← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18152

فتيا في صيغة الحمد

ابن القيم

Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.

стр. 36

مقدَّمًا، مبتدؤه قوله "ولا مستغنى (١) عنه". والأحسن في جَرِّه (٢) أن يكون بدلًا من الضمير المجرور في (عنه). والأحسن في نصبه أن يكون على المدح صفةً لاسم الله تعالى. وسمعتُ شيخنا تقي الدين بن تيمية -قدس الله روحه- (٣) يقول في معنى هذا الحديث: المخلوقُ إذا أنعم عليك بنعمةٍ أمكنك أن تكافئه، ونِعَمُه لا تدوم عليك، بل لابد أن (٤) تودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، واللهُ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمه، فإنه هو أغنى وأَقْنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عينٍ، هذا معنى (٥) كلامه. والمقصود ذكر الحمد الذي كان النبي ﷺ يحمد ربَّهُ بهِ (٦) في مواطن الحمد. وعن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا (٧)، وجعلنا مسلمين" رواه أبو داود

стр. 37

وغيره (١). وعن أبي أيوب قال: كان النبي ﷺ إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوَّغه, وجعل له مخرجًا" رواه أبو داود والنسائي (٢)، وإسناده صحيح (٣). وفي السنن أيضًا عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني (٤) هذا من غير حَوْلٍ مني ولا قوة؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه" وقال الترمذي: حديث حسن (٥).

стр. 38

وفي سنن النسائي عن عبد الرحمن بن جُبير، أنه حدَّثه (١) رجلٌ خَدَم النبيَّ ثمانِ سنين، أنه كان يسمع النبي إذا قُرِّب إليه الطعام (٢) يقول (٣): "بسم الله"، فإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أطعمتَ، وسقيتَ، وأغنيتَ، وأقنيتَ، وهديتَ، واجتبيت (٤)، فلك الحمد على ما أعطيت (٥) وإسناده صحيح. وروى أبو داود في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في الطعام إذا فرغ: "الحمد لله الذي مَنَّ علينا وهدانا، والذي أشْبَعَنا وأرْوَانا، وكل الإحسان آتانا" (٦).

стр. 39

وكذلك الحديث الذي رواه أهل السنن بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: علَّمَنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن يهده (١) الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٢). وشرع النبي ﷺ لمن رأى مبتلى أن يقول ما رواه الترمذي عن أبي

стр. 40

هريرة؛ عنه (١) ﷺ أنه قال: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم (٢) يُصِبْه ذلك البلاء" قال الترمذي: حديث حسن (٣). ويروى (٤) نحوه عن عمر (٥). وشرع النبي ﷺ للقائم من المجلس أن يقول ما رواه أبو هريرة عنه ﷺ : "من جلس في مجلس فكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛

стр. 41

إلا غُفر له ما كان في مجلسه" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) (٢). * * *

стр. 42

فصلٌ وشرع ﷺ للعاطس أن يقول ما رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقُل: الحمد لله على كل حال، ولْيَقُل أخوه: أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم" (١). وفي جامع الترمذي عن ابن عمر: أن رجلًا عطس إلى جنبه فقال: الحمد لله، والصلاة (٢) والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله، والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علمنا أن نقول: الحمد لله على

стр. 43

كل حال (١). وكذلك شرع لأمته عند ركوب الدابَّة ما رواه أهل السنن بالإسناد الصحيح عن علي بن ربيعة قال: شهدتُ علي بن أبي طالب أُتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله ثلاث مراتٍ ثم قال: الله أكبر ثلاث مراتٍ، ثم قال: سبحانك ظلمتُ نفسي فاغفر لى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحكَ فقلتُ: يا أمير المؤمنين، من أيِّ شيءٍ ضحكتَ؟ قال: رأيتُ النبي ﷺ فعَلَ كما فعلتُ، ثم ضحك، فقلتُ: يا رسول الله، من أيِّ شيء ضحكتَ؟ قال: "إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري (٢).

