Полный текст (1 806 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح سنن النسائي
المسمى
«شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية»
تأليف
فضيلة الشيخ محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي
المدرس بالمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة
المتوفى في المدينة سنة ١٤٠٥ هجرية، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[الجزء الأول]
стр. 2
شَرْحُ سُنَنِ النِّسَائِيْ
стр. 3
(ح) محمَّد محمَّد الْمُخْتَار الشنقيطي، ١٤٢٥ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الشنقيطي، محمَّد محمَّد الْمُخْتَار
شرح سنَن النَّسَائِيّ الْمُسَمّى شروق أنوار المنن الْكُبْرَى الإلهية بكشف أسرار السّنَن الصُّغْرَى النسائية/ محمَّد محمَّد الْمُخْتَار الشنقيطي - الرياض، ١٤٢٥ هـ
١٩٢٠ ص، ١٧ × ٢٤ سم
ردمك: ٢ - ٤٧٣ - ٤٤ - ٩٩٦٠
١ - الحَدِيث - سنَن
٢ - الحَدِيث - شرح
أ - العنوان
ديوي ٢٣٥.٥ ... ٤٤٣/ ١٤٢٥
رقم الْإِيدَاع: ٤٤٣/ ١٤٢٥
ردمك: ٢ - ٤٧٣ - ٤٤ - ٩٩٦٠
وقف لله تَعَالَى
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ
стр. 4
التمهيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وهادي عباده المتقين إلى صراطه المبين، ومنزل الكتاب على خيرته من خلقه أجمعين، وفاتح أبواب الخير والسعادة بالوصول إليه للقاصدين، وحافظ الشريعة من تزييف المنحرفين عنها والملحدين، الممتن على أهلها بتأييده للعلماء العاملين، الذين حفظوها وحافظوا عليها فدوّنوها أكمل تدوين، الذائدين عنها بأقلامهم وألسنتهم كل تزوير فيها بكذب ومين، فجزاهم الله أحسن جزائه للمجاهدين كما وعدهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ورزقنا التوفيق والهداية إلى سلوك سبيلهم والتمسك بهدي أئمتنا الهداة المهديين، وجمعنا وإياهم في دار كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإن كنا لسنا لذلك أهلًا فهو أهل للكرم والتفضل على عباده المجدين والمقصرين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين المنزل عليه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فبيّنه أتم التبيين؛ حتى تركهم على المحَجَّةِ البيضاء التي من زاغ عنها وتركها هلك مع الهالكين، وعلى آله وصحابته السالكين لسبيله في إقامة الحق ونشر الدين، والدعوة إليه بجهادهم جميع المكذبين والطاعنين فيه من المخالفين، ورضي عمن تبعهم على نهجهم وتمسك بدينهم في مشارق الأرض ومغاربها من الدانين والقاصين.
стр. 5
أما بعد: - فيقول العبد الفقير إلى رحمته تعالى المدعو باسمه -محمَّد المختار وهو ابن محمَّد بن سيد الأمين بن حبيب الله بن أحمد مزيد بن بون واسمه سعيد الجكني نسبًا الرشيدي مولدًا ومنشأ، ثم المدني إقامة وهجرة الشنقيطي شهرة- ولد في ضاحية قرية الرشيد، بموضع يسمى "الشُّقيق" كان مزرعة لأهله، وقرية الرشيد في منطقة -تكَانت- بكاف معقودة عند أهل البلاد وهي من بلاد موريتانيا ولد بها عام ١٣٣٧ هـ وإنما اشتهرت النسبة لأهل هذه البلاد بشنقيط -وهي قرية من قراها- لأنها صارت علمًا عليهم بالتغليب -قيل لأن الجنود من أسلافهم الذين فتحوا تلك البلاد لما اجتمعوا حين غزوها من المغرب كان اجتماعهم فيها أولًا فنسبوا إليها، وقيل إنهم لما استقروا بتلك البلاد كان يصعب عليهم السفر إلى الحج إلا من طريق المغرب، فيتواعدون هذا المكان ليجتمعوا فيه فنسبهم أهل المغرب إلى هذه القرية، فاشتهروا بذلك- وأكثر المنتسبين إليها -ومن بينهم الكاتب- لا يعرفونها إلا بالاسم، وقد اشتهروا الآن باسمهم وهم -الموريتانيون- فالعبد الفقير خرج من مسقط رأسه على رأس سنة ١٣٥٧ هـ، وهو على تمام التاسعة عشرة من عمره مهاجرًا من البلاد أيام حكم الفرنسيين لها، وجاور بالمدينة المنورة.
أقول -وبالله أستعين-: لما رأيت كتب الحديث المسماة عند علماء السنة بالستَّة، وبالأصول الستة، أو الأمهات الستة، أو الخمسة وهي شهيرة باسمها غنيّة عن التعريف بها، ورأيت الأربعة من الخمسة قد شرحت شروحًا مستوفاة من مطول ومختصر، ورأيت الخامس منها وهو -النسائي- لم يظهر له على وجه البسيطة حتى الآن شرح يكون وافيًا به إلا تعاليق مختصرة جدًا لا تفيد إلا في حل بعض الألفاظ. وكنت لا أرى للاشتغال بالتأليف في هذا الوقت كبير فائدة إلا الشهرة، أو أخذ شهادات الغالب عليها أن تكون غرورًا لصاحبها وخديعة له ولغيره، فلما لم أر أحدًا تصدى لخدمة هذا الكتاب العظيم حتى يكون مِثْل غيره من أصول السنة، استخرت الله تعالى في القيام بخدمته، وخدمة أهل العلم والمساهمة معهم في حفظ السنة والسعي في الخير، فانشرح صدري لذلك مع ما أنا فيه من الاشتغال واعتراض بعض الأمراض مع التقدم في السن الذي يعوق الإنسان في الغالب عن كثير من مقاصده، لكن الثقة بعون الله تعالى
стр. 6
إذا حَسُنَت النية حملتني على الاقتحام، وجرأتني على رفض التواني والإِحجام، فشمرت عن ساق الجد، واستعنت باللهِ فإنه خير معين وممد.
وقلَّ من جدَّ في أمر يحاوله ... فاستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
وإن لم أكن أرى نفسي أهلًا لما هنالك، ولا من فرسان ميادين تلك المسالك، فلا يمنعني ذلك من أن أجود بقلِّي وموجودي، وبعد ذلك لا أُلَام فإن خير الصدقة جهد المقل كما قال ﵇، ورحم الله القائل:
أسير وراء الركب ذا عرج ... مؤملًا جبر ما لاقيت من عرج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في الناس من فرج
وإن ضللت بِقَفْرِ الأرض منقطعًا ... فما على أعرج في ذاك من حرج
واْعوذ بالله من طعن الحاسدين، وأهل الأهواء المغرضين، الذين استمرأوا الوقيعة في أعراض المسلمين، وخاصة أهل العلم والدين، وكأنهم لمحاسن أهل الفضل أعداء وعنها من المتصاممين، ولم يسمعوا ما قال بعض من عُني بنصيحتهم ونصيحة أمثالهم ممن هم للعورات متتبعون:
فالناس لم يصنفوا في العلم ... لكي يصيروا هدفًا للذم
ما صنفوا إلا رجاء الأجر ... والدعوات وجميل الذكر
فهذا زمان غلب فيه الجهل وعم، وطغى على أهله بحر الفتن والفساد وطم، وكثر فيه النكير على أهل الخير ممن تورط في ظلمات الزيغ وارتطم، فالفضيلة بين أهله مغموطة مستورة، والعثرة ولو بسوء الظن علانية مشهورة، وقد سبق فيهم قول القائل:
إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا ... شرًا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وقول الآخر:
إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا
صُمّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
ومع هذا فالدعاوى الباطلة فيهم فاشية، وأقوال أهل الحق والمعرفة عندهم لاغية، فلذلك تقدمت فيهم الأنذال، وتأخر أهل الفضل والكمال، فهم كما قال من يصف مثل ما نحن فيه في الحال:
стр. 7
أرى زمنًا نَوْكَاه أسعدَ أهله ... ولكنّما يشقى به كل عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبَّ الأعالي بارتفاع الأسافل
وقد اتضح فيه مصداق قول الرسول ﷺ : "شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه". ومع ذلك فأهل الحق لا تؤثر عليهم عوارض الأحوال، ولا يصدهم عن اتباعه كثرة الزعازع والأهوال، وواجب النصح عليهم فرض باق لا يزال، والنشء محتاجون إلى الخير على أيدي الكبار، وإلا فمن أين يعرفون السبيل المستقيم والطريق القويم، ولقد أحسن القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي إذ يقول:
متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ ... إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد ... إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإن تَرَفُّعَ الوضعاء يومًا ... على الرفعاء من إحدى الرَّزايا
إذا استوت الأسافل والأعالي ... فقد طابت منادمة المنايا
والتوجع من هذه الأحوال في الناس قديم، والأمر فيه على مر الأيام مستديم.
