Полный текст (62 стр.). Показаны 36–62 · переход к 41.
стр. 36
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الانصاري أن رسول الله، ﷺ ، كان يصلي وهو حامل أمامه ابنته زينب ابنة رسول الله، ﷺ ، وأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. والحديث بمثل هذا يكثر علينا ذكره. وقد كان يصلي، صلوات الله عليه وسلامه، كثيرا وعائشة، ﵂، نائمة بين يديه، ورجلاها في قبلته، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجليها: فيسجد فإذا فرغ من سجوده بسطتهما. فحدثني يحيى بن عمر قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا مالك بن أنس؟ وحدثني يحيى قال حدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن أبي النصر عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله، ﷺ ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني.
وقد بلغت الشافعي هذه الأحاديث ورواها، ثم خالفها برأيه. وكما احتج به أنه عنده [١٩ و] من اللماس فلو كان هذا من اللماس
стр. 37
الذي قال الله، ﵎، ﴿أو لامستم النساء﴾ لما صلّى رسول الله، ﷺ ، وهو حامل أمامه ابنة ابنته، وهو يصلي ثم يضعها إذا ركع ثم يحملها إذا قام، ولما غمز عائشة لتقبض رجليها عن موضع سجوده وهو يصلى، وهى بين يديه حتى تقبض رجليها فيسجد. فدل هذا من فعل رسول الله، ﷺ ، أن الله ﵎، إنما أمر بالوضوء من ملامسة النساء، ما كان منها على لذة وشهوة فأي خلاف أبين من قوله هذا، لسنة رسول الله، ﷺ ، وما تأول من كتاب الله، جلّ اسمه، على غير تأويله. ونحن نسأل الله ألا يحرمنا التوفيق رحمته.
مس ذكر الطفل
وقال الشافعي في من مسّ ذكر طفل حي أو ميت ببطن كفه، انتقض وضؤوه. ومن مس ذلك من بهيمة لم ينقض ذلك وضوءه فقلنا للشافعي قولك هذا الذي خالفت فيه الأمة، وانفردت برأيك، هل أخذته من كتاب الله، عز اسمه، أو سنة ماضية، أو عن أحد من أهل العلم؟ وما حجتك في ذلك؟ فقد روينا أن النبي، ﷺ ، كان يقبّل رنينة الحسين وهو صغير. حدثنيه يحيى بن عمر، قال حدثني نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبي
стр. 38
ظبيان أن رسول الله، ﷺ ، فرّق بين رجلي الحسين، فكان يقبّل رنينه [١٩ ظ] فقد أعلمناك أن رسول الله، ﷺ ، كان يقبل رنينة الحسين بفمه، ولم يكن ﷺ ، ليمس بفمه شيئا إن يمسه بإصبعه فينتقض وضوؤه.
الوضوء ومس الميت
وقال الشافعي من مس أخاه المسلم ميتا أو أفضى بيده إلى جسد الميت انتقض وضوؤه. وهذا خلاف لما جاء عن رسول الله، ﷺ ، في ذلك. فحدثني يحيى بن عمر قال حدثني نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى: قال حدثنا أبو الربيع السمان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة، أم المؤمنين، قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، قبّل عثمان بن مظعون يوم مات، فكأني أنظر إلى دموعه، وهو يمسحها
وهكذا أيضا روي عن أبي بكر الصديق، ﵁، حين مات النبي، ﷺ ، فجاء أبو بكر فلما رآه قال: "إنا لله
стр. 39
وإنا إليه راجعون. بأبي أنت وأمي يا رسول الله" وهو مسجى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. حدثني يحيى بن عمر قال حدثني محمد بن أبى السري العسقلاني، قال حدثنا عبد الرزاق قال معمر عن الزهري عن ابن أبى سلمة عن ابن عباس: أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ وهو مسجّى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. والحديث بمثل هذا يكثر ذكره، وفيما ذكرنا ما يكفي به المزيد.
حدثني يحيى بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد الله [٢٠ و] بن بكير، قال: حدثنا مالك بن أنس، وحدثني يحيى، قال حدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر حنّط ابنا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يتوضأ. قال أبو بكر فهذا عبد الله بن عمر، رضى الله عنه، قد حنّط هذا الميت، ومن حنط ميتا فلابد أن يمسه بيده، لأنه يضع الحنوط بيده على مواضع من جسد الميت، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ. وهذا من فعل عبد الله بن عمر في مسه الميت وصلاته من غير أن يحدث وضوءًا
стр. 40
يبين لك أن النبي، ﷺ ، حين قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت لم يتوضأ؛ ويبين لك أيضا أن أبا بكر الصديق، ﵁، حين قبّل النبي، ﷺ ، وهو ميت، صلوات الله عليه، لم يتوضأ؛ ويبين لك أن من مس الميت كمن مس الحي، لا فرق بينهما.
وقلنا للشافعي أيضا من أين جاز لك أن تقول: من مس أخاه الميت المسلم انتقض وضوؤه، بعد ما ذكرنا لك عن رسول الله، ﷺ ، وعن أبي بكر وابن عمر وابن عباس وغيرهم، أن من مس خنزيرا أو ميتة أو غيره أنه لا ينتقض الوضوء، فصار الميت المسلم عندك من مسه أسوأ حالا ممن مس خنزيرا أو ميتة أو غيره. فحكاية قولك هذا تجزئ من الاحتجاج عليه، لفساده، وبالله التوفيق.
إشكال القبلة على رجلين
قال الشافعي: إذا أشكلت القبلة على رجلين فاختلفا، لم يسع أحدهما اتباع صاحبه [٢٠ ظ] فإنكان قد حبس في ظلمة الغيم، وخفيت الدلائل على رجل فهو كالاعمى. والأعمى إذا دله رجل بصير وسع اتباعه. ثم قال ولا يسع بصير إن خفيت عليه الدلائل اتباعه. فاضطرب قوله في هذا اضطرابا شديدا.
فقلنا له: هذا القول متناقض يعرض عليك في كتبك فلا تأبه له، لأنك قلت إذا خفيت على البصير الدلائل فهو كالأعمى. والأعمى، عندك فيما قلت في كتبك إذا دله بصير وسعه اتباعه. فينبغي
стр. 41
في قولك أن تقول إذا خفيت على البصير الدلائل للغيم ونحوه، فدلَّه رجل أن يسعه اتباعه كالأعمى سواء. فتركت ذلك ونقضته فقلت: ولا يسع البصير الذي خفيت عليه الدلائل اتباع من يدله، فأتى فساد وتناقض من هذا القول.؟
قال أبو بكر ومن أعمى ممن عميت عليه سبل الحق فلم يهتد لها بدلالة ولا غيرها، فأرشده من يعلم، فمنعته أن يقبل وتركته في عماه يتردد، لا يقيم فرضا ولا يؤديه. فأيّ فساد أبين من فساد هذا القول، ونعوذ بالله من قلّة التوفيق.
ثم قال الشافعي أيضا في اضطراب هذا القول: ومن اجتهد فصلّى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب، فليستأنف لأن عليه جهتها إلى صواب جهتها فهذا صواب وإنما أردنا ما بعده. قال ويعيد الأعمى ما صلّى معه متى ما أعلمه.
الماء أحدهما طاهر والآخر نجس
وقال الشافعي في الماءين: أحدهما نجس والآخر [٢١ و] طاهر، لا يعرفه، إنه يتوضأ الطاهر ويصلي به. قيل للشافعي: فأراد أن يتوضأ بأنية، فكان الأغلب عليه أن الذي ترك هو الطاهر، ما يصنع؟ فقال: لا يتوضأ بواحد منهما، ويتيمّم ويصلّى. ثم قال: فإذا تيمّم وصلّى فليعد كل صلاة صلّاها بتيمّمه أبدا، لأن معه ماء [وهو] مستيقن أنه طاهر.
стр. 42
قال أبو بكر فأيّ اضطراب في قوله أبين فسادا من هذا؟ لأنه قد حال بينه وبين أن يتوضأ بشيء من هذا الماء، ومنعه منه كلّه وأمره بالتيمّم، ثم أوجب عليه إعادة ما صلّى بالتيمّم أبدا. وليس يخلو هذا الرّجل من أن يكون حكمه حكم واجد للماء فيتوضأ الطاهر منهما. عند الشافعي، حين يريد الصلاة، فيتوضأ به كما أمره هو ابتداء. قبل الشك الذي داخله أخيرا، أو يكون غير واجد للماء لما داخله من الشك وانقطع عنه التحري، فيتيمم ويصلّي، لأن هذا حكم الماءين إذا كان أحدهما نجسا عنده أن يتوضأ الطاهر منهما. ويتوضأ به وإن كان الشك لا يبطل وجدانه الماء، حين قال الشافعي، لأن معه ماء مستيقنا أنه طاهر. قلت أمره أن يتوضأ الطاهر منهما ويتوضأ به وإن كان الشك في الماء يبطل وجدانه الماء، فهو من أهل التيمم. فليتمم ويصلّ ولا اعادة عليه، لقوله : ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا (٢١ ظ] صعيدا طيبا﴾ وقال الله ﵎: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقال : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ يعني من ضيق. فأي ضيق أضيق مما أوجب عليه الشافعي، مما لم يجب عليه، فليفهم هذا من سمعه، وبالله التوفيق.
صلاة الغلام الناقصة قبل البلوغ
وقال الشافعي: لو دخل غلام في صلاة فلم يكمِّلها ويتمها، أو في صيام يوم فلم يكمّله، حتى استكمل خمس عشرة سنة، أحببت له
стр. 43
أن يتّم ويعيد، ولا بأس أن عليه إعادة. فقاس الشافعي شيئين مختلفين: الصلاة والصيام، قياسا واحدا. وأحكامهما مختلفة. فابتدأ القياس في هذا. وإنما ذكرت هذا من قوله لمّا أعاب على غيره من التحديد، وأفرط عليه القول فيه وهو ها هنا يحدّد بين أن يدخل غلام في صلاة فلا يفرغ إلّا وقد استكمل خمس عشرة سنة فاستحبّ له أن يتمها ثم يعيدها. ولعلّ الغلام يفرغ من صلاته في مقدار ربع ساعة من نهاره فكان هذا الغلام دخل في الصّلاة وهو ابن خمس عشرة سنة ألّا ربع ساعة، فلم يفرغ منها حتى استكمل خمس عشرة سنة إلّا ربع ساعة، فلم يفرغ منها حتى استكمل خمس عشرة سنة فاستحبّ له أن يتمّها ويعيدها. فلزمه في قياس قوله هذا، وهو أصله الذي بنى عليه أن يقول لو حضر غلام ابن خمس عشرة سنة ألّا ساعتين أو ثلاث، القتال، وقاتل مع المسلمين، فانهزم العدو قبل أن يتم تلك [٢٢ و] الساعتين أو الثلاث، فانهزموا وهو ابن خمس عشرة سنة إلّا ساعة واحدة، ألا يفرض له، لأنهم انهزموا قبل أن تكمل له خمس عشرة سنة؟ فهل حكم بهذا أحد من أمَّة محمّد، ﷺ ؟ إن سئل عن الغلام إذا حضر القتال مع المسلمين وشهد الغنيمة فإن كان ابن خمس عشرة سنة إلّا ساعة لم يفرض له، وأسقط حقَّه من الفئ والغنيمة التي شهدها وقاتل فيها مع المسلمين. والسنَّة أنَّه يفرض له وهو في خمس عشرة سنة وإن لم يستكملها، ويفرض له أيضا إذا أنبت، وقد جاء في ذلك من البيان ما أحدثك به: حدثني يحيى بن عمر قال: حدثني سحنون والحارث وأبو الطّاهر قالوا حدَّثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عبد الله بن عمر عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله، ﷺ ، عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، ثم عرضه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه، وهو أول مشهد شهده. والنبي، ﷺ ، قد أجاز ابن عمر، يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة لم يستكملها. فليفهم هذا من سمعه.
стр. 44
إعادة الصلاة إذا قرئت الفاتحة بحرف ناقص
وقال الشافعي: إن ترك المصلّي من قراءة أم القرآن حرفا واحدا فلم يذكر حتى فرغ من الصلاة، وتطاول، أعاد الصلاة كلّها، ثم قال أيضا [٢٢ ظ] أعجب من هذا.
شرط قراءة الفاتحة في الصلاة
قال الشافعي: من لم يحسن أم القرآن وكان يحسن غيرها فلا يجزيه أن يصلي في كل ركعة إلّا بقدر عدد آي أم القرآن، وذلك سبع آيات لا يجزيه دون ذلك. أفترى أحدا يسمع هذا التحديد الذي يحتاج فيه إلى حجَّة؟ أو هل حكي هذا عن أحد من أهل العلم قبله؟ فلو أن غيره قال هذا أو حدّد هذا التحديد لأفرط عليه في القول، فيعتب من هذا على غيره ما يجيزه لنفسه. فهذا من قلَّة الانصاف في المناظرة، ويلزمه في قوله إذ جعل على من لا يحسن أمّ القرآن وهو يحسن غيرها، فأوجب عليه أن يقرأ في كلّ ركعة بسبع آيات، وإلَّا لم تجزه صلاته، عنده، وإنَّه إن أسقط من هذه السبع آيات حرفا واحدا لا تجزيه صلاته، عنده، كما لم تجز صلاة من قرأ بأم القرآن إلا حرفا. فليفهم هذا من سمعه. ونعوذ بالله من الحيرة في الدين، ونسأل الله ألا يحرمنا التوفيق.
الصلاة في مراح الغنم
قال الشافعي في أبوال ما يؤكل لحمه إنه نجس، فقلنا له قد أجاز النبي ﷺ ، الصلاة في مراح الغنم وفي مبات الغنم.
стр. 45
ومراح الغنم ومبات الغنم [يكون] البول فيها أبدا، ومحال أن تكون بلا بول. وقد صلَّى النبي، ﷺ ، في مرابض الغنم، وقد جاء عنه، ﷺ ، في ذلك أحاديث [٢٣ و] أبانت خلاف ما قلت، وأنا ذاكر منها ما حضرني إن شاء الله مع ما جاء في هذا عن أصحابه والتّابعين غيرهم بخلاف ما قلت إن شاء الله. وكان من حجّتك التي أحتججت بها أن قلت: ومراح الغنم الذي تجوز الصلاة فيه الذي لا بول فيه. فما نسبته في هذا محال من القول، وما لا يمكن أبدا. وأيّ غنم تكون في مراحها ومباتها، اللّيل كلّه، لا تبول إلى أن تخرج منه إلى المرعى لا تبول فيه؟ فهذا من قولك محال بيّن. والذي جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ ، ما أحدّثك به: حدّثني يحيى بن عمر قال: حدّثني نصر بن مرزوق قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدّثنا ابن لهيعة، قال حدّثنا حي بن عبد الله عن أبي عبد الرّحمان الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ كان يصلّى في مرابض الغنم.
وحدثني يحيى بن عمر قال حدثني أحمد بن عمران البغدادي:
стр. 46
قال حدثنا العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله: أصلّي في مرابض الغنم؟ أو مبات الغنم؟ الشك من أحمد، قال: نعم قال: فأتوضأ من لحومها؟ قال: لا.
وحدثني يحيى قال حدثني أحمد بن عمران قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا هشام بن حسان [٢٣ ظ] عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "صلوا في مرابض الغنم."
وحدثني يحيى قال حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو، قال: أخبرنا حرملة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني عن عمه عبد الملك
стр. 47
بن الربيع عن أبيه، عن جده، وكان من أصحاب رسول الله، ﷺ ، : "صلوا في مراحات الغنم ولا تصلوا في مراحات الابل". والحديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه، كثير يكثر علينا ذكره. وأمر رسول الله، ﷺ ، أن يصلّى في مراح الغنم والبقر.
وحدثني يحيى بن عمر، قال: حدثني أبو جعفر الايلى هارون بن سعيد بن الهيثم قال: حدثني هارون بن عبد الله الزهري عن المغيرة بن عبد الرحمان المخزومي أنه قال: أخبرني سفيان الثوري أن رسول الله، ﷺ قال: "لا بأس ببول ما أكل لحمه".
وحدثني يحيى قال: حدثني بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، [قال] حدثنا ابن هبيرة عن حنش بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم
стр. 48
قال: "إنّ في أبوال الابل وألبانها شفاء" لتدرّ به بطونها.
وحدثني بكر بن حماد قال حدثنا عبد الملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن الزهري عن أبي قتادة، قال: ما أكلت لحمه فلا بأس ببوله وسلخه. وحدثني يحيى بن عمر ويحيى بن داود قالا: حدثنا سحنون، قال: حدثني الحارث وأبو الطاهر، قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عمر بن حفص وغيره عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن ناسا من عوينة قدموا على رسول الله فاجتووا المدينة، فبعثهم رسول الله إلى نوق له فشربوا من ألبانها وأبوالها فبها صحوا، وفي الحديث غير هذا، قال أبو بكر: فاجتووا يعني استوخموا المدينة [٢٤ و].
قال أبو بكر: فقد أعلم النبي ﷺ أمته أن بول الابل طاهر كألبانها إذ أجاز شربه، ولو كان نجسا ما أجاز شربه، لأن النّجاسات محرّمة علينا كلّها شربها والدّواء بها. فأيّ بيان أبين من هذا لمن ألهمه الله رشده، ونفعه بعلمه. ونحن نسأل الله ألّا يحرمنا التوفيق برحمته.
تطهير المكان من البول
وقال الشافعي: إن بال رجل في مسجد أو أرض، طهر بأن نصبّ عليه ذنوبا من ماء وهو الدّلو العظيم فإن بال رجلان لم يطهره إلا
стр. 49
ذنوبان ففي قوله هذا يعد على عدد كلّ من بال فيه عدد ذلك دلاء إن كانوا عشرة لم يطهر بولهم إلّا عشرة دلاء وقد علم المسلمون جميعا أن بول الرّجل مختلف، قليل وكثير، وبول الجماعة أيضا مختلف فمنهم القليل البول والكثير وإنّما أمر النبي ﷺ ، لما بال الأعرابي أن يصبّ على بوله ذنوب فأمر أن تسقى ذنوب وتصبّ عليه. ففهم عنه العلماء حين أمر بهذا أنّه لم يجعل الذّنوب كالكيل المعترض عليهم ببول كلّ رجل على أنّهم إن نقصوا من مثل ذلك الذنوبالذي به صب على بول ذلك الأعرابي يومئذ لم يجزهم كيل لو كان هذا هكذا لعرفوا كيل ماء ذلك الذنوب حتى يكون معروفا ولوجب على المسلمين أن يبحثوا عن علم ذلك وبول ذلك الأعرابي [٢٤ ظ] في قلّته من كثرته إذ صحّ ذلك عند الأمة أن بول الرّجل مختلف اختلافا شديدا في القلّة والكثرة فيكون حدّد لكل بول نسبة بول الأعرابي من الماء مثل كيل ذلك الماء الذي صبّ عليه أبدا قلّوا أو كثروا. فأفاد لم يكن الأمر هكذا. فما هذا التحديد منك؟ وأنت تنكر التحديد على غيرك وتفرط فيه القول ثم ترجع فتقول: إن بال رجلان لم يطهره إلّا ذنوبان عظيمان فتنكر على غيرك ما تجيزه لنفسك!
طهارة جلد الحيوان بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير
وقال الشافعي: يطهر كل إهاب دبغ إلًا اثنين: إهاب كلب أو خنزير، فإن هذين لا يطهران وإن دبغا. وسائر هذين من الأنعام والوحوش والسّباع والقرود وغيرها دباغه طهور قال الشافعي: وإنما يطهر بالدّباغ منه الجلد فقط، ولا يطهر صوفه ولا شعره ولا وبره.
стр. 50
فيكون عند الشافعي، الجلد إذا دبغ طاهرا، وما فيه من صوف أو شعر أو وبر، نجسا غير طاهر. فيا سبحان الله ما أعجب هذا من قوله: إنه عمد إلى الطّاهر منه قبل أن يدبغ جعله بعد الدّباغ، نجسا. وجعل ما كان منه قبل الدّباغ نجسا، طاهرا بالدّباغ! وحجته في ذلك أعجب، إنّه قال فيما يحتج به قال الشافعي: لأن صوفه وشعره ووبره، قبل الدّباغ وبعده، سواء. قال: ولو كان الصوف والشعر والوبر لا يموت بموت ذلك الروح [٢٥ و] أو كان يطهر بالدّباغ، جاز ذلك في قرن الميّتة وسنّها وجاز في عظمها، لأنه قبل الدّباغ وبعده سواء. فقاس عظام الميتة وسنّها وجاز في عظمها، لأنه قبل الدّباغ وبعده سواء. فقاس عظام الميتة وسنّها بصوفها وشعرها ووبرها، فلو كان هذا قياسا وإن هذا سنّة. هذا يحلّ للقاطع ما قطع منها أو قلع من عظمها وسنّها وهي حيّة إنه جائز حلال وإنه حلّ لباسها وأموالها في السنة والقرآن. قال الله ﷻ : ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ أفقاس أحد من النّاس قياسه هذا حين أن جعل أصوافها وأشعارها كسنّها وعظمها؟ هذا أجلّ من أن يحتجّ عليه فيه. وحكاية هذا يجزئ من الاحتجاج عليه لبيان فساده.
شعر الانسان طاهر
وكذلك قال الشافعي: فيمن حلق رأسه أو أخذ من شاربه:
стр. 51
إن ما وقع من رأسه وشاربه عليه من شعره، قلّ أو كثر، فهو نجس، فإن صلى وفي ثيابه أو جسده شيء منه، أعاد الصلاة لأنه صلى بنجاسة. فهذا تصريح منه لخلاف سنة رسول الله، ﷺ ، وما عليه المسلمون جميعا [٢٥ ظ] [وهو] من الغلو في دين الله. [فقد] حلق رسول الله، ﷺ ، رأسه في حجة الوداع، فقسم شعره وأعطاه أصحابه، فما كانوا يصنعون به إذا كان نجسا، في قول الشافعي، ولا يحل لهم أن يصلوا به عنده. فحدثني يحيى بن عمر، قال: حدثني نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى، قال خدثنا قيس بن الربيع عن هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين عن أبي طلحة قال: لّما حلّ رسول الله ﷺ دعا الحلاق ومال بيده على شعره هكذا، فمسح مما يلي مقدم رأسه فحلق شقه الأيمن ثم قسمه بين الناس، ثم حلق شقه الأيسر فأعطاه أبا طلحة. قال ابن سيرين: فذكرت ذلك لسعيد فقال لأن يكون عندي شعرة منه أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء.
وحدثني يحيى قال حدّثني سحنون وأبو اسحاق البرقي قالا: حدّثنا أشهب بن عبد العزيز قال حدثني سفيان بن عيينة أن
стр. 52
هشام بن حسان حدّثه عن محمّد بن سيرين عن أنس بن مالك إنه قال: لما رمى رسول الله، ﷺ الجمرة ثم نحر بمكة ثم ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم أمره فقسمه بين الناس [٢٦ و] وقد كان من شعر رسول الله، ﷺ ، في قلنسية خالد بن الوليد وهو يصلّي بها، ذكر ذلك مالك بن أنس. فحدثني يحيى قال حدثني سحنون والحارث وأبو زيد قالوا حدّثنا عبد الرّحمان بن القاسم قال حدّثنا مالك بن أنس قال: كان لخالد بن الوليد قلنسية فأتى بها يوم اليرموك وكان يوما شديدا متعبا، فوقعت عن رأسه فدخل مدخلا شديدا، فتعنى طلبها حتى استخرجها فعوتب في ذلك، فقال: إن رسول الله، ﷺ حين حلق رأسه أخذت شعره فجعلته فيها، فلذلك طلبتها. فقول الشافعي هذا وما ذهب إليه من هذا الغلوّ في الدّين لا شك فيه. لا يسلم من أحد شعره أو شاربه من أن يقع عليه ما قلّ منه أو كثر. وخلاف سنّة رسول الله، ﷺ ، في شعره إذ قسمه بين أصحابه. وكيف ما وصف الله، تبارك اسمه، به
стр. 53
الإسلام من السّعة إذ يقول ﵎: ﴿وما جعل عليكم في الدّين من حرج﴾ يعني من ضيق. فأيّ حرج أو أيّ ضيق هو أضيق من هذا، لو كان على ما قال الشافعي. ونسألأ الله ألّا يحرمنا التوفيق برحمته. فشدد على الأمّة بقوله هذا وخالف الكتاب والسنّة. وبالله التوفيق.
جبر العظم المكسور
وقال الشافعي: ولو انكسر عظم مسلم فأحبّ أن يجبره بعظم فلا يجوز له إلا بعظم ما يؤكل لحمه [٢٦ ظ] ذكيا، فإن رقعه بعظم ميتة، أجبره السلطان على قلعه فإن مات صار ميتا كله، والله حسيبه. فأوجب الشافعي عليه ما لعلّه يكون حتفه منه وموته منه إذ قال: أجبره السلطان على قلعه. فمن سبقه إلى هذا القول من المسلمين؟ أفلا اعتبر في كلامه هذا ما نطق به وقد مضى مثل هذا في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قال الله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس. الآية﴾ ... والجراح قصاص. ففرض الله ﵎ في الجراح القصاص. وجاز السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عن النبي ﷺ ، بإزالة القصاص في كل جرح يخاف منه التلف من المقتص منه، الموت. فحدّثني يحيى بن عمر قال حدّثني نصر بن مرزوق، قال حدّثنا أسد بن موسى قال حدّثنا ابن لهيعة، قال حدّثنا معاذ بن محمد عن ابن صهبان أن عمرو بن معدي كرب أصاب رجل بمأمومة فأراد عمر بن الخطاب أن يقتد منه فجاء رجل من
стр. 54
أصحاب رسول الله وهو العبّاس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا قود في المأمومة ولا في منقلة ولا في جائفة فأمر به عمر بن الخطاب أن يعقل.
وحدثني يحيى وأحمد بن داود قالا: حدثنا سحنون. وحدثني يحيى قال: حدثني الحارث وأبو الطاهر [٢٧ و] قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: اخبرتي اسماعيل بن عياش عمن أخبره عن أبي سعيد الخدري قال: كان أبو بكر وعمر بن الخطاب يقولان وليس في الجائفة والمأمومة والمنقلة، ولا في كل شيء لا يستطاع منه القصاص، قصاص، وكانا يقضيان في الجائفة الثلث، فإن يقدر فالثلثان. وقال عن مكحول عن زيد بن ثابت مثله، فسنّة رسول الله صلى الله عليه
стр. 55
وسلم وأصحابه كانت أولى بالشافعي أن يتبعها. ولا يحمل سلطان على أن يجبر رجلا مسلما على شيء قد يكون حتفه فيه فقد أزال النبي ﷺ القصاص في الجراح التي يخاف على المقتص منه فيها، إذ قد سلم المجروح منها، ويخاف على الجارح إن اقتص منه، أن يكون حتفه فيها. وأزالها أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت كما قد اقتصصناه عليه. وقلنا للشافعي: إنّ السّنن لا يحلّ لأحد أن يخالفها ولا [أن] يعارضها بشيء. وإنما الفرض على المسلمين اتباعها والاقتداء بها والقياس عليها. فإذا قسنا ما قلت على سنة رسول الله، ﷺ ، هذه، فأيّ الرّجلين أولى بأن لا يعرض [إلى] الحتف والموت عندك؟ أرجل ليس قبله لأحد من المسلمين حقّ في قصاص يؤخذ له به [٢٧ ظ] غير أنه جبر عظما انكسر له بعظم ميتة حتى التأم العظم وانجبر والتأم اللحم عليه والتحم فإن قطع اللحم وانكسر العظم الذي قد جبر به، وانجبر بعضه إلى بعض فتكسره حتى تخرج العظم الميت ولعلّ حتفه يكون فيه. أم رجل جرح رجلا جرحا يخاف عليه أن اقتص منه أن يموت؟ فافهم هذا يبين لك الذي قلت وذهبت إليه، [وهو] ليس كما قلت وذهبت إليه، وبالله التوفيق.
حكم أكل الذبيحة من القفى
وقال الشافعي: إذا ذبح المرء ذبيحة من القفى فتحرّكت بعدما قطع رأسها، أكلت وإلّا لم تؤكل؟ فقلنا للشافعي إنّ قولك هذا خلاف لما قال أهل العلم، لأن الذكاة إنّما تكون فيما فيها الحياة، فأمّا من قطع منها عظم القفى، وقطع نخاعها قبل أن يصل إلى مذبحها الذي فيه
стр. 56
ذكاتها وهو الحلقوم والأوداج فأيّ ذكاة لهذه؟ هذه قد أنفدت مقاتلها ولا حياة لها. أرأيت لو أنّ رجلا ضرب عنق شاة من القفى فقطع عظم قفاها ونخاعها وبقي الحلقوم والأوداج، فهي تضطرب للموت، حتى جاء رجل، فقطع الحلقوم والأوداج منها، وتحرّكت بعد ذلك أكانت تؤكل؟ أو أرأيت لو أن رجلا قطع بالسّيف شاة بنصفين فأبان كلّ نصف على حدة، فأخذ نصفها الذي فيه الرأس فذبحه فتسال الدماء وتحرّك النصفان جميعا بعد الذبح، تحرّك نصفها الأعلى بضرب [٢٨ و] يديها وتحرّك نصفها الأسفل بضرب رجليها، أيحلّ أكلها جميعا عندك بعد الذبح لأنهما تحرّكا بعد الذبح أو يحلّ الآخر؟ فهذا الذي ذبحت من القفى فقطع عظم قفاها ونخاعها قبل أن تصل إلى المذبح، وهو الحلقوم والأوداج بمنزله سواء لأن هذه لا تعيش أبدا لأن نخاعها قد انقطع. وقد جاء عن رسول الله، ﷺ ما يردّ قولك وما ذهبت إليه من قولك هذا. فحدّثني يحيى بن عمر وأحمد بن داود قالا حدّثنا سحنون، وحدّثني يحيى والحارث وأبو الطّاهر قالوا: حدّثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد بن عطاء الخراساني، أن أبا مالك الأشعري قال كان رسول ﷺ أمر له ولأصحابه بجزور فقام إليها رجل بالسّيف فضربها فقطع رأسها فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فأمر لهم بجزور أخرى، ونهاهم عن
стр. 57
أكلها، فأين قولك إنّها إذا ذبحت من القفى فتحرّكت أنّها تؤكل؟ وقد أبان سعيد بن المسيب مسألتك بعينها. وسعيد سيّد التابعين في فضله وعلمه، وإنه قال: لا يحلّ أكلها. فحدّثني يحيى بن عمر وأحمد بن داود قالا حدّثنا سحنون. وحدّثني يحيى قال حدّثني الحارث وأبو الطاهر، قالوا حدثنا عبد الله [٢٨ ظ] بن وهب قال أخبرني بن أبي ذيب عن أبي الحويرث أنّ محمد بن جبير بن مطعم أمر أعجميّا أن يذبح له دجاجة فذبحها من قفاها حتى بقيت جليدة قال أبو الحويرث فدخلنا على سعيد بن المسيب فسألناه عن ذلك، فقال لا تحلّ الألسنة إلّا من مذبحها، أرأيت لو قطع فخذها أو ساقها؟
وحدثني يحيى وأحمد قالا: حدثنا سحنون، وحدثني يحيى قال: حدثني الحارث وأبو الطاهر قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب قال: سمعت سفيان بن سعيد الثوري يحدث عن أبي أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قال: الذكاة في الحلق واللّثة.
وحدثني يحيى وأحمد قالا حدثنا سحنون وحدّثني يحيى قال حدثني الحارث وأبو الطّاهر قالوا حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدّثني يحيى بن أيّوب عن عبد الله بن زحر عن القاسم مولى عبد الرّحمان عن أبي أمامة الباهلى أن رسول الله ﷺ قال: "كل ما
стр. 58
أفرى الأوداج." ما لم يكن من ذوي ناب أو ذوي ظفر. قلنا للشافعي: أفلا ترى إلى حديث أبي أمامة عن رسول الله، ﷺ ، إذ قال صلوات الله عليه: "كل ما أفرى الأوداج." فأوجب أن الذكاة إنما هي في الحلق والأوداج [٢٩ و] وقول ابن عباس، رضى الله عنه، فافر الأوداج. فخالفت أنت هذا كله برأيك.
وقال الشافعي: وأقل ما يجزئ من الذكاة بأن يبيّن الحلقوم والمري، فإذا أبان الذابح الحلقوم والمري فقط ولم يقطع الودجين كانت [الذبيحة] مذكاة وحلّ أكلها عند الشافعي، فافهموا هذا فإنّ حجته التي احتجّ بها أعجب، إذ يحتجّ على حديث رسول الله، ﷺ إذ قال صلوات الله عليه: "كل ما أفرى الأوداج" فلم يلتفت هو إلى الأوداج. ثم قال الشافعي: وإنما أريد بفري الأوداج أنها لا تفرى إلا بعد قطع الحلقوم والمري. والودجان عرقان قد يسلان من الانسان والبهيمة ثم يحييان. فأبان في حجته أن الودجين ليسا من الذكاة في شيء. وإنما الذكاة عند الشافعي، الحلقوم والمري فقط. فيا سبحان الله ما أعجب هذا، إن أبا أمامة الباهلي يروي عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "كل ما أفرى الأوداج" ثم حديث ابن عباس ... في الحلق ومر "فافر الأوداج". فخالف هذا واحتج بمحال من الكلام: زعم أن الودجين قد يسلان من الانسان والبهيمة ثم يحييان فيعيش الفصد في العروق حتى يسيل منه الدم ما سال، ثم يحبس الدم فيلتحم ويبرأ كما يفعل الناس بفصد العروق إلا
стр. 59
من يقطع الودجين قطعا ويفريها فريا حتى يبين هذا من هذا، أو هذا من هذا. فهل بلغه قط عمّن فريت أوداجها [٢٩ ظ] فريا ثم عاشت بعد ذلك. فإن كان هذا منتهى فهمه، فهذا عظيم، وإلا فماله يطعم الناس الميتة ويأمرهم بأكلها. ونحن نسأل الله أن يلهمنا رشده وألا يحرمنا التوفيق برحمته.
وقت الآذان للصلاة
قال أبو بكر بن محمد: وقال محمد بن إدريس الشافعي: لا يؤذن لصلاة إلّا بعد دخول وقتها إلّا الصبح، وليس بقياس ولكنا اتبعنا فيه النبي ﷺ . فمن أين جاز للشافعي أن يقول هذا في حديث رسول الله، ﷺ أنه ليس بقياس ولكنا اتبعنا النبي ﷺ ؟ فإن كان حديث رسول الله ﷺ وسنته يحملها الشافعي على القياس، فإن احتملت عنده القياس وإلّا تركها فهذا جرم منه عظيم عليه، صلى الله عليه [وسلّم] وخلاف منه لما أمر الله، تبارك اسمه، عباده به إذ يقول : ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب﴾ وقال : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فنعوذ بالله من مخالفته، ومخالفة أمر رسوله ﵇. وقد روي عن النبي صلى الله
стр. 60
عليه وسلم، من غير طريق أن بلالَّا ينادي بليل فكلوا وأشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. وجاء عنه ﵇: "إنّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله: فحدّثني يحيى بن عمر قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، قال حدثنا مالك بن أنس. وحدثني يحيى قال حدثني سحنون عن ابن القاسم [٣٠ و] عن مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ بلالا ينادي بليل فكلوا وأشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وحدثني ... قال حدثني إبراهيم بن محمّد الشافعي؛ قال حدّثنا سفيان بن عييّنة عن الزّهري عن سالم عن أبيه أن النبي، ﷺ قال: "إنّ بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وحدثني يحيى بن عمر قال حدثني أبو جعفر هارون بن سعيد الايلي، قال حدثني سفيان بن عييّنة، عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وحدّثني يحيى قال حدّثني نصر بن مرزوق قال حدّثنا أسد بن
стр. 61
موسى قال حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا آذان ابن أم مكتوم".
قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا يبصر، لا يؤذن حتى يقول الناس أذّن أصبحت.
وحدثني يحيى بن عمر قال حدّثني نصر بن مرزوق قال حدّثنا أسد بن موسى قال حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "إنّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا آذان ابن أم مكتوم." [٣٠ ظ] والحديث بمثل هذا [يكثر] ذكره، وفي ذكر ما بيّنا كفاية لمن ألهم، ومقنع لذوي الهمم، وغنى [عن] التحصيل. والله الموفق لمراشد الأمور برحمته.
اختلاف نية الامام والمأموم
وقال الشافعي في إمام صلى بقوم، الظهر، في وقت العصر، فحلّ قوم قد صلوا الظهر لوقتها فدخلوا معه يريدون صلاة العصر، وهم عالمون أنّ إمامهم إنّما يصلي الظهر، فصلّوا معه ونية إمامهم الظهر، ونيتهم العصر، إن صلاتهم كلّهم مجزية عنهم، هي للامام وأصحابه ظهر وهي لهؤلاء عصر. وكذلك يقول الشافعي لو قام
стр. 62
رجل يتنفّل بركعتين فجائز عنده لمن لم يصلّ الصبح أن يصلّي خلفه الصبح، ويكون للامام نافلة وللمأموم فريضة. فأخرجه قياس قوله هذا إلى أن قال: ومن ائتم في فريضة بامرأة أو مجنون أو كافر أجزته صلاته. غير أنه قال: إذا لم يعلم. فلم يكن استثناه إذا لم يكن يعلم. وقد أبان أصل [مذهب] الشافعي وقوله في هذا المزني فرد على الشافعي قوله: من ائتم بكافر، ثم علم، أعاد [صلاته] فقال المزني: قياس قول الشافعي: "إنّ كل مصل خلف جنب وامرأة ومجنون وكافر تجزيه صلاته إذا لم يكن يعلم بحالهم لأن كلّ مصلّ لنفسه لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره" ألا ترى إلى قوله في الامام يصلّي نافلة، والمأموم به فريضة، وهم عالمون بذلك، [٣١ و] إن ذلك جائز، هي للأمام نافلة [وهي للمأموم به فريضة]
[في آخر الكتاب]
والحديث في مثل هذا يكثر علينا ذكره ... ذكرنا ما نكتفي به وبالله التوفيق. تمّ بالحمد لله وفضله وإحسانه، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلّم تسليما.
كمل الكتاب بحمد الله ونعمته وبركته وتوفيقه، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه وعلى آله.