شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
المقدمة
الجزء الأول
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 2
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقًا من الناشر
دار المنهاج للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية- جدة
حي الكندرة- شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون
هاتف رئيسي ٦٣٢٦٦٦٦ - الإدارة ٦٣٠٠٦٥٥
المكتبة ٦٣٢٢٤٧١ - فاكس ٦٣٢٠٣٩٢
ص. ب ٢٢٩٤٣ - جدة ٢١٤١٦
هاتف المؤلف ٠٥٦٢٠٠٩١٨٨
ISBN ٩٧٨ - ٩٩٥٣ - ٤٩٨ - ٣٦ - ٢
WWW.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
стр. 3
شرح صحيح مسلم
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولًا، واصطفاه من بين خلقه حبيبًا وخليلًا، وأنزل عليه الكتاب والحكمة ليكون للعالمين ضياءً ودليلًا، وجعل اتباع أمره والتخلق بأخلاقه ﷺ لمرضاته طريقًا وسبيلًا، وأفضل الصلاة وأتم السلام تتواليان أبدًا سرمدًا على أشرف خلق الله وخاتم رسل الله؛ سيدنا وحبيبنا وشفيعنا ومعلمنا محمد بن عبد الله، وعلى آله المطهرين، وأصحابه الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن خير ما بيِّن به كلام ربنا الكريم، وفسر به نظم القرآن العظيم، حديث سيدنا رسول الله الصادق الوعد الأمين، صلوات الله وسلامه عليه، الذي نقله لنا صحابته الأكرمون، فالتزموا وألزموا من بعدهم الاعتناء بهذا الكنز الثمين؛ لما في ذلك من خدمة لهذا الدين العظيم.
وقد قيض الله بمنِّه وكرمه لخدمة السنة رجالًا أفذاذًا فحولًا، قاموا بحفظها وضبطها وحملها وروايتها وشرحها ودرايتها ونقلها على أتم وجه عن سيد الأنبياء ﷺ ، حتى صارت ميسرة محفوظة، ومفسرة محظوظة.
وما ذلك إلا لبشرى النبي الكريم ﷺ ودعائه لهم حيث قال: "نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها"، وقوله ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين".
ومن أهم ما اعتنى به علماء السنة المطهرة: "صحيحَا البخاري ومسلم" ﵄ وأجزل الأجر لهما، ولقد حظيا بالنصيب الأوفر، والقسط الأزخر، وقد أكرمنا الله بنشر الطبعة اليونينية الأميرية لـ "صحيح الإمام البخاري" رحمه الله تعالى في طبعة مصححة مرقمة منقحة قيمة، فخرجت في أربع مجلدات.
وأما كتاب الإمام مسلم تلميذ الإمام البخاري .. فكانت العناية به بعد فراغنا من العناية بسالفه، ومن توفيق الله تعالى بروز هذا الشرح الموسَّع له الذي يعدُّ موسوعة
стр. 6
في العلوم الحديثية، إذ هو لعالم جليل، وجهبذ ليس له بديل، بقر بطون الكتب سالكًا في ذلك طريق السلف الأولين، فقطع مفاوز الطلب حتى وصل إلى بحار العلم، وغاص في لججها، واستخرج دررها، وحَسْبُ من يقرأ في هذا الكتاب الثمين أن يرشف من هذا البحر رشفات، فتزيده ظمأ لإكمال هذا السفر الجليل؛ فإن مؤلفه -متع الله به- جمع فيه ما استطاع من خلاصة كتب السابقين، وزينه بدرر وفرائد تدل على مكانته العلمية الرفيعة، فجاء كحسناء تتيه بقدها المياد، ولا تأبه بأعين الحساد، وصار جديرًا بما أسماه به مؤلفه: "الكوكب الوهاج والروض البهاج"؛ فإنه كوكب يتوهج في سماء تلك الشروح، وروض يبهج قلوب طلبة هذا العلم الشريف؛ لما فيه من ورود وأزهار يفوح شذاها على من ينتشق ذلك الأريج.
وختامًا: نرجو من الله تعالى أن يتقبل منا ذلك لوجهه الكريم، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكتبه
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي- مكة المكرمة
стр. 7
ترجمة الشارح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإِني أريد أن أجمع بعض التراجم للشيخ محمد أمين بن عبد الله الهرري، نزيل مكة المكرمة، المدرس في دار الحديث الخيرية في القسم العالي من هذه الدار، وكان مدرسًا في الحرم الشريف نحو ثمان سنوات قبل أن يتفرغ للتأليف.
اسمه:
هو محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن، أبو ياسين الأرمي (١) جنسًا، العلوي قبيلة، الإِثيوبي دولة، الهرري منطقة، الكرِّي ناحيةً، البُوَيطِي قرية، السلفي عقيدة الشافعي مذهبًا، السعودي إِقامة، نزيل مكة المكرمة، جوار الحرم الشريف في المسفلة حارة الرشد سابقًا، وبحيِّ الزاهر الآن.
مولده:
ولد في الحبشة في منطقة الهرر في قرية بويطة، في عصر يوم الجمعة أواخر شهر ذي الحجة سنة (١٣٤٨) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات.
نشأته:
تربَّى بيدِ والده، وهو يتيم عن أمه، ووضعه عند المعلم وهو ابن أربع سنين، وتعلم القرآن وختمه وهو ابن ست سِنين، ثم حوَّله إِلى مدارس علوم التوحيد والفقه، وحفظ من توحيد الأشاعرة "عقيدة العوام" للشيخ أحمد المرزوقي، و"الصغرى"
стр. 8
و"صغرى الصغرى" و"الكبرى" و"كبرى الكبرى" للشيخ محمد السنوسي؛ لأن أهل الحبشة كانوا وَقْتَئذ من الأشاعرة.
وحفظ من مختصرات فقه الشافعية كثيرًا كـ" مختصر بافضل الحضرمي"، و"مختصر أبي شجاع" مع "كفاية الأخيار"، و"عمدة السالك" لأحمد بن النقيب، و "زبد أحمد رسلان" ألفية في فقه الشافعية، وقرأ "المنهاج" للإِمام النووي مع شرح "مغني المحتاج"، و"المنهج" لشيخ الإِسلام الأنصاري مع شرحه "فتح الوهاب"، وقرأ كثيرًا من مختصرات فقه الشافعية ومبسوطاتها على مشايخ عديدة من مشايخ بلدانه.
رحلته:
ثم رحل إِلى سيبويه زمانه وفريد أوانه أبي محمد الشيخ موسى بن محمد الأديلي (١)، وبدأ عنده دراسة الفقه، بدأ بـ "شرح جلال الدين المحلي" على "منهاج النووي"، ثم بعد ما وصل إِلى (كتاب السلم) .. حوله شيخه المذكور -رحمه الله تعالى- إِلى دراسة النحو؛ لما رأى فيه من النجابة والاجتهاد في العلم، فقرأ عليه مختصرات النحو كـ"متن الآجرومية" وشروحها العديدة، و"متن الأزهرية"، و"ملحة الإِعراب" مع شرحه "كشف النقاب" لعبد الله الفاكهي، و"قطر الندى" مع شرحه "مجيب الندا" لعبد الله الفاكهي، وقرأ "الألفية" لابن مالك مع شروحها العديدة كـ"شرح ابن عقيل"، و"شرح المكودي"، و"شرح السيوطي".
ثم اشتغل بكتب الصرف والبلاغة والعروض والمنطق والمقولات والوضع واجتهد فيها، وحفظ "ألفية ابن مالك" و"ملحة الإِعراب" و"لامية الأفعال" و"السلم" في المنطق، و"الجوهر المكنون" في البلاغة.
وكان لا ينام كل ليلة حتى يختم القصائد المذكورة حفظًا، وكان قليل النوم في صغره إِلى كبره، حتى كان لا ينام غالبًا بعد ما كبر إِلا أربع ساعات من أربع وعشرين ساعة؛ لكثرة اجتهاده في مذاكرة العلم، وكان يدرس هذه الفنون جنب حلقة شيخه مع دراسته على الشيخ المذكور.
стр. 9
ثم رحل من عنده بعد ما لازمه نحو سبع سنوات إِلى شيخه خليل زمانه وحبيب عصره وأوانه الشيخ محمد مديد الأديلي أيضًا، فقرأ عنده مطولات كتب النحو كـ "مجيب الندا على قطر الندى" و"مغني اللبيب" كلاهما لابن هشام، و"الفواكه الجنية على المتممة الآجرومية" وغير ذلك من مطولات علم النحو، وكان يدرس أيضًا جنب حلقة شيخه وقرأ عليه أيضًا التفسير إِلى سورة (يس).
ثم رحل من عنده بعد ما لازمه ثلاث سنوات إِلى شيخه الشيخ الحاوي المفسر في زمانه الشيخ إِبراهيم بن ياسين المَاجَتِيِّ (١)، فقرأ عليه التفسير بتمامه، والعروض من مختصراته ومطولاته كـ "حاشية الدمنهوري على متن الكافي"، و"شرح شيخ الإِسلام الأنصاري على المنظومة الخزرجية"، و"شرح الصبان على منظومته في العروض"، وقرأ عليه أيضًا مطولات المنطق والبلاغة، ولازمه نحو ثلاث سنوات.
ثم رحل من عنده إِلى الشيخ الفقيه الشيخ يوسف بن عثمان الوَرْقِي (٢)، وقرأ عليه مطولات علم الفقه كـ "شرح الجلال المحلي على المنهاج"، و"فتح الوهاب على المنهج" لشيخ الإِسلام مع "حاشيته" لسليمان البُجَيرِمي و"حاشيته" لسليمان الجمل، و"حاشية التوشيح على متن أبي شجاع"، و"مغني المحتاج" للشيخ الخطيب إِلى (كتاب الفرائض)، وقرأ عليه غير ذلك من كتب الفرائض كـ "حواشي الرحبية"، و"الفُرَاتِ الفائض في فَنِّ الفرائض" -هو كتاب جيد من مطولاتها- ولازمه نحو أربع سنوات.
ثم رحل من عنده إِلى الشيخ إِبراهيم المُجِّي (٣)، فقرأ عليه "فتح الجواد" لابن حجر الهيتمي على "متن الإِرشاد" لابن المقرئ الجزءين الأولين منه.
ثم رحل من عنده إِلى شيخ المحدثين الحافظ الفقيه الشيخ أحمد بن إِبراهيم الكَرِّي، وقرأ عليه "البخاري" بتمامه، و"صحيح الإِمام مسلم" وبعض كتب الاصطلاح.
ثم رحل من عنده إِلى مشايخ عديدة، وقرأ عليهم السنن الأربعة، والموطأ، وغير ذلك من كتب الحديث مما يطول بذكره الكلام.
стр. 10
ثم رحل من عندهم إِلى الشيخ عبد الله نُورَوْ القَرْسِي (١)، فقرأ عليه مطولات كتب البلاغة كـ "شروح التلخيص" لسعد الدين التفتازاني وغيره، ومطولات كتب أصول الفقه كـ "شرح جمع الجوامع" لجلال الدين المحلي، وقرأ عليه من النحو "حاشية الخضري على ابن عقيل".
وقرأ على غير هؤلاء المشايخ كتبًا عديدة من فنون متنوعة مما يطول الكلام بذكره من كتب السيرة وكتب الأمداح النبوية كـ "بانت سعاد" و"همزية البوصيري" و"بردته" و"القصيدة الوترية" و"الطرَّاف والطرائف" و"إِضاءة الدُّجُنَّة "-ألفية في كتب الأشاعرة- وغير ذلك مما يطول الكلام بذكره.
وكان يدرِّس مع دراسته جنب حلقة مشايخه ما درس عليهم من أربع عشرة سنة من عمره، ثم استجاز من مشايخه هؤلاء كلهم التدريس استقلالًا فيما درس عليهم فأجازوا له، فبدأ التدريس استقلالًا في جميع الفنون في أوائل سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وسبعين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من الهجرة النبوية، فاجتمع عنده خلق كثير من طلاب كل الفنون زهاء ستمائة طالب أو سبعمائة طالب.
وكان يدرِّس من صلاة الفجر إِلى صلاةِ العشاء الآخرة نحو سبع وعشرين حِصَّة من حصص الفنون المتنوعة، وكان يحيي ليله دائمًا بكتابةِ التآليف، وبما قدر الله له من طاعاته.
مؤلفاته:
مؤلفاته كثيرة من كل الفنون حتى أوشكت ألا تحصى، المطبوع المنتشر منها اثنا عشر كتابًا:
١ - الباكورة الجنية في إِعراب متن الآجرومية.
٢ - الفتوحات القيومية في علل وضوابط متن الآجرومية.
٣ - الدرر البهية في إِعراب أمثلة الآجرومية.
٤ - جواهر التعليمات شرح على التقريظات ومقدمة علم النحو.
٥ - هَديّة أولي العلم والإِنصاف في إِعراب المنادى المضاف.
стр. 11
ومن الصرف:
٦ - مناهل الرجال على لامية الأفعال.
٧ - تحنيك الأطفال على لامية الأفعال.
أيضًا ومن المصطلح:
٨ - الباكورة الجنية على منظومة البيقونية.
٩ - هداية الطالب المعدم على ديباجة صحيح مسلم.
١٠ - خلاصة القول المفهم على تراجم رجال صحيح مسلم (مجلدان).
ومن كتب الأسماء والصفات:
١١ - هدية الأذكياء على طيبة الأسماء في توحيد الأسماء والصفات.
ومن التفسير:
٢ ١ - حدائق الرَّوْحِ والريحان في روابي علوم القرآن (ثلاثة وثلاثون مجلدًا، جمع فيه سبعة فنون بل ثمانية بل تسعة، لم يُسبق له نظيرٌ من كتب التفسير).
وغير المطبوع منها من الفنون المتنوعة:
من النحو:
٣ ١ - رفع الحجاب عن مُخَيَّمَات كشف النقاب حاشية على كشف النقاب على ملحة الإِعراب.
١٤ - هدية الطُّلاب في إِعراب ملحة الإِعراب.
١٥ - الصور العقلية على تراجم الألفية ومشكلاتها لابن مالك.
١٦ - التقريرات على حاشية الخَضِري على الألفية.
١٧ - المطالب السنية حاشية على الفواكه الجنية على متممة الآجرومية.
١٨ - التقريرات على مجيب النِّدا على قطر الندى كلاهما لعبد الله الفاكهي.
ومن البلاغة:
١٩ - الدرُّ المصون على الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري.
٢٠ - التقريرات على مختصر سعد الدين على تلخيص المفتاح.
стр. 12
ومن المنطق:
٢١ - الكنز المُكَتَّمُ على متن السلم للأخضري.
٢٢ - التذهيب على متن التهذيب في المنطق.
ومن العروض:
٢٣ - الفتوحات الربانية على منظومة الخزرجية في العروض.
٢٤ - التبيان على منظومة الصبان في العروض.
ومن الحديث:
٢٥ - النهر الجاري على تراجم البخاري ومشكلاته.
٢٦ - رفعُ الصدود على سنن أبي داود على الربع الأول منه لم يكمل.
ومن الأصول:
٢٧ - التقريرات على شرح المحلي على جمع الجوامع في الأصول.
ومن الفقه:
٢٨ - سلم المعراج على مقدمة المنهاج.
٢٩ - التقريرات على شرح المحلي وحاشيتي القليوبي وعميرة على المنهاج في فقه الشافعية.
٣٠ - الإمداد من رب العباد حاشية على فتح الجواد على متن الإِرشاد في فقه الشافعية.
٣١ - أضوأ المسالك على عمدة الناسك لأحمد بن النقيب.
٣٢ - التقريرات على التوشيح على غاية الاختصار.
٣٣ - التقريرات على فتح الوهاب مع حاشية التجريد لسليمان البجيرمي.
٣٤ - التقريرات على قصيدة زبد أحمد بن رسلان.
ومن المدائح النبوية والسيرة المرضية:
٣٥ - نيل المراد على متن بانت سعاد لكعب بن زهير الصحابي الجليل ﵁.
٣٦ - البيان الصريح على بردة المديح للبوصيري.
٣٧ - البيان الظريف على العنوان الشريف.
стр. 13
٣٨ - المقاصد السنية على القصائد البرعية.
٣٩ - التقريرات على همزية البوصيري.
ومنها في المصطلح:
٤٠ - جوهرة الدرر على ألفية الأثر لعبد الرحمن السيوطي.
ومنها في التوحيد:
٤١ - فتح الملك العلام في عقائد أهل الإِسلام على ضوء الكتاب والسنة.
٤٢ - نُزُلُ كِرَامِ الضيفان مقدمة حدائق الرَّوْح والرَّيحان.
ومنها:
٤٣ - مجمع الأسانيد ومظفر المقاصِدْ في أسانيدِ كل الفنون (يحتوي على أسانيد أربعمائة وخمسة وثمانين كتابًا) مطبوع.
ومنها:
٤٤ - نزهة الألباب وبشرة الأحباب على ملحة الإِعراب (مجلد ضخم على نحو أربعمائة صفحة) مطبوع.
ومنها:
٤٥ - الكوكب الوهاج والروض البهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، وهو الذي بين أيدينا الآن.
ومنها:
٤٦ - مُرْشِدُ ذوي الحجا والحاجة على سنن ابن ماجه.
ومنها:
٤٧ - المقاصد الوفية في جمع ما وقع في مسلم من الأسانيد الرباعية.
ومنها:
٤٨ - الجُهيريات في جمع الثمينيات.
ومنها:
٤٩ - البُويطيات في جمع التسيعيّات.
стр. 14
ومنها:
٥٠ - بحيرة السَّيحون على الجوهر المكنون.
ومنها:
٥١ - التقريرات على حاشية الصبان في المنطق.
ومنها:
٥٢ - التقريرات على حاشية البيجوري في المنطق.
ومنها:
٥٣ - التقريرات على البيجوري على متن السمرقندي في الاستعارة.
ومنها:
٥٤ - التقريرات على بلوغ المرام في تقاسيم الأحاديث وتفاصيلها على التراجم.
ومنها:
٥٥ - التقريرات على حاشية المخلوف على الجوهر المكنون في البلاغة.
ومنها:
٥٦ - التقريرات على شرح شيخ الإسلام وشرح الدمامينيّ، وكلاهما على المنظومة الخزرجية في العروض.
ومنها:
٥٧ - التقريرات على المقدمة الحضرمية الكبيرة، المسماة بـ "بافضل".
ومنها:
٥٨ - شرح المقدمة الحضرمية الصغيرة المسمى بـ "التبصير على المختصر الصغير".
ومنها:
٥٩ - التقريرات على حاشية أبي النجا على الأجرومية.
ومنها:
٦٠ - التقريرات على حاشية العطار على الأزهرية.
стр. 15
ومنها:
٦١ - كتاب التقريرات على جمع ما وقع في فقه الشافعية من الصور. مجلد ضخم.
ومنها:
٦٢ - التقريرات على بعض ابن ماجه ... إلى غير ذلك.
هجرته:
هجرته من الحبشة إِلى هذه المملكة السعيدة كانت في تاريخ سنة ثمان وتسعين بعد ألف وثلاثمائة كما أرخه بقوله:
هاجرت في ثمان وتسعين ... من بعد ألف وثلاثِ مِئِينْ
وكان سبب هجرته: اتفاق الشيوعيين على قتله حين أسَّس في منطقته الجبهة الإِسلامية الأروميَّة، وجاهد بهم، وأوقع في الشيوعيين قتلًا ذريعًا، وحاصروه لقتله، وخرج من بين أيديهم بعصمة الله تعالى.
وكان -بعد ما دخل هذه المملكة وحصل على النظام- مدرسًا في دار الحديث الخيرية من بداية سنة ألف وأربعمائة، وكان أيضًا مدرسًا في المسجد الحرام ليلًا نحو ثمان سنوات بإِذن رئاسة شؤون الحرمين.
وله أسانيد عديدة من مشايخ كثيرة في جميع الفنون، خصوصًا في التفسير والأمهات الست، فسبحان المنفرد بالكمال، والله أعلم.
ولقد أجزتُ لِحامل هذه الترجمة في الرواية عني جميعَ مروياتي من كل الفنون وجميع مؤلفاتي كذلك إِجازة عامة، وأوصيه وإِياي بتقوى الله تعالى في السر والعلن وصالحِ الدعوة لي في الحياة وبعد الممات، للأخ الفاضل.
وعلى هذا جرى التوقيع من المجيز والختم منه.
стр. 16
الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
ألَّفه وجَمَعه: محمد الأمين بن عبد الله الهرري ثم المكي، نزيل مكة المكرمة جوارَ الحرم الشريف في المسفلة، المدرّس في دار الحديث الخيرية نحوَ إحدى وثلاثين سنة وحاليًا، غفر الله سبحانه له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. آمين
ولقد أجاد مَن قال في مدح كتب الحديث:
لنا جلساء لا يُمَلُّ حديثُهُم ... أَلِبَّاءُ مأمونون غيبًا ومشهدا
إِذا ما خَلَونا كان خيرُ حديثهم ... معينًا على نَفْيِ الهُمومِ مؤيِّدا
يُفيدُوننا مِن عندهم عِلْمَ مَن مضى ... وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسدَّدا
فلا رِيبة تُخْشى ولا سُوءَ عِشرة ... ولا نَتَّقِي منهم لسانًا ولا يدا
فإنْ قلْتَ أموات فلسْتَ بكاذب ... وإِن قلتَ أحياء فلستَ مُفنّدا
***
стр. 17
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبهِ نستعين
خطبة الكتاب
الحمدُ للهِ الذي شَرَحَ صُدُورَ أوليائِهِ بمعارفِ أحاديثِ خيرِ أنبيائه، ورَوَّحَ بسماعها أرواحَ أهلِ ودادهِ وأصفيائِه، فسَرَّحَ سرائِرَهم في رِياضِ روضةِ قُدْسِهِ وثنائِهِ، أحمدُهُ على ما تَفَضَّلَ من توفيقِهِ وإِرشادهِ، وأَسْدَى إِلينا من آلائهِ ونعمائهِ، وأشكرُهُ على فَضْلهِ المتواترِ، وطَوْلهِ الكاملِ الوافر، وأسألهُ المزيدَ من عطائِهِ، وكشفَ حِجَابه وغِطائِه.
وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ الواحدُ الفَرْدُ الصَّمَد، الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له في ذاتهِ وصفاتِه كُفُوًا أَحَد، الْمُنْفَرِدُ في صَمَدَانِيَّتِهِ بعِزِّ كبريائهِ، وَاصِلُ مَنْ تَبَتَّلَ إِليهِ إِلى حضرةِ قُرْبِهِ وولائِهِ، وساقي علومِ معارفهِ وأسرارِهِ قلوبَ أوليائهِ وأصفيائِهِ، ومُدْرِجُ أهلِ مُرَاقَبَتهِ ومُشَاهَدَتِه في سلسلةِ خاصَّتهِ وأَحبَّائِه.
وأشهدُ أَنَّ سَيِّدنَا مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولهُ، المُرْسَلُ بصحيحِ القولِ وحَسَنِه إِلى كافَّةِ خَلْقِهِ من إِنْسِهِ وجِنِّهِ، رحمةً لأهلِ أرضهِ وسمائِه، الآمِرُ بالحقّ المشروعِ، والناهي عن المُخْتَلَقِ الموضوعِ، الماحي للوثنيَّةِ الموضوعة، بِبَوارقِ سُيوفهِ الخاطفة، وشُموسِ أنوارهِ الساطعة، فأشرقتْ مشكاةُ مصابيح الجامعِ الصحيحِ مِن أنوارِ شريعتهِ وأَنْبَائِهِ، صلَّى اللهُ -سبحانه- وسَلَّمَ عليهِ وعلى آَلهِ وأصحابهِ وخُلفائِه، وعلى كُلِّ مُتَمَسِّكٍ بدِينهِ وشريعتهِ، وداعٍ إِليهِ إِلى يومِ عَرْضِه ولقائِه.
أمَّا بعدُ: فإِنَّ عِلْمَ الأحاديثِ النبويةِ بعدَ الكتابِ العزيزِ أعظمُ العلومِ قَدْرًا، وأرقاها شَرَفًا وفَخْرًا، إِذْ عليهِ مَبْنَى قواعدِ أحكامِ الشريعةِ الإِسلاميةِ، وبهِ تظهرُ تفاصيلُ مجملاتِ الآياتِ القرآنيةِ، وكيف لا ومَصْدَرُهُ ممَّنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى؟ !
فهوَ المُفَسِّرُ للكتابِ وإِنما ... نَطَقَ النبيُّ لنا به عن ربهِ
ولمَّا قَضَت نتائجُ العقول وأدلَّةُ الشَّرعِ المنقولِ أَنَّ سعادةَ الدَّارَينِ مَنُوطةٌ بمتابعةِ هذا
стр. 18
الرسولِ، وأَنَّ المحبَّةَ الحقيقيةَ باقتفاءِ سبيلهِ واجبةُ الحصولِ .. انْتَهَضَتْ هِمَمُ أعلامِ العلماءِ والسادةِ الفضلاءِ إِلى البحثِ عن آثارهِ: أقوالهِ وأفعالهِ وإِقرارِه، فحَصَّلُوا ذلك ضبطًا وحفظًا، وبَلَّغُوهُ إِلى غيرِهم مُشَافهة ونقلًا، ومَيَّزُوا صحيحَهُ من سقيمِهِ، ومُعْوَجَّهُ من مستقيمِهِ، إِلى أن انتهَى ذلكَ إِلى إِمامَي علماءِ الصحيحِ، المُبَرِّزَينِ في علمِ التعديلِ والتجريحِ: أبي عبد اللهِ مُحَمَّدِ بنِ إِسماعيلَ الجُعْفِيِّ البُخَارِيِّ، وأَبي الحُسَينِ مسلمِ بنِ الحَجَّاجِ القُشَيرِيّ النَّيسابُورِيِّ، فجَمَعَا كتابَيهِمَا على شَرْطِ الصِّحَّةِ، وبَذَلا جُهْدَهُمَا في تَصْفِيَتِهِمَا مِنْ كُلِّ عِلَّةٍ، فتَمَّ لَهُمَا المُرادُ، وانعقدَ الإِجماعُ على تَلْقيبهما باسمِ "الصحيحينِ" (١) أو كاد (٢)، فجزاهما اللهُ تعالى عنِ الإِسلامِ أفضلَ الجزاءِ، ووَفَّاهُما مِنْ أَجْرِ مَن انتفعَ بكتابَيهما أفضلَ الإِجزاءِ.
غيرَ أنه قد ظَهَرَ لكثيرٍ من أئمَّةِ النَّقْلِ وجَهَابِذَةِ النقْدِ أَنَّ لمسلمٍ ولكتابهِ من المَزِيَّةِ
стр. 19
ما يُوجِبُ لهما أولَويَّةً، فقد حكى القاضي أبو الفَضْلِ عِياضُ بن موسى الإِجماعَ على إِمامتهِ وتقديمهِ، وصِحَّةِ حديثهِ وتميُّزهِ، وثقتهِ وقَبُولِ كتابهِ.
وكان أبو زرعة وأبو حاتم يُقَدِّمانهِ في الحديث على مشايخ عصرهما.
وقال أبو عليٍّ الحُسَينُ بن علي النيسابوريُّ: ما تحت أديم السماء أصحُّ من كتاب مسلم (١).
стр. 20
وقال أبو مروان الطُبْنِيُّ (١): كان من شيوخي مَنْ يُفَضِّلُ كتابَ مسلمٍ على كتاب البخاري.
وقال مَسْلَمة بن القاسم في "تاريخه": مسلم جليلُ القَدْرِ، ثقةٌ من أئمَّةِ المُحَدِّثين، وذَكَرَ كتابَهُ "الصحيحَ" فقال: لم يَضَعْ أَحَدٌ مِثْلَهُ.
وقال أبو حامد بن الشَّرْقِيّ: سَمِعْتُ مسلمًا يقول: ما وَضَعْتُ شيئًا في هذا المسند إِلَّا بحُجَّةٍ، وما أسقطتُ منهُ إِلَّا بحُجَّةٍ.
وقال ابنُ سفيان: قال مسلمٌ: ليس كُلُّ الصحيحِ وَضَعْتُ هنا، إِنَّما وَضَعْتُ ما أجمعوا عليهِ.
وقال مسلمٌ: ولقد عَرَضْتُ كتابي هذا على أبي زُرْعة الرازيِّ فكُلُّ ما أشارَ عليَّ أَنَّ لهُ عِلَّةً .. تَرَكْتهُ، وما قال: هو صحيحٌ ليسَ له عِلَّةٌ .. أَخْرَجْتُه (٢).
стр. 21
هذا مع أَن الكتابَ أحسنُ الأحاديثِ مساقًا، وأكمل سياقًا، وأَقَلّ تكرارًا، وأتقنُ اعتبارًا، وأَيسَرُ للحِفْظِ، وأَسْرَعُ للضَّبْطِ، مع أنه ذَكَرَ صَدْرًا مِنْ علمِ الحديث، ومَيَّزَ طبقاتِ المحدثين في القديمِ والحديث (١).
ولمَّا كان هذا الكتابُ بهذه الصِّفَةِ، ومُصَنِّفُهُ بهذه الحالةِ .. خَطَرَ لي أنْ أُعَلِّقَ عليهِ شرحًا يَفُكُّ مَبَانِيَه، ويَحُلُّ معانيَه، ويُفسِّرُ غَرائبَه، ويُبيِّنُ أغراضَه متنًا وسَنَدًا، ويشرحُ متابعتَه تابعًا ومتبوعًا، لفظًا ونحوًا ومعنىً، ويُبَيِّنُ موضعَ التراجمِ من الأحاديث، ويذكرُ التراجمَ للأحاديث التي لم يُتَرْجَمْ لها، وحكمةَ ما يُدْخِلُه في خلال الأسانيد مِن نحو: (يعني)، ومراجعَ الضمائر والإِشارات في نحو قوله: (مِثْلَه) و (نحوه) و (معناه)، وفي قوله: (بهذا الإِسناد) مما قد زَلَّتْ فيه أقدامُ كثيرٍ من ضُعفاءِ الطلَبة، وغَيرِ ذلك من الفوائد التي انْفَرَدَ بها عن سائرِ شُروح السابقين مما يطولُ ذِكْرُه، ويَصْعُبُ تَعْدَادُهُ ونشرُه -فيا كوكبًا وهَّاجًا للسالكين في مَسْرَاه، وروضا بهَّاجًا للنازلِينَ في مَغْنَاهُ- فَشَمَّرْتُ ذَيلَ العَزْمِ عن ساقِ الحَزْمِ، وأتيتُ بُيوتَ التصنيفِ من أبوابِها، وقُمتُ في جامعِ جوامعِ التأليفِ بَينَ أَئِمتِهِ بمحرابها، وأطلقتُ لسانَ القلمِ في ساحَاتِ الحِكَم بعبارةٍ صريحةٍ واضحةٍ، وإِشارةٍ قريبةٍ لائحة، لَخَّصْتُها من كلامِ الكُبراء الذين رَقَتْ في معارج علومِ هذا الشأن أفكارُهم، ومن إِشاراتِ الأَلِبَّاءِ الذين أنفقوا على اقتناصِ شواردِه أَعمَارَهُم، وبَذَلْتُ الجهدَ في تَفَهُّمِ أقاويلِ الفُهماءِ المُشَارِ إِليهم بالبَنَانِ، ومُمَارَسَةِ الدواوين المُؤَلَّفةِ في هذا الشأن.
ولم أتردَّد عن الإِعادة في الإِفادة عند الحاجة إِلى البيان، ولا في ضبْط الواضح عند علماء هذا الشأن؛ قصدًا لنفع الخاصّ والعامّ، راجيًا ثوابَ ذي الطَّوْل والإِنعام.
فدُونَك شرحًا قد أشرقَتْ عليهِ مِن شُرُفاتِ هذا الجامع أضواءُ نورِه اللامع، وصَدَعَ
стр. 22
خَطِيبُه على منبره السَّامي بالحُجَج القواطع القلوبَ والمسامع، أضاءَتْ بهجتُه فاختفَتْ منهُ الكواكبُ الطالعةُ قَبْلَه.
وبالجملةِ: فإنما أنا من لوامع أنوارهم مُقْتَبس، ومن فواضِل فضائلهم مُلْتَمِس، وخَدَمْتُ بهِ الأبوابَ النبويةَ، والحضرةَ المصطفيةَ، راجيًا أن يُتَوِّجني بتاج القبول والإِقبال، ويُجيزني بجائزةِ الرِّضا في الحال والمآل، ويُتمّم مُرادي فيه وفي جميعِ الآمالِ.
وسمّيتهُ:
"الكوكب الوَهَّاج والروض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحَجَّاج"
واللهَ أسألُ التوفيقَ والهدايةَ، والإِرشادَ إِلى سلوكِ طُرُقِ الصواب والسَّداد، والمساعدةَ لي من فُيوضاته الهاطلة وسُيولاته السائلة من أمطار سحائب جوده وفضله بمنه وكرمه وإِحسانه وطَوْله، وأنْ يُعينَني فيما قَصَدْتُه على التكميل، قبل أن يختَرِمَني الأجلُ والترحيل، فهو سبحانَهُ حسبي ونعْمَ الوكيل، وما أحسنَ قولَ بعضِهم (١):
اغْتَنِمْ فِي الفَرَاغِ شُغْلَ عُلومٍ ... فَعَسَى أنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيتَ مِنْ غَيرِ سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصحيحةُ فَلْتَهْ
وقد استحسنتُ قبلَ الشُّروعِ فيهِ أنْ أذكرَ مُقَدّماتٍ مشتملة على ما لا بُدَّ للطالب من معرفته.
رَبِّ أَكْرِمْنِي بالنهاية كما وَفَّقْتَنِي بالبدايةِ، واجْعَلْ لِي في عُمُرِي البركةَ إِلى أنْ أكمّله وشَرْحَ ابنِ مَاجَهْ. آمين.
٤/ ١ / ١٤١٩ هـ
стр. 23
مقدِّماتٌ
المقدمةُ الأُولى في ترجمة الإِمام مسلم رحمه الله تعالى
هو الإِمام الحافظ الحُجَّة مُسْلِم بن الحَجَّاج بن مُسْلِم القُشَيرِي (١)، أبو الحُسَين النَّيسابوري.
روى عن القَعْنَبِي، وأحمد بن يونس، وإِسماعيل بن أبي أُوَيس، وداود بن عَمْرو الضبيّ، ويحيى بن يحيى النَّيسابوري، والهيثم بن خارجة، وسعيد بن منصور، وشَيبان بن فَرُّوخ، وخَلْقٍ كثير قد ذُكِرُوا في هذا الجامع.
وروى عنه الترمذيُّ حديثًا واحدًا: عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن محمد بن عَمْرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة حديث: "أَحْصُوا هلال شعبانَ لرمضان" (٢)، ما له في جامع الترمذي غيره.
стр. 24
وروى عنه أيضًا: أبو الفضل أحمد بن سلمة، وإِبراهيم بن أبي طالب، وأبو عَمْرو الخفَّاف، وحُسَين بن محمد القَبَّاني، وأبو عَمْرو الْمستَمْلِي، وصالح بن محمد الحافظ، وعلي بن الحَسَنِ الهلالي، ومحمد بن عبد الوهّاب الفرَّاء وهما من شيوخه، وعلي بن الحُسَين بن الجُنَيد، وابن خُزَيمة، ويحيى بن محمد بن صاعد، والسَّرَّاج، ومحمد بن عَبْد بن حُمَيد، وأبو حامد وعبد الله ابنا الشرقي، وعلي بن إِسماعيل الصفَّار، وأبو محمد بن أبي حاتم الرازي، وإِبراهيم بن محمد بن سفيان، ومحمد بن مَخْلَد الدُّوري، وإِبراهيم بن محمد بن حمزة، وأبو عَوَانة الإِسفراييني، ومحمد بن إِسحاق الفاكهي في "كتاب مكة"، وأبو حامد الأعمشي، وأبو حامد بن حسنويه، وخَلْقٌ آخرون.
قال أبو عَمْرو المُسْتَمْلِي: أَمْلَى علينا إِسحاقُ بن منصورٍ سنة إِحدى وخمسين ومائتين، ومسلم ينتخبُ عليه وأنا أستملي، فنَظَرَ إِسحاقُ بن منصورٍ إِلى مسلمٍ فقال: لن نَعْدَمَ الخيرَ ما أبقاكَ اللهُ للمسلمين.
وقال الحاكم (١): سمعتُ أبا عبد الله محمد بن يعقوب، سمعتُ أحمد بن سلمة يقول: عُقِدَ لمسلمٍ مجلسٌ للمذاكرة، فذُكِرَ لهُ حديثٌ فلم يعرفه، فانصرفَ إِلى منزله، وقُدِّمَتْ له سَلَّةٌ فيها تمرٌ، فكان يطلبُ الحديثَ ويأخذُ تمرةً تمرةً فأصبح وقد فَنِيَ التمرُ ووَجَدَ الحديثَ. زاد غيرهُ: فكان ذلك سببَ موتهِ (٢).
تُوفِّي عشية يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الاثنين، قال محمد بن يعقوب: مات لخمسٍ بَقِينَ من رجب سنة إِحدى وستين ومائتين، وقد وافى سنّ الكهولة، مات وهو ابنُ خمسٍ وخمسين سنة، وقال غيره: وُلِدَ سنة أربع ومائتين (٣).
стр. 25
قلتُ -القائل هو الحافظ ابن حجر-: حَصَلَ لمسلمٍ في كتابهِ حَظٌّ عظيمٌ مفرطٌ لم يحصل لأحدٍ مثله؛ بحيث إِنَّ بعض الناس كان يُفَضِّلُه على "صحيح" محمد بن إِسماعيل، وذلك لما اخْتَصَّ به من جَمْعِ الطُّرُق، وجَوْدَةِ السِّياق، والمحافظةِ على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا روايةٍ بمعنىً، وقد نَسَجَ على مِنْوَالِهِ خَلْقٌ من النَّيسَابُورِيِّينَ فلم يبلغوا شَأْوَه، وحفظت منهم أكثر من عشرين إِمامًا ممن صَنَّفَ المستخرج على مسلم، فسبحانَ المعطي الوهَّاب.
وله من التصنيف غير الجامع: كتاب "الانتفاع بجلود السباع"، و"الطبقات" مختصر، و"الكنى" كذلك، و"مسند حديث مالك"، وذكره الحاكم في "المستدرك" (١) في كتاب الجنائز استطرادًا.
وقيل: إِنَّه صَنَّف مسندًا كبيرًا على الصحابة لم يتمّ.
قال الحاكم: كان تامَّ القامة، أبيضَ الرأس واللحية، يُرخي طرف عمامته بين كَتِفَيه.
قال فيه شيخه محمد بن عبد الوهاب الفَرَّاء: كان مسلمٌ من علماء الناس وأوعية العلم، ما علمته إِلا خيرًا، وكانَ بَزَّازًا، وكان أبوه الحَجَّاجُ من المشيخة.
وقال ابن الأخرم: إِنما أخرجتْ مدينتُنا هذه من رجال الحديث ثلاثةً: محمدَ بنَ يحيى، وإِبراهيمَ بنَ أبي طالب، ومسلم بن الحَجَّاج.
وقال ابن عُقْدة: قَلَّما يقعُ الغلطُ لمسلمٍ في الرجال؛ لأنه كَتَبَ الحديثَ على وجهه.
وقال أبو بكر الجارودي: حَدَّثنا مسلم بن الحجاج وكان من أوعية العلم.
وقال مَسْلَمَة بن قاسم: ثقةٌ جليلُ القَدْرِ من الأئمة.
стр. 26
وقال ابنُ أبي حاتم: كتبتُ عنه، وكان ثقةً من الحُفَّاظ، له معرفةٌ بالحديث، وسُئِلَ عنه أبي فقال: صدوق.
وقال بُنْدَار: الحُفَّاظُ أربعة: أبو زُرْعة، ومحمد بن إِسماعيل، والدَّارِمي، ومسلم". اهـ من " تهذيب التهذيب".
***
стр. 27
المقدمة الثانية في ميزة "جامعه "
قال في "كشف الظنون" (١/ ٥٥٥): (الجامع الصحيح للإِمام الحافظ أبي الحُسَين مسلم بن الحَجَّاج القُشَيري النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة إِحدى وستين ومائتين، هو الثاني من الكتب الستّة، وأحدُ الصحيحَينِ اللذّينِ هما أَصَحُّ الكُتب بعد كتاب الله العزيز).
وذَكَرَ الإِمامُ النَّوَويّ في أول شرحهِ (١/ ١٤): أَن أبا عليٍّ الحُسَينَ بنَ عليّ النيسابوريَّ شيخَ الحاكمِ قال: (ما تحت أديم السماء أصحّ من كتاب مسلم)، ووافَقَهُ بعضُ شيوخِ المغرب، وعن النَّسائي قال: (ما في هذه الكتب كلّها أجود من كتاب البخاري).
قال النوويّ: (وقد انْفَرَدَ مسلمٌ بفائدةٍ حسنةٍ، وهي كونهُ أسهلَ متناولًا من حيثُ إِنه جَعَلَ لكُلِّ حديثٍ موضعًا واحدًا يَلِيقُ بهِ، جَمَعَ فيهِ طُرُقَهُ التي ارتضاها، وأَوْرَدَ فيهِ أسانيدَهُ المتعددةَ، وألفاظَه المختلِفة، فيَسْهُلُ على الطالب النَّظَرُ في وُجُوهِهِ واستثمارُها، ويحصلُ له الثقةُ بجميعِ ما أورده مسلمٌ من طُرُقهِ، بخلافِ البخاري في ذلك.
وعن مكي بن عبدان رحمه الله تعالى قال: سمعتُ مسلمًا يقول: لو أَن أهلَ الحديثِ يكتبون مئتي سنة الحديثَ .. فمدارُهم على هذا المسند -يعني صحيحَه- وقال: صنَّفْتُ هذا المسند من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ((١).
قال ابنُ الصلاح: (شَرْطُ مسلمٍ في "صحيحه": أن يكون الحديثُ متّصلَ الإِسنادِ، بنَقْلِ الثقة عن الثقة من أوله إِلى مُنتهاه، سالمًا من الشُّذوذ ومن العِلَّة، قال: وهذا حَدُّ الصحيح، وكم من حديثٍ صحيحٍ على شرط مسلم وليس بصحيحٍ على شرط البخاري؛ لكَوْنِ الرُّواةِ عنده ممن اجتمعتْ فيهم الشُّرُوطُ المُعْتَبَرَةُ، ولم يَثْبُتْ عند البخاري ذلك فيهم) (٢).
стр. 28
وعددُ من احتجَّ بهم مسلمٌ في "الصحيح" ولم يحتجَّ بهم البخاريّ لسِتّ مئةٍ وخمسةٌ وعشرون شيخًا، ورُوي عن مسلم: أَنَّ كتابه (أربعةُ آلافِ حديثٍ) دون المُكَرَّرات (١)، وبالمُكَرَّرات (سبعةُ آلاف ومئتان وخمسةٌ وسبعون حديثًا) (٢).
ثم إِنَّ مسلمًا رَتَبَ كتابَه على الأبواب، ولكنه لم يذكر تراجمَ الأبواب، وقد ترجم جماعةٌ أبوابَه استنباطًا من الحديث بحسب ما ظَهَرَ لهم، ولكنه فيه أحاديث لم يذكروا ترجمتها، ولا تدخل في الترجمة السابقة، فيعترض بها على الترجمة؛ لعدم مطابقتها للترجمة، فتحتاج إِلى استنباط ترجمةٍ جديدةٍ لها من الحديث، وذلك موجودٌ فيه في مواضع عديدة (٣).
وذكر مسلمٌ في أول مقدمة "صحيحه" أنه قسم الأحاديثَ ثلاثةَ أقسام:
الأول: ما رواه الحُفَّاظُ المُتْقِنُون المشهورون.
الثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحِفْظ والإِتقان.
الثالث: ما رواه الضعفاء المتروكون، فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم.
وقال ابنُ عساكر في "الإِشراف على معرفة الأطراف": (إِنه رَتَّبَ كتابَه على قسمَينِ، وقَصَدَ أنْ يذكر في الأول أحاديثَ أهلِ الثقة والإِتقان، وفي الثاني أحاديثَ أهلِ الستر والصِّدْق الذين لم يبلغوا درجة المُتثبّتين، فحال حلول المَنِيَّة بينه وبين هذه الأُمنيّة، فمات قبل إِتمامِ كتابه واستيعابِ تراجمه وأبوابه، غيرَ أَنَّ كتابَه مع إِعوازه
стр. 29
اشْتَهر، وسار صيتُه في الآفاق وانتشَرَ) اهـ، ولم يذكر القسم الثالث (١).
ثم إِنَّ جماعة من الحُفَّاظ استدركوا على "صحيح مسلم" وصَنَّفُوا كُتُبًا؛ لأنَّ هؤلاء تأخروا عنه وأدركوا الأسانيد العالية، وفيهم مَنْ أدرك بعضَ شيوخ مسلم فخَرَّجُوا أحاديثَه (٢).
قال الشيخ أبو عَمْرو بن الصلاح: (هذه الكتب المُخَرَّجة تلتحق بصحيِح مسلم في أَنَّ لها سِمَةَ الصحيح وإِنْ لم تَلْتَحِقْ به في خصائصه كلها، ويُستفادُ من مُخرَّجاتهم ثلاثُ فوائدَ: عُلُوُّ الإِسناد، وزيادةُ قُوَّة الحديث بكثرة طُرُقه، وزيادةُ ألفاظٍ صحيحة مفيدة.
ثم إِنهم لم يلتزموا فيها الموافقة في ألفاظ الأحاديث من غير زيادةٍ ولا نَقْصٍ؛ لكونهم يَرْوُونها بأسانيد أُخر، فأوجب ذلك بعض التفاوت في بعض الألفاظ) (٣).
فصل في ذكر الكتب المخرجة على صحيح مسلم
والكتب المستخرجة على صحيح مسلم كثيرة (٤):
الأول منها: مستخرج أبي جعفر أحمد بن حَمْدان بن علي النيسابوري (٥)،
стр. 30
المتوفى سنة إِحدى عشرة وثلاثمائة.
والثاني: مستخرج أبي النَّضْر (١) محمد بن محمد بن يوسف الطُّوسي الشافعي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
والثالث منها: المسند الصحيح لأبي بكر محمد بن محمد بن رَجَاء النيسابوري الإِسفراييني الحافظ، وهو مُتَقَدِّمٌ يُشَارِكُ مسلمًا في أكثر شيوخه، ومات سنة ست وثمانين ومائتين.
والرابع منها: مختصر المسند الصحيح المؤلَّف على كتاب مسلم للحافظ أبي عَوَانة يعقوب بن إِسحاق الإِسفراييني، المتوفى سنة ست عشرة وثلاثمائة، روى فيه عن يونس بن عبد الأعلى وغيرِه من شيوخ مسلم (٢).
والخامس منها: مستخرج أبي حامد أحمد بن محمد الشَّارَكي الفقيه الشافعي الهَرَوي، المتوفى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، يروي عن أبي يعلى المَوْصِلي (٣).
والسادس منها: المسند الصحيح لأبي بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَقي النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
والسابع: المسند المستخرج على كتاب مسلم للحافظ أبي نُعَيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة.
стр. 31
والثامن: المخرج على صحيح مسلم لأبي الوليد حَسَّان بن محمد القرشي الفقيه الشافعي، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة (١).
ومنهم من استدرك على البخاري ومسلم، ومن ذلك: كتاب الدارقطني المسمَّى بـ "الاستدراكات والتتبُّع"، وذلك في مئتي حديث مما في الكتابين، وكتاب أبي مسعود الدمشقي، ولأبي علي الغسَّاني في كتابه "تقييد المهمل" في جزء العلل منه استدراكٌ أكثرُه على الرُّواة عنهما (٢)، وفيه ما يلزمهما.
قال النووي: وقد أُجِيبَ عن كُلِّ ذلك أو أكثرِه (٣). اهـ نقلًا عن "شرحه" (١/ ٢٧) ملخصًا.
стр. 32
فصل آخر في شروحه
ولصحيح مسلم أيضًا شروحٌ كثيرة (١):
الأول منها: شرح الإمام الحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة، وهو شرحٌ متوسط مفيدٌ، سمّاه "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحَجَّاج"، قال (١/ ٥): (ولولا ضعفُ الهمَمِ وقِلَّةُ الراغبين .. لبسطتهُ فبلغتُ به ما يزِيدُ على مئةِ من المُجَلَّدات ... لكني أقتصرُ على التوسُّط) اهـ وهو مطبوع.
والثاني: مختصر هذا الشرح للشيخ شمس الدِّين محمد بن يوسف القُونَوي الحنفي، المتوفى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.
стр. 33
والثالث: شرح القاضي عياض بن موسى اليَحْصُبي المالكي، المتوفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة، سمَّاه: "إِكمال المُعْلِم بفوائد مسلم" كمَّلَ بِهِ "المُعْلِم" للمازري، وهو مطبوع.
والرابع: شرح أبي عبد الله محمد بن علي المازري، المتوفَّى سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وسمَّاه: "المُعْلِم بفوائد مُسْلِم"، وهو مطبوع.
والخامس: شرحُ أبي العباس أحمد بن عُمر بن إِبراهيم القرطبي، المتوفى سنة ستّ وخمسين وستمائة، وهو شرحٌ على مُخْتَصَرٍ له، ذَكَرَ فيه أنه لمَّا لخَّصه ورَتَّبَه وبَوَّبَه .. شَرَحَ غريبَه، ونبَّه على نكتِ من إِعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه، وسَمَّاه: "المُفْهِم لِمَا أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم"، أولُ الشرح (١/ ٨٣): الحمدُ لله كما وَجَب لكبريائه وجلاله ... إِلخ. وهو مطبوع.
والسادس: شرحُ الإِمام أبي عبد الله محمد بن خِلْفة (١) الوَشْتَانِيّ الأبّيّ المالكي، المتوفى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وهو كبيرٌ في أربع مجلدات، أوله (١/ ٤٧): الحمد لله العظيم سلطانه ... إِلخ، سمّاه: "إِكمال إِكمال المُعْلِم"، ذكر فيه أنه ضَمَّنَه كتب شُرَّاحه الأربعة: المازري، وعِياض، والقُرطبي، والنَّوَوي، حيث قال في الديباجة:
ولما كانت أسماء هذه الشروح يكثر دَوْرُها في الكتاب .. اكْتَفَيتُ عن اسم كل واحد بحرف من اسمه، فجعلت (م) للإِمام المازري، و (ع) للقاضي عِيَاض، و (ط) للقُرْطبي، و (د) لمحيي الدين النَّوَويّ، ولفظ "الشيخ" إِلى شيخه ابن عرفة، مع زيادات مكملة وتنبيه، ونَقَلَ عن شيخه أبي عبد الله محمد بن عرفة أنه قال: ما يَشُقُّ على فَهْمٍ شَيءٌ كما يَشُقُّ من كلامِ عِياض في بعض المواضع من "الإِكمال"، وهو مطبوع (٢).
стр. 34
والسابع: شرح عماد الدِّين عبد الرحمن بن عبد العلي المصري، المعروف بـ (ابن السُّكَّري)، المتوفى سنة أربع وعشرين وستمائة.
والثامن: شرح غريبه للإمام عبد الغافر بن إِسماعيل الفارسي، المتوفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، سَمَّاه: "المفهم في شرح صحيح مسلم".
والتاسع: شرح شمس الدين أبي المُظَفّر يوسف بن قِزْأُوْغْلِي (١)، سِبْطِ ابن الجَوْزي، المتوفى سنة أربع وخمسين وستمائة.
والعاشر: شرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزَّوَاويّ، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهو شرح كبير في خمس مجلدات، جَمَعَ بين "المُعْلِم" و"الإِكمال" و"المنهاج" (٢).
والحادي عشر: شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي، المتوفى سنة ست
стр. 35
وعشرين وتسعمائة، ذكره الشعراني، قال: وغالبُ مُسَوَّدَتِهِ بِخَطِّي.
والثاني عشر: شرح الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة إِحدى عشرة وتسعمائة، سَمَّاه: "الديباج على صحيح مسلم بن الحَجَّاج"، وهو مطبوع.
والثالث عشر: شرح الإمام قِوام السُّنَّة أبي القاسم إِسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ، المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة (١).
والرابع عشر: شرح الشيخ تقي الدِّين أبي بكر بن محمد الحِصْني الدمشقي الشافعي (٢)، المتوفى سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
والخامس عشر: شرح الشيخ شهاب الدِّين أحمد بن محمد القَسْطَلَّاني الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وسَمَّاه: "منهاج الابتهاج بشرح مسلم بن الحَجَّاج"، بَلَغَ إِلى نحو نصفه في ثمانيةِ أجزاءٍ كبار.
والسادس عشر: شرح مولانا عَلِيٍّ القاريّ الهَرَوي، نزيل مكة المكرمة، المتوفى سنة ستّ عشرة وألف، في أربع مجلدات (٣).
ولصحيح مسلم مختصرات:
الأول منها: مختصر أبي عبد الله شرف الدِّين محمد بن عبد الله المُرْسِيّ، المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة.
والثاني منها: مختصر زوائد مسلم على البخاري (٤) لسراج الدِّين عُمر بن علي بن المُلَقِّن الشافعي، المتوفى سنة أربع وثمانمائة، وهو كبيرٌ في أربع مجلدات.
والثالث منها: مختصر الإِمام الحافظ زَكِي الدين عبد العظيم بن عبد القَويّ المُنْذِري، المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة، وهو مطبوع.
стр. 36
والرابع منها: شرح هذا المختصر لعثمان بن عبد الملك الكردي المصري، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
والخاص منها: شَرْحه أيضًا لمحمد بن أحمد الإسنوي، المتوفى سنة ثمان وستين وسبعمائة.
وعلى مسلم كتابٌ لمحمد بن أحمد بن عَبَّاد الخَلَّاطِي الحنفي، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وكتابُ أسماءِ رجاله لأبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين، والله أعلم.
***
стр. 37
المقدّمة الثالثة مقدّمة العلم
ينبغي لكُلِّ شارع في فَنٍّ من الفنون أن يعرف المبادئ العشرة المشهورة؛ ليكونَ على بصيرةٍ فيه من أَول الأمر، وإِلَّا .. صار كمَنْ ركب متن عمياء، وخبط خبط ناقة عشواء، وهي: الحَدُّ، والموضوع، والثمرة، والفضل، والنسبة، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، والمسائل.
وقد جَمَعَها محمد بن علي الصبَّان في هذه الأبيات فقال:
إِن مَبَادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَهْ: ... الحَدُّ، والموضوعُ، ثُمَّ الثَمَرَهْ
وَفَضْلُه، ونِسْبَةٌ، والوَاضِعْ ... والاسمُ، الاستمدادُ، حُكْمُ الشارِعْ
مسائلٌ، والبعضُ بالبعضِ اكْتَفَى ... ومَنْ دَرَى الجميعَ حَازَ الشَّرَفا
فالآن نشْرَعُ في علم الحديث ونقول:
علم الحديث نوعان: علمُ الحديثِ روايةً، وعلمُ الحديثِ درايةً.
فأمَّا عِلْمُ الحديثِ روايةً وهو الذي نُريدُ الشُّروعَ فيه:
فحَدُّه: هو عِلْمٌ يشتملُ على ما أُضِيفَ إِلى النبي ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا؛ أي: يشتملُ على رواية ذلك في نَقْلِهِ وضَبْطِهِ وتحريرِ ألفاظه.
وموضوعهُ: ذاتُ رسول الله ﷺ من حيث أقوالُهُ وأفعالُه وتقريراتُه.
وثمرتهُ -أي: فائدتهُ-: الاحترازُ عن الخطإ في نَقْلِ ذلك، وقيل: فائدتهُ: الفوزُ بسعادةِ الدارين كما في "التدريب" (١/ ٤١).
وفضلهُ: فَوَقَانه على سائر العلوم.
ونسبتهُ: تباينُه لسائر العلوم.
وواضعُه: محمدُ بن شِهابِ الزهْرِيُّ في خلافة عُمر بن عبد العزيز؛ أي: إِنه أول
стр. 38
مَنْ دَوَّنَه وجَمَعَهُ بأَمْرِ عُمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى.
واسمُه: عِلْمُ الحديث روايةً.
واستمدادُه: من أقوالهِ وأفعالهِ وتقريراتهِ ﷺ .
وحُكْمُه: الوجوبُ العينيُّ فيما يتعلَّقُ بالواجبات، والنَّدْبُ في غيره.
ومسائلُه: قضاياه الباحثةُ عن أقوالهِ وأفعالهِ وتقريراتهِ ﷺ من حيثُ الرفعُ والوقفُ والاتصالُ والانقطاعُ؛ كقولهم: كُلُّ قولٍ أو فعلِ رُفِعَ إِلى النبي ﷺ .. فهو مرفوعٌ مثلًا.
وأمَّا عِلْمُ الحديثِ دِرايةً؛ أي: من جهة الدِّرايةِ والتفكُّرِ في أسانيدهِ ومُتُونهِ فنقول:
حَدُّه: عِلْمٌ بقوانين يُعرَفُ بها أحوالُ السَّنَدِ والمتنِ من صِحَّةٍ وحُسْنٍ وضَعْفٍ، وعُلُوٍّ ونُزُولِ، ورَفْعِ وقَطْعٍ، وكيفية التحمُّل والأداء، وصفات الرجال من عدالة وفِسْق، وغير ذلك.
وموضوعُه: الراوي والمَرْويُّ من حيث القبولُ والردُّ.
وثمرتهُ -أي: فائدتهُ-: معرفةُ ما يُقْبَلُ وما يُرَدُّ من ذلك.
وفضلهُ: فوقانُه على سائر العلوم بالنظر إِلى ما يبحثُ فيه.
ونسبتهُ: تباينهُ وتخالفهُ لسائر العلوم.
وواضعهُ: القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الشهير بِالرَّامَهُرْمُزِيّ بفتح الميم وضمّ الهاء وسكون الراء الثانية وضمّ الميم الثانية.
واسمهُ: علم مصطلح الحديث، ويُسَمَّى: علمَ الحديث دِرايةً كما تقدَّم.
واستمدادهُ: من الأحاديث النبوية والآثار المرويّة.
وحُكْمُه: وجوبُه العينيُّ على قارئ الحديث، والكفائيُّ على أهل كُلّ ناحية.
ومسائلهُ: قضاياه الباحثةُ عن أحوال السَّنَد والمتن، كقولهم: كُلُّ حديثٍ اشتمل على اتصال السَّنَد والعدالة والضبط وخلا عن الشُّذوذ وعن العِلَّة القادحة .. فهو صحيح، وكقولهم: كُلُّ ما اخْتَلَّ فيه شيءٌ من ذلك .. فهو ضعيف.
стр. 39
قال الحافظ ابن حجر (١): وهو -أي: الرَّامَهُرْمُزِيُّ- أولُ مَنْ صَنَّفَ في اصطلاح هذا الفن، فعَمِلَ كتابَهُ المُسَمَّى بـ "المُحَدِّثِ الفاصِل" بكسر الدال المشددة والصاد، لكنّه لم يَسْتَوْعِب. اهـ من "لقط الدرر".
فائدة في بيان الألفاظ التي جَرَتْ على ألسنتهم:
(الطالب): هُوَ مُرِيدُ فَنِّ الحديثِ، الشارِعُ فيه بحيث لم يَصِلْ إِلى مرتبة الشيخ.
(المُحَدِّث): مَنْ عرفَ رجال الرواية والمرويَّ في الذي حدَّث به.
(الحافظ): مَنْ حَفِظَ مائة ألفِ حديثِ متنًا وإسنادًا، عالمًا بأحوال رواتها من تاريخ وفاةٍ وجَرْحٍ وتعديل.
(الحُجَّة): مَنْ حَفِظَ ثلاثمائة ألف حديث متنًا وإِسنادًا كذلك.
(الحاكم): مَنْ أحاط عِلْمُه بكُلِّ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ .
(المُسْنِد) بكسر النون: هو مَنْ يروي الحديثَ بإسناده، سواءٌ كان عنده علمٌ به أو ليس له إلا مجردُ روايةٍ، وهو أدنى رُتْبَةً من الحافظ والمُحَدِّث، قال المُنَاويُّ: أخرج ابنُ أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" عن الزُّهْري أنه قال: لا يُولَدُ الحافظُ إلا في كُل أربعينَ سنة. اهـ منه.
فائدة أخرى:
والكتب المؤلَّفة في الحديث -أعني فَنَّ الرواية- تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول: الجامع، وهو الكتاب الذي جُمعت فيه الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه كالأمهات الست، أو على ترتيب الحروف الهجائية كجامع ابن الأثير.
والثاني: المُسْنَد، وهو الكتاب الذي جمع فيه مسند كل صحابي على حدة، صحيحًا كان أو ضعيفًا، كمسند الإمام أحمد.
والثالث: المُعْجَم، وهو الكتاب الذي ذكرت فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مُرَتَّبِينَ على حروف الهجاء.
стр. 40
والرابع: المَشْيَخةُ -بفتح الميم وسكون الشين وكسرها- وهو الكتاب الذي يشتمل على ذكرِ الشيوخ الذين لَقِيهم المؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإِن لم يَلْقَهم.
والخامس: الجزء، وهو الكتاب الذي دُوِّن فيه حديث شخص واحد، أو مادة واحدة من أحاديث جماعة، ويُسَمَّى الجزءُ أيضًا بـ (الفائدة)، أفاده هامش "التدريب" (١/ ٤٠ - ٤١).
الفرق بين الحديث والسُّنَّة والخَبَر والأثر:
أمَّا الحديث: فهو لغةً: ضِدُّ القديم، وأمَّا اصطلاحًا: فقد تَقَدَّمَ لكَ بيانُه وأنه ينقسمُ إِلى قسمين.
وأمَّا السُّنَّة: فهي لغةً: الطريقةُ، واصطلاحًا: ما أُضِيفَ إِلى النبي ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، فهي على هذا مرادفة للحديث بالمعنى المتقدّم.
وقيل: الحديثُ خاصٌّ بقولهِ وفعلهِ، والسُّنَّةُ عامَّةٌ.
وأمَّا الخبر: فهو لغةً: ضِدُّ الإِنشاء، واصطلاحًا: قيل: هو مرادفٌ للحديث بمعناه الاصطلاحي، وقيل: الحديثُ: ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبرُ: ما جاء عن غيره، ومِنْ ثَمَّ قيل لمن يشتغل بالحديث: مُحَدِّثٌ، وبالتواريخِ ونحوها: أَخْباريٌّ (١).
وقيل: الحديثُ أَخَصُّ من الخبر، فكُلُّ حديثٍ خبرٌ ولا عكس.