والمقصود أن الفقير إليه تعالى قد شرع في شرح الكتاب المذكور على طريقة هذا بيانها:
أولًا: البدء بالآية التي ابتدأ بها المصنف وهي آية الوضوء وشرحها شرحًا وافيًا، ثم شرح الأحاديث على ترتيب المؤلف بصورة كالآتي:
وهي أنني أبدأ بالرجال فأترجم لكل واحد منهم، وأذكر بعض رواته ومشايخه، وأعتمد في ذلك على كتاب "تهذيب التهذيب"؛ لكن لا أتقيد بلفظه، ولا أستوفي كلامه، ولا أخرج عنه؛ إلا في النادر، واكتفيت بالتنبيه على هذا في المقدمة من العزوِ لَهُ في كل ترجمة، ثم بعد ذكر تراجم الرجال أذكر من أخرج الحديث غير المصنف، وأكتفي في العزو بأصل الحديث، ولا أعتني ببيان الاختلاف في الألفاظ في الغالب، إلا عند الحاجة، وتوقف الفائدة على ذلك كالزيادة المفيدة، أو النقصان في المتن، وكذا الاختلاف في إسناد الحديث بأن يكون من طريق واحد، أو طرق متعددة، إنما أعتني بذلك عند الحاجة إليه، ثم أتكلم على لغته، وإعرابه، ومعناه بعنوان لكل ذلك، ثم على
стр. 8
فقهه، وما يستفاد منه ومناقشة الأدلة عند الخلاف بصورة مختصرة غير مخلة، وقد رقمت أحاديث الكتاب بالتسلسل، وجعلت الإحالة على ما تقدم سواءٌ أكان من التراجم أو غيرها بأرقام الحديث دون أرقام الصحائف، وكأني ببعض المتنطعين أو المنتحلين للعلم يعترض بالتطويل، فَلْيعلم أني قصدت خدمة الكتاب من جميع نواحيه، ولم أقتصر في التراجم على التقريب، ونحوه لأنني أعلم أن كثيرًا من الناس لا يتسنى له الاطلاع على التراجم لعدم المصادر، فأردت أن يكون الكتاب يكفي بنفسه عن الرجوع إلى غيره، ومع ذلك لا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، فإن الإنسان عرضة للسهو والنقصان، وكماله في أن يزيد صوابه على خطئه، ولم يجعل الله العصمة لغير أنبيائه، وليس المخطئ من أخطأ الصواب فحسب بل إن أكبر الخطأ في أن يعتقد الإنسان أن أحدًا من الناس لا يخطئ، وقد اجتهدت وما على وراء الاجتهاد من سبيل، والله حسبي ونعم الوكيل، فإن صادف سعيي من ينظر إليه بعين الرضا فسيجد فيه ما يستفيد منه ولعله يرضى، وإن كانت الأخرى وهي أن ينظر إليه بعين السخط فينزل منه منزلة المُسْخِطِ وما عليه أَئِلُّ ولا على مثله أشجى وأُوَلْوِل.
ولكن بقول من سبقني لحاله أتمثل:
تركت هوى سعدى ولبنى بمعزل ... وعدت إلى مصحوب أول منزل
ونادتني الأشواق مهلًا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فأنزل
غزلت لهم غزلًا رقيقًا فلم أجد .... لغزليَ نساجًا فكسّرت مغزلي
فرحم الله امرأً أنصف أخاه، ودعا له بخير على ما بذله وأسداه، فإن الجزاء من جنس العمل، والله الذي يحقق لطالب الخير منه الأمل، وفيه الرَّجاء وعليه المعول، وقد سميته كما افتتحته وبدأته: (شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية)، وإني لأرجو أن ينفعني به من هو مطلع على سري وعلانيتي ومدى تعبيِ فيه، وأن يرزقني الإخلاص في العمل كله والرغبة في فضله وكرمه دون غيرَه، وأن يجعله لي ذخرًا أنتفع به عند القدوم عليه، وذكرًا لي بعد الموت يدعو لي من نظر فيه، وأن يعينني على تتمة باقيه إنه خير معين، وبيده أزمة الأمور وإليه المصير يوم الدين، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9
ترجمه المؤلف ﵀
الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام قاضي مصر أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، نسبة إلى مدينة بخراسان يقال لها نسا، فهو خراساني المولد، والمنشأ، ولد سنة ٢١٥ هـ، وقيل ٢١٤ هـ. سمع من قتيبة بن سعيد وأكثر عنه، وكان رحل إليه، وهو ابن ثلاثين سنة كما جزم به الذهبي، وفيما نقل هو أن ذلك على التقريب، وقال: أقمت عنده سنة وشهرين، وسمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وأبا كريب، وسويد بن نصر، والحارث بن مسكين، وعيسى بن حماد زُغْبة، وخلائق في أقطار البلاد، غيرهم بخراسان والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، ورحل في هذه الآفاق، واستقر بمصر، وروى عنه خلائق كثيرون منهم: ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق ابن السني، وأبو علي الحسن بن رشيق العسكري، وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي الكناني الحافظ، وأبو الحسن محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حيوية ومحمد بن معاوية بن الأحمر، ومحمد بن القاسم الأندلسي، وعلي بن أبي جعفر الطحاوي، وأبو بكر أحمد بن أحمد المهندس، هؤلاء رواة كتاب السنن كما قال صاحب التهذيب، وابن الأحمر هو الذي أدخل كتاب السنن الأندلس، وروى عنه أيضًا أبو بشر الدولابي وهو من أقرانه وأبو عوانة في صحيحه وأبو بكر الحداد الفقيه وأبو علي بن هارون وأبو جعفر العقيلي وأبو علي النيسابوري الحافظ، وخلق غيرهم، وقد اتفق الأئمة على حفظه وإتقانه، وجلالة قدره، وتبريزه في علم الحديث، ومعرفته بالرجال، وثناء الأئمة عليه كثير، قال الحاكم: سمعت علي بن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدَّم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وقال مرة: النسائي أفقه مشايخ عصره، وأعرفهم بالصحيح، والسقيم، وأعلمهم بالرجال فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة فَسئِل عن فضائل معاوية فأمسك
стр. 10
عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل وتوفي مقتولًا شهيدًا.
وقال الدارقطني: كان أبو بكر الحداد الفقيه كثير الحديث ولم يحدث عن أحَد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال: رضيت به حجة بيني، وبين الله تعالى.
قال الدارقطني: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: من يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بشيء منه، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة.
قال ابن كثير ﵀: كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ونقل عن الحافظ أبي علي أنه قال: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج.
وقال أيضًا: رحل إلى الآفاق واشتغل بسماع الحديث، والاجتماع بالأئمة الحذاق إلى أن قال: وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجمًا بمرات، وقد وقع لي سماعهما، وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان، وصدق وإيمان، وعلم وعرفان. اهـ، قلت: وقوله انتخب منه إلخ يعني السنن الصغرى وهي هذه التي بأيدينا نشرحها الآن أعان الله على ذلك.
قال الذهبي: تفرد بالمعرفة، والإتقان، وعلو الإِسناد، وفي التهذيب: قال ابن عدي: سمعت منصورًا الفقيه، وأحمد بن محمَّد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن إمام أئمة المسلمين، وقال أبو علي النيسابوري: كان من أئمة المسلمين، وقال فيه: الإِمام في الحديث بلا مدافعة، وقال أيضًا: رأيت من أئمة المسلمين أربعة في وطني، وأسفاري اثنان بنيسابور: محمَّد بن إسحاق وإبراهيم بن أبي طالب، والنسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، وقال مأمون المصري: خرجنا إلى طرسوس فاجتمع من الحفاظ: عبد الله بن أحمد، ومربِّع، وأبو الأذان، وكيلجة، وغيرهم فكتبوا كلهم بانتخاب النسائي، وقال أبو الحسين بن المظفر: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم، والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار، ومواظبته على الحج والجهاد، إقامته السنن المأثورة، واحترازه من مجالس السلطان، وأن ذلك لم يزل دأبه حتى استشهد.
كان ﵀ قد صنف كتاب خصائص علي، فاتهمه بعض الناس بالتشيع.
стр. 11
قال أبو بكر المأموني: سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص، فقال: دَخَلْتُ دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص؛ رجاء أن يهديهم الله. ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة، وقرأها على الناس، وقيل له -وأنا حاضر: ألا تخرج فضائل معاوية فقال: أي شيء أخرج؟ اللهم لا تشبع بطنه، وسكت السائل، وقد ذكر الذهبي أن هذه منقبة لمعاوية للحديث الثابت عنه ﷺ وفيه: اللهم من لعنته، أو شتمته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة. قال السيوطي فيه: الحافظ شيخ الإِسلام وأحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين، جال البلاد، واستوطن مصر، فأقام بزقاق القناديل، وذكر ابن كثير أنه ولي الحكم بحمص، ونقل ذلك عن شيخه المزي، وذكروا أنه كان له أربع نساء حرائر، وسريتان وأنه كان في غاية الحسن، وكان كل يوم يأكل ديكًا، ويشرب مرقه، ويشرب نقيع الزبيب الحلال، وأنه دخل دمشق فسئل عن فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسًا برأس حتى يروى له فضائل، فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها سنة ٣٠٣، ولم يختلفوا في أن هذا سبب موته، وإنما اختلفوا هل كان ذلك بدمشق، أو بالرملة؟ فمنهم من قال إنه بدمشق، وموته بمكة، ودفن بين الصفا والمروة، ومنهم من قال بالرملة، ودفن في بيت المقْدِس في صفر من السنة المذكورة ٣٠٣ هـ، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وعمره على قول الذهبي: ٨٨ سنة -رحمنا الله وَإِياه برحمته الواسعة-.
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي:
١ - تأويل قوله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
التأويل: تفعيل من أوّل الشيء، يؤوله، تأويلًا، وتأوّله؛ إذا ردّه إلى أصله، وثلاثيه آل يؤول، أوْلًا، ومآلًا -إذا رجع- والأوْل الرجوع، وتأويل الكلام تفسيره وبيان المراد منه، ومنه قول عبد الله بن رواحة ﵁ في عمرة القضاء، وهو آخذ بخطام ناقة الرسول ﷺ حينما دخل مكة:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله
فالمراد: على تأويل رؤيا الرسول ﵊ أو القرآن الذي نزل بمقتضاها وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، الآية وهذا هو الغالب في استعماله في القرآن، وقال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلًا وتأولته بمعنى، ومنه قول الأعشى:
على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: إن التأويل، والمعنى، والتفسير واحد. وقال بعضهم: التفسير، والتأويل معناهما واحد بحسب عرف الاستعمال، والصحيح تغايرهما، وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا، وأكثر استعماله في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها، وفي غيرها، والتفسير أكثر ما
стр. 13
يستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل أكثر ما يستعمل في الجمل، اهـ.
قلت: من استعماله في الرؤيا قول عاتكة بنت عبد المطلب بعد وقعة بدر لما ظهر مصداق رؤياها التي رأتها قبل الوقعة وهي أن رجلًا دخل المسجد فَنَادى: يا آل غُدَر، قوموا إلى مصارعكم في ثلاث، فكذّبوها حتى قال أبو جهل: "يا بني هاشم أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، ثم قال: ها نحن سنتربص بكم ثلاثًا فإن كان ما قالت حقًا فسيكون وإلا كتبنا عليكم أنكم أكذب أهل بيتٍ في العرب" فقالت:
ألمّا تكن رؤياي حقًا ويأتكم ... [بتأويلها] فَل من القوم هارب
وقال الله تقدست أسماؤه حكايته عن يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾.
