← История

История · id 18147

كنز الدرر وجامع الغرر

ابن الدواداري

Полный текст (4 323 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

فقال [رسول صاحب قبرس]: «لم يامرنى بشى». ثم مضا (١) وعاد، فقال: «حاجته عندك ان تدفع له بعلبك ونابلس». فقال السلطان: «صاحبك فى عقله ام لا، انا باخد منكم حصونكم اول (٣) باول، تطلب منى بلادى». ثم صرفه من بين يديه. وفى اثناء دلك وصل بريدىّ من مصر عاشر شهر دو (٤) القعده، وعلى يده كتاب من الامير شمس الدين اقسنقر الفارقانى يخبره ان الشوانى، التى خرجت من مصر ومن ثغرى اسكندريه ودمياط وقصدت جزيره قبرس، لما وصلت اليها اصابها ريح قبل دخولها المرسى، القت منها بعضها ببعض، فانكسر منها احدى (٧) عشر مركبا، واخدت رجالها اسرا، ولم يسلم منها سوى سته مراكب عادت الى مصر. فكتب [السلطان] الجواب (١٤٦) بعماره غيرها والاهتمام بدلك. ولم يكن غير خروج البريد من المخيم المنصور حتى عاد رسول صاحب قبرس، وهو يقول: «ان صاحبى يسلم عليك، وقال لك قد اخدت مراكبك بمن فيها». فقال السلطان: «قل له لا تفرح بهدا، فما اخدتها بسيفك. ولو سلمت كانت اخدت جزيرتك بحول الله وقوته، وقد اخدت فى سفرتى هده اربعه عشر حصنا. ولا شك ان العين لها حق. والحمد لله الدى فدى عسكرى بالفلاحين ورعاع الناس. وارجوا (١٤) من الله تعالى تعويض دلك، فليكن على حدر». ثم جدّ فى حصار [القرين] الى ثالث وعشرين دى القعده اخر النهار طلبوا (١٥) الامان، فانزلهم وركبهم الجمال، وبعث معهم الامير بدر الدين بيسرى يوصلهم الى عكا، وتسلم الحصن المدكور بما فيه. وكان حصن (١٧) صعب المرام، بناؤه بالحجر الأصم، بين كل حجرين عمود حديد ملزوم بالرصاص، فأقاموا فى هدمه اثنا (١٨) عشر يوما، وفى حصاره خمسه عشر يوما. ورحل عنه سادس عشرين الشهر المدكور،

стр. 3677

ونزل على كردانه، وهى قريه من قرا (١) عكا، حتى اشرف عليها. ثم عاد الى منزله، ثم رحل وقصد الديار المصرية، وعيّد عيد الاضحى على منزلة الصالحيه، ودخل الى القاهره وقد زينت له. وفيها فى خامس عشر دى الحجه قبض على جماعه من الامراء، وهم: علم الدين سنجر الحلبى، جمال الدين اقوش المحمدى، جمال الدين ايدغدى الحاجبى، عز الدين ايغان سم الموت، شمس الدين سنقر المساح، سيف الدين بيدغان الركنى، علم الدين طرطج الامدى. واعتقلوا بقلعه الجبل المحروسه. وكان السبب فى دلك انهم كانوا اتفقوا على قتله لما كان على الشقيف، فخبأها لهم فى نفسه، بعد ما احترز منهم، الى ان دخل القاهره فقبض عليهم. وبعد خمسه عشر يوم (٩) اخرج علم الدين طرطج (١٤٧) الامدى، ونادا (١٠) عليه فى باب القلعه، ثم اشتراه بالف دينار معامله، فاخدوها اولاد استاده صاحب امد. ثم بعد ايام اخرج بيدغان الركنى، واقطعه بالشام المحروس، (١٢) [ثم احضره وقلاجا الركنى واشتراهم، وجعلهم سلاح داريه. ثم توجه الى الشام على البريد] (١٣) (١٢_). وكان دلك فى سابع عشرين المحرم، ودخل الى الكرك، ثم خرج منه واخد معه عز الدين ايدمر.

стр. 3678

ذكر [حوادث] سنة سبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سبعه ادرع واصبعان. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا وثلثه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس احمد امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام. وقد توجه على البريد الى الشام المحروس فى سابع عشرين المحرم، ودخل الكرك ثم خرج منه، وقدم حماه. وخرج الملك المنصور صاحبها الى لقايه، واجتمع به على ظاهر حمص، ونزل بها واقام يومين، ثم توجه الى حماه. وقرر على الملك المنصور ان يكون عسكر حماه ثمان مايه فارس-بعد ما كان ستمايه فارس-فامتثل دلك. وفيها توجه السلطان الى حلب وسبب دلك ان صمغوا (١١) ومعين الدين البرونه وعساكر المغل والروم، لما عادوا من عند ابغا فى السنه الخاليه، وردت اوامره فى هده السنه بقصد الشام. وكان عدة العسكر الدى معهم عشره الاف فارس، فوصلو الى البلستين (١٤)، ثم الى مرعش. فبلغهم ان السلطان بدمشق، فبعثوا الف وخمس مايه فارس من اعيانهم يكشفوا (١٥) لهم الاخبار، ويغاروا على اطراف البلاد الحلبيه.

стр. 3679

وكان مقدمهم يسمى اقال ابن (١) بايجو نوين. (١٤٨) فوصلت غارتهم الى عنتاب، ثم الى قسطون، واخدوا جماعة من التركمان. فلما بلغ السلطان دلك جفّل الرعيه الى الحصون، وتقدم الى دمشق. وكان غرضه ان يستدرجهم، ويتمكن منهم. ثم بعث الى مصر يحث فى طلب العساكر، فخرجوا فى ليله واحده فى الليل بعد عشا الاخره. ولم تغلق فى تلك الليله للقاهره باب ولا دكان، وخرج مقدم الجيوش الامير بدر الدين بيسرى. وكان دخول اوايلهم الى دمشق تاسع يوم من الخروج من القاهره. فانظر الى مرسوم هدا الملك، والى هدا الجيش العظيم وازاحه اعداده، حتى خرج فى الليل من غير عدد. فلما تواصلت الجيوش خرج بهم السلطان الى ظاهر دمشق. فلما بلغ التتار دلك استعظموه، وولوا منهزمين. ثم وصل السلطان الى حماه، واستصحب معه صاحبها الملك المنصور. ثم نزل على حلب بالميدان الاخضر. ثم جرّد الامير شمس الدين الفارقانى فى عده من الجيش، وامره بالتوجه الى البلاد الشماليه، ولا يتعرض الى شى من البلاد. ثم جهز الامير علا الدين طيبرس الوزيرى فى عده اخرى، وامره بالتوجه الى حران. فاما الفارقانى، فانه سار حتى بلغ مرعش خلف التتار، فلم يدركهم. ثم عاد الى حلب فوجد السلطان طالبا للديار (١٦) المصريه، لما بلغه ان الفرنج غارت، منهم طايفه، على قاقون، وكان خروجهم من عتليت (١٧)، واخدوا جماعه من التركمان، فلحقهم العسكر واستردهم منهم. ثم غاروا ثانيه من ناحيه الفرمى (١٨)، فلحقهم اقوش الشمسى،

стр. 3680

فاستاسر عشرين فارس (١) منهم. ولما دخل السلطان الى ديار مصر قبض على الامرا الدين كانوا مجردين على قانون ما خلا اقوش الشمسى، ثم اطلقهم بشفاعه الامرا فيهم. واما الامير علا الدين الوزيرى، فانه سار، ومعه جماعه (١٤٩) من العرب يقدمهم شرف الدين عيسى بن مهنا، فعبروا الفراه (٥) وساق الى حران. فاتصل خبره باهلها من نواب [التتار] (٦) فخرجوا اليه، فالتقاهم عيسى بن مهنا. فلم يزل يطاردهم الى ان وصل العسكر صحبه الامير علا الدين. فلما رأوه، نزلوا عن خيولهم، والقوا سلاحهم وقبلوا الارض، فمسكوا عن اخرهم، وكانوا ستين نفر (٨_). ثم سار (٨) [الأمير علا الدين] (٩) الى حرّان، فلما اشرف عليها. غلقوا الابواب خلا باب واحد. فخرج اليه الشيخ محاسن ابن (١٠) المعوالى احد اصحاب الشيخ حيا-قدّس الله روحه-، وصحبته جماعه كبيره، واخرج طعاما يسيرا بحسب البركه. فتلقاه الامير علا الدين، وترجل له، وعانقه. فاخرج [الشيخ] له مفاتيح حرّان، وقال له: «البلد بلد مولانا السلطان». فطيب الامير علا الدين قلوب الناس. وكان قد عصى برج فيه؛ يعرف بباب يزيد، وفيه شحنه التتار. فطلبه علا الدين، فاحتج وقال: «ادا وصل السلطان خرجت الى خدمته». ثم عاد الامير علا الدين ولم يدخل البلد، وعدا الفراه (١٥)، وتوجه الى مصر. وبعد رجوعه، طلعوا (١٦) اكابر حران وخرجوا عنها خوف من التتار، ووصلوا الى دمشق. فلما كان الخامس والعشرين (١٧) من رمضان، وصل جماعه من التتار

стр. 3681

الى حرّان، فاخربوا سورها وكثير (١) من دورها واسواقها، واخربوا الجامع واخدوا اخشابه، ونهبوا من بقى فيها من الناس واستاسروهم، وخربت حران الى الان. وفيها وصل رسل بيت بركه الى دمشق من عند منكوتمر ابن (٤) طغان ابن سردق ابن باتوا (٥) ارسلهم فى البحر. وكانوا لما خرجوا من بلاد الاشكرى صادفهم مركب من الفرنج البشانين (٦)، فاخدهم ودخل بهم عكا. فانكر صاحبها ومن بها من ملوكها عليهم وقالوا: «نحن حلفنا للسلطان ان لا نمنع احدا من الرسل الوارده (١٥٠) الى بابه». ثم جهزوه وسيروه الى دمشق. ولم تردّ البشانين ما اخدوه منهم، وكان معهم هديه حسنه للسلطان. فلما علم السلطان بدلك اعاق جميع من كان بالثغور الاسلاميه من البشانين من التجار عن التصرف والسفر حتى يعوضوا ما اخدوه (١١) اصحابهم. وكان مضمون الرساله التى على ايدى رسل بركه، مكتوبا بجميع ما استولوا (١٢) عليه بيت هلاوون مما كان فى ايدى المسلمين من قبل، يكون فى ملك السلطان الملك الظاهر، وان يساعدهم على قلع اثار بيت هلاوون. فاحسن السلطان لهم الجواب فى دلك، ووعدهم ببلوغ المقصود.

