وقال: «نحن وكل من فى هده البلد يفعل دلك». وكان قد حضر من قارا رهبان بضيافه للسلطان، وهم بباب الدهليز. فلما ثبت دلك عند السلطان امر بالقبض على الرهبان، وركب بنفسه الكريمه وقصد الدياره التى خارج قارا، فقتل جميع من بها ونهبها، ثم عاد وامر العسكر بالركوب،

стр. 3634

ثم قصد التل الدى ظاهرها من ناحيه الشمال. وسير استدعا (١) ابو العز، وهو الريس الدى بها. وقال: «نحن قاصدين (٢) الصيد، فأخرج الينا اهل البلد لينفروا قدامنا الصيد». فأخرجهم جميعهم الى ظاهر قارا. (١٠٨) فلما بعدوا عن البلد امر العساكر ان يضربوا رقاب الجميع، ففعلوا، ولم يسلم منهم الا من اختفا (٤) او هرب او تحصن فى الابرجه التى لها. واخدوا منهم اسارا (٥)، وكان عده من أسر منهم الف وسبعين نفر ما بين رجل وصبى وامراه. ثم امر بالرهبان، فوسطوا عن اخرهم. ودخل العسكر الى قارا ونهبوها. واخرب كنيستها وبنيت جامعا. ثم نقل اليها جماعه من الرعيه، تركمان وغيرهم، واسكنهم بها، ورتب بها خطيبا وقاضيا. وابقا (٨) على الرّيس ابو (٩) العز، فانه كان يعرفه قديما، وحلف انه لم يكن يعلم بشئ مما فعلوه. ثم انه خرج والتقا (١٠) العسكر الوارد من سيس حسبما تقدم. وعاد معهم، ودخل الى دمشق والغنايم بين يديه والاسرا كدلك. ودلك فى خامس عشرين دى الحجه من هده السنه والله اعلم. ذكر [حوادث] سنة خمس وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خمسه ادرع واحد عشر اصبعا. مبلغ الزياده سته عشر دراعا واربعه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (١٧) العباس احمد امير المومنين، والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام، وقد خرج من دمشق مستهل المحرم من هده السنه.

стр. 3635

ونفذ المثقل الى الديار المصريه صحبه الامير شمس الدين الفارقانى، وتوجه الى الكرك، ونزل بركه زيزا. فركب ليتصيّد، فتقنطر انكسر فخده (٢). فاقام هنالك يلاطف نفسه حتى قارب الصحه. فركب فى محفه، وسار الى غزه، ثم (١٠٩) توجه الى القاهره، وقد منّ الله تعالى على الاسلام بعافيته. وزينت القاهره، وشق فيها وهو راكب جواده. وفيها انشا السلطان الملك الظاهر صلاه الجمعه والخطبه بجامع الازهر، وكانت قد انقطعت منه من ايام الحاكم الفاطمى. وكان الجامع المدكور قد عاد من جمله المساجد التى يقام فيها الصلوات الخمس، وكان قد تشعّث تشعيثا كثيرا. فلما عمّر الامير عز الدين الحلى داره بجواره، رمم تشعيثه. وجامع الازهر المدكور هو اول بيت وضع للناس بالقاهرة. واقيمت الجمعه فيه بعد امتناع جماعه من العلما من دلك. ثم حصل الاتفاق، واقيمت الجمعه فيه ثامن عشر شهر ربيع الاخر سنه خمس وستين وستمايه. وهدا الجامع بناه القايد جوهر المقدم دكره بانى القاهره. وكان بناه فى سنه ستين وثلثمايه، وانتهى واقيمت فيه الصلاه يوم الجمعه اول جمعه فى شهر رمضان سنه احدى وستين وثلثمايه، وكانت بناية القاهره المحروسه فى سنه ثمان وخمسين وثلثمايه حسبما (١٥) سقناه من دكر دلك. ثم ان العزيز ابن المعزّ الفاطمى جدّد بهدا الجامع اشياء، وجدّد له اوقاف (١٦) كثيره. ويقال ان به طلسم لا يسكنه عصفور ولا يفرخ فيه. ولما كان فى سنه ثمان وسبعين وثلثمايه، سأل الوزير ابو الفرج يعقوب ابن (١٨) كلّس المقدم دكره فى هدا التاريخ-وهو الوزير الدى عرفت به حاره الوزيريه بالقاهره