وعند الأصوليين التأويل: صرف اللفظ عن المعنى المتبادر منه الذي يسمونه الظاهر إلى معنى مرجوح، وينقسم عندهم إلى مقبول، ومردود، وتلاعب. فالمقبول ما كان الصارف فيه صحيحًا، والمردود: ما كان في ظن المستدل صحيحًا، وهو في نفس الأمر فاسد، والتلاعب: ما كان لغير دليل.
قوله : من العزة وهي القوة، والشدة، والرفعة، والغلبة وَعَزّهُ غلبه، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وقولهم في المثل: من عَزّ بزّ، أي من غلب سلب. وقول الخنساء تنعي إخوتها:
كأن لم يكونوا حمىً يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عزَّ بزّا
أي من غلب سلب، وقول جرير في عبد الملك بن مروان:
يعُزُّ على الطريق بمنكبيه ... كما ابترك الخليع على القداح
أي يغلب عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني والهاء في قول المصنف: "قوله" ترجع إلى الله تعالى، ولم يتقدم ذكر لفظ الجلالة لأنه في قلب كل إنسان حاضر، فهو بمثابة المذكور، فهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مع أن الضمير قد يعود إلى غير مذكور كما قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. هذا صدر آية التيمم وتمامها ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
стр. 14
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
الكلام عليها ينحصر في أمور:
الأول: في ابتداء المصنف الكتاب بها في بدء كتاب الطهارة كما فعل البخاري ﵀ بدأ بها في كتاب الطهارة، وذلك مناسب من وجوه:
١ - التبرك في مبدأ الكلام بكلام الله تعالى.
٢ - أن الأصل في الاستدلال على الأحكام الشرعيّة كتاب الله تعالى أولًا وسنة الرسول ﵊ ثانيًا.
٣ - أن أكثر أحكام الطهارة ينبني على هذه الآية الكريمة ويتفرع عنها، فالكلام على الطهارة بيان لمعنى الآية الكريمة، ولهذا أَوْرَدَ المصنف في شرحها جميع أحاديث الطهارة شرحًا لها كما يأتي.
الثاني: سبب نزولها:
ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره -وهي غزوة المريسيع، والصحيح أنها كانت في سنة ست من الهجرة كما يأتي بيانه في شرح الحديث إن شاء الله، وهي غزوة بني المصطَلقِ من خزاعة، والمريسيع اسم ماءٍ لهم كانوا عليه بالساحل من ناحية قُدَيد، قالت عائشة: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فذكرت الحديث قالت: فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسَيد بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
وهذا السبب متفق على أنه سبب النزول، وأن التيمم لم يكن شرع قبل ذلك كما يأتي إن شاء الله تعالى.
غير أنه أشكل على العلماء أي الآيتين تعني عائشة ﵂؟ أهي: هذه، أم آية النساء؟ . وذلك لأن آية النساء فيها ما يدل على أنها متقدمة على غزوة المريسيع، لأن فيها ذكر تحريم الصلاة في حال السكر، وذلك قبل تحريم الخمر، وتحريم الخمر مختلف فيه فقيل: كان في حصار بني النضير، وذلك سنة أربع من الهجرة وقيل: بعد بدرٍ، وقبل أحدٍ، وذلك كله قبل نزول آية
стр. 15
التيمم في غزوة المريسيع وهي التي كانت فيها قصة الإفك، وفي سياق حديث الإفك قالت: كان يعرفني قبل نزول آية الحجاب تعني صفوان، ونزول الحجاب صبيحة عرس النبي ﷺ بزينب، وذلك بعد مقتل بني قريظة في آخر سنة خمسٍ، فتعيَّن كونها سنة ست كما قال خليفة بن خياط.
ولهذا الاختلاف قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواءٍ عند أحدٍ، وهما آيتان فيهما ذكر التيمم إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة؟ وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة كانت عند فقد العِقد في غزوة المريسيع قال خليفة بن خياط: سنة ست، وقال غيره سنة خمس، وليس بصحيح، وحديثها يدلّ على أنّ التيمم قبل ذلك لم يكن معلومًا ولا معمولًا به، فالله أعلم كيف كانت حال من عدم الماء وحانت عليه الصلاة، فإحدى الآيتين مُبَيِّنَة والأخرى زائدة عليها، وإحداهما سفريَّة، والأخرى حضريّة، ولما كان أمرًا لا يتعلق به حكم خبأه الله ولم يَتَيسَّر بيانه على يدي أحدٍ، ولقد عجبت من البخاري بوّب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم، وأدخل حديث عائشة فقال: "وإن كنتم مرضى أو على سفر". وبوّب في سورة المائدة فقال: باب "فلم تجدوا ماءً" وأدخل حديث عائشة بعينه وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة وأراد فائدة أشار إليها هي أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ إلى هذا الحد نزل في قصة علي وأن ما وراءها قصة أخرى، وحكم آخر لم يتعلق بها شيء منه، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها، والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء يذكر التيمم فيها في المائدة، وهي النازلة في قصة عائشة. وكان الوضوء مفعولًا غير متلو فكمل ذكرهُ، وعقب بذكر بدله واستوفيت النواقض فيه ثمّ أعيدت من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ حتى تكمل تلك الآية في سورة النساء جاء بأعيان مسائلها كمال هذه ويتكرر البيان وليس لها نظير في القرآن، والذي يدل على أن آية عائشة هي آية المائدة أن المفسرين بالمدينة اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة والله أعلم اهـ.
стр. 16
قال الفقير إليه تعالى كاتب الحروف: فتحصل من هذا أن الراجح أنها آية المائدة إلا أن طرفًا منها ألحق بآية النساء، فإذًا تقَرَّر من هذا أن آية المائدة هي التي نزلت في شأن عائشة، وذكر فيها الوضوء ليكون مفروضًا بالقرآن كما كان مفروضًا بالسنة، وليرتب عليه بدله، وتذكر أسبابه، وهي أسباب بدله أيضًا، وأن آخر آية النساء تأخر نزوله عن أولها حتى كان بعد نزول آية المائدة، ثم قرن بأول الآية لتتم الفائدة هنالك تمامها في المائدة.
فهذا ما صح في سبب نزول الآية، وهو يؤيد القول بأن ذكر الوضوء لم يكن أول بيان وجوبه لأنه كان معلومًا قبل ذلك، ولكن ليرتب عليه البدل كما تقدم.
وقد ورد في سبب نزول آخر آية النساء أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أصابتهم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك للنبي ﷺ فنزلت. ورَجَّح القرطبي أن آية التيمم آية النساء لعدم ذكر الوضوء فيها، ويردّه ما تقدم.
قال العيني: وقد ذكر الحميدي في جمعه حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة فذكر القصة، وفيها فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قلت: وهو نص في موضع النزاع.
الثالث: توضيح معاني ألفاظها وبيان مفرداتها:
قوله: (يا) حرف نداء للقريب والبعيد، وقيل: يختص بالبعيد حقيقة أو حكمًا وقيل: للقريب وقيل: بينهما وبين المتوسط، وهو عند بعضهم أصل حروف النداء، ولهذا يختص بأمور: منها: أنه لا يقدر عند الحذف منها غيره نحو ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾. ومنها: أنه يختص بنداء لفظ الجلالة نحو -يا الله- ومنها: أنه لا يستعمل في الاستغاثة غيره، وفي الندبة إمّا بالواو، أو به عند أمن اللبس.
ومنها: أنه يختص بنداء أيها، وأيتها كما قال بعضهم نحو: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾.
стр. 17
وقوله: (أي): اسم يتوصل به لنداء ما فيه أل، وذلك أحد معانيه التي يأتي لها في اللغة، وهي "خمسة". الثاني: أن تكون شرطية نحو ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ الثالث: أن تكون استفهامية نحو "أي الفريقين" والرابع: أن تكون موصولة نحو ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وقول الشاعر:
إذا ما لقيت بني مالك ... فسَلِّم على أيهم أفضل
الخامس: أن تكون بمثابة الصفة، فتكون بعد النكرة صفة نحو: لقيت رجلًا أي رجل، وتكون حالًا بعد المعرفة نحو: "لقيت محمدًا أي رجل" وهي في النداء وصلة كما تقدم؛ إلا عند الأخفش؛ فإنه يرى أنها موصولة، وصَدْرُ صلتها ضمير محذوف، وهو العائد فيكون التقدير "يا من هم الذين آمنوا" و"يا من هو الرجل".
وقوله: "ها": للتنبيه، وهو أحد معانيه، فتدخل على أربعة أشياء:
الأول: ضمير الرفع المخبر عنه باسم الإشارة نحو ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾.
والثاني: اسم الإشارة غير المختصة بالبعيد نحو: "هذا".
الثالث: نعت أي في النداء، كما هنا، ونحو: يا أيها الرجل، وهي هنا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء، وعند بعضهم أنها عوض عما تضاف إليه أي. وفي لغة بني أسد يجوز فيها حذف الألف، ويجوز فيها ضم الهاء إتباعًا كما في قراءة ابن عامر ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾، والضم للإتباع، وذكر بعضهم أنها عوض عن تكرير حرف النداء لأن الأصل في "يا أيها الرجل" يا أي يا الرجل.
الرابع: اسم الجلالة في القسم؛ منه قول الصديق ﵁ في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم في قصة سلب القتيل يوم حنين: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسدٍ من أسود الله ينافح عن الله ورسوله؛ فيعطي سلبه أصيبع من قريش. . . الحديث، وتكون بقطع الهمزة، ووصلها مع حذف الألف، وإثباتها.