стр. 3682

ذكر [حوادث] سنة احدى وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سبعه ادرع واحد عشر اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا واحد وعشرين (٣) اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام وهو بدمشق، وتوجه على خيل البريد الى الديار المصريه، وصحبته من الامرا: بدر الدين بيسرى، جمال الدين اقوش الرومى، سيف الدين جرمك الناصرى، سيف الدين بلبان الدوادار الرومى. فوصل الى قلعه الجبل المحروسه ثالث عشر المحرم، ولعب الاكره بميدان اللوق. واقام الى ليله الجمعه السابع والعشرين (٩) منه، ثم توجه على البريد-وصحبته الامرا المدكورون-الى مشق، فدخل قلعه دمشق رابع صفر. وفيها-الحادى والعشرين من المحرّم-وصلت جماعه من اهل النوبه من جهه صاحبها، فنهبوا عيداب (١٣)، وقتلوا جماعه كبيره، ومنهم قاضيها وواليها (١٥١) وابن حلى (١٤) واولاده، وكان مشارفا على ما يرد من التجار.

стр. 3683

ذكر نوبه الفراه (١) المعروفه بوقعه جنقر لما كان خامس جمادى الاول (٢) من هده السنه، اتصل بالسلطان الملك الظاهر-وهو يوميد بدمشق-ان فرقه من التتار قد قصدوا الرحبه، فبرز بالعساكر الى نحو القصير. فلما نزله بلغهم خروجه، فعادوا عن الرحبه ونزلوا البيره. فسار السلطان الى حمص، وتقدم باخد مراكب الصيادين الدين ببحيره قدس من عمل حمص، فاخدت وشيلت على الجمال. ثم سار حتى نزل الباب وبزاعه من عمل حلب. وبعثت جماعه من العسكر لكشف اخبارهم، فساروا الى منبج، وعادوا الى السلطان فاخبروه ان جماعه من التتار مقدارها ثلث (٨) الاف فارس على شط الفراه مما يلى الجزيره. فرحل ثامن عشر جمادى الاولى حتى وصل شط الفراه (٩). وامر بعمل جسر، ثم انتهز الفرصه، فامر العساكر بخوض الفراه (١٠)، وكان دلك باشاره الفارس اتابك؛ فانه قال: «اذ لم ندركهم بجميع العساكر، والا كل من طلع منا اخدوه». فكان اول من ارمى نفسه الفراه (١٢) يطلب بدلك الجزا من الله، المقر الاشرف السيفى قلاوون الالفى الصالحى، ثم الامير بدر الدين بيسرى الشمسى، ثم تبعهما السلطان بنفسه. ثم ارموا (١٣) العساكر انفسهم جميعهم، ولم يتاخر منهم رجل فرد. وكان التتار فى عده خمسه الاف من كبار المغل، يقدمهم جنقر، وهو يوميد اكبر التوامين التتريه. وقد صنعوا لهم ستاير على شط الفراه (١٤) من الاخشاب وغيرها، وهم خلفها بالنشاب. وظنوا ان المسلمين لا يصلون اليهم ولا يجسرون عليهم. (١٥٢) وكان السلطان قد استصحب معه عده مراكب-كما تقدم من القول-

стр. 3684

وهى عشره مراكب. فارماها فى الفراه (١)، وركب فيها الأقجيه الجياد لكشف البر، فتراموا مع التتار. وكان التتار قد عملوا مكيده؛ ودلك انهم تركوا المخاضه السهله وتعدوا عنها الى جانب الفراه (٤)، وصنعوا تلك الستاير. فظنوا الناس ان تلك هى المخاضه السهله. ثم ان التتار ترجلوا جميعهم من خلف دلك السيب لمنع من يطلع، وعادوا يقاتلوا (٥) رجاله. فلما عبر الجيش بكماله الفراه (٦)، فاض الماء حتى غرّق تلك الستاير، وكاد يغرّق التتار فولوا هاربين. وطلعت لهم جيوش الموحدين، مصطفّين كالجبال انافة وارتفاعا، وصادفهم الموج حتى كاد من قعقعة السلاح يصمّ منهم أسماعا، والتتار قد دعروا دعرا (٨) شديدا، وعادوا بعد اجتماعهم كلّ منهم وحيدا فريدا. فنحمد الله على ما اولا (٩)، وله المنه فى الاخره والاولى. وملك الجيش الاسلامى البر والبحر، وطلعت السناجق تنشر (١٠) بألسنة بنودها ان هلموا الى النصر. وطلع السلطان كالاسد الغضبان، ونور النصر على غرته الشريفة قد ظهر وبان. وساق الى منزلة العدو المخدول، فنزل وصلى ركعتين شكر الله على ما اولاه، وحمدا لمالكه ومولاه. وكان المقر السيفى قلاوون الالفى، والحاج علا الدين طيبرس الوزيرى قد فعلا عند (١٤) الاقتحام وفى موقف الزحام ما خلّد لهما به الدكر (١٥) الجميل والنبا الحسن الجليل، وكدلك ساير امر المسلمين وكبار الموحدين. وتفرقت العساكر يمينا وشمالا لبدل (١٦) السيف فى ارقاب التتار الى اخر دلك النهار. وقتل مقدمهم جنقر، واحضرت الاسارا (١٧) بين يدى السلطان (١٥٣) فى الحبال، دات اليمين ودات الشمال. والخيول تعثر برؤس ركّابها من التتار، حتى كأنّ ايدى الخيول صوالجه، والرؤس كالأكار.

стр. 3685

ثم ان السلطان رحل الى البيره، ولم يبات (١) تلك الليله الى فى بر الفراه من جهه الشام. ولما نزل على البيره انعم على نايبها بالف دينار، وعلى اهل القلعه بمايه الف درهم. ثم عاد الى دمشق مويدا منصورا متوّجا محبورا. وكان على البيره من عساكر التتار شرف الدين ابن (٤) خطير، وامين الدين ميكاييل النايب بقونيه، ومن امرا الروم عده، وصحبتهم تقدير ثلث (٥) الاف افارس، ومقدمهم الملك درياى. وكانت الوقعه مع جنقر وكسرته يوم الاحد ثامن عشر جمادى الاولى. فلما اتصل الخبر بهده العساكر التى كانت على البيره، رحلوا عنها بعد ان اشرفوا على اخدها. فلما بلغهم كسره جنقر، ولو (٨) منهزمين، وتركوا جميع ما لهم من العدد والمناجنيق والامتعه، ونجو (٩) بانفسهم، لا يلوى كبيرهم على صغيرهم. وسار السلطان اليها، ونزلها فى الثانى والعشرين من الشهر، وفعل مع اهلها من الجميل ما قد دكرناه. ثم عاد [السلطان] الى دمشق، ورحل طالبا للديار المصريه، التاسع (١١) من الشهر، وصحبته الامير بدر الدين بيسرى، والوزير بها الدين بمصر. فلما اتصل خبره بولده الملك السعيد، خرج الى ملتقاه، وصحبته الامير المدكور والصاحب بها الدين، والتقوا (١٤) به من منزلة القصير. فلما وقعت عين الملك السعيد على ابيه ترجّل ومشا (١٥)، فترجل الملك الظاهر ايضا، واعتنقا طويلا ثم ركبا، وتسايروا جميعا. ودخل السلطان الظاهر الى القلعه بعد ان شق القاهره، وقد زينت له الزينه الماكنه، واسارا (١٦) التتار بين يديه يقادون فى القيود والاغلال. وفيها اعتقل السلطان الشيخ خضر فى ثانى عشر شوال كما ياتى خبره.