стр. 44

وروى ابن ماجة في سننه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحبه قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"، وإذا رأى ما يكره قال: "الحمد لله على كل حال". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد (١). وفي صحيح مسلم: عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، مِلء السموات، ومِلء الأرض، ومِلء ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ" (٢). وفيه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " [اللهم] ربنا لك الحمد، مِلء السموات و [مِلء] الأرض، ومِلء ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، كلنا لك عبد،

стр. 45

اللهم لا مانع لما أعطيتَ؛ ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ" (١). وروى البخاري في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزُّرَقي قال: كنا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده" قال رجلٌ وراءَهْ (ربنا لك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، فلما انصرف قال. "مَن المتكلم"؟ قال: أنا، قال: "قد رأيتُ بِضعةً وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيُّهم يكتبها أول" (٢). وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ... الحديث (٣). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال:

стр. 46

بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ قال رجل: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا)، فقال النبي ﷺ : "من القائل كذا وكذا؟ فقال الرجل من القوم. أنا قلتها يا رسول الله قال: "عجبتُ لها، فُتِحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقولهن (١). وفي السنن عن رفاعة بن رافع قال: صليتُ خلف النبي ﷺ فعطستُ، فقلت: الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: "مَن المتكلم في الصلاة؟ فلم يُجِبْه أحدٌ، ثم قالها الثانية: من المتكلم: في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا رسول الله، قال: كيف قلتَ؟ قال.: قلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، فقال: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون مَلَكًا أيُّهم يصعد بها (٢) ". قال. الترمذي: حديث حسن (٣).

стр. 47

وفي سنن أبي داود عن عامر بن ربيعة قال: عَطَس شابٌّ من الأنصار خلف رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فقال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حتى يرضى ربنا، وبعدما يرضى من أمر الدنيا والآخرة"، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "مَن القائل الكلمة؟ فسكت الشابُّ، ثم قال: من القائل الكلمة، فإنه لم يقل بأسًا؟ فقال: يا رسول الله؛ أنا قلتُها، لم أُرد بها إلا خيرًا، [قال] (١). ما تناهت دون عرش الرحمن جلَّ ذكره" (٢). وفي مسجد الإمام أحمد عن وائل بن حُجر قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" فلما صلَّى رسول الله ﷺ قال: "من القائل؟ قال الرجل أنا يا رسول الله، وما أردتُ إلا الخير، فقال: لقد فُتحت لها أبواب السماء، فلم

стр. 48

يُنَهْنِها (١) شيءٌ دون العرش" (٢). وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه كان يقول في اعتداله بعد الركوع في صلاة الليل "لربي الحمد، لربي الحمد" (٣)، وكان قيامًا طويلًا. وشرع لأمته في هذا الموضع وفي غيره أفضلَ الحمد وأكملَهُ، فلو كان قول القائل (الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده) أفضلَ الحمد لكان أولى المواضع به هذا الموضع وما أشبهه. فيا سبحان الله! لا يأتي عنه هذا الحمد الأكمل الأفضل الجامع في موضع واحدٍ ألْبَتَّه، لا قولًا، ولا تعليمًا، ولا يقوله أحدٌ من الصحابة، ولا

стр. 49

يُعرف عنهم في خطبةٍ، ولا تشهُّدِ حاجةٍ، ولا عقيب الطعام والشراب، وإنما الذي جاء عنهم حمدٌ هو دونه في الفضيلة والكمال! هذا من المحال. وكذلك حمد الملائكة له سبحانه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ أُتي ليلة أسري به بقَدَحٍ من خمرٍ، وقَدَحٍ من لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبنَ، فقال جبريل ﵇: "الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذتَ الخمر غوَتْ أمتك" (١). وكذلك حمدُ الصحابة له سبحانه كما في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما طعِن أرسل ابنه عبدَ الله إلي عائشة ﵂ يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه، فلما أقبل عبدُ الله قال عمر: "ما لديك؟ " قال: "الذي يحبُّ أمير المؤمنين، أَذِنَتْ"، قال: "الحمد لله، ما كان شيءٌ أَهمَّ إليَّ من ذلك" (٢). وروي ابن ماجة في سننه: أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني

стр. 50

الأذي وعافاني" (١). وفي معجم الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج [من الخلاء] (٢) قال: "الحمد لله الدي أذاقني لذَّته، [وأبقى فيَّ قُوَّته] (٣)، ودفع عني أذاه" (٤). وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه؛ عمامةً، أو قميصًا، أو رداءً، ثم يقول. "اللهم لك الحمد، أنتَ كسوتنيه، أسألك خيره، وخيرَ ما

стр. 51

صُنع له، وأعوذُ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له" (١). رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح. قال الترمذي: حديث حسن. وفي الترمذي عن عمر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من لبس ثوبًا جديدًا فقال: الحمد لله الذي كساني ما أُواري به عورتي، وأتجمَّل به في حياتي، ثم عَمِد إلى الثوب الذي أخلق فتصدَّقَ به، كان في حفظ الله، وفي كنف الله، وفي سبيل الله (٢)، حيًّا وميتًا" (٣).

стр. 52

وفي مسند الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفَر اللهُ له ما تقدم من ذنبه. ومن لَبِس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة؛ غفرَ الله له ما تقدم من ذنبه" (١). وفي جامع الترمذي، عن علي ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة في المواقف: "اللهم لك الحمد، كالذي نقول، وخيرًا نقول، اللهم لك صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، وإليك مآبي (٢)، ولك ربِّ تراثي (٣)، اللهم إني أعوذ بك من (٤) عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما تجيء به الريح" (٥).

стр. 53

وفي أثر آخر معروف. "اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيتُه وسِرُّه، وأنت أهل الحمد" (١). وهذا من أجمع الحمد وأحسنه . وقد علَّم النبي ﷺ أمته الحمد المفرد والمضاعف ، فلم يعلمهم في شيءٍ منه هذا الحمد المسئول عنه. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: " [قل] (٢): لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله رب العالمين، حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم" قال: هؤلاء لربِّي، فما لي؟ قال: "قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني" (٣).

стр. 54

وفي السنن عن (١) سعد بن أبي وقاص: أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة بين يديها نوي أو حَصى تسبِّحْ به، فقال: أُخبركِ بما هو أيسر عليكِ من هذا وأفضل (٢): سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك" (٣). فلو كان "الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده" أفضل من هذا لعلمها (٤) إياه. وفي صحيح مسلم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الكلام الى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الا الله،

стр. 55

والله أكبر، لا يضرُّ بأيِّهنَّ بدأت" (١). ولو كان "الحمد لله، حمدًا يوافي نعمه، ويكافيء مزيده" أفضل من هذا لكان أحب إلى الله منه. وفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس" (٢). وروى إسرائيل، عن أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اصطفى من الكلام: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإذا قال العبد: "سبحان الله" كَتَبَ له عشرين حسنة، أو حطَّ عنه عشرين سيئة، فإذا قال: "الله أكبر" فمثل ذلك، فإذا قال: "لا إله إلا الله" فمثل ذلك، وإذا قال: "الحمد لله رب العالمين" من قِبل نفسه (٣) كُتبت له ثلاثون حسنة، وحُطَّ عنه ثلاثون سيئة" (٤).