وقوله: (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول قيل إنه جمع مفرده الذي، وهو الذي مشى عليه ابن مالك في ظاهر قوله:
جمع الذي الأولى الذين مطلقًا
وهو الراجح. واحتج له بأنه جاء على صفة جمع المذكر، ولهذا رفعَه
стр. 18
بعضهم بالواو كما قال ابن مالك:
وبعضهم بالواو رفعًا نطقًا
وهي لغة هذيل كما في قول بعضهم:
نحن الذون صبّحوا الصباحا ... يوم النخيل غارة ملحاحا
ورجح العيني ﵀: أنّه اسم دال على الجمع، وليس بجمع، واحتج بأنّه أخص من مفرده لأنّ مفرده يكون للعاقل، وغيره، وهو لا يكون إلا للعاقل والمشهور الأول، وقد جاء الذي بمعنى الذين كما يأتي المفرد بمعنى الجمع كما في قول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
وهو هنا إما صفة لـ"أي"، وهو الجاري على ألسنة المعربين، وفيه وجه آخر وهو أنه نعت لموصوف محذوف التقدير: أيها القوم الذين آمنوا، أو الناس الذين آمنوا، والخطاب بالذين لجماعة الذكور، ويدخل فيه في عرف الشرع الإناث؛ إما لأنهم مخاطبون على ألسنة الذكور، أو لأنهم تبع للذكور في أغلب الأمور.
وقوله: (﴿ءَامَنُوا﴾): صلة الموصول، وأصل هذا اللفظ أن يراد به وصف جماعة الذكور كما تقدم، والإيمان في اللغة: التصديق ومنه قول أبناء يعقوب لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. ولكنه في عرف الشرع: مخصوص بالتصديق الجازم بما جاء به الرسول ﷺ عن الله تعالى فيكون على ذلك له حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وهذا أصله في الشرع كما في حديث جبريل المشهور فإنه لمّا سأله ﷺ بقوله: أخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره" الحديث، وجاء في الشرع مرادًا به الصلاة، وهي من أعماله، ولوازمه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس، كما جاء مرادًا به سائر وظائف الشرع في قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". لأن من شرط صحة التصديق مطابقة الجوارح للقلب بالعمل كما سيأتي. ويطلق على مراقبة الرب كما في قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث، فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن لا يكفر أحد بذنب من هذه الأعمال، ولا
стр. 19
غيرها من الكبائر ما عدا الشرك بالله، والخلاف في ترك الصلاة عمدًا، فالمراد أنه ساعة الزنا ترفع من قلبه عظمة الرب فينقص إيمانه بذلك، فكأنه غير مصدق بمشاهدته له ساعة التلبس بالمعصية ولو استشعر مراقبته لما غشيها، ومنهم من جعل المراد بالنفي نفي الكمال، وهو يرجع إلى ما قدمناه والله أعلم.
قوله: (﴿إِذَاَ﴾): كلمة تأتي في العربية لمعنيين أحدهما: أن تكون للمفاجأة فتختص بالجمل الإسمية، ولا يصدر بها الكلام، ولا تفتقر إلى الجواب، نحو: خرجت فهذا الصديق بالباب. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾، الثاني: أن تكون ظرفًا لما يستقبل من الزمن كما هنا فتكون متضمنة معنى الشرط، وتفتقر إلى الجزاء غير أنها لا يجزم بها وسمع الجزم بها في الشعر في قول الشاعر:
استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمّل
وتختص بالجمل الفعلية، فإن وليها اسم قدر الفعل بينها، وبينه كما في قوله سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ التقدير إذا انشقت السماء، وقد أشار ابن مالك إلى ذلك بقوله:
وألزموا إذا إضافة إلى ... جمل الأفعال كهن إذا اعتلى
وأكثر أهل العربية على أنّ العامل فيها جواب الشرط، وأن الجملة بعدها في محل جر بالإِضافة إليها، كما دل عليه البيت السابق، واعترض بعضهم على ذلك بقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقًا شيئًا إذا كان جائيا
وزعم بعضهم: أن الجملة هي التي تعمل فيها، ورُدَّ بأن المضاف إليها لا يعمل في المضاف، وأجابوا عن ذلك بأنها حينئذٍ لا تكون مضافة كما أنها إذا جزمت لا تكون مضافة، وذكر ابن هشام أنها قد تخرج عن الشرطية كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ والواقعة بعد القسم كما في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ على ما هو مقرر في موضعه من كتب العربية.
وقوله: (﴿قُمْتُمْ﴾): من القيام الذي هو ضد الجلوس، ويقال قام إلى الشيء إذا نهض لفعله، أو سعى لكن يعدى في السعي بفي فيقال: قام فيه،
стр. 20
والقيام المصدر، والقوم، والقامة قال الراجز:
قد قمت ليلي فتقبّل قومتي .... وصمت يومي فتقبّل صومتي
أدعوك يا رب من النار التي ... أعددت للكفار في القيامة
وقوله: (﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾): إلى حرف جر ترد في العربية لمعان عدة ذكرها ابن هشام فعدّها ثمانية، وأصلها لمنتهى الغاية الزمانية نحو ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ والمكانية نحو ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وهي هنا يحتمل أن تكون بمعنى اللام أي للصلاة، ويحتمل أن تكون للغاية.
والمراد هنا أردتم القيام إلى الصلاة؛ لأن الدخول في الصلاة لا يكون إلا بعد الوضوء، فالقيام للدخول فيها ليس مرادًا هنا وإنما المراد إرادته، قال البيضاوي: (عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز، والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يعزم عليها، ويبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، أو إذا قصدتم الصلاة؛ لأن التوجه إلى الشيء، والقيام إليه قصد له). اهـ.
وقد ترد هذه الصيغة وهي دخول إذا على الفعل الماضي، والمراد القصد إلى الشيء لا حصوله بالفعل، وهو هنا من إطلاق المسبب، وإرادة السبب؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: أردت قراءته، وقوله ﵊: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله" وقوله: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل بسم الله" "إذا أكلت فسمِّ الله"؛ لأن الإِنسان لا يقوم إلى الدخول في الصلاة إلا وهو متوضئ، ومن هذا القبيل حديث أنس عند البخاري: "تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة"، بدليل أنه لما قيل كم كان بين السحور والأذان؟ قال: "قدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية"، والصلاة أصلها في وضع اللغة الدعاء ومنه قول الأعشى:
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم
وقول الآخر:
صلى على عزة الرحمن وابنتها ... ليلى وصلى على جاراتها الأخر
قال جرير:
وإن الذي أعطى الخلافة أهلها ... بنى لي في قيس وخندف مفخرا
منابر ملك كلها مضريّة ... يصلي علينا من أعرناه منبرا
стр. 21
وأخذه بشار فقال:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما
وفي التنزيل ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أي ادع لهم، وفي الحديث في فضل الصلاة: "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلَّاهُ" الحديث. أي فتستغفر له وتدعو له، وهي في عرف الشرع: (العبادة ذات الركوع والسجود) سميت بذلك إما لأن من أفْعَالها الدعاء، وإما مشتقة من الصلا الذي هو الظهر لأن المصلي يثني ظهره، وإما من الصلوين وهما إما العرقان المكتنفان الظهر، وإما جانبا عجم الذنب، ويشهد له قول الراجز:
لا أضع الدلو ولا أصلي ... حتى أرى جلتها تولي
يعني: أنه لا يضع الدلو، ولا يوليها صلويه حتى تشرب؛ فتصد عن الماء.
وقوله: (﴿فَاَغْسِلُوا﴾): الفاء واقعة في جواب الشرط، وخطاب المذكر هنا يدخل فيه الإناث كما تقدم بيانه، واغسلوا أمر من الغسل: غسل الشيء يغسله، غَسلًا وغُسلًا، بالفتح والضم مصدران، وقيل بالفتح المصدر، وبالضم اسم للاغتسال، ويقال غُسُلًا بضمتين، قال الكميت يصف حمار وحش أصابه المطر:
تحت الألاءة في نوعين من غسل ... باتا عليه بتسجال وتقطار
وهو في عرف الشرع: "إمرار الماء على الجسد" إذا لم يكن فيه نجاسة فإن كانت فلابد من إزالتها بالماء، وعند مالك ﵀ في المشهور عنه لابد من إمرار اليد مع الماء ويسمى هذا عندهم بالدلك، ولا يشترط عند غيره، قال القرطبي ﵀: (ولابد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه وهذه حقيقة الغسل عندنا .. قال: وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده، ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء حتى غمر وجهه ويديه، ولم يدلك يقال غسل وجهه ويديه، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم فإذا حصل كفى) اهـ.
ولابد من مغسولٍ به، وهو الماء ولكنه معلوم فحذف للعلم به.
وقوله: (﴿وُجُوهَكُمْ﴾): الوجوه جمع وجه مشتق من المواجهة، وهي المقابلة، وحكى الفراء حي الوجوه وحي الأجوه بالهمز فيقال: الوجوه،
стр. 22
والأجوه، وذكر ابن السكيت إن ذلك يفعل كثيرًا في الواو إذا انضمت؛ أي أنها تقلب همزة في اللغة، وهو مأخوذ من المواجهة، وهي المقابلة، وهو عضو مشتمل على أعضاءٍ وله طول وعرض، فحده طولًا من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وهما عظما الحنك، ويسميان الفكين، وعليهما منابت الأسنان السفلى، وهذا في حق من لا لحية له كالأمرد، والكوسج، وأما من له لحية فيغسل ما استرسل من الشعر إلى آخر لحيته، وحده عرضًا من الأذن إلى الأذن، وقال بعضهم: حد الوجه من منابت الشعر المعتاد، إلى آخر الذقن وعرضًا ما بين الأذنين، والأنزع والأصلع يغسلان مقدار حد منبت الشعر المعتاد، والأغم كذلك، وقدّره بعض الفقهاء بمقدار أربع أصابع، وليس من الوجه عند الأكثرين داخل الفم والأنف، وكذلك داخل العينين، وروي عن بعض الصحابة أنه كان يفعل ذلك أي يغسل داخل عينيه فَعَمِيَ من أجل ذلك في آخر عمره، كما روي عن ابن عمر، وليس منه أيضًا الأذنان على الصحيح خلافًا لمن قال إنهما من الوجه بدليل ما ثبت في دعاء السجود: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، قال: فجعلهما للوجه بإضافتهما له، وهذا لا يلزم لأن الإضافة تكون للمجاور والمصاحب كما تكون في الجزء من الشيء، وبينت السنة أن الأكمل في الغسل أن يكون ثلاثًا كما يأتي بيانه، وأن الزيادة عليها إسراف، وأن الاقتصار على الواحدة، وعلى الاثنتين من الغسلات جائز كما يأتي إن شاء الله.
واختلفوا في تخليل اللحية: فمنهم من أوجبه، ومنهم من أوجبه في الخفيفة دون الكثيفة في الوضوء، وفيهما في الغسل، ومنهم من أوجبه في الكثيفة، دون الخفيفة عكس الأول.
قوله: (﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾): جمع يد وهي الجارحة، والصحيح فيها أنها من الأصابع إلى المنكب، فهي لفظ مشترك يحتاج إلى البيان، وهي من الأسماء التي حذف لامها، وأصلها يدي على وزن فعل بسكون العين، فحذفت الياء تخفيفًا ونقلت حركتها إلى الدال، وتجمع على أيد، ويدي جمع قلة، وهو الأصل في هذا الجمع من فعل كفلس، وأفلس، وفلوس، ولا يجمع فعل بالتحريك هذا الجمع إلا في أحرف يسيرة مثل جبل، وأجبل، وزمن، وأزمن، وعصا، وأعص، ومثل هذا من الأسماء التي على حرفين محذوفة اللام لا يرد
стр. 23
لامها إلا في التثنية، والجمع والتصغير. قال مضرس بن ربعي الأسدي:
فطرت بمنصلي في يعملاتٍ ... دوامي الأيد يخبطن السريحا
ويجمع الأيدي على أياد كأكرع، وأكارع كما قال الشاعر، وهو جندل بن المثنى الطهوي يصف الثلج:
كأنه بالصحصحان الأنجل ... قطن سخام بأيادٍ غزّل
وقال الآخر:
فأما واحد فكفاك مثلي ... فمن ليد تطاوحها الأيادي
والصحيح: أنها تطلق على الجارحة من الأصابع إلى المنكب، وقيل من الأصابع إلى الكف، ويشهد للأول كون عمار تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله ﷺ ، وذلك بعموم الآية في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وهو عربي فصيح حجة في اللغة، فثبت بذلك أن الاسم يتناول العضو إلى المنكب، وكان الإطلاق يقتضي ذلك؛ لكن لما ورد التحديد في الآية إلى المرافق كانت غاية في المغسول تقتضي إسقاط ما بعدها من العضو، ولولا ذلك لتناول اللفظ بإطلاقه سائر العضو المسمى بهذا الاسم والله أعلم.
قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: تقدم الكلام على "إِلَى" عند قوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ والمرفق بفتح الميم، وكسر الفاء، وبالعكس، وهو مجتمع طرف الساعد، والعضد قال العيني: (الأول: اسم الآلة كالمحلب والثاني: اسم المكان ويجوز فيه فتح الميم والفاء على أن يكون مصدرًا أو اسم مكان على الأصل) وقال الأصمعي: المرفق من الإنسان، والدابة بكسر الفاء، والمرفق الأمر الرفيق بفتحها، وقيل: إن الفتح أقيس، والكسر أكثر في مرفق اليد، والغاية داخلة إما على أن ذلك هو الأصل عند من يراه، أو على قول من قال إنها إن كانت من جنس المغيا دخلت وإلا لم تدخل، وهي هنا من جنس المغيا لاسيما وقد بينت السنة دخولها في الأحاديث الصحيحة في صفة الوضوء.
قوله: (﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾): قال في اللسان: (المسح إمرارك يدك على الشيء السائل، أو المتلطخ تريد إذهابه بذلك كمسحك رأسك من الماء، وجبينك من الرشح، مسح، يمسحه، مسحًا، ومسحه، وتمسح منه، وبه، وقد يطلق المسح مرادًا به الغسل وفي الحديث: "أنه تمسح وصلى" أي توضأ) ا. هـ. قال
стр. 24
ابن الأثير: يقال للرجل إذا توضأ قد تمسح، والمسح يكون مسحًا باليد، ويكون غسلًا، وفي الحديث: "لما مسحنا البيت أحللنا" أي طفنا به، لأن من طاف بالبيت مسح الركن، فصار اسمًا للطواف، ويقال أيضًا مسح بالركن كما في قوله:
ولما قضينا من منى كل حاجةٍ ... ومسَّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على حدب المطايا رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا .... وسألت بأعناق المطي الأباطح
ومنه قول قيس بن الأسلت:
قوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
قال ابن العربي: (المسح إمرار اليد على الممسوح خاصة، وهو في الوضوء عبارة عن إيصال الماء على الآلة الممسوح بها، والغسل عبارة عن إيصال الماء إلى المغسول، وهذا معلوم من ضرورة اللغة). اهـ.
وقوله: (﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾): الرؤوس جمع رأسٍ في الكثرة وفي جمع القلة أرؤس قال الشاعر:
بضربٍ بالسيوف رؤوس قومٍ ... أزلنا هامهن عن المقيل
قال في اللسان: (رأس كل شيء أعلاه والجمع في القلة أرؤس، وآراس على القلب، ورؤوس في الكثرة، ولم يقلبوا هذه، ورؤس على الحذف، قال امرؤ القيس:
فيومًا إلى أهلي ويومًا إليكم ... ويومًا أحط الخيل من رؤس أجبال) اهـ.
قال القرطبي ﵀: وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعرفها الناس ضرورة ومنها الوجه، فلما ذكره الله في الوضوء، وعيّن الوجه للغسل بقي باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه، إلى أن قال: ووضح بما ذكرناه أن الأذنين من الرأس خلافًا للزهري ﵀ حيث يقول: هما من الوجه، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القول وأنه يستدل له بقوله ﷺ في دعاء سجود التلاوة: "وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إلى الوجه، وتقدم الجواب عن ذلك، وخلافًا أيضًا لقول الشعبي حيث قال: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وهو قول الحسن، وإسحاق، قال القرطبي: وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي، واستدلوا لكون الجملة المذكورة يشملها اسم الرأس بقول الشاعر:
стр. 25
إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمَّ سائري
والباء في قوله: "برؤوسكم" قيل: إنها مؤكدة زائدة، والمعنى وامسحوا رؤوسكم، وقيل: دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ أي أنها في ذلك المحل دلت على التعميم، ولم يختلفوا في وجوب تعميم الوجه وذلك يرد قول من قال إنها للتبعيض، وحينئذ يقوى كونها للإلصاق، أو الدلالة على ممسوح به، وقيل: إنما دخلت لتفيد معنى، وهو أن المسح لغة لا يقتضي ممسوحًا به، والغسل لغة يقتضي مغسولًا به، فلو قال: امسحوا رؤوسكم؛ لأجزأ إمرار اليد من غير ماء، ولا غيره كما هو الأصل في المسح، فدخلت الباء لتفيد ممسوحًا به، وهو الماء فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، وذلك في اللغة يحتمل وجهين: إما أن يكون على القلب؛ كما في قول خفاف بن ندبة السلمي يصف شفتي امرأةٍ فشبهها بنواحي ريش الحمام:
كنواح ريش حمامةٍ نجديةٍ ... ومسحت باللثتين عصف الإِثمد
فإن الممسوح هو اللثتان، والممسوح به عصف الإِثمد، فتقدير البيت: ومسحت بعصف الإِثمد اللثتين، وإما على الاشتراك في الفعل، والتساوي في نسبته كما قال الأخطل:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر
وجوّز بعضهم أن تكون للتبعيض، قال ابن العربي ﵀: (ظن بعض الشافعية، وبعض حشوية النحوية أن الباء للتبعيض، إلى أن قال: ولا يجوز لمن شد أطرافًا من العربية أن يظن ذلك، وإن كانت ترد في موضع لا يحتاج إليها لربط الفعل بالاسم فليس ذلك إلا لمعنى تقول: مررت بزيد؛ فهذا لإلصاق الفعل بالاسم، ثم تقول: مررت زيدًا، فيبقى المعنى، وفي ذلك خلاف) اهـ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر أحكام الآية ما يتعلق بالمسألة في المسح لكل الرأس، أو بعضه.
وذكر ابن هشام في المغني: أن من معاني الباء التبعيض عند الأصمعي والفارسي، والقتبي، وابن مالك، ونسب إلى الكوفيين، وذكر أنهم جعلوا منه ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي منها، ومنه قول الهذلي:
شربن بماءٍ البحر ثم ترفعت ... متى لججٍ خضر لهن نتيج
стр. 26
ومنه أيضًا قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
قال ابن هشام: ومنه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والظاهر أن الباء فيهن للإلصاق، وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا، وقلبًا فإن "مسح" يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباءِ، فالأصل: امسحوا رؤوسكم بالماء، وذكر البيت السابق كنواح ريش. إلخ، وهذا يوافق القول في دخولها لإفادة المعنى المتقدم ذكره.
وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: الأرجل جمع رجل، وهي من الحيوان، والإنسان من الفخذ إلى القدم، ولهذا قيدت في الغسل كما حصل في اليد، وهذا اللفظ جاء على وزن جمع القلة، واستغنوا به عن جمع الكثرة فلم يسمع فيه، واختلف العلماء في قراءة هذه اللفظة، وبِحَسب اختلافهم في القراءة اختلفوا في المعنى، فقرأها نافع، وعبد الله بن عامر، وعلي الكسائي، وحفص عن عاصم بالنصب معطوفة على المغسول، وذلك يتخرج على وجهين: أحدهما: أنه من المؤخر في اللفظ المقدم في المعنى، والأصل: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين؛ ولكن محافظة على ترتيب أعضاء الوضوء قدّم الرأس على الأرجل.
والوجه الثاني: أن يكون على تقدير فعل محذوف هو الناصب، والتقدير: امسحوا برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم، وعطفه على المجرور سائغ؛ لأن العرب تنسق الشيء على الشيء، والعامل مختلف، وقد دل التحديد على الغسل فلزم تقدير العامل المناسب كما في قوله: "علفتها تبنًا وماء باردًا" أي وسقيتها، وقوله:
يا ليت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحًا
أي: وحاملًا رمحًا، وقول لبيد:
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والنعام لا يطفل؛ وإنما يبيض فالتقدير: وباض نعامها.
وهذان الوجهان عند من يرى أن فرض الرجلين هو الغسل، وهم الجمهور كما سيأتي بيانه في أحكام الآية إن شاء الله تعالى. وقرأ ابن كثير
стр. 27
المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وحمزة الكوفي، وأبو بكر عن عاصم "وأرجلِكم" بالجر، وتتخرج هذه القراءة على أنه معطوف على رؤوسكم، وهذا محتمل لأمرين: أما من يرى أن حكمهما المسح فالأمر ظاهر في حقه، غير أن منهم من يرى أنه مسح بمعنى الغسل الخفيف، أو أنه غسل لابد فيه من المسح باليد كما سيأتي إن شاء الله.
وأما على قول من يرى أن فرضهما الغسل، فيتخرج على ما قدمنا من تقدير عامل مناسب بعد قوله "برؤوسكم" أي: واغسلوا أرجلكم على حد قوله "وباض نعامها". وعلى أن المسح غسل فهو وإن عطف على مسح الرأس فهو مغاير له بقرينة التحديد المذكور بالكعبين، وفيه وجه آخر وهو أنه مجرور بالجوار كما في قولهم: "هذا جُحْرُ ضب خربٍ"، وقول امرئ القيس:
كأنَّ ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
فإن "خرب" نعت للجحر، وهو مرفوع، و"مزمّل" نعت لكبير، وهو مرفوع، ومثله قول زهير بن أبي سلمى:
لمن الديار بقنة الجحر ... أقوين من حجج ومن شهر
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر
ورد هذا من وجهين: أحدهما: أن الجر بالجوار في الجملة لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، حتى أطلق بعضهم عليه أنه لحن يغتفر في ضرورة الشعر. والثاني: أنه لا يكون إلا مع أمن اللبس، ووجه ثالث: وهو أنه لا يكون في العطف، والبيت السابق يدل على خلاف هذا الوجه الأخير. قالوا: فلا يجوز تخريج القرآن عليه، وسيأتي تفصيل أقوالهم، ومذاهبهم في الكلام على الأحكام.
قال الألوسي -رحمه الله تعالى- -بعد حكايته تضعيف الجر بالجوار أي في الجواب عن الوجه الأول-: (إن إمامَي النحاة الأخفش، وأبا البقاء وسائر مهرة العربية وأئمتها جوّزوا الجر بالجوار، وقالوا بوقوعه في الكلام الفصيح كما ستسمعه إن شاء الله. ولم ينكره إلَاّ الزجاج وإنكاره مع ثبوته في كلامهم يدل على قصور تتبعه، ومن هنا قالوا: المثبت مقدم على النافي، وعن الثاني: لا نسلّم أنه إنما يصار إليه عند أمن الالتباس، ولا نقل في ذلك عن النحاة في
стр. 28
الكتب المعتمدة؛ نعم قال بعضهم: شرط حسنه عدم الالتباس مع تضمن نكتة، وهو هنا كذلك؛ لأن الغاية دلت على أن هذا المجرور ليس بممسوح؛ إذ المسح لم يوجد مغيا في كلامهم ولذا لم يغيَّ آية التيمم وإنما يغيَّ في الغسل ولذا غُيَّ في الآية) اهـ.
قال كاتب الحروف -عفا الله عنه-: وقد صرحوا به في النعت كما سبق في الأمثلة، وكقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ و ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ فإن "محيطًا وأليمًا" نعتان لعذاب، وهو غير مجرور جُرَّ كل منهما على الجوار، ومنه قول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غيرِ مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
فإن "غير" مجرور بالجوار، وهو نعت لسنة المنصوب على المفعولية فهو كبيت امرئ القيس السابق.
وفي التوكيد كقول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلِّهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب
فكلِّهم بالجر، وهي توكيد لذوي المنصوب جرّت بالجوار، ومن أمثلته في العطف مع ما تقدم قوله تعالى: ﴿وَحُورٍ عِينٍ﴾ في قراءة الكسائي، وحمزة والمفضل عن عاصم بالجر؛ فإنها عطف على "ولدان" في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ وهو فاعل ولكنهم قرؤوها بالجر لمجاورتها أكواب وأباريق، والحور لا يطاف بها. وكقول زهير:
لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في حبال القد مجنوب
فموثق على هذه الرواية مجرورة بالجوار لمنفلت مع أنها معطوفة على "أسير" المرفوعة، ومثله قول امرئ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
فإن "معجل" مجرور على أنه صفة لقدير، وإنما جرّ "قدير" بالجوار؛ فإنه معطوف على صفيف، وهو مفعول لمنضج، وإن جوّز فيه غير هذا الوجه فهو ضعيف، وفيه تكلف بتقدير محذوف.
فهو كما ترى ثبت في النعت، والعطف، والتوكيد.
стр. 29
قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ تقدم أن إلى تكون للغاية زمانية كانت أو مكانية، وأن ابن هشام ذكر أنها تأتي لثمانية معان: الأول: ما تقدم، الثاني: المعية وحمل عليه قوله هنا -إلى الكعبين-، والثالث: التبيين، وهي المبيِّنة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد بُغْضًا، أو حبًا من فعل تعجب، أو اسم تفضيل نحو: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، الرابع: مرادفة اللام نحو الأمر إليك، أي: لك، الخامس: مرادفة "في" كقول النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب
أي في الناس، وقيل منه قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي فيه، السادس: الابتداء كقول الشاعر:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا
أي من.
السابع: موافقة "عند" كقوله:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليَّ من الرحيق السلسل
أي: عندي، الثامن: التوكيد، وهي الزائدة وجعل الفراء منه قراءة من قرأ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ بفتح الواو أي تهواهم.
والكعبان هما العظمان الناتئان في مفصل الساق المتصلان بالساق يكتنفانه، خلافًا لمن زعم أنهما العظمان الصغيران المنبطحان على ظهر القدم، وكونهما اللذين على طرف الساق الأسفل هو الصحيح، كما دل عليه حديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: "فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه" وقال ﷺ : "ما زاد على الكعبين ففي النار" يعني من الإِزر.
وهو في كلام العرب المرتفع العالي، ولهذا يقولون لثدي الجارية أول ما يرتفع كعب ثديها فهي كاعب، قال عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقى ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
والكعبة البيت الحرام قيل: سمي بذلك لأنه مرتفع عن السيل لأنه كان على ربوة في بطن الوادي. وقيل: لأنه مربع، والعرب تسمي البيت المربع مكعبًا ولذا قيل للغرفة كعبة، وتقدم الخلاف في الغاية هل تدخل أم لا؟ وعلى
стр. 30
التفسير الذي ذكرناه، وهو أن "إلى" بمعنى "مع" فهي داخلة قطعًا، لاسيّما والسنة قد دلّت على ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾: "إن" لها معان: الأول: أن تكون حرف شرط يفتقر إلى جواب وجزاء، ويجزم فعلين، وجوابها قوله "فتيمموا". الثاني: أن تكون نافية نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ وقد اجتمعت الشرطية والنافية في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الأولى: شرطية، والثانية: نافية. الثالث: المخففة من الثقيلة، كل واحدة منهما تدخل على الجملة الاسمية والفعلية، مع إهمال المخففة من الثقيلة، الرابع: أن تكون زائدة كقول النابغة:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إليَّ يدي
"والواو" في قوله: -وإن كنتم جنبًا- عاطفة على المقدر المحذوف عند الأكثرين كما تقدم أي: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا إلخ، وإن كنتم حال القيام جنبًا فاطّهروا إلخ، والعطف أحد معانيها، وهي تفيد التشريك في الحكم وما بعدها في الإعراب مثل ما قبلها، والمعطوف بها يكون سابقًا كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ولاحقًا كما في قوله عز من قائل: ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ واجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ الآية، ويكون مصاحبًا كما في قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ وقد بيّن ذلك ابن مالك ﵀ بقوله:
فاعطف بواوٍ سابقًا أو لاحقًا ... في الحكم أو مصاحبًا موافقًا
وتكون للحال، وتكون للاستئناف، ويكون ما بعدها مرفوعًا نحو: جاء زيد والشمس طالعة، وقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ على قراءة الرفع، الأولى للحال، والثانية للاستئناف، وفي الحالتين يرفع ما بعدها، وتكون للمعية ولعطف الفعل على اسم خالص فينتصب ما بعدها في الحالتين، الأول: نحو سار الأمير والجيش، والثاني: نحو قوله:
ولبس عباءةٍ وتقر عيني ... أحب إليَّ من لبس الشفوف
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وتكون للقسم، وتكون واو ربّ، وفي كل منهما يجر ما بعدها، وذكر ابن هشام معاني أُخر هذا أهمها، وفي بعضها تعقب.
стр. 31
وقوله: "جنبًا" الجنب لا يثنّى ولا يجمع لأنه على وزن المصدر كالقرب والبعد، وربما خففوه فقالوا: جنب، وقد قرأ كذلك قوم، قال الفراء يقال: جنب الرجل، وأجنب من الجنابة، وقيل يجمع الجنب في لغةٍ على جنبون وأجناب، وجنبات كما يثنى على جنبان، مثل عنق، وأعناق، وطنب، وأطناب، وذلك أنهم جمعوهُ جمع تكسير على أفعال كبطل وأبطال، وجبل وأجبال، إجراء للمصدر مجرى الاسم، ومن قال للواحد جانب، قال في الجمع جناب كراكب وركاب، والأصل البعد؛ لأن الجنب يبعد بالجنابة عن الصلاة، ونحوها مما تشترط له الطهارة، قال علقمة بن عبدة:
وفي كل حيٍ قد خبطت بنعمةٍ ... فحق لشأس من نداك ذنوب
فلا تحرمني نائلًا عن جنابةٍ ... فإني امرؤ وسط الديار غريب
فقوله: عن جنابةٍ أي: عن بعدٍ، وذكر ابن دقيق العيد عن الإِمام الشافعي أنه قال: (إنما سمي الجنب من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته) اهـ كأنها مشتقة من القرب أي: وضع الجنب بالجنب؛ لأن الغالب حصولها من ذلك، والجنابة في الشرع حصول أحد أمرين: إيلاج الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج، أو إنزال المني بشهوة معتادة، سواء كان ذلك في اليقظة أو في النوم، كان ذلك من مباح، أو حرام، ويقال للمني جنابة كما في حديث عائشة ﵂: "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ " الحديث.
وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾: جواب الشرط من الطهارة التي هي النظافة الحسية والمعنوية، وطهر، يطهر صار طاهرًا، وتطهَّر إذا فعل ذلك بنفسه؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ والمعنوية كقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وقولهم: طاهر الثياب إذا كان بعيدًا عن المعرة؛ كما قالوا دنس الثياب إذا كان بالعكس. قال امرؤ القيس:
ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران
وأصل اطّهروا: تطهروا، أدغمت التاء في الطاء، وجيء بهمزة الوصل لأجل سكون أوله، والتطهر تفعل من استعمال المطهر، وهو الماء، ولهذا كان ابن مسعود، وعمر ﵄ لا يريان للجنب التيمم كما سيأتي إن شاء الله، وقيل: إنهما رجعا عن ذلك، وقوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ مفسَّر بقوله في النساء: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ بين أن المراد بقوله اطهروا اغتسلوا.
стр. 32
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ جمع مريض كقتلى جمع قتيل، والمرض: خروج البدن عن حد الاعتدال إلى الانحراف في الصحة، وغلبة بعض الطبائع على بعضها، وهو صادق بالقليل، والكثير الذي يخاف معه التلف، أو يخاف تأخر برء أو حدوث ضررٍ مبيح للتيمم، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في أحكام الآية.
وحدّ المرض بعض أهل اللغة بأنه إظلام الطبيعة بعد صفائها، واعتدالها. مرض -كفرح- مرضًا، ومرْضًا فهو مرض، ومريض، ومارض، والأنثى مريضة، والجمع مِراض، ومرضى، ومراضى. قال جرير:
قتلننا بعيونٍ زانها مرض ... وفي المراض لنا شجو وتعذيب
وقال:
رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح
قال سيبويه: المرض من المصادر المجموعة كالشغل، والعقل، قالوا: أشغال، وعقول، وقد يعبر بالمرض عن فساد القلب؛ كما في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ سواء كان المرض موجودًا بالفعل، أو يتوقع حصوله باستعمال الماء، ولفظ الآية لا يعطي إلا الأول وهو أن يكون المرض حصل بالفعل، ولكن دلت السنة على أن الخوف من حصوله إذا غلب على الظن حدوثه باستعمال الماء أو تحقق ذلك؛ كما في حديث عمرو بن العاص الثابت في السنن؛ فإنه لما صلى بأصحابه بالتيمم، وهو جنب، وأخبروا النبي ﷺ قال له: أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الحديث، وسيأتي الكلام عليه في أحكام الآية.
وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: "أو" حرف عطف ذكر لها النحويون معانٍ أبلغوها إلى اثني عشر، وذكر ابن هشام ﵀ أنها موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى بل، أو معنى الواو، وأما بقية المعاني فتستفاد من غيرها. الأول من معاني "أو": الشك كقوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والثاني: التخيير، وعلامتها أن تقع بعد الطلب، وقبل ما لا يجوز جمعه، كقولك: تزوج هندًا، أو أختها. الثالث: الإبهام نحو ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ
стр. 33
مُبِينٍ﴾. الرابع: الإباحة، وتكون بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه الجمع نحو: تعلم الفقه أو النحو، وإذا دخلت عليها لا الناهية امتنع فعل الجميع نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ قلت: لأنها صارت بمعنى واو العطف. الخامس: الجمع المطلق أي مرادفة الواو في التشريك، كما في قول توبة:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقول جرير:
جاء الخلافة أو كانت له قدرًا ... كما أتى ربّه موسى على قدر
أي وكانت له قدرًا. السادس: الإضراب، ومنه على قول بعضهم: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي بل يزيدون على خلاف في ذلك. السابع: التقسيم نحو: الكلمة اسم، أو فعل، أو حرف، وقد قيل إنها هنا لمجرد التفريع الخالي من الشك، والإِبهام، والتخيير نحو ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ ونحو ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ قالوا: وأما التقسيم فالواو فيه أكثر. الثامن: أن تكون بمعنى "إلا" في الاستثناء كقول الشاعر:
وكنت إذا غمزت قَنَاة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
أي إلا أن تستقيم، وجعل منه ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. والتاسع: بمعنى إلى، وهي في هذين الموضعين ينصب الفعل المضارع بعدها كما هو مقرر في النحو، وذلك كقول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
أي إلى أن أدرك المنى. العاشر: التقريب، ومعناه تقريب الزمن بين المذكور قبلها، وبعدها نحو: "ما أدري أسَلَّمَ أو ودّع" أي: كان وداعه قريبًا من سلامه. الحادي عشر: الشرطية، ومثّلوا له بقولك: لأضربنه عاش، أو مات، المعنى إن عاش، وإن مات. الثاني عشر: التبعيض، ومثّلوا له بالآية السابقة في التفريع وهي قوله تعالى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وتعقبه ابن هشام.
وقوله: ﴿عَلَى﴾ تكون اسمًا بمعنى فوق، وذلك إذا دخلت "من" عليها، كقول الشاعر، وهو عمرو العقيلي:
غدت من عليه بعدما تم ظِمْؤها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
стр. 34
وهو أحد معانيها.
الثاني: وهو الأكثر أن تكون حرفًا، ولها معانٍ أحدها: الاستعلاء نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. الثاني: المصاحبة نحو ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. الثالث: المجاوزة فتكون بمعنى عن، نحو قول الشاعر:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
أي: عني، الرابع: التعليل فتكون بمعنى اللام كقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: لأجل هدايته لكم، الخامس: الظرفية فتكون بمعنى في، نحو ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ أي: في حين غفلة، السادس: أن تكون بمعنى من، نحو: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي من الناس، السابع: معنى الباء نحو: اركب على اسم الله، ومنه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ على قراءة التخفيف، أي: بأن لا أقول، الثامن: أن تكون زائدة، ومنه قوله:
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يومًا على من يتكل
أي: من يتكل عليه، فحذف عليه، وزاد على.
وقيل: منه قول حميد:
أبى الله إلا أن سرحة مالكٍ ... على كل أفنان العضاه تروق
وقول الهذلي:
فوالله لا أنسى قتيلًا رزئته ... بجانب قوسي ما بقيت على الأرض
على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
الشاهد في قوله: على أنها، وقول ابن الدمينة:
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
وهي في الآية تحتمل المصاحبة، أو العلو المعنوي.
وقوله: ﴿أَوْ﴾ تقدم الكلام عليها، وهي هنا للتقسيم.
وقوله: ﴿سَفَرٍ﴾: يقال على سفر، وعلى جناح سفر إذا كان متلبسًا به، وهذا عام يشمل السفر الطويل، والقصير، فإن لم يكن مع المسافر الماء الكافي لشُرْبهِ، أو لوضوئه، أو غسله إن كان جنبًا؛ فإنه يتيمم كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 35
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾: تقدم الكلام على أو، ومعانيها، وهي هنا للتقسيم كالتي قبلها. واحد: أصله وحد فالهمزة فيه مبدلة مِنَ الواو، ومنه قولهم: واحد، وقد جاء على الأصل كما في قول النابغة الذبياني:
كأنّ رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنسٍ وحد
يصف حمار الوحش.
و"من" في قوله "منكم" للبيان.
وقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾: مِنْ: الظاهر أنها تحتمل البيان، والتَّبعيض، والغائط: أصله المطمئن من الأرض؛ غير أنهم كانوا ينتابونه لذلك؛ لأن العرب لم تكن تتخذ الكنف في البيوت، ومن عادتها في الكلام أن تكني عن الشيء الذي يستقبح ذكره، فكنّوا عما يخرج من الإنسان أحيانًا بالغائط، حتى صار كأنه اسم لما يخرج من بولٍ وعذرة.
قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يعني: أو باشرتم النساء بأيديكم، وقيل: هو الجماع ولكنه جاء على طريق الكناية، وأصل اللمس هو المباشرة للبدن بدون حائل، وأكثر ما يستعمل في اللمس باليد، ومنه قوله سبحانه: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ وقال الشاعر:
لمست بكفي كفَّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدي
وحمله على الجماع مع كونه خروجًا عن الأصل فيه أيضًا التكرار مع قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وقد أجيب عن ذلك بأن التكرار ليبيّن أنه ينوب فيه التراب عن الماء كالحدث الأصغر، وهذا القول وإن نصره ابن جرير فقد ذهب الجمهور إلى خلافه، وإنما نصره ابن جرير لما ورد من أن النبي ﷺ "كان يقبّل، ولا يتوضأ" من رواية عائشة، وأم سلمة. قال كاتب الحروف -عفا الله عنه-: وذلك لا يعين أن يكون المراد هنا الجماع لاحتمال أن يكون قبل نزول الآية، أو يكون من خصوصياته ﷺ مع أن المعروف في ذلك أنه يقبل وهو صائم، وكانت عائشة ﵂ تقول: أيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه. وسيأتي حكم اللمس المترتب على هذا الخلاف إن شاء الله في أحكام الآية، وما يتعلق بالصوم في بابه، والحديث سيأتي الكلام عليه، وأنه ضعيف.
والنساء: جمع امرأة لا واحد له من لفظه، والمرأة لا جمع له من لفظه،
стр. 36
كما يجمع المرء على القوم، وقيل: إن النساء جمع نسوة، ونسوان فهو جمع الجمع، ونسوة جمع امرأة.
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ أي: طلبتم الماء، فلم تجدوا ماء، والفاء عاطفة، وفيها معنى الفاء الفصيحة؛ لأنها تدل على محذوف، و"لم" حرف وضع لنفي المضارع وجزمه، وقلبه في المعنى للمضي، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، وربما دخلت عليه فلم تجزمه إما ضرورة، وإما لغة كما في قول الشاعر:
لولا فوارس من ذهلٍ وإخوتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
وحكي النصب بها، قرأ بعضهم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ و"تجدوا" من الوجود الذي هو ضد العدم، أي: تتحصلوا على ماء للتطهر به.
وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي اقصدوا صعيدًا، من قولهم: تيمم الشيء، ويمَّمه: إذا قصد إليه، ومنه قول امرئ القيس:
ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي
وقول عامر بن مالك ملاعب الأسنة:
يممته الرمح صدرًا ثم قلت له ... هذي البسالة لا لعب الزحاليق
قال ابن السكيت: (تيمموا صعيدًا طيبًا، أي اقصدوا لصعيدٍ طيب، ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم اسمًا علمًا لمسح الوجه، واليدين بالتراب) اهـ. والصعيد وجه الأرض، من: صعد، إذا ظهر، وعلا؛ لأن أصل الكلمة من الظهور، والعلو، ومنه قيل للأمر الشاق: صعدًا، وصعودًا. قال القرطبي: (صعيدًا طيبًا، الصعيد وجه الأرض كان عليه تراب أم لا، قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج. وقال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ -أي أرضًا غليظة لا تنبت شيئًا- وقال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾) اهـ. قلت: ومنه قول ذي الرمة يصف ولد الظبي ينزعج من نومه لا يدري أين يقصد، شبّهه بالسكران:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم
والخرطوم من أسماء الخمر، قال الزجاج: (إنما سمي صعيدًا لأنه نهاية
стр. 37
ما يصعد من الأرض، وجمع الصعيد صعدات، اهـ ومنه قوله ﷺ : "ولخرجتم إلى الصعدات: تجأرون إلى الله بالبكاء" والصعدات: الطرق على وجه الأرض) اهـ. وقال الشافعي: (الصعيد التراب المنبت وهو الطيب قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾). وسيأتي ما ينبني على هذا الخلاف في الصعيد من الأقوال في جواز التيمم بجميع الأرض أو بعضها، عند الكلام على الأحكام إن شاء الله. ومما يدل على أنه وجه الأرض على أي حال كان وأن الإنبات ليس شرطًا فيه تسميته ﷺ للمدينة بطيبة، وطابة، وغالب أرضها سبخة، وحجارة سوداء فوصفها بالطيب يدل على أنها يتيمم بترابها، وقال ابن جرير ﵀: (﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أي فإن لم تجدوا أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم مرضى مقيمون، أو على سفر أصحاء، أو قد جاء أحد منكم من قضاء حاجته، أو جامع أهله في سفره: ماءً، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فتعمدوا، واقصدوا وجه الأرض طيبًا يعني طاهرًا نظيفًا غير قذر ولا نجس، جائزًا لكم حلالًا، فاضربوا بأيديكم الصعيد الذي تيممتموه وتعمدتموه؛ فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم منه ما عَلِقَ بأيديكم منه أي: من الصعيد) اهـ.
أحكام الآية الكريمة:
هذه الآية الكريمة عظيمة الموقع في الدين، وهي من أعظم آيات الأحكام وأكثرها مسائل، وأهمها لاشتمالها على أحكام الطهارة، وهي شطر الإيمان كما في الحديث: "الطهور شطر الإيمان".
قال ابن العربي ﵀: (قال بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة. قال: واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها فبلّغوها ثمانمائة مسألة، ولم يقدروا أن يبلغوها الألف. قال: وهذا التتبع إنما يليق بمن يريد طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا). اهـ.
قال مؤلفه -عفا الله عنه-: وقد استوعبت هذه الآية الكريمة أركان الوضوء الأربعة المتفق عليها غسلًا، ومسحًا، وظاهرها العموم في القيام لكل صلاة فرضًا كانت، أو نفلًا، وسائر حالات المصلي، وسيأتي الكلام على ذلك كما أنها قد تضمنت النية عند بعضهم كما سنبينه، ومراعاة النظم القرآني فيها يقتضي وجوب الترتيب بين الأعضاء المذكورة لاسيما عند من يقول إن
стр. 38
تقديم ذكر مسح الرأس على غسل الرجلين من أجل المحافظة على الترتيب، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة ﵀، وبعض المالكية كما يأتي.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. تقدم أن لفظ "الذين آمنوا"، وإن كان بلفظ الجمع المذكر لكن يدخل فيه الإناث؛ إما أن ذلك على سبيل التغليب، أو على رأي من يرى أنهن يتناولهن خطاب الشرع بهذا اللفظ، إما بقرينة عند من لا يرى دخولهن إلا بها، أو بدونها عند من يقول بتناول اللفظ لهن شرعًا، وهو خلاف عند الأصوليين معروف. ويستدل للدخول بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، ونحو ذلك، وله نظائر في السنة. وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ تقدم أن قوله "إذا قمتم" أي: أردتم القيام، أو إذا قصدتم الصلاة؛ لأن التوجه إلى الشيء، والقيام إليه قصد له على طريق ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن قصد الصلاة من لوازم القيام لها. وفي ذلك أقوال:
القول الأول: قال الجمهور: إن هذا عام في سائر الحالات. ولكن المراد به الخصوص على تقدير الحال المحذوفة، وهي: وأنتم محدثون، والدليل على هذا الحذف أمران:
الأمر الأول: اشتراط الحدث في التيمم كما سيأتي في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وقد شرط في هذا البدل الحدث كما سيأتي، فاقتضى ذلك اشتراط الحدث في المبدل منه، وإلا لم يكن بدلًا؛ لأن البدل لا يخالف المبدل منه في الشروط، والأسباب.
الأمر الثاني: أن السنة صريحة في أن الوضوء إنما يجب للصلاة مع الحدث، فهو سببه الموجب له كحديث "صلاته يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد" وكذا "صلى يوم الخندق العصر والمغرب بوضوء واحد"، كما هو ثابت في صحيح مسلم من حديث بريدة: "أنه صلى الصلوات بوضوء واحدٍ يوم الفتح"، وحديث سويد بن النعمان: "أنه صلى العصر والمغرب بوضوء واحد بالصّهباء من أرض خيبر"، وهو متفق عليه. وحديث أنسٍ: "أنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ"، فالراوي قال لأنس: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: "كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا". أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأن الصحابة كانوا
стр. 39
على خلاف ذلك، وحديث أبي هريرة: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وهو حديث صحيح فهو سببه الموجب له، وقد حكى غير واحدٍ من المفسِّرين الإجماع على أن وجوب الوضوء على المحدث، دون غيره.
وقال بعضهم: المحذوف المقدر هنا شرط والتقدير: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا إلخ إن كنتم محدثين، لمناسبته ما بعده وهو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾.
القول الثاني: قال بعضهم: "إذا قمتم إلى الصلاة" باقٍ على عمومه، ولكن اختلفوا في ذلك على أقوال أيضًا:
أولًا: منهم من قال: إنَّه باقٍ على عمومه؛ لكنه محمول على الندب. فيشمل سائر حالات القائم، وسائر الصلاة، فيندب لكل قائم إليها أن يتوضأ. ويستدلون بحديث أنس السابق، وفعل النبي ﷺ لذلك كان طلبًا للفضل كما كان يفعله ابن عمر، وعلي، وهو مروي عن الخلفاء. وسيأتي عن علي: "أنه توضأ وضوءًا خفيفًا وقال: هذا وضوء من لم يحدث"، ويروى عن ابن عمر: وضوء على وضوء نور. على نور وقد رجّح هذا القول إمام المفسرين بلا مدافعة محمَّد بن جرير الطبري ﵀.
قال مُقيّده -عفا الله عنه-: وحينئذ يكون وجوب الوضوء على المحدث مأخوذًا من السنة، ويؤيد هذا اتفاقهم على أن الوضوء كان مفروضًا قبل نزول الآية فهو واجب لأن الصلاة فرضت قبلها، فهو واجب على المحدث عند القيام إلى الصلاة، وإن اختلفوا هل وجوبه بالحدث، أو بالقيام إلى الصلاة، أو مجموع الأمرين، والصحيح: أن الوجوب بالقيام إلى الصلاة بشرط الحدث فالحدث موجب.
ثانيًا: وقال آخرون: إنه كان واجبًا لكل صلاة فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان هذا في أول الأمر، ثم نسخ. وربما استدلوا بحديث رواه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن حنظلة الغسيل: "أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث"، ولا يتم الاستدلال به على أنه كان واجبًا لما تقدم عن أنس وسويد وغيرهما، كقصة الجمع يوم الخندق، ولأن فيه دعوى نسخ القرآن بالسنة.
стр. 40
قلت: ويحتمل أن الآية دلت على وجوبه فخصصت السنة منه في كان على طهر، فدلت الأحاديث على عدم وجوبه عليه، وبقي في حق المحدث، ويكون استِحْبابُه مع الطهارة مأخوذًا من السنة أيضًا.
ثالثًا: وقال آخرون: إنه على عمومه لكنه على الندب في حق المتطهر والوجوب في حق المحدث، قال الألوسي: (استبعد؛ لإجماعهم على أن الوجوب مستفاد من الآية، مع الاحتياج إلى التخصيص بغير المحدثين من غير دليل) اهـ.
القول الثالث: وقال آخرون: إن المراد بالآية القيام من النوم فقط، وهو مروي عن مالك رواه عن زيد بن أسلم، وهو مروي أيضًا عن السدي، وبنوا عليه أن في الآية تقديمًا، وتأخيرًا، والتقدير عندهم: "إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم، وإن كنتم جنبًا فاطهروا، وإن كنتم مرضى" إلخ.
القول الرابع: وقال آخرون: إن هذه الآية نزلت رخصة للنبي ﷺ ، ورفعًا لما كان يفعله من الوضوء لكل شيء يريده، كما روي في حديث ابن حنظلة الغسيل، وهذا عندي أضعف الأقوال.
القول الخامس: وقال آخرون: الآية عامة، وهي على عمومها، والوضوء واجب عند القيام لكل صلاة، ولو كان طاهرًا، وهو مروي عن داود الظاهري، ولكنه من الضعف بمكان لمصادمته للأحاديث "الصحيحة" ويعترض عليه بقول بعضهم: إن الصيغة لا تقتضي التكرار، فلهذا قال بعضهم: إن هذه الآية بمنزلة المجمل الذي لا يتم الاحتجاج به إلا بعد بيان المراد منه.
قال مُقَيِّده -عفا الله عنه-: وذلك نظرًا إلى احتمال هذه الوجوه كلها، ولكن يشكل عليه قوله ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله"، فإن ظاهره أن الوضوء واجب بهذه الآية التي أحال عليها ﷺ ، وأن ظاهرها مراد بدون التوقف على البيان، وتقدير المحذوف في الآية.
قال أبو بكر بن الجصاص الحنفي بعد ذكره للأحاديث التي تدل على عدم وجوب الوضوء لكل صلاة: (فثبت بما قدمنا أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾؛ غير موجب للوضوء لكل صلاةٍ، وغير مستعملٍ على حقيقته، وأن فيه محذوفًا تعلق به إيجاب الطهارة، وأنه بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان، لا
следующие страницы →