стр. 3686

(١٥٤) ذكر [حوادث] سنة اثنين (١) وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سته ادرع وأحد وعشرين (٢) اصبعا. مبلغ الزياده سبع (٣) عشر دراعا وثلثه عشر اصبعا. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام. والملوك بحالهم خلا صاحب صهيون، فانه توفى الى رحمة الله، وانتقلت صهيون الى ملك السلطان الملك الظاهر، فجعلها فى حصون الاسماعيليه. وفيها توجه السلطان من الديار المصريه الى الشام فى جماعه يسيره من امرايه وخواصه، منهم الامير شمس الدين سنقر الاشقر، والامير بدر الدين بيسرى، والامير سيف (١٠) ايتامش السعدى. فلما وصل عسقلان بلغه ان ابغا ابن هلاوون قصد بغداد، وقد خرج الى الركب (١١) متصيدا. فعند دلك كتب الى الديار المصريه يطلب العساكر، فخرج فى الاول اربعه الاف فارس، على كل الف مقدم، وهم: الحاج علا الدين طيبرس الوزيرى، وجمال الدين اقوش الرومى، وعز الدين قطليجا، وعلم الدين طرطج. فرحلوا من البركه يوم الاثنين وتوجهوا الى الشام. ثم خرج من بعدهم الامير بدر الدين بيليك الخزندار ثامن عشر صفر. واقام الملك السعيد بالقلعه، ونايبه الفارقانى، والصاحب بها الدين وزيرا. ولحقت الجيوش للسلطان بيافا. ثم انه رتب الجيوش، وتوجه الى دمشق، واستصحب معه الامير عز الذين يغان (١٧) السلحدار،

стр. 3687

وابن صاحب سنجار. واقام الامير بدر الدين الخزندار على يافا، ثم تقدم مرحلتين. ولما قدم السلطان دمشق، بلغه عود ابغا عن قصده، فسير الامير سيف الدين ايتمش السعدى على البريد (١٥٥) الى الامير بدر الدين الخزندار ان يردّ العساكر الى الديار المصريه. وكان وصولهم الى القاهره المحروسه تاسع جمادى الاخره. وفيها كانت كسره بلبوش (٥) امير عرب برقه من عمل المغرب. وكان المدكور قد منع العداد وما جرت به العاده من الحقوق السلطانيه، فجرد اليه عسكرا مع محمد الهوارى (٧)، فكسروه، واحضروه الى القاهره اسيرا. واعتقل الى حين عودة السلطان من الشام، فاخرجه واحسن اليه، وكتب له بالامريه (٨)، واستخلفه واعاده الى بلاده. وكان قد ناهز المايه من السنين، فادركته منيته قبل وصوله الى اهله فمات. وفيها-ما دكره القاضى بن (١١) عبد الظاهر ﵀-ان ورد كتابا من ملك الحبشه على السلطان الملك الظاهر طى كتاب صاحب اليمن، وهو يقول: قد قصد المملوك فى ايصال كتابه الى السلطان. وكان ضمن كتاب ملك الحبشه يقول: «أقلّ المماليك محر املالك يقبّل الأرض، وينهى بين يدى السلطان الملك الظاهر- خلّد الله ملكه-أن رسولا وصل من والى قوص بسبب الراهب الذى جاءنا. فنحن ما جاءنا مطران مولانا السلطان، ونحن عبيده. فيرسم مولانا السلطان للبطرك يعمل لنا مطران (١٧) يكون رجلا جيدا عالما لا يجبى ذهبا ولا فضة، ويسيره الى مدينه عوان. فأقلّ المماليك يسير إلى الملك المظفر صاحب اليمن ما يلزمه، وهو يسيره الى الابواب العاليه. وما أخّرت الرسل إلى الأبواب إلا أنى كنت فى بيكار، فإن الملك

стр. 3688

داود قد توفى، وقد ملك ولده. [و] (١) عندى فى عسكرى ماية الف فارس من المسلمين، وإنما النصارا فكثير (٢) لا يعدّوا، كلهم غلمانك وتحت اوامرك. والمطران الكبير يدعوا (٣) لك، وهذا الخلق كلهم يقولوا: آمين. وكل من وصل من (١٥٦) المسلمين إلى بلادنا نحفضهم (٤) ونسفرهم كما يحبوا. والرسول الذى حضر الينا من والى قوص مريض. وبلادنا وخمة من مرض ما يطيق أحدا (٥) يدخل اليه، فمن شم رايحته يمرض ويموت». قال القاضى محيى الدين-﵀: فرسم السلطان بجوابه فكتبت: «بسم الله الرحمن الرحيم. ورد كتاب الملك الجليل الهمام العادل فى مملكته، حطى ملك أمحرا، اكبر ملوك الحبشان، الحاكم على ما لهم من البلدان، نجاشى عصره، وفريد مملكته فى دهره، سيف الملة المسيحية، عضد دولة دين النصرانية، صديق الملوك والسلاطين، سلطان الأمحرا-حرس الله نفسه، وبنا (١١) على الخير أسّه. فوقفنا عليها وفهمنا مضمونها. فامّا طلب المطران، فلم يحضر من جهه الملك أحد حتى كنا نفهم الغرض المطلوب، وانما كتاب السلطان الملك المظفر ورد مضمونه انه وصل من جهته كتاب وقاصد، وأنه أقام عنده حتى يعود اليه الجواب. وأمّا ما ذكره من كثرة عساكره، وأن من جملتها ماية الف مسلمين (١٥)، فالله تعالى يكثر فى عساكر المسلمين. وامّا وخم بلاده، فالآجال مقدرة من الله ، وما يموت أحد إلاّ بأجله. والسلام».

стр. 3689

ذكر شئ من بلاد الحبشه قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر-﵀: لما ذكرنا مكاتبه ملك الحبشه اردنا ان نذكر شى (٣) من بلادها. امّا امحرا، فانه اقليم من اقاليم الحبشه، وهو الاقليم الاكبر. وصاحبه يحكم على اكثر الحبشه مثل بلاد الداموت والجزّلى (٤). وصاحب اقليم امحرا يسمى حطّى (٥)، يعنى الخليفه، وكل من يملكها يلقب بهدا اللقب. ومن ملوك (١٥٧) الحبشه يوسف بن ارسمايه، وهو صاحب بلاد حدايه وشوّا، وكلخور (٧) واعمالها، وفوقهم ملوك مسلمين. واما الزيلع وقبايلها، فما فيها ملوك، الا انّهم سبع قبايل، وهم مسلمين (٨) ملاح، وخطباءهم (٩) يخطبون باسما مقدميهم السبع. وكان صاحب اليمن قد سير يقصد بناء جامع عندهم ليخطب له فيه، فارسل حجاره من مدينه عدن وجميع الالات، فاخد بعض قبايل الزيلع الحجاره ورما (١١) بها البحر. وعوّق صاحب اليمن مراكبهم فى عدن مده سنه لاجل دلك. والدى يتوجه الى امحرا يتوجه الى مدينه عوان، وهو ساحل بلاد الحبشه. وعساكر هدا الملك كثيره جدا، وهو يحكم على اكثر ملوك الحبشه. وكان هدا الملك قد جهز رسولا الى السلطان الملك الظاهر، ومعه تحف وهدايا، من جملتها سباع سود مثل الليل الدامس، فوصل الى بلاد سحرت، فعصى ملكها على دلك، واخد الرسول وما معه.

стр. 3690

ذكر [حوادث] سنة ثلث وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خمسه ادرع واربعه اصابع. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا وسته اصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بأمر الله ابى (٥) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر سلطان الاسلام. والملوك بحالهم. وفيها قدم الملك المنصور صاحب حماه الى خدمه السلطان الملك الظاهر بالديار المصريه فى سادس (٨) المحرّم، وصحبته اخوه الملك الافضل نور الدين على بن الملك المظفر، وولد الملك المنصور الملك المظفر تقى الدين محمود. ونزلوا (١٥٨) الكبش المجاور لبركه الفيل. واحتفل السلطان لهم احتفالا كبيرا، ونفد اليه خوانه بكماله، وصحبته الامير شمس الدين الفارقانى استادارا. فوقف [الفارقانى] على راس الخوان، كعادته بين يدى السلطان، فخلف عليه الملك المنصور واجلسه. ثم وصل اليه من الخلع والدهب والانعامات شئ (١٣) كبير، ما لا ينهظ به شكره. واباح له ما لم يبحه لاحد من خواصه من شرب الخمر، وسماع الملاهى. وركب فى نيل مصر. وامر السلطان ان يقدوا (١٥) له البرين، [برّ] مصر والروضه. وفيها حضر صارم الدين ازبك، وصحبته عزاز وبنى (١٦) عمه الامرا ببرقه، ومعهم منصور صاحب قلعه طلميته (١٧). واحضر له مفاتيح القلعه، ودلك فى سابع وعشرين جمادى الاخره.