стр. 3636

المحروسه-وتحدث مع العزيز فى صلة رزقة لجماعه من الفقهاء. فاطلق لكل منهم كفايته، واشترا (٢) لهم دارا الى جانب الجامع. وادا كان يوم الجمعه حضروا الجامع، وذكروا فيه الدرس. وكان شيخهم ابو يعقوب، وكان عده فقاه (٣) نيف وثلثين فقيها. وعلت منار الجامع فى ايام القاضى صدر الدين، وكان فيه تنورين (٤) فضه، (١١٠) وسبعه وعشرين قنديل (٥) فضه. وكانت له اوقاف كثيره: ومن جملتها جزوا بدار الضرب بمصر، وجزوا (٦) بدار الحرق الجديده بمصر. وكان متحصل وقفه الف دينار وسبع مايه وستون دينار (٧). فلما احترقت مصر فى سنه اربع وستين وخمس مايه تغيّرت هده المعالم وجهلت. وكان هدا الجامع الازهر فى اول انشايه بنى قصيرا، فزيد فيه دراع (٩). واستمرت الخطبه فيه حتى بنى جامع الحاكم المقدم دكر تاريخ انشايه فى سنه ثلاث واربع مايه (١٠)، فانقطعت الخطبه من الجامع الازهر، واستمرت فى [جامع] الحاكم الى هده السنه. وقرات فى سيرة الحاكم المدكور يقول: فى يوم الجمعه التاسع من رمضان المعظم سنه تسع وتسعين وثلثمايه اقيمت الجمعه بالجامع الحاكمى الجديد الدى خارج باب الطايبيه (١٣) مما يلى باب الفتوح. وكان الامام الحاكم يخطب فيه جمعه، وفى جامع ابن طولون جمعه، وفى جامع مصر جمعه، وابطل (١٥) الخطبه من جامع الازهر المدكور. وكان هدا الجامع الحاكمى برا (١٦)، خارجا عن عين القاهره. فجدد بعد دلك باب الفتوح، وعلى البدنه مكتوب

стр. 3637

-وهى البدنه التى مجاوره باب الفتوح مع بعض البرج-يقول: هدا ما بنى فى زمان المستنصر فى وزاره امير الجيوش فى سنه ثمانين واربع مايه. و (٢) قد دكرت قطعه جيده تختص بدكر الجامع الحاكمى فى الجزو (٣) المختص بدكر الفاطميين فى هدا التاريخ، ما يغنى عن اعادته هاهنا. (٤) وفيها امر السلطان الملك الظاهر بعمارة جامع بميدان قراقوش بالحسينيه بجوار زاويه الشيخ خضر. وكان الشيخ خضر السبب فى انشايه لكثره العالم الدين كانوا يردون عليه. فشرع فى بنايه النصف من جمادى الاخره وفوّض امره للصاحب بها الدين بن حنا، وللامير علم الدين سنجر المسرورى المعروف بالخياط والى القاهره يوميد. وكملت (١١١) بنايته فى شوال سنه سبع وستين وستمايه. ذكر [حوادث] سنة ست وستين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم اربعه ادرع وعشرين (١١) اصبعا. مبلغ الزياده سته عشر دراعا واربعه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابو العباس احمد امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى سلطان الاسلام. وساير الملوك والنواب بحالهم حسبما تقدم من دكرهم فى السنين المتقدمه.