стр. 56

وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "الطهور شَطْر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله" تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجَّةٌ لك أو عليك، كلُّ الناس يغدوا؛ فبائعٌ نفسه فموبقها، أو مبتاعها فمعتقها" (١). وقد روى ابن ماجة، والترمذي، من حديث طلحة بن خراش بن عمر، عن جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر: "لا إله إلا الله"، و أفضل الدعاء: "الحمد لله " (٢) ". وسئل ابن عيينة عن هذا الحديث، فقيل له: كان "الحمد لله" دعاءً؟ فقال: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله:

стр. 57

أَأَذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إنَّ شيمتك الحِباءُ إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاهُ من تعرُّضه الثناءُ كريمٌ لا يغيِّرهُ صباحٌ ... عن الخُلُقِ الجميل ولا مساءُ (١) فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثناء عليه، فكيف بالخالق سبحانه؟! قلتُ: الدعاء يراد به دعاء المسألة، ودعاء العبادة، والمُثْنِي على ربه بحمده وآلائه داع له بالاعتبارين؛ فإنه طالبٌ منه، وطالبٌ له، فهو الداعي حقيقة، قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر/ ٦٥]. وروي ابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ حدَّثَهم: "أن عبدًا من عباد الله قال: يا ربِّ، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك، فعظُمَت بالملكين، فلم يَدْريا كيف يكتبانها، فصَعَدا إلى السماء فقالا: يا رب؛ إن عبدك قال مقالةً لا ندري كيف نكتبها، قال الله -وهو أعلم بما قال عبده-: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب؛ إنه قال: يا ربِّ؛ لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، فقال الله اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها" (٢).

стр. 58

وفي سنن ابن ماجة -أيضًا- من حديث محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يقول: "الحمد لله على كل حال، أعوذ بالله من حال أهل النار" (١). وفي مسند ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ مرَّ به [وهو] (٢) يغرِسُ غِرَاسًا، فقال: "يا أبا هريرة؛ ما الذي تغرِس؟ قلتُ: غِراسًا، قال: ألا أدلُّكَ على غِراسٍ خير من هذا؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، تغرس بكل واحدةٍ شجرةً في الجنة" (٣). وفي سنن ابن ماجة، عن أبي الدرداء قال: قال لي رسول الله ﷺ :

стр. 59

"عليك بـ"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، فإنها -يعني- تحطُّ الخطايا كما تحطُّ الشجرة ورقها" (١). وفي الترمذي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسْريَ بي، فقال: يا محمد:؛ أقْرِىْء أمتك [مني] السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبةُ التربةِ، عَذْبةُ الماءِ، وأنها قِيعان، وأن غراسها: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (٢). قال الترمذي: حديث حسن.

стр. 60

والذي حُفِظ من تحميد النبي ﷺ في المجامع العِظَامَ كـ: خطبة الجمعة، والخطبة في الحج عند الجمرة، وخطبة الحاجة: "الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ" (١). وفيها كلها "أشهد" بلفظ الإفراد، و"نستعينه" بلفظ الجمع، و"نحمده، ونستغفره" بلفظ الجمع. فقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -قدس الله روحه-: "لما كان العبدُ قد يستغفر له، ويستعين له ولغيره؛ حَسُن لفظ الجمع في ذلك، وأما الشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة فلا يفعلها أحدٌ عن غيره، ولا تقبل النيابة بوجهٍ من الوجوه، ولا تتعلق شهادة الإنسان بشهادة غيره، والمتشهد لا يتشهَّدُ إلا عن نفسه"، هذا معنى كلامه (٢). فهذه جُمَل مواقع الحمد في كلام الله، ورسوله، وأصحابه، والملائكة، قد جَلَّيتُ عليك عرائسها، [و] (٣) جَلَبْتُ لك (٤) نفائسها، فلو كان الحديث المسئول عنه أفضلها، وأكملها، وأجمعها -كما ظنَّهُ الظانُّ- لكان واسطة عِقْدِها في النِّظَام، وأكثرها استعمالًا في حمد ذي الجلال والإكرام.

стр. 61

فالحمد لله بمحامده التي (١) [حمد] (٢) بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى، حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى. وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي الأمِّي، وآله، وصحبه، وسلَّم (٣).