стр. 3691

ذكر نوبه سيس وماتم فيها توجه السلطان الملك الظاهر من الديار المصريه الى الشام بالعساكر المنصوره جميعها، واستخلف بمصر الامير شمس الدين الفارقانى. ورحل رابع شعبان المكرم، فوصل الى دمشق تاسع وعشرين شعبان. ثم خرج قاصدا من دمشق الى سيس، فعبر الدربند من على درب ساك الى باب اسكندرونه الى سيس، فملك أياس، وأدنه، ومصيصة. وكان دخول العساكر اليها فى حادى عشر (٦) شهر رمضان المعظم، وكان خروجهم فى العشرين من شوال بعد ان قتلوا من الارمن خلق كثير (٧)، واسروا اعظم. وغنموا من الغنايم والدواب والجوار (٨) والمماليك عده كثيره، فوقف السلطان عند مضيق الدربند تحت بغراس، واخد من الناس جميع الكسب. ونزل على عمق حارم، واقسمها بين الناس بالسويه. واقام على العمق الى اخر شوال مع دى القعده، ثم رحل فى العشر الاول من دى الحجه، (١٥٩) ودخل دمشق واقام بها، وفرّق العساكر بالبلاد الى ان دخلت سنه اربع وسبعين. وكان سبب خروج السلطان هده النوبه ما دكره القاضى عز الدين بن شداد- ﵀-فى «الروض الزاهر فى سيره الملك الظاهر»: وذلك ان معين الدين البرواناه كتب الى السلطان يحرّضه على الدخول الى البلاد ويقصد الروم. ودلك انه لما ضاق درعه (١٦) من آجاى بن هلاوون اخى ابغا-وكان عزم آجاى على قتل معين الدين-فحمله [الخوف] (١٧) على مكاتبه السلطان الملك الظاهر فى السنه الخاليه، (١٢ - ٨)

стр. 3692

وسير الى ابغا ودكر له امور (١) توجب ان يستدعى آجاى اليه، فسير ابغا وطلب آجاى، فتوجه اليه. ووافق خروج آجاى من البلاد دخول السلطان الملك الظاهر الى الشام. فافاق البرواناه على نفسه، واستدرك الفارط، وسير يقول للسلطان: «اقصد هده السنه سيس، ففى السنه الاتيه املكك البلاد». فقصد السلطان سيس، حسبما دكرناه. ولما استدعا (٧) ابغا لاخيه آجاى وصحبته صمغوا، سير الى الروم بقو نوين، ومعه اربعين الف (٨) من خواصه. وامره ان يكتب جميع اموال الروم ويضبطها، وان البرواناه لا يحكم بالروم الا بحضور بقو نوين. فلما وصل الى الروم حضر اليه جميع امرا الروم، وقدموا اليه الهدايا والتحف، الا البرواناه، فانه لم يهتم بأمره. وحصل بقو نوين الاموال، ويعدّها (١١) الى ابغا. فلما راى معين الدين تمكّن بقو نوين، دل واستكان ودخل تحت الطاعة. قلت: ولما دكرنا دخول العساكر سيس، اردنا ان نتلوا (١٣) دلك بشئ من دكر بلاد سيس واحوالها ومبدا شانها، حسب الطاقه. (١٦٠) دكر شى من بلاد سيس واخبارها اما مصّيصه، فبناها عبد الله بن عبد الملك بن مروان-دكر دلك بن عساكر (١٦) فى تاريخه الكبير-ودلك فى ايام ابيه فى سنه اربع وثمانين هجريه. وامّا طرسوس، فانها من المدن القديمه، وقبر المامون بها؛ فانه كان غزاها مره بعد مره، فمات بمكان

стр. 3693

يعرف بالبدندون (١) -قريب من طرسوس-فى سنه ثمان عشره ومايتين هجريه. وقد تقدم دكر دلك فى الجزء المختص بدكر بنى اميه-وهو الجزء الثالث من هدا التاريخ. وطرسوس وادنه وما يليهما يسميا (٣) باللسان الارمنى قيلقيا. والمصيصه بلد ابقراط الحكيم. ويقال بل ان بلده حمص-والله اعلم-ذكر ذلك ابن الروميه فى شرح كتاب ديسقوريدس (٥). واما نهر جاهان، فهو نهر جيحان، والارمن [تجعل] (٦) الحاء هاء. وهدا النهر اجلّ الانهار الثلث (٧)، وهم سيحان وجيحان وبردان، وهى انهار طرسوس والمصيصه وادنه، دكر دلك هبة الله بن الاكليلى فى كتاب صفه الارض. واما جيحون فهو نهر منحدر متبحرا الى خوارزم. واوله جرفا (٩) ينحدر نحو الجنوب، حتى يمرّ بمدينه سيسمه من بلاد الروم، [و] يمر بين جبلين منحرفا عن (١٠) المغرب الى ان يصير الى مدينتين كانتا للروم، يقال لهما برسا وزبطره، فيمرّ فيما بينهما، ثم يمر بين جبلين راجعا الى ما كان عليه من قصد ناحيه الجنوب، حتى يمرّ بثغر المصيصه، ثم يصب الى البحر الشامى. وطول هدا النهر من اوله الى مصبّه سبع مايه وثلثون ميلا. والجبال المحيطه بسيس وبلادها هو (١٤) جبل اللكام، طوله مايه ميل. والميل من الارض منتها (١٥) مدّ البصر. والفرسخ ثلثه اميال-والله اعلم.

стр. 3694

(١٦١) دكر استيلا بيت لاون صاحب سيس عليها ودلك ما دكره العماد الكاتب-﵀-فى البرق، تاريخه الدى سماه «البرق الشامى». قال: ان بيت هدا لاون هو بيت التكفور. وكانت هده البلاد يجمعها تملّك الروم، فاستولى عليها مليح بن لاون؛ ودلك ان الملك العادل نور الدين الشهيد كان يشدّ منه ويقويه ويعينه على مقاصده. وكان قصد نور الدين-﵀-بدلك ان يسلط الكفره على الفجره، فكان يقويه على الفرنج المجاورين له. فلما قوى امر مليح بن لاون على البلاد، سيّر اليه ملك الروم نسيبه يسمى اندرنيقوس (٨) فى جيش كثيف، فالتقاه مليح وكسره كسره شنيعه، وأسر من مقدميهم ثلثين مقدم (٩). وكانت هده الوقعه بينهم فى اخر ربيع الاخر سنة ثمان وستين وخمس مايه. فلما بلغ دلك نور الدين الشهيد أحسن الى مليح، وخلع عليه، وسير الى بغداد يعظم امره ويشكره عند الخليفه. وعاد مليح يعرف بغلمانية نور الدين الشهيد. ومن دلك الحين قوى بيت هدا التكفور فى هده البلاد نيابة عن نور الدين الشهيد. وباب الدربند الدى لبلاد سيس يعرف بالدروب، وتعرف تلك الارض واعمالها بالعواصم. وفيها كان الغزو والحروب، واهلها هم اهل رباط (١٥) والغزو والجهاد. وكان امرها قديما مضاف (١٦) الى مملكة مصر، وقد اتاها احمد بن طولون صاحب مصر، المقدم دكره-فى الجزء المختص بدكر بنى العبّاس، وهو الجزء الرابع من هدا التاريخ

стр. 3695

المسمّى دلك الجز بالدره السنيه فى اخبار الدوله العباسيه-لما افتتح انطاكيه فى سنه خمس وستين ومايتى (٢). (١٦٢) ومضا الى طرسوس، فدخلها فى ربيع الاول من السنه المدكوره، وهى يوميد للمسلمين، وولى عليها واليا من قبله يسمى بلخشى (٣). وكان عزمه ان يقيم بهده الثغور لطيبة ارضها، ولاجل قربه من الجهاد، فبلغه خروج ولده عن طاعته-حسبما تقدم من دكر ذلك فى تاريخه-فعاد الى مصر، لا يلوى على شئ. وفى ايام كافور الاخشيدى صاحب مصر، المقدم ذكره ايضا، حصل التهاون فى امر الثغور. فقصدها الملك تكفور (٨)، فعصت عليه، فاحرق ضياعها بالنار، وقطع اشجارها، واخرب جميع ما حولها من البلاد. واتصل دلك بكافور فتهاون. فرأى ليله من الليالى فى منامه كأنه طلع الى السماء ومعه قدوم، فصار يهدم فى السماء بيده، فانتبه مدعورا. وطلب معبرى الرويا، وقصّ عليهم، فقالوا له: «انت رجل تهدم الدين، وتبطل الجهاد». فعند دلك استيقظ لدلك، وجهز مقدما على جيش كثيف، يعرف بابن الزعفرانى، فدخل الثغور، وازاح عنها التكفور. انتهى الكلام فى دكر بلاد سيس، ولنعود (١٤) الى سياقه التاريخ بعون الله وحسن توفيقه. فمن تصنيف بن (١٥) عبد الظاهر نضما يمتدح السلطان الملك الظاهر فى فتحه لبلاد سيس قوله <من السريع>: يا ملك الأرض الذى جيشه ... يملأ من سيس إلى قوصى (١٧)

стр. 3696

مصيصة التكفور قالت لنا ... بالله إقرارى وتخصيصى كم بدن فصّله سيفك لل ... فرأ والأكثر منه مصيصى وقوله <من السريع>: ياويح سيس أصبحت نهبة ... كم غرّق (٤) الجارى بها جاريه وكم بها قد ضاق من مسلك ... يستوقف الماشى بها الماشيه وقوله <من السريع>: يا ملك الأرض الذى بعزمه (٧) ... كم عامر للكفر منه خرب (١٦٣) جعلت سيسا فوقها تحتها ... والناس قالوا سيس لا تنقلب ذكر [حوادث] سنة اربع وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم خال، لم يكن به ما يدكر. مبلغ الزياده سبعه عشر دراعا وثلثه أصابع. ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (١٣) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر، سلطان الاسلام من حدود بلاد النوبه الى الفراه (١٤). وما ورا دلك فى ممالك التتار، والطايفه المجاوره للاسلام ملكهم يوميد ابغا ابن (١٥) هلاوون. وساير الملوك حسبما تقدم من دكرهم قبل. والسلطان مقيم بدمشق.