стр. 3638

ذكر فتح يافا وذكر مبتداها (١) اولا لمّا كان يوم السبت ثانى جمادى الاولى (٢) ورد على السلطان الملك الظاهر رسل بضيافه من صاحب يافا وتقادم، فمسكهم السلطان واعتقلهم. ثم امر العساكر باللبس (٣) ليلا، وركب وسار فاصبح عليها. فهربت الفرنج منها الى القلعه، وكانت على نشز عالى (٥) مرتفع البناء، فدخل العسكر الى الربظ والمدينه، فملكوها بعد ما طلبوا الامان، فامنهم وعوضهم عنما (٦) نهب لهم اربعين الف درهم. وخرجوا، فركبوا المراكب، وطلبو عكا. ثم ملك القلعه وهدمها وكدلك المدينه. وكانت من بناية ريدا فرنس لما نزل الساحل بعد كسرته وخلاصه من الاسر فى سنه ثمان واربعين وستمايه. قلت: وهده يافا كان فتحها عمرو بن العاص-رضى الله عنه-فى خلافه الامام ابى بكر-رضى الله عنه-، ويقال بل فتحها معويه (١٠) -رضى الله عنه، دكر دلك البلادرى. وقال عز الدين ابن (١٢) عساكر-﵀-فى تاريخه: ان الملك طنكلى ابن اخت صاحب انطاكيه بناها فى سنه ثلث وتسعين واربع مايه. ونزل عليها السلطان صلاح الدين (١١٢) فى سنه ثمان وثمانين وخمس مايه. فخرج اليه البترك وجماعه من كبارها، وسالوه ان يتسلمها بالأمان، ويكونون (١٥) اسراه، ويقيدون اسيرا باسير، وكبيرا بكبير، وصغير (١٦) بصغير، وتقرر دلك بينهم. ثم انهم سوّفوا الحال حتى وصل اليهم

стр. 3639

الملك الانكتير، فقووا به، ونقضوا الشرط الدى وقع عليه الاتفاق. فرحل السلطان صلاح الدين عنها، ونزل القيطون (٢). ولم يكن فتحها على يده، وانما فتحها الملك العادل بعساكر مصر لما كان اتابكا للملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين -حسبما سقناه من دلك فى تاريخه فى سنه احدى وتسعين وخمس مايه. ولما كان الانبرور ايام الملك الكامل-﵀-نزل بها الانبرور وعمر قلعتها وحصنها. ثم اتقن امرها الفرنسيس وهو ريدا فرانس، وحسّن عمارتها احسن عماره، وحصنها ابلغ تحصين وامكنه. ولم تزل كدلك حتى فتحها السلطان الملك الظاهر فى هدا التاريخ المدكور. ذكر الشقيف وفتحها ولما فرغ السلطان الملك الظاهر-﵀-من امر يافا، رحل عنها يوم الاربعا ثانى عشر شهر رجب. وتوجه طالبا للشقيف. فنزل عليها يوم الثلثا ثامن عشر الشهر المدكور. فوقع له كتاب من الفرنج بعكا الى النواب بالشقيف يتضمن: ان المسلمين قاصدين (١٣) اليكم، وهم لا يقدرون على اخد الحصن ان كنتم رجال واحتفضتم به، فجدوا فى امركم. فلما قراه السلطان انفتح له الباب فى الحيله على اخد الحصن. فاستدعا (١٥) من يكتب بالفرنجى. وامره ان يكتب كتابا يدكر فيه أمارات بينهم استفادها من الكتاب الدى وقع له. ويحدر الكمندور المقيم بالشقيف من الوزير المقيم عنده، ومن جماعه كانت اسماهم (١٧) فى الكتاب. وكتب كتابا اخر الى الوزير يحدره من الكمندور، (١١٣) ويامره ان احتاج الى مال فلياخده من ملك كان اسمه فى دلك الكتاب. واحتال حتى وصلت الكتب اليهما.

стр. 3640

فلما وقف كل منهم على كتابه اخفاه من صاحبه. ووقع الخلف بينهم، وقوى عليهم السلطان الحصار وشدده. فألجأهم دلك أن سيروا الى السلطان، وقرروا معه تسليم الحصن على ان لا يقتل من فيه. فتسلم الحصن تاسع وعشرين شهر رجب، وكان قد ملك الباشوره بالسيف، فاصطنع (٤) الكمندور. وكان عده من بالحصن اربع مايه وثمانون (٥) مقاتل، فركبهم الجمال الى صور، وبعث معهم من يحتفظ بهم، ثم رحل عنها، وسير الاثقال الى دمشق. وسار الى طرابلس، فشن عليها الغاره، واخرب قراها، وقطع اشجارها، وغور ميايها (٨) وانهارها. ثم رحل الى حصن الاكراد، ونزل عليه. فحضر اليه رسول من جهه صاحبها بالاقامه والضيافه. فردها عليه، وطلب منه اديه (٩) رجل من الاجناد كان قد بلغه انهم قتلوه من قبل دلك الوقت، فارسلوا اليه ما احب واختار. ثم رحل الى حمص، ثم الى حماه، ثم الى فاميه، ثم امر الجيوش ان تلبس، وركب من الليل، فاصبح على انطاكيه. ذكر انطاكيه وفتحها ومبتدا امرها كان نزول السلطان عليها مستهل شهر رمضان المعظم من هده السنه، فخرجوا (١٤) اهلها يطلبون منه الامان، وشرطوا شروطا ما قبلها السلطان، فردهم خايبين. وزحف عليها، فملكها يوم السبت رابع عشر رمضان المعظم. ورتب على ابوابها جماعه من الامرا لأجل الحرافيش. فمن خرج منهم بشئ أخد منه. فجمع من دلك ما امكن جمعه، ثم فرقه على الامرا والمقدمين والاجناد، كل منهم على قدره. وحصر عده من قتل بها، فكانوا نيف (١٩) واربعين الفا. (١١٤) واخرج جماعه

стр. 3641

من المسلمين كانوا أسرا بها من اهل الشام وحلب وغيرها. وكان صاحبها الابرنس قد اعتمد فى حق المسلمين من اهل حلب والشام، عند استيلا التتار على البلاد، كل فعل مدموم وامر قبيح من القتل والأسر والسبى والنهب، فانتقم الله منه. ثم وقيل انه لو حلف الحالف ان ما سلم من اهل مدينه انطاكيه مخبر من رجالهم لما حنث فى يمينه. وكان فيها مايه الف او يزيدون، وقيل مايه الف وثمانيه الاف، ودلك حسبما دكره نواب التتار، وهو الشحنة الدى كان من جهه التتار. واستخرج منهم عن كل راس دينار. هدا غير ما دخل اليها عند هجوم العساكر من اهل القرى والضياع. ثم ان القلعه مسكت بعد المدينه يوم واحد (٩). وطلبوا الامان، وكان اجتمع فيها ثمانيه الاف نفر رجال مقاتله خارجا عن الحريم والاولاد، فتحاشروا ومات منهم خلق كثير. وعدم عندهم القوت، فسيروا بكره يوم الاحد ثانى يوم الفتح يطلبون الامان من القتل خاصه، وينزلون اسارا (١٢)، فانعم لهم بدلك. فخرجوا الى ظاهرها وعليهم احسن الملبوس كانهم زهر الرياض، وضجوا ضجه واحده، وسجدوا باجمعهم، وقالوا: «ارحمنا يرحمك الله». فرقّ [الملك الظاهر] لهم، وحنا عليهم، وعفا عنهم من القتل، وامر ان يرفع عنهم السيف. ثم انه فتح بغراس؛ ودلك ان اهلها نفدوا يسألوا (١٦) تسليمها منهم، فنفد اليهم الامير شمس الدين اقسنقر الفارقانى، فتسلمها فى ثالث عشر رمضان. وتسلم ايضا دير كوش فى تاسع رمضان، وصالح اهل القصير على مناصفه القلاع المجاوره له. ثم عاد الى دمشق، فدخلها سابع عشرين شهر رمضان من هده السنه.

стр. 3642

وكان لما فتح الله تعالى على يديه أمر ان تكتب البشاير بدلك، فكان من جمله (١١٥) دلك كتاب الى صاحب انطاكيه، وهو يوميد مقيم بطرابلس، ودلك انشاء القاضى المرحوم فتح الدين بن عبد الظاهر-﵀-ما هدا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. قد علم القومص الجليل المبجّل، المعزز الهمام الأسد الضرغام، بيمند فخر الأمة المسيحية، رييس الطايفة النصرانية (٥)، كبير المله العيسوية، ألهمه الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل النصيحة محفوظة عنده. ما كان من قصدنا اطرابلس وغزونا له فى عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العماير والاعمار. وكيف كنست تلك الكنايس على بساط الارض، ودارت الدواير على كل دار، وكيف جعلت تلك الجزاير من الأجساد على ساحل البحر كالجزاير، وكيف قتلت الرجال واستخدمت الأولاد وتملكت الحراير، وكيف قطعت الأشجار ولم نترك إلا ما يصلح للأعواد (١١) المناجنيق إنشاء الله والستاير، وكيف نهبت لك ولرعيتك الأموال والمواشى، وكيف استغنى الفقير وتأهّل العازب، واستخدم الخديم وركب الماشى. هذا وأنت تنظر نظر المغشى عليه من الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزعا: علىّ هذا الصوت. وكيف رحلنا من عندك رحيل من يعود، وأخّرناك وما كان تأخيرك إلاّ الى أجل معلوم معدود، وكيف فارقنا بلادك ولا بقيت بها ماشية إلا وهى لدينا ماشية، ولا جارية إلا وهى لدينا جارية، ولا سارية إلاّ وهى فى أيدى المعاول سارية، ولا زرع إلا وهو محصود، ولا موجود لك إلا وهو مفقود، وما منعت المغاير التى هى روس (١٧) الجبال الشاهقة، ولا تلك الأودية التى هى فى التخوم مخترقة وللعقول خارقة، وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك انطاكية خبر، وكيف وصلنا إليها (١١٦) وأنت لا تصدّق أن نبعد عنك وإن بعدنا فسنعود على الأثر.

стр. 3643

وها نحن نعلمك بما ثم (١)، ونفهمك بالبلاء الذى عليك قد عمّ: رحلنا عنك من اطرابلس فى يوم الأربعاء رابع وعشرين شعبان، ونزلنا انطاكية فى مستهلّ رمضان. وفى حالة النزول خرجت عساكرك للمبارزة فكسروا، وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينهم كند اسطبل، فسأل فى مراجعة أقرانك، ودخل الى المدينة وخرج فى جماعة من رهبانك وأعيانك (٥)، فتحدثوا معنا فرأيناهم على رأيك فى اتلاف النفوس بالغرض الفاسد، وأنّ رأيهم فى الخير مختلف وقولهم فى الشر واحد. فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنهم قد قدّر الله عليهم بالموت، رددناهم وقلنا: نحن الساعة لكم نحاصر، وهذا أول الإنذار وهو الآخر-، فرجعوا وهم متشبهين بفعلك، ومعتدين (٩) أنّك تدركهم بخيلك ورجلك. وفى بعض ساعة مرّ شان المرشان، وداخل الرهب الرهبان، وبان البلاء للقسطلان، وجاءهم الموت من كل مكان، وفتحناها بالسيف فى الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان، وقتلنا كل من جعلته لحفظها (١٢) وللمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلاّ وعنده شئ من الدنيا، فما بقى أحد منّا إلاّ وعنده شئ منهم ومنها. فلو رأيت خيالتك وهم صرعا (١٤) تحت أرجل الخيول، وديارك والنهابة فيها تصول، والكسابة بها تجول، وأموالك وهى توزن بالقنطار، وداماتك وكل أربع منهن تباع فتشترى من مالك بدينار، ولو رأيت كنايسك وصلبانها قد كسرت ونشرت،

стр. 3644

وصحفها من الأناجيل المزورة وقد نشرت (١)، وقبور البطارقه وقد بعثرت، ولو رأيت عدوك المسلم وقد داس مكان القداس، والمذبح قد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، والبطارقه قد دهموا بطارقة، وابناء المملكة (١١٧) وقد دخلوا فى المملكة، ولو شاهدت النيران وهى فى قصورك تحترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق، وديارك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان (٥) وقد زلت كل منهما وزالت، لكنت تقول: ياليتنى كنت ترابا، وليتنى لم أوت بهذا الخبر كتابا، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفئ تلك النيران بماء عبرتك، ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من معانيك، ومراكبك وقد أخذت فى السويدية بمراكبك، فصارت شوانيك من شوانيك، ولتيقّنت أن الإله الذى انطاك (٩) انطاكية منك استرجعها، والرب الذى ملكك قلعتها منك قلعها، ومن الأرض اقتلعها. ولتعلم أيضا أنّا أخذنا منك بحمد الله ما كنت أخذته من حصون الإسلام، وهو: در كوش، وشقيف تلميش (١٢)، وشقيف كفر تبنين. واستنزلنا أصحابك من الصياصى، وأخذناهم بالنواصى، وفرّقناهم فى الدانى والقاصى، ولم يبق شئ يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر العاصى، ولو استطاع لما تسمى بالعاصى، وقد أجرى دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فها (١٥) هو قد أحراها بما سفكناه فيه دما. وكتابنا هذا يتضمن البشرا (١٦) لك بما وهبك الله من السلامة، وطول العمر بكونك لم تكن لك فى هذه المدة بانطاكية إقامة، فلو كنت بها كنت إمّا قتيلا وإمّا أسيرا، وإمّا جريحا وإمّا كسيرا، وسلامة النفس هى التى يفرح بها الحى إذا شاهد الأموات،

стр. 3645

ولعل الله ما اخّرك إلى الآن، إلا لتستدرك من الطاعة والخدمة ما قد فات. ولمّا لم يسلم أحدا (٢) ليخبرك بما جرا خبّرناك، ولمّا لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك وهلاك ما سواها بشرناك (٣)، لتحقق الأمر على ما جرى. وبعد هذه المكاتبة لا ينبغى لك أن تكذب لنا خبرا، كما أنّ بعدها يجب أن لا تسأل مخبرا». (١١٨) ولما وصلت هده المكاتبه الى صاحب انطاكيه كانت عليه اشدّ الاشيا وعظمت مصيبته. ولم يبلغه خبر انطاكيه الاّ من هدا الكتاب. ذكر انطاكيه ونبد (٧) من اخبارها لما ذكرنا فتوحها، وجب ان ندكر شى من مبتدايها (٨)، وما لخصناه من دكرها اد شرطنا فى هدا التاريخ دلك. فاول دلك قوله تعالى ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠) الآية. قال المفسرون: القرية انطاكيه. وقال اصحاب التاريخ فى امر انطاكيه ان الملك أنتيوخس (١١) قصد بناء مدينه يعمرها تكون نسبتها اليه. فنفّد حكمايه ووزرايه (١٢) لاختيار مكان يكون طيب الهواء والماء، قريبا من البحر، قريبا من الجبل. فوجدوا بقعه ارض انطاكيه بهده الصفه. فسيروا عرفوه بدلك، فامر ببنايها، واخرج الاموال. وطلبوا حجرا جيدا لبنايها، فوجدوه على مسافه يوم منها. فاستخدم الرجال، وعدتهم ثمانين (١٥) الف رجل وثمان مايه رجل، وستمايه عجله، والفوتسع (١٦) مايه حمار، ومايه زورق لنقل الاحجار. فنجزت فى ثلث سنين ونصف. وبنيت اسوارها وابراجها، وهى مايه وثلثه وخمسون برجا،
следующие страницы →