Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ. فَأَحْلَلْنَ. قَالتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ. فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيتِ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيلَةُ الْحَصْبَةِ قَالتْ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قَال: "أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ " قَالتْ: قُلْتُ: لَا. قَال: "فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". قَالتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَال: "عَقْرَى
ــ
ﷺ (لم يسقن الهدي فـ) لذلك (أحللن) بالتقصير بعد الطواف والسعي (قالت عائشة فحضت) أنا في سرف ودخلنا مكة وأنا حائض (فلم أطف بالبيت) بسبب الحيض وأمرني رسول الله ﷺ بإحرام الحج، ووقفت عرفة معهم وأنا حائض، ونزلنا منى يوم النحر فانقطع حيضي، فنزلت مكة، وطفت طواف الإفاضة، ورجعت إلى منى للمبيت ليالي التشريق (فلما كانت ليلة الحصبة) أي الليلة التي بعد ليالي التشريق التي ينزل فيها الحجاج في المحصب وهي ليلة أربع عشرة، والمشهور في الحصبة سكون الصاد وجاء فتحها وكسرها وهي أرض ذات حصى (قالت) عائشة (قلت يا رسول الله يرجع الناس) غيري (بعمرة) منفردة (وحجة) منفردة (وأرجع أنا بحجة) مفردة (قال) لي رسول الله ﷺ (أ) تقولين ذلك (وما كنت طفت) طواف العمرة (ليالي قدمنا مكة قالت) عائشة (قلت) له ﷺ (لا) أي لم أطف لعارض الحيضة، ثم (قال) لي (فأذهبي مع أخيك) عبد الرحمن (إلى التنعيم فأهلي بعمرة، ثم موعدك) بالرفع على الابتداء خبره الظرف في قوله (مكان كذا وكدا) بالنصب على الظرفية أي وعد لقائك إيانا كائن في مكان كذا وكذا ويصح رفعه على الخبرية أي مكان وعد لقائك مكان كذا وكذا لأن الموعد يصلح أن يكون مصدرًا ووقتًا ومكانًا كما نص عليه أهل اللغة، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها (قالت صفية) بنت حيي رضي الله تعالى عنها لما أراد النبي ﷺ الرجوع إلى المدينة، وقد طافت طواف الإفاضة يوم النحر، ثم حاضت أي قالت للنبي ﷺ وأزواجه (ما أراني) أي ما أظن نفسي (إلا حابستكم) أي مانعتكم من الرحيل إلى المدينة لانتظار طهري وطوافي الوداع قالته ظنًّا منها أن طواف الوداع لا يسقط من الحائض، والحال أنه بموضع السقوط عنها واسناد الحبس إليها على سبيل المجاز المرسل فلما سمعها رسول الله ﷺ (قال) رسول الله ﷺ (عقرى) لها
стр. 5497
حَلْقَى. أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قَالتْ: بَلَى. قَال: "لَا بَأْسَ. انْفِرِي". قَالتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيهَا. أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا
ــ
(حلقى) لها بفتح أولهما وسكون ثانيهما وبالقصر فيهما بغير تنوين لألف التأنيث المقصورة في الرواية ويجوز في اللغة وصوبه أبو عبيد لأن معناهما الدعاء بالعقر والحلق كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها، وعلى الأول هو نعت لا دعاء ثم معنى عقرى عقرها الله تعالى أي جرحها وطعنها، وقيل جعلها عاقرًا لا تلد، وقيل عقر قومها، ومعنى حلقى حلق الله شعرها وهو زينة المرأة أو أصابها وجع في حلقها أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم، قال القرطبي: وهي كلمة تقولها اليهود للحائض فهذا أصل هاتين الكلمتين ثم اتسع العرب في قولها بغير إرادة حقيقتها ومعناها كما قالوا: قاتلك الله، وتربت يداك ونحو ذلك مما ظاهره الدعاء بالمكروه ولا يقصدونه على ما تقدم في الطهارة، قال القرطبي وغيره: اختلف كلامه ﷺ في عائشة وصفية باختلاف المقام فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النسك فسلّاها بقوله: "هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم" وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله كما ورد في رواية فابدت المانع فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة كذا في فتح الباري (أ) تقولين ذلك (وما كنت طفت يوم النحر) طواف الإفاضة الذي هو أحد أركان الحج (قالت) صفية (بلى) طفت يوم النحر (قال) لها رسول الله ﷺ (لا بأس) أي لا حرج ولا ضرر عليك في ترك طواف الوداع بسبب الحيض (انفري) بكسر الفاء، وفي رواية اخرجي، وفي رواية فلتنفر، وفي رواية قال اخرجوا، ومعانيها متقاربة، والمراد بها كلها الرحيل من منى إلى جهة المدينة أي اخرجي من منى راجعة إلى المدينة فإن طواف الوداع ساقط عن الحائض لعذر الحيض والله أعلم.
(قالت عائشة فلقيني رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أنه ﷺ (مصعد) أي مبتدئ السير والذهاب (من مكة) بعد طوافه للوداع (وأنا منهبطة عليها) أي هابطة على مكة داخلة فيها لطواف العمرة (أو) قالت عائشة فلقيني رسول الله ﷺ و (أنا) أي والحال أني (مصعدة) على مكة أي داخلة فيها لطواف العمرة (وهو) ﷺ (منهبط منها) أي خارج منها بعد طواف الوداع، والشك من الراوي عنها، قال في مجمع البحار: قوله (وهو مصعد من مكة) الخ وهو
стр. 5498
وَقَال إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ.
٢٨١٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي. لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرةً. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حدِيثِ مَنْصُورٍ.
٢٨١١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ
ــ
بمعنى صاعد من أصعد بمعنى صعد ولا ينافي هذا حديث (فجئنا رسول الله ﷺ وهو في منزله من جوف الليل) كما مر قريبًا لأنه كان قد خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادر بعد الطواف وهي راحلة لطواف عمرتها ثم لقيته بعد وهو بالمحصب، قال النواوي: وأما قولها في الرواية الماضية فأذن في أصحابه فصر بالبيت وطاف فيتأول على أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن طوافه ﷺ كان بعد خروجها إلى العمرة وقبل رجوعها، وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة، وقوله (أو أنا مصعدة) الخ هذا شك من الراوي (وقال إسحاق) بن إبراهيم (متهبطة) بدل منهبطة (ومتهبط) بدل منهبط والمعنى واحد والهبوط ضد الصعود.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة تاسع عشرها في حديثها فقال:
٢٨١٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني نسبة إلى الحديثة بلدة على الفرات (عن علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ غرضه بيان متابعة الأعمش لمنصور (قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي) أي نذكر التلبية ونقول لبيك لبيك، حال كوننا (لا نذكر حجًّا ولا عمرة) في أول الأمر عند خروجنا من المدينة قبل أن يبين لهم أنواع الإحرام ويأمرهم بها اهـ مفهم، ولا معارضة في ذلك لما تقدم من الاختلاف في إحرام النبي ﷺ (وساق الحديث) الأعمش (بمعنى حديث منصور) لا بلفظه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة عشريها في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٨١١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن
стр. 5499
بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنِ غُنْدَرٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَينِ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها؛ أَنَّهَا قَالتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَرْبَعٍ مَضَينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ. فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ. فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ! أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ. قَال: "أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ
ــ
بشار جميعًا عن غندر) محمد بن جعفر الهذلي (قال ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم) بن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بزين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه، من (٣) (عن ذكوان مولى عائشة) أبي عمرو المدني، ثقة، من (٣) (عن) مولاته (عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة ذكوان لمن روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنها قالت قدم رسول الله ﷺ مكة (لأربع) ليالي (مضين من ذي الحجة أو) قالت لـ (خمس) ليال مضين من ذي الحجة، شك منها أو من الراوي عنها وقد ثبت في حديث جابر أنه ﷺ قدم صبح رابعة مضت من ذي الحجة (فدخل عليّ) رسول الله ﷺ (وهو) أي والحال أنه ﷺ (غضبان) أي ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ الحج إلى العمرة، قال النواوي: أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشيء وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فغضب ﷺ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم، وفيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين (فقلت) له ﷺ (من أكضبك يا رسول الله أدخله الله النار) دعاء كأنها سبق لها أن الذي يغضب النبي ﷺ إنما هو منافق فدعت عليه بذلك اهـ مفهم، أو إخبار قاله القاري في المرقاة، وجملة أدخله الله النار ساقطة في المبارق فيكون الكلام لمجرد الاستفهام (قال) رسول الله ﷺ (١) عجبتِ من ذلك وقلتِهِ (وما شعرت) بفتح العين أي وما علمت (أني أمرت الناس بأمر) لهم فيه مصلحة في دينهم؛ وهو أمره ﷺ إياهم بأن يحلقوا رؤوسهم
стр. 5500
فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟ " (قَال الْحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا"
ــ
ويحلوا من إحرامهم (فإذا هم) أي الناس (يترددون) أي يتوقفون في امتثال ذلك الأمر أي فاجأني ترددهم وتوقفهم، وإذا للمفاجأة وما بعدها جملة اسمية، قال ابن الملك: ترددهم في صيرورتهم حلالًا من إحرامهم كان لعدم إحلال النبي ﷺ اهـ ويدل عليه تتمة الحديث وهو قوله "ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي" (قال الحكم) بالسند السابق (كأنهم يترددون أحسب) أي أحسب وأظن شيخي علي بن الحسين قال (كأنهم يترددون) بدل قوله (فإذا هم يترددون) أي شك الحكم هل سمع من شيخه لفظة فإذا هم يترددون أو لفظة كأنهم يترددون، قال القاضي: قوله (قال الحكم كأنهم يترددون) كذا وقع هذا اللفظ وهو صحيح وإن كان فيه إشكال قال: وزاد إشكاله تغيير فيه؛ وهو قوله قال الحكم كأنهم يترددون وكذا رواه ابن أبي شيبة عن الحكم؛ ومعناه أن الحكم شك في لفظ النبي ﷺ مع ضبطه لمعناه فشك هل قال يترددون أو نحوه من الكلام، ولهذا قال بعده أحسب أي أظن أن هذا لفظه، ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر ولم يذكر الشك من الحكم في قوله يترددون والله أعلم اهـ (ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) أي لو كنت علمت قبل إحرامي ما علمته بعده من تردد الناس في تحللهم وانتظارهم تحللي لأحرمت بحمرة ولـ (ما سقت الهدي معي حتى أشتريه) بمكة أو ببعض جهاتها (ثم أحل كما حلوا) أي مقارنًا بإحلالهم وعدم تحللي كان لأني سقت الهدي معي والناس لم يكونوا كذلك، وسوق الهدي معي يمنع الحل إلى أن ينحر الهدي، قال تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وذلك يوم النحر، وقال في العون: معناه لو علمت أولًا ما علمت آخرًا وظهر لي أولًا ما ظهر لي آخرًا ما سقت الهدي اهـ، وقال ابن القيم: معنى هذا الكلام أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه والذي استقبله هو الذي لم يغعله بعد بل هو أمامه فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي اهـ، وقال الزرقاني: في شرحه أي لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي أي لما جعلت عليّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين يديّ، فإن من ساقه لا يحهل حتى ينحره وإنما ينحره يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة ومن لا هدي معه يجوز
стр. 5501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له فسخه، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا اهـ، قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس الصحابة لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه اهـ، قال القرطبي: وهذا الكلام يدل على أنه ﷺ ما أحرم به متحتمًا متعينًا عليه وأنه كان مخيرًا بين أنواع الإحرام فأحرم بأحدها ثم إنه لما قلد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحره يوم النحر بمحله؛ فمعنى الكلام لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر لي عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة ولما سقت الهدي، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوسهم وتسكينًا لهم اهـ من المفهم، وفي فتح الملهم: قال بعض مشايخنا وهذا التمني لم يقع منه لكون ما تمناه أفضل مما اختاره الله له ﷺ من القرآن بل لكونه أسهل لحث الصحابة على قبول ما أمر به من فسخ الحج إلى العمرة وأقوى وأبلغ في التأثير في نفوسهم حين تحرجوا وتوقفوا فيه، وفي قصة الحديبية أظهر شاهد على هذا ففي البخاري في الشروط فلما فرغ من الكتاب قال ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم إحلقوا رؤوسكم" فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرإت، فلما لم يقم منهم واحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، وفي رواية ابن إسحاق فقال لها: ألا ترين إلى الناس أني أمرتهم بالأمر فلا يفعلونه" فقالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، وفي رواية أبي المليح فاشتد ذلك عليه فدخل على أم سلمة فقال: "هلك المسلمون، أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا" قال: فجلا الله عنهم يومئذ بأم سلمة فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك! ! اخرج ثم لا تكلم منهم أحدًا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم منهم أحدًا حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا. فانظر كيف بادروا إلى فعل ما أمرهم به بعد ما فعل هو بنفسه ﷺ إذ لم يسق غاية ينتظرونها، ونظيره ما وقع لهم في غزوة الفتح في رمضان من أمره لهم بالفطر من رمضان فأبوا حتى شرب فشربوا، وهكذا في حجة الوداع لو أمكنه الموافقة لهم على الفسخ والإحلال بفعله لكان الأمر هينًا عليهم وأذهب لما ضاقت به صدورهم، ولكن سوق الهدي قد منعه من الإحلال فلهذا تأسف على ما فاته وتمنى ما تمناه.
стр. 5502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الأبي: ولا يؤخذ منه أن التمتع أفضل لأنه تمنى أن يكون متمتعًا وإنما يتمنى الأفضل لأن الشيء قد يكون أفضل باعتبار ذاته وقد يكون باعتبار ما يقترن به، ولا يلزم أن يكون أفضل باعتبار ذاتة وهو هنا كذلك لأن هذا التكليف يقترن به أنه قصد موافقة الصحابة في الفسخ بما شق عليهم اهـ. (قلت) ونظير تمنى الانتقال من الأفضل إلى المفضول ما قال ابن عمرو بن العاص في آخر عمره: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ أي في الصيام مع أنه كان يصوم صوم داود وهو أفضل الصيام بنص الحديث، ولكن تمنيه ﵁ إنما كان لمصلحة نفسه، وتمنيه ﷺ كان لمصالح ترجع إلى أمته حين شق على بعضهم امتثال ما أمر به فكان هو الأصوب إذ ذاك والله أعلم. قال الدهلوي ﵀: الذي بدا لرسول الله ﷺ أمور منها أن الناس كانوا قبل النبي ﷺ يرون العمرة في أيام الحج من أفجر الفجور فأراد النبي ﷺ أن يبطل تحريفهم ذلك بأتم وجه، ومنها أنهم كانوا يجدون في صدورهم حرجًا من قرب عهدهم بالجماع عند إنشاء الحج حتى قالوا: أنأتي عرفة ومذاكيرنا تقطر منيًّا وهذا من التعمق فأراد النبي ﷺ أن يسد هذا الباب، ومنها أن إنشاء الإحرام عند الحج أتم لتعظيم البيت وإنما كان سوق الهدي مانعًا من الإحلال لأن سوق الهدي بمنزلة النذر بأن يتبع على هيئته تلك حتى يذبح الهدي والذي يلتزمه الإنسان إذا كان حديث نفس أو نية غير مضبوطة بالفعل لا عبرة به وإذا اقترن بها فعل وصارت مضبوطة وجبت رعايتها، والضبط مختلف فأدناه باللسان وأقواه أن يكون مع القول فعل ظاهر علانية يختص بالحالة التي أرادها كالسوق به والله أعلم بالصواب اهـ، قال النواوي: وفي الحديث دليل على جواز قول لو في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن لو تفتح عمل الشيطان فحمول على التاسف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال لوفي غير حظوظ الدنيا ونحوها ليُجمع بين الأحاديث بما ذكرناه اهـ من فتح الملهم، وهذه الرواية انفرد بها المؤلف رحمه الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة حادي عشريها في حديث عائشة ﵂ فقال:
стр. 5503
٢٨١٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ. سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَينِ عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها. قَالتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لأرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ مَضَينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ: يَتَرَدَّدُونَ.
٢٨١٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها؛ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيتِ حَتَّى حَاضَتْ
ــ
٢٨١٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ بن نصر التميمي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا شعبة عن الحكم سمع علي بن الحسين عن ذكوان عن عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة معاذ بن معاذ لمحمد بن جعفر في رواية هذا الحديث عن شعبة (قالت) عائشة (قدم النبي ﷺ لأربع) ليال مضين (أو) قالت لي (خمس) ليال (مضين من ذي الحجة) وساق معاذ بن معاذ (بمثل حديث غندر و) لكن (لم يذكر) معاذ في روايته (الشك) الواقع (من الحكم في قوله) كأنهم (يترددون) أي لم يذكر في زيادة كأنهم شكًا، والظاهر أن معاذًا شك في زياداته أيضًا والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثاني عشريها في حديث عائشة ﵂ فقال:
٢٨١٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) (حدثنا بهز) بن أسد العمِّي البصري، إمام صدوق ثقة، من (٩) (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني المحميري، ثقة فاضل، من (٦) (عن أبيه) طاوس بن كيسان، ثقة، من (٣) (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة طاوس لمن روى عن عائشة (أنها أهلت) أي أحرمت (بعمرة) ولم تسق الهدي (فقدمت) مكة (ولم تطف بالبيت) طواف العمرة (حتى حاضت) وقي الكلام تقدير؛ والمعنى أنها أهلت بعمرة ولم تسق الهدي فحاضت في سرف فقدمت مكة وهي حائض ولم تطف بالبيت لعارض الحيض "حتى حاضت" أي فاستمر حيضها إلى يوم التروية
стр. 5504
فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا. وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ. فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، يَوْمَ النَّفْرِ: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ" فَأَبَتْ. فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
٢٨١٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَابِ. حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها، أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ. فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ. فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"
ــ
فأحرمت بالحج (فنسكت) أي ففعلت (المناسك) أي مناسك الحج كلها) من الوقوف والرمي والمبيت، وانقطع حيضها يوم النحر فنزلت إلى مكة فطافت للإفاضة (و) الحال أنها (قد أهلت بالحج) يوم التروية فرجعت إلى منى (فقال لها النبي ﷺ يوم النفر) أي يوم النزول والرجوع من منى إلى المحصب (يسعك) أي يجزئك (طوافك) للإفاضة (لحجك وعمرتك) لأنها أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة (فأبت) أي امتنعت عن الاكتفاء به، لا إباء جحود نعوذ بالله منه، بل إباء عن الفاضل بالميل إلى الأفضل (فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت) منه (بعد الحج).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالث عشريها في حديثها فقال:
٢٨١٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي الخلال (الحلواني) المكي، ثقة، من (١١) (حدثنا زيد بن الحباب) العكلي الخراساني أبو الحسين الكوفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (حدثني إبراهيم بن نافع) المخزومي أبو إسحاق المكي، ثقة، من (٧) (حدثني عبد الله بن أبي نجيح) يسار الثقفي مولاهم أبو يسار المكي، ثقة، من (٦) (عن مجاهد) بن جبر المخزومي أبي الحجاج المكي، ثقة، من (٣) (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة مجاهد لمن روى عن عائشة (أنها حاضت بسرف) موضع قريب إلى التنعيم فمُنعت من العمرة فاحرمت بالحج (فتطهرت بعرفة) أي قل دمها بعرفة فنزلت إلى منى وانقطع دمها فيها فطافت الإفاضة (فقال لها رسول الله ﷺ : يجزئ عنك طوافك) بالبيت وسعيك (بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك).
стр. 5505
٢٨١٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيرِ بْنِ شَيبَةَ. حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيبَةَ. قَالتْ: قَالتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَينِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَنْطلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيمِ. قَالتْ: فَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ. قَالتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي. فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ. قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أحَدٍ؟
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابع عشريها فقال:
٢٨١٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن حبيب) بن عربي (الحارثي) البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد الهجيمي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (حدثنا قرة) بن خالد السدوسي أبو خالد البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٣) بابا (حدثني عبد الحميد بن جبير بن شيبة) بن عثمان بن طلحة العبدري الحجبي المكي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (حدثثنا) عمتي (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية المدنية، لها رؤية، روى عنه في (٥) أبواب (قالت: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد مكي، غرضه بسوقه بيان متابعة صفية بنت شيبة لمن روى عن عائشة (يا رسول الله أيرجع) بهمزة الاستفهام الإنكاري أي هل يرجع (الناس) غيري (بأجرين) أجر العمرة المفردة وأجر الحج (وأرجع) أنا (بأجر) واحد أجر الحج، وإن كان في ضمنها عمرة، فالاستفهام شكاية على صورة الإنكار (فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (أن ينطلق) ويذهب (بها) أي بعائشة (إلى التنعيم) موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت، سمي بالتنعيم لأن على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم كما مر (قالت) عائشة (فأردفني) أي أركبني عبد الرحمن (خلفه على جمل له) والجمل ذكر الإبل (قالت) عائشة (فجعلت) أي شرعت في الطريق (أرفع خماري) عن رأسي، والخمار ثوب تغطي به المرأة رأسها، حالة كوني (أحسره) بكسر السين وضمها لغتان أي أكشف خماري وأزيله (عن عنقي فيضرب) عبد الرحمن (رجلي) التي كانت على ورك الجمل (بعلةِ الراحلة) أي بسبب ضرب الجمل (قلت له) أي فأقول له (وهل ترى من أحد) معنا؟ قال النواوي:
стр. 5506
قَالتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَينَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ.
٢٨١٦ - (١١٨٣) (١٠٣) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ
ــ
المشهور في النسخ أنه بباء من أسفل وعين مهملة مكسورة ولام مشددة أي فيضرب رجلي بسبب الراحلة أي في صورة من يضرب الراحلة، ويكون قوله بعلة أي بسبب، والمعنى أنه يضرب رجل أخته بعود أو سوط بيده عامدا لها في صورة من يضرب الراحلة حين تكشف خمارها غيرة عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد معنا؟ أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه، وإنما ذكرت هذا إشعارًا بحفظ القصة والله أعلم (قالت) عائشة (فأهللت) أي فاحرمت (بعمرة ثم أقبلنا) أي توجهنا من التنعيم إلى مكة (حتى) فرغنا من عمرتنا و (انتهينا) أي وصلنا (إلى رسول الله ﷺ وهو بالحصبة) أي بالمحصب وقد مر تفسيره، قال النواوي: اختلفت الروايات في حديث عائشة هذا في هذه الرواية قالت: ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ وهو بالحصبة، وفي بعضها "فلقيني رسول الله ﷺ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها" وفي أخرى "فجئنا رسول الله ﷺ وهو في منزله فقال: هل فرغت؟ فقلت: نعم، فأذن في أصحابه، فخرج فمر بالبيت وطاف" وجهُ الجمعِ بين هذه الروايات أنه ﷺ بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصب وواعدها أن تلحقه بعد اعتمارها، ثم خرج هو ﷺ بعد ذهابها فقصد البيت ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكل هذا في الليلة التي تلي أيام التشريق فلقيها ﷺ وهو صادر بعد طواف الوداع وهي داخلة لطواف عمرتها ثم فرغت من عمرتها ولحقته ﷺ وهو بعد في منزله بالمحصب، وأما قولها فأذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف فيتأول على أن في الكلام تقديما وتأخيرًا أن طوافه ﷺ كان بعد خروجها إلى العمرة وقبل رجوعها وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ فقال:
٢٨١٦ - (١١٨٣) (١٠٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمد بن عبد الله (بن
стр. 5507
نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو. أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ.
٢٨١٧ - (١١٨٤) (١٠٤) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. جَمِيعًا عَن اللَّيثِ بْنِ سَعْدٍ. قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّهُ قَال: أَقْبَلْنَا مُهِلَّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ. وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ. حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
ــ
نمير قالا حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي، ثقة، من (٤) (أخبره عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفي تابعي كبير، ثقة، من (٢) مات بعد التسعين من الهجرة، قال في التقريب: وهم من ذكره في الصحابة (أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مدني وواحد طائفي وواحد مكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي (أن النبي ﷺ أمره) أي أمر عبد الرحمن (أن يردف عائشة) أي يركبها خلفه على ظهر البعير (فيعمرها من التنعيم) أي فيجعلها تعتمر من التنعيم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الحج، والترمذي في الحج، والنسائي في المناسك في الكبرى اهـ تحفة الأشراف.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة بحديث جابر ﵄ فقال:
٢٨١٧ - (١١٨٤) (١٠٤) (حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح) بن المهاجر المصري (جميعًا عن الليث بن سعد) المصري (قال قتيبة: حدثنا ليث) بصيغة السماع (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم (عن جابر ﵁ وهذا السند من رباعياته (أنه قال أقبلنا) من المدينة (مهلين) أي محرمين (مع رسول الله ﷺ بحج مفرد) عن العمرة (وأقبلت عائشة) محرمة (بعمرة) وليس معها هدي (حتى إذا كنا بسرف) بوزن علم؛ موضع قريب إلى التنعيم كما مر (عركت) بفتح العين والراء المهملتين من باب قعد يقال عركت تعرك عروكا إذا حاضت (حتى إذا قدمنا) مكة (طفنا بالكعبة و) سعينا بين (الصفا
стр. 5508
فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَال: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَال: "الْحِل كلُّهُ" فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ. وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ. وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا. وَلَيسَ بَينَنَا وَبَينَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ. ثمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْويَةِ. ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂. فَوَجَدَهَا تَبْكِي. فَقَال: "مَا شَأْنُكِ؟ " قَالتْ: "شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ. وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ. وَلَمْ أَحْلِلْ. وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيتِ. وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ. فَقَال: "إِنَّ هذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ،
ــ
والمروة فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي) من إحرامه