стр. 3697

ذكر فتح القصير وهو بين حارم وانطاكيه، كان فيه رجل قسيس معظم عند الفرنج. وكان السلطان الملك الظاهر قد امر التركمان مع عساكر حلب بالنزول عليه ومحاصرته. ثم بعث اليه الامير المرحوم سيف الدين بلبان الدوادار. فلم يزل يخادع القسيس، ويلاينه ويخاشنه، حتى انزله من الحصن وتسلمه منه بالملاطفه والمكايده وحسن التصرف وبراعه التلطف. ودلك فى الثالث والعشرين من جمادى الاولى. وفيها وفد على السلطان شكنده (٧)، ابن عمّ داود ملك النوبه، متظلما من بن عمه داود. ودكر ان الملك كان له دونه. وكان داود ايضا قد تقدمت اساءته على اغارته على عيداب (٩) -حسبما دكرناه. فلما استقر ركاب السلطان بالقاهره المحروسه جرّد الامير شمس الدين اقسنقر الفارقانى والامير عز الدين الافرم الى النوبه، (١٦٤) وصحبتهم (١٠) ثلثمايه فارس، وشكنده صحبتهم. وأمرهم ان ادا فتحوا البلاد يسلموها له على ان يكون لشكنده النصف والربع من البلاد، والربع يكون خالصا للسلطان. فخرجوا مستهل شعبان، فوصلوا نقله فى الثالث عشر من شوال. فلما أحس بهم الملك داود، خرج اليهم فى اخوته وبنى عمه وجيوشه، ركاب (١٤) على النجب بايديهم الحراب، وليس عليهم غير اكسيه سود يسمونهم (١٥) الدكاديك. فناوشوهم القتال، فلم تكن غير ساعه، وولوا (١٦) السودان منهزمين، بعد ما قتل منهم خلق كثير بالنشاب وغيره، واسروا منهم ما لا يقع عليه الحصر، حتى ابيع كل راس منهم بثلثه الدراهم (١٧).

стр. 3698

وانهزم الملك داود فيمن انهزم، وقطع بحر النيل الى البر الغربى، ثم هرب فى الليل الى بعض الحصون. فبلغ خبره الامير عز الدين والامير شمس الدين، فركبوا (٢) بمن معهما، وساروا فى طلبه ثلاثه ايام مجدين. فلما احس [داود] بهم ترك امه واخته وابنة اخيه، ونجا بنفسه وابنه. فاخدوا (٤) الامرا حريمه، ورجعوا الى مدينه دنقله، فاقاموا بها حتى ملكوا شكنده. ورتبوا على كل بالغ فى البلاد دينار (٥) فى السنه جزيه، وان يحمل للسلطان فى كل سنه ما قرر عليه. وقرروا عليه ايضا ان دو وبريم-وهما قلعتان حصينتان قريبتان من اسوان بينهم (٧) سبعه ايام-يكونا خاصا للسلطان، واقاموا بشى (٨) نايبا بهما للسلطان. ثم عادت الامرا (٩) الى الديار المصريه، ومثلوا بين يدى السلطان فى الخامس من دى الحجه، ومعهما اخو الملك داود أسيرا (١٠). فشكر لهما السلطان دلك، واخلع عليهما. ثم وصل بعد ايام الملك (١١) داود، واخيه (١١_) الآخر وابن اخيه، فحبسوا. ثم وصل السبى، فابيع بمايه الف درهم وعشره (١٢) الاف (١٦٥) درهم. وتقدم مرسوم السلطان ان لا يباع منهم شئ على دمى (١٣)، ولا يفرق بين الام والاولاد. وكان الملك داود لما هرب قصد ملك الابواب، وهو ملك من ملوك النوبه له اقليم متسع، فحمله الخوف من السلطان الملك الظاهر انه مسك الملك داود وسيره الى السلطان. فوصل فى قبضة الاسر فى الثالث عشر (١٦) من المحرم سنه خمس وسبعين وستمايه.

стр. 3699

ولما اجلسوا الملك شكنده حلفوه بما هدا نسخته: «والله والله والله، وحقّ الثالوث المقدّس، والإنجيل الطاهر، والسيدة الطاهرة العذراء أم الفرد (٣)، والمعمودية، للأنبياء والرسل، والحواريين، والقديسين، والشهداء الأبرار، وإلا أجحد المسيح كما جحده يودس، واقول فيه ما قالت اليهود وأعتقد ما يعتقدونه، وإلاّ أكون يودس الذى طعن المسيح بالحربة-إنّنى أخلصت نيّتى وطويتى من وقتى هذا وساعتى هذه لمولانا السلطان الأعظم الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس-خلّد الله ملكه-، وإننى أبذل جهدى وطاقتى فى تحصيل مرضاته، وإننى ما دمت نايبه لا أقطع ما قرّر علىّ فى كلّ سنه [تمضى] (٨)، وهو ما تصل (٩) من مشاطرة بلادى على ما كان يتحصّل لمن تقدّم من الملوك بالنوبه، وأن يكون النصف من المتحصّل لمولانا السلطان-عزّ نصره-مخلص (١٠) من كل فن، والنصف الآخر مرصّدا لعمارة البلاد وحفضها (١١) من عدو يطرقها، وأن يكون علىّ فى كل سنة من الأفيلة ثلاثة، ومن الزرافات ثلاثة (١٢)، ومن إناث الفهود خمسة، ومن الصهب الجياد ماية، ومن الأبقار الجيدة أربع ماية رأس. وإنّنى أقرّر على كل نفر من الرعية الذين تحت يدى فى البلاد من العقلاء البالغين دينار (١٦٦) عين (١٥). وأنه مهما كان لداود ملك النوبة كان ولأخوه شنكوا

стр. 3700

ولأمه ولأقاربه، ومن عهد (١) من عسكره [بسيوف العسكر المنصور]، أحمله إلى الأبواب العالية، وإننى لا أترك شيا (٢) منه قلّ ولا جلّ ولا أخفيه، ولا أمكن أحدا من إخفايه. ومتى خرجت عن جميع ما قررته وذكرته، أو عن شئ منه-من هذا المذكور أعلاه كلّه-كنت بريا من الله تعالى، ومن السيد المسيح، ومن السيدة الطاهرة، وأخسر دين النصرانية، وأصلّى إلى غير الشرق، وأكفر بالصليب ومن صلب عليه، وأعتقد ما يعتقدونه اليهود فى المسيح. ثم إننى لا أترك أحدا من العربان ببلاد النوبة صغيرا ولا كبيرا، ومن وجدته أحتطت عليه وأرسلته إلى الأبواب العالية. وإننى مهما سمعته من الأخبار الضارّة (٨) والنافعة طالعت به مولانا السلطان فى وقته، وإنّنى لا أنفرد بشئ من الاشياء. وإنّنى عبد مولانا السلطان-عزّ نصره- وغرس صنايعه، وعتيق سيفه المنصور. وأنا ولىّ من والاه وعدوّ من عاداه، والله على ما أقول وكيل وشهيد». ثم حلفت ساير خواصه ورعيته. ثم حلف الملك شكنده (١٢) يمين ثانى أن متى ورد عليه مرسوم، فى ليل كان او نهار، صباحا او مسا، يطلبه الى الابواب الشريفه، ان يحضر لوقته وساعته، ولا يتاخر عن الحضور بوجه من الوجوه الاّ بمقدار ما يدبر ما يحتاج اليه من امور سفره. وتقررت هده الأيمان تاسع عشر دى الحجه من هده السنه المدكوره.

стр. 3701

ذكر من غزا النوبه من أول الاسلام غزاها عبد الله بن ابى سرح (٢) فى سنه احدى وثلثين هجريه. ودلك فى خلافه الامام عثمان بن عفان، رضى الله عنه. وكان دلك اول غزو غزيت فى الاسلام. (١٦٧) ثم غزيت فى زمن هشام بن عبد الملك بن مروان؛ ثم غزاها يزيد بن ابى صفره وهو يزيد بن ابى حاتم ابن (٥) قبيصه بن المهلب بن ابى صفره؛ ثم غزاها ابو منصور [تكين التركى] (٦) هى وبرقه فى عام واحد؛ ثم غزاها كافور الاخشيدى؛ ثم غزاها ناصر الدوله بن حمدان فى سنه تسع وخمسين واربع مايه؛ ثم غزاها شاهان شاه (٨) ابن ايوب، اخو السلطان صلاح الدين، فى سنه ثمان وستين وخمس مايه، والله اعلم. وفيها عقد الملك السعيد على ابنه المقر الاشرف السيفى قلاوون الالفى-كما ياتى انشا الله تعالى. ذكر [حوادث] سنة خمس وسبعين وستمايه النيل المبارك فى هده السنه: الما القديم سته ادرع وثلثه عشر اصبعا. مبلغ الزياده ثمانيه عشر دراعا وثلثه اصابع.

стр. 3702

ما لخص من الحوادث الخليفه الامام الحاكم بامر الله ابى (٢) العباس امير المومنين. والسلطان الملك الظاهر، سلطان الاسلام. والملوك حسبما تقدم من دكرهم. وفيها وفد على السلطان جماعه من اعيان المغل تقدمهم اميران؛ وهما سكتاى واخوه جاورجى. واخبرا ان الامير حسام الدين بيجار (٥) البايبرى الرومى صاحب خرتبرت، وولده سيف الدين بهادر مع جماعه اهاليهم قاصدين (٦) الابواب العاليه. وكان سبب حضور هدان الاميران (٧) ان بهادر بن بيجار تزوج اختهما. وكان لهما أخ كافر، فوصل اليهما ومعه جماعه من اقاربه، فطلبوا منهما مالا، وقالوا لهما: «انتما هاهنا فى الراحه تسكنا (٩) المدن، ونحن فى التعب وملازمه الاسفار. فاعطونا (١٠) شئ نستعين به، والاّ احضروا (١٠_) معنا الى (١٦٨) الاردوا بين يدى القان ابغا يحكم بيننا». فشاوروا (١١) معين الدين البرواناه، فاشار عليهم ان يدفعوهم بشئ يعطونهم. فلما اخدوه ثم توجهوا الى الاردوا (١٢)، قال البرواناه لبهادر بن بيجار: «هولاء قد توجهوا الى ابغا، ولا تامن غايلتهم». فتبعهم بهادر واصهاره، فقتلوهم فى الطريق، واخدوا ما معهم. وكان رسل ابغا ترد فى كل وقت الى البرواناه يحثونه على الحضور، وهو يمنيهم ويسوّف بهم كل دلك، وهو ينتظر السلطان الملك الظاهر. فلما يأس (١٦) منه، توجّه

стр. 3703

وصحبته اخت السلطان غياث الدين، ليدخل بها [الى] (١) ابغا. واستصحب البرواناه معه من الامول والتحف والهدايا شئ (٢) كثير، وتوجه صحبته خواجا علىّ الوزير. فلما عزم على المسير، حرّض الامير سيف الدين بهادر بن بيجار على التوجه الى السلطان الملك الظاهر، لانه علم ان ابغا اطلع على قتله اوليك (٤) التتار. فخاف على بهادر وابنه لا ينتقم منهم (٥)، ويكون سببا لاخد نفوسهم. فتقدم بهادر لسكتاى وجاورجى بان يتقدماه ويعرفا السلطان ما تقرر من عزمهم. فلما وصلا (٦) هدان الاميران الى السلطان احسن اليهما. وكان السلطان بدمشق، فانفد (٧) بهما الى الديار المصريه، فتلقاهما الملك السعيد ملتقا (٨) حسنا، واكرمهما واحسن اليهما، وردهما الى السلطان مكرمين. وفيها فى اواخر العشر الاول من المحرم سير السلطان الامير بدر الدين بكتيت الاتابكى، وصحبته الف فارس، الى بلاد الروم. وكتب على يده كتاب (١١) الى الامراء بالروم، وهو يحثهم على طاعته والانقياد اليه. واول هده المكاتبه يقول: «﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ [أَطِيعُوا] الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١٣). فمن اطاعنى حقن دمه وماله وربح الجنه، (١٦٩) ومن عصانى فلا يلوم (١٤) الى نفسه». وكان سبب هده المكاتبه ان شرف الدين مسعود بن الخطير-بعد سفر البرواناه فى السنه الخاليه الى ابغا-كتب الى السلطان الملك الظاهر يحثه على العبور الى الروم بعساكره لينتظم فى سلكه. وبعث الكتاب الى الامير سيف الدين بن جندر (١٧)، مقطع البلستين، فبعثه الى السلطان ولده بدر الدين قوش (١٨). وكان ابوه قد اوصاه ان

стр. 3704

يتمسك به ولا ينفده (١). ثم ان شرف الدين بن الخطير، لما بعث الكتاب، داخله الندم وخاف انه إن خرج من الروم لا يعود اليها. فبعث الى سيف الدين بن جندر يقول له: لا تبعث الكتاب. فطلب [ابن جندر] ولده وساله عن الكتاب، فاخبره انه بعثه الى السلطان ليكون له بدلك عنده يد. فلما وصل بدر الدين [بكتوت] الاتابكى الى البلستين صادف من عسكر الروم جماعه من امراء الروم، وهم: الامير مبارز الدين سوارى الجاشنكير، والامير سيف الدين بن جندر، وبدر الدين قوش ولده، والامير بدر الدين مكاييل. فعندما وقعت عينه عليهم ترجلوا، ولم يترجل هو، ثم انه (٨) ركبوا وسايروه، وانزلوه وسيروا له الاقامات الحسنه. وسالوه فى المهله عليهم حتى يقتلوا من فى البلستين من التتار. ويتوجهوا الى خدمه السلطان. فاجابهم الى دلك، فقتلوا جميع من كان هناك من التتار. وتوجهوا مع بدر الدين الاتابكى حتى قدم بهم على السلطان، وهو نازل على مرج حارم. فاقبل عليهم واحسن إليهم. وفيها قدم الامير حسام الدين بيجار وولده بهادر بالسبب المقدم دكره. وامر السلطان لجمال الدين محمد بن نهار (١٤) بالخروج اليهما. وكان وصولهما الى المخيم المنصور بباب الدهليز السلطانى بظاهر دمشق السابع (١٥) عشر (١٧٠) من شهر الله المحرّم. وانزلهما فى النيرب. وكان بهادر ولده قد تأخر بعد والده، ووصل الى ابيه بدمشق فى التاسع والعشرين من الشهر المدكور. وكان سبب تاخيره انه جمع اطرافه من البلاد. وكان مهدب (١٨) الدين علىّ بن معين الدين البرواناه نايبا عن ابيه فى البلاد. فلما بلغه رحيلهم، انفد (١٩) خلفهم عسكرا من التتار، وقدّم عليهم مقدم يسمى قنجى، فساق

стр. 3705

خلفهم الى خرتبرت، فلم يلحقهم (١) ولا وجد من اخبره عنهم، غير انه وجد خيلا كان بهادر قد قدمها بين يديه، فتاهت عن الطريق، وكان عدتها خمس مايه فرسا (٢)، فاخدها وعاد الى مهدب (٣) الدين. ولما اجتمعا (٤) وحضرا بين يدى السلطان اقبل عليهما، ثم انفدهما الى الديار المصريه صحبه الامير بدر الدين بيسرى وشرف الدين ألجاكى، فالتقاهما الملك السعيد ملتقا (٥) حسنا. واما تاثير الكتب التى كانت على يد الامير بدر الدين بكتوت الاتابكى، لما وصلت الى اربابها من امراء الروم، مثل شرف الدين مسعود بن الخطير، وتاج الدين كيوى (٨) -وكانا هذان الاميران مقدّمان على العساكر الروميه من جهه البرواناه-فلما وصلت اليهم الكتب امروا لسنان الدين ابن (٩) سيف الدين طرنطاى ان يقراهما (١٠) ويرد جوابهما. ثم ورد فى دلك الوقت قاصدا (١١) اخر، وعلى يده كتب اليهم من السلطان مضمونها: ان نحن واصلين (١٢) اليكم عقيبها. فاجالوا قدح الراى بينهم، فاشار عليهم تاج الدين كيوى ان: «يكتب كل واحد منا كتاب (١٣) الى السلطان الملك الظاهر نعرفه ان نحن مماليكه، والبلاد بلاده، وان معين الدين قد توجه الى ابغا، والسلطان غياث الدين فى قيساريه، ونحن نتوجه اليه (١٥)، ونجتمع به وبمن فيها من الامراء، ونعرفهم بما وقع عليه الاتفاق، ونطالع السلطان بما يتحرر». فكتبوا بذلك

стр. 3706

(١٧١) واما ما كان من السلطان، فانه توجه من حلب الى حمص، فوصل ثالث (١) شهر صفر. فوافا (٢) بها الامير ضيا الدين محمود بن الخطير والامير سنان الدين بن طرنطاى. وكان السبب فى وصولهما ان الامراء الدين بالروم، لما اجابوا السلطان بدلك الجواب، شرع شرف الدين بن خطير (٤) فى تفريق العساكر الروميه، وادن لهم فى نهب من يجدوه (٥) من التتار وقتله. وانحاز الامير بدر الدين محمد بن قرمان واخوته واولاده بمن معه من التركمان الى السواحل بالروم، وباينوا التتار، وغاروا على من جاورهم منهم. وكاتب [الأمير بدر الدين] السلطان الملك الظاهر بدلك. ثم بلغ السلطان غياث الدين ومهدب (٩) الدين ابن البرواناه ما فعله شرف الدين بن الخطير من اظهار العداوه للتتار، فبعثوا طلبوه (١٠) فحضر. فلما وصل أمر-دلك الوقت-مهدب ان يحضر جميع رسل التتار ونوابهم، ومن كان من المغل بقيساريه، فاحضروهم مكتفين مكشفين الرؤس، فاعتقلهم. ثم نفد مهدب (١٢) الدين الى شرف الدين بن الخطير ليحضر اليه ويستشيره، فلم ياتيه (١٣) واوجس منهم خيفه. فخرج اليه تاج الدين كيوى، وسيف الدين طرنطاى، فتاخر سيف الدين طرنطاى لحاجه وسبق تاج الدين. فلما اجتمع بشرف الدين، عنّفه واغلظ عليه فى القول لعدم حضوره. فامر شرف الدين لمن عنده من خاصته فوثبوا على تاج الدين وسنان الدين بن ارسلان طغمش فقتلوهما جميعا. ثم خشى عاقبه امره مع مهدب الدين، فتوجه من فوره الى الابواب السلطانيه، [ثم استمسك] (١٨).

стр. 3707

فلما بلغ مهدب (١) الدين قتل تاج الدين ورجوع سيف الدين طرنطاى الى منزله، بعث اليه يستدعيه فلم يجبه، فتخيّل انه مع شرف الدين [بن الخطير]. ثم بعث اليه شرف الدين فاتاه، فساله ان يوفّق بينه (١٧٢) وبين مهدّب (٣) الدين. فعاد سيف الدين [طرنطاى] وسأل مهدب (٤) الدين، فاجاب الى دلك. ثم خرج السلطان غياث الدين الى ظاهر قيساريه. فلما رآه شرف الدين وضياء الدين ترجلا وقبلا الارض، ثم نادوا فى البلد بشعار السلطان الملك الظاهر. واتفقوا مع السلطان غياث الدين انهم يتوجهوا (٧) الى مدينه مكنده، يقيموا بها، ويبعثوا قصّاد (٨) الى الملك الظاهر يستوثقوا (٨_) منه بالأيمان للسلطان غياث الدين ولانفسهم. ثم استادنهم مهدّب (٩) الدين ان يدخل قيساريه، ويحمل اثقاله ثم يخرج اليهم، فأدنوا له. فلما دخل اليها اخد امواله وحريمه، وخرج ليلا وقصد دوقاق فتحصّن بها. فلما تحققوا توجّهه الى دوقاق، بعث شرف الدين اخوه (١١) ضيا الدين، وصحبته سبع وثلثون نفر، وبعث سيف الدين طرنطاى ولده سنان الدين، وصحبته عشرون نفر (١٢)، الى السلطان الملك الظاهر، يحثونه على العبور الى البلاد، ويعرّفونه بما جرا (١٣). وسار شرف الدين ابن الخطير والسلطان غياث الدين الى مكنده. فلما اجتمعا (١٤) الاميران المذكوران بالسلطان على حمص، وعرّفاه الاحوال، وحثاه على الدخول الى البلاد، كان جواب السلطان لهما: «انتم استعجلتم (١٦)، فانى كنت قد وعدت معين الدين البرواناه قبل توجهه الى الاردوا (١٧) انى فى اواخر السنه ادخل البلاد بعساكرى فانها فى مصر،

стр. 3708

وما يمكنى (١) ادخل البلاد بمن معى من العساكر. واما رحيل مهدب الدين الى دوقاق، فنعم ما فعل، فانه كان مطلع (٢) على ما كان بينى وبين والده». ثم ان السلطان انزلهما، فلما استقر بهما القرار طلب ضياء الدين ان يجتمع بالسلطان خلوة، فاجابه فقال: «الله يحفط (٤) السلطان، متى لم يقصد البلاد فى هدا الوقت، لم آمن على اخى شرف الدين ان يقتل هو ومن معه (١٧٣) من الامراء الدين حلفوا للسلطان، وان تاخر ركاب السلطان فى هدا الوقت، فيتصدق السلطان، ويبعث من فيه نجدة حتى يكونوا له ظهرا، ويتمكن من الخروج والحضور الى خدمه السلطان». فقال [السلطان الملك الظاهر]: «الدى اراه من المصلحه ان ترجعوا الى بلادكم، وتتحصنوا بقلاعكم، وتحتموا بها الى ان ارجع الى مصر، واربع خيلى، واعود اليكم فى زمن الشتا؛ فان ابار الشام فى هدا الوقت قد غارت وقل ما بها، وعسكرى ثقيل لا يحمله». ثم ان السلطان استصحبهم معه، فلما وصل الى حماه استصحب معه صاحبها وسار الى حلب. ثم انه جهز سيف الدين بلبان الزينى (١٢) فى عسكر، وبعثه الى الروم ليحضر السلطان غياث الدين والامير شرف الدين بن الخطير ومن معهما من الامراء الروميين. فلما وصل الزينى (١٥) الى كينوك، وردت القصّاد واخبروا ان البرواناه قد عاد الى الروم، وهو فى خدمه منكو تمر واخوته، اولاد هلاوون، وهم فى ثلثين الف فارس من كبار المغل. فكتب الى السلطان وعرفه دلك، فظن السلطان ان التتار، ادا سمعوا انه عسكر قليل، يقصدونه، فعاد من حلب الى دمشق، ثم توجه الى مصر. وعاد الزينى بمن معه بمرسوم السلطان له فى دلك.

стр. 3709

ولمّا وصل البرواناه فى خدمه منكو تمر اخو (١) ابغا الى الروم، ودلك فى اوايل شهر ربيع الاخر، وبلّغهم جميع ما جرا (٢) من بن الخطير، فاظهر لهم المباينه، وعزم على ان يلتقيهم. فسفّه رايه من معه وقالوا: «كيف نلتقى باربعه الاف فارس، ثلثين الف (٣) من خيار المغل». فعلم انه مقتول لا محاله، فقصد قلعه لولوه ليتحصّن بها، فلم يمكنه واليها ان يدخلها بجماعته بل بمفرده. فدخل اليها ومعه امير علم لا غير. وكان شرف الدين (١٧٤) قد أسى (٦) الى هدا أمير علم من مده ست عشر سنه، فقال للوالى فى تلك الساعه: «احتفط (٧) بغريم ابغا حتى تسلمه اليه». فقبض عليه [الوالى] وبعثه الى عند البرواناه. فلما وقع نظره عليه سبّه وشتمه وبصق فى وجهه، وأمر ان يحتاط عليه. وكان مع البرواناه فى دلك الوقت من مقدمين (٩) التتار ثلاثه، وهم: تتاوون وكراى وبقونوين (١٠). فجلسوا هؤلاء المقدمين والبرواناه فى مجلس واحد، وحضّروا جميع التتار. واحضروا السلطان غياث الدين ومن وافقه من الامرا على طاعه السلطان الملك الظاهر. ثم قالوا لغياث الدين: «ما حملك على خلعك طاعه القان ابغا وانقيادك الى صاحب مصر؟» فقال لهم: «انا صبى، وما علمت الصواب حتى اتبعه. ولما رايت اكابر دولتى قد فعلوا دلك خشيت ان متى لم اوافقهم سلمونى». قال: فعند دلك نهظ (١٥) البرواناه الى شجاع الدين الالا، واسمه قايبا الحصنى، فقتله فى تلك الساعه بيده. ثم احضر (١٦) سيف الدين طرنطاى، ومجد الدين اتابك، وجلال الدين المستوفى، وسالوهم عن سبب انقيادهم الى طاعه صاحب مصر وخلعهم طاعه ابغا. فقالوا كلهم: «شرف الدين بن الخطير امرنا بدلك، وخففنا إن نحن خالفناه فعل بنا كما فعل بتاج الدين كيوى».

стр. 3710

قال: فاحضروا شرف الدين بن الخطير وسالوه عن دلك. فقال شرف الدين للبرواناه: «انت الدى حرضتنى على دلك». ودكر له المكاتبات التى كاتب بها السلطان الملك الظاهر. فانكر البرواناه ما ادعاه ابن الخطير. فكتبوا بجميع دلك الى ابغا. ثم سالوا شرف الدين عن سيف الدين طرنطاى ومجد الدين اتابك هل كانا موافقان (٥) للانقياد، فقال «انا كلفتهما كدلك». فامر عند دلك تتاوون بضربه بالسياط حتى يقر بمن كان معه. فاقر على نور الدين (١٧٥) جنجا؟؟؟ (٦)، وسيف الدين قلاوز، وعلم الدين سنجر الجمقدار وغيرهم. فلما تحقق البرواناه انه مقتول باقرار شرف الدين عليه بعث اليه يقول: «متى قتلونى لم يبقوك بعدى، فاعمل على خلاص نفسك ونفسى بحيث ادا حضرت وضربت ثانى مره وسئلت عن الحال، فارجع عمّا قلت، واعتدر انك اعترفت من الم الضرب». فلما احضر وضرب، سئل فقال: «ما امرنى الا البرواناه». فبعث تتاوون الى بغا، وعرفه ذلك، وامر ان يضرب فى كل يوم مايه سوط حتى يعود جواب ابغا. فعاد جوابه بقتله، فقتل. وبعث الى قونيه براسه واحدى قدميه، وفرق جميع اعضايه فى ساير بلاد الروم. وقتل معه قلاوز، وسنجر الجمقدار، وشرف الدين محمد الاصبهانى نايب الروم، وجماعه كبيره من التركمان. وفدا (١٥) نفسه طرنطاى بمايتى فرس واربع مايه الف درهم، بعد ان دخل على بقو نوين، فشفع فيه حتى ابقوه. ثم خرج البرواناه الى البلاد، فطاف بها بعسكره، وقتل من وجد بها من ضواحيها من المفسدين. وكان لما قتل شرف الدين اتصل خبره باخيه ضياء الدين محمود، وهو فى خدمه السلطان بالقاهره المحروسه. فسأل السلطان عن خبره، فاخبره انه قد قتل. وقال له:

стр. 3711

«كان سبب قتله اقراره بمكاتبتى للبرواناه». ثم امر السلطان بالقبض على سنان الدين موسى بن طرنطاى، وعلى [نظام الدين] (٢) يوسف اخى مجد الدين اتابك، وعلى الحاجى اخو (٣) جلال الدين المستوفى، واودعهم الاعتقال وساير اتباعهم بخزانه البنود. ودلك يوم الثلثا سابع عشر جمادى الاولى. ولم يزالوا فى الاعتقال الى شهر ربيع الاخر سنه سبع وسبعين وستمايه، فافرج عنهم الملك السعيد بعد وفاه السلطان الملك الظاهر، والله اعلم. (١٧٦) وفيها كان عرس الملك السعيد على زوجته، بنت المقر السيفى قلاوون، ودلك عند عودة ركاب السلطان من الشام المحروس. ولبس الجيش جميعه، ولعب فى الميدان الاسود تحت القلعه. وكان مهم عظيم (٩)، اخلع السلطان فيه على ساير الامراء والمقدمين واكابر الدوله. ذكر دخول السلطان الروم لما كان يوم الخميس-العشرين (١٢) من شهر رمضان المعظم من هده السنه المدكوره- برز الدهليز المنصور السلطانى متوجّها الى الشام المحروس. ورتب الامير شمس الدين الفارقانى نايبا بالديار المصريه فى خدمه الملك السعيد ولده، وترك عنده خمسه الاف فارس لحفظ (١٥) البلاد من طارق يطرقها. ثم رحل ثانى عشرين الشهر المدكور، وسار الى دمشق، فدخلها يوم الاربعا سابع عشر شوال. وخرج منها العشرين منه، فدخل حلب سابع عشرين (١٧) الشهر، وخرج منها يوم الخميس [ثانى ذى القعدة]، فنزل حيلان.

стр. 3712

ورسم للامير نور الدين على بن مجلّى، نايب حلب، ان يتوجه الى الساجور، ويقيم على الفراه (٢) بمن معه من العساكر الحلبيه لحفط المخايض لا يعبرها احد من التتار قاصدا الشام. ووصل الى الامير نور الدين بن مجلّى المدكور الامير شرف الدين عيسى بن مهنّا. فبلغ نواب التتار بالعراق نزولهم على الفراه (٤)، فجهزوا لهم جماعه من عرب خفاجه تكبسهم. فوصل الخبر لنور الدين بن مجلى، فركب وداركهم، فالتقاهم وكسرهم، واخذ منهم الف (٦) ومايتى جمل. ثم ان السلطان رحل من حيلان يوم الجمعه ثالث الشهر. فنزل عين تاب، ثم الى دلوك، ثم الى مرج الديباج، ثم الى كينوك، ثم الى النهر الازرق، ثم الى اقشادربند (٩)، فوصله يوم الثلثا سابع شهر دى القعده، فقطعه (١٧٧) فى نصف نهار. فلما خرج منه انتشرت العساكر شبه الجراد المنتشر. فحينئد قدّم الامير شمس الدين سنقر الاشقر على جماعه من العساكر المنصوره، وامره بالمسير بين يديه. فوقع على طايفه من التتار، عدتها ثلث (١٢) الاف فارس، ومقدمهم يسمى كراى، فكسرهم، وأسر منهم طايفه، ودلك يوم الخميس تاسع الشهر. ثم وردت الاخبار على السلطان ان عسكر المغل والروم مع تتاوون والبرواناه، وانهم نازلين (١٥) على نهر جيحان. فلما اشرف العسكر المنصور على صحراه البلستين، شاهدوا التتار قد رتبوا عسكرهم اطلابا، فى كل طلب الف فارس. وعزلوا عسكر الروم عنهم ناحية لا يكن مخامرا عليهم، وجعلوا عسكر الكرج طلبا واحدا.

стр. 3713

فلما التقا (١) الجمعان حملت ميسره التتار حملة واحدة وصدموا سنجقيه السلطان، وحملت منهم طايفه ووصلوا الى الميمنه. فلما رآهم السلطان كدلك اردفهم بنفسه، ولاحت منه التفاتة، فراى الميسرة وقد حملت عليها ميمنه التتار فكادت ان تتأخر. فاشار لصاحب حماه بان يردف الميسره، فحمل فى عسكره، وحملت العساكر تتلوا (٤) بعضها بعضا، وقد فوضوا امرهم الى الله بنيات صادقه، وقلوب على طلب الجهاد موافقه، فطحنوا التتار طحنا، وبدلوا فرحهم حزنا. فلما راى التتار لا ملجأ لهم من القتل والأسر، ولا منجا (٧) من القهر والقسر، نزلوا عن خيولهم وقاتلوا قتالا عظيما، فلم يغنى (٨) عنهم شيئا، وأنزل الله سكينته على المؤمنين، وخذل القوم الطغاة الكافرين، ففروا فرار الشاه من الديب (٩)، وكان على التتار يوم عسير عجيب (١٠)، فطلبوا روس الروابى والجبال خوفا من السيوف الحداد والقيود والحبال. (١٧٨) واستشهد فى ذلك اليوم من الامراء شرف الدين قيران العلايى، وعز الدين اخو المحمدى، ومن المماليك السلطانيه سيف الدين قليج الجاشنكير، وعز الدين ايبك السقسينى (١٤). واما من أسر من الامراء الروميين وكبرايها (١٥) فعده اثنى عشر نفر، وهم: مهذب الدين بن معين الدين البرواناه، وابن بنته ايضا، ونور الدين جبراييل ابن جاجا (١٦)، وقطب الدين محمود اخو مجد الدين اتابك، وسراج الدين اسمعيل ابن جاجا (١٧)، وسيف الدين سنقر شاه الزوباشى، ونصره الدين اخو صاحب سيواس، وكمال الدين اسمعيل (١٨)،

стр. 3714

وحسام الدين كيكاوك (١)، وسيف الدين الجاويش، وشهاب الدين غازى ابن على [شير] (٢) التركمانى. وأما من أسر من مقدمين التتار فعده خمس نفر، وهم: زيرك صهر ابغا، وسرطق، وجيركر (٣)، وشركده، ونماديه. ونجا معين الدين البرواناه، وقطع المفاوز والآكام حتى دخل قيساريه ثانى عشر ذى القعده. واجتمع بالسلطان غياث الدين وبجماعه من الامراء، فاخبرهم بالحال، وعرفهم ان المغل المنهزمين، متى دخلوا قيساريه، قتلوا كل من بها حنقا من المسلمين، واشار عليهم بالخروج. فخرج السلطان غياث الدين باهله وماله الى دوقاق، وبينهما مسيره ثلاثة ايام. والدين حضروا تحت طاعه السلطان الملك الظاهر من امراء الروم عده اثنا (٩) عشر نفر، وهم: سيف الدين صانش بن اسحق، وظهير الدين صبوح (١٠)، وشرف الملك، ونظام الدين، والاوحد بن شرف الدين بن الخطير، وولد ضيا الدين، واخوه سيف الدين بلبان المعروف بكجكنا (١١)، وسيف الدين شاهنشاه، ومظفر الدين جحا فى، ونصره الدين، واولاد رشيد الدين صاحب ملطيه، وامير على، والقاضى (١٧٩) حسام الدين قاضى قضاه الروم.

стр. 3715

ولما ظفّر الله تعالى السلطان بالاعداء، جرّد الامير شمس الدين سنقر الاشقر فى جماعه من الجيوش المنصوره لادراك من فات من المغل، وامره بالتوجه الى قيساريه. وكتب على يده كتاب (٣) بتأمين اهلها واخراج الاسواق والتعامل بالدراهم الظاهريه. ثم رحل بكره السبت حادى عشر دى القعده قاصدا الى قيساريه. فمرّ فى طريقه بقلعه سمند (٥)، فنزل واليها مدعنا تحت الطاعه، وكدلك والى قلعه درندا، ثم قلعه دالوا (٦)، الجميع نزلوا تحت الطاعه. ولم يزل فى سيره حتى نزل ليله الاربعا خامس عشر الشهر المدكور على قريه قريبه من قيساريه، فبات بها. فلما أصبح رتب العساكر المنصوره، ولبس الجيش، واقبل فى احسن شأوه وأزين صوره. فلما احسوا (٨) اهل قيساريه به، خرجوا مستبشرين بقدومه، مسرورين بلقايه، مستمطرين سحايب كرمه وجوده وامتنانه. وكانوا قد اعدوا لنزوله الخيام بوطأة تعرف بكيخسروا (١٠). فلما قارب [السلطان الملك الظاهر] المنزله، ترجّل وجوه العساكر على طبقاتهم، ومشوا بين يديه حتى وصل ونزل. فلما كان يوم الجمعه سابع عشر الشهر ركب لصلاه الجمعه ودخل قيساريه. ونزل بدار السلطنه، وحبس على التخت، ووفا (١٤) بما وعده به عظيم البخت. وحضر بين يديه القضاه والفقها والمشايخ الصوفيه، وجلسوا فى مراتبهم على عاده ملوك السلجوقيه، فاقبل عليهم، واصغا (١٦) اليهم، ومدّ لهم سماطا، فاكلوا وانصرفوا. ثم حضر الجامع لصلاه الجمعه، وخطب الخطيب خطبه بليغه، ووصف فيها اوصافه ونعوته الحسنه، واعلنت الناس له بالدعا والنصر على الاعدا. فلما (١٨٠) قضّيت الصلاة وفرقت على الطيبين من خزاين رحمة الله الصلات، احضرت الدراهم التى
следующие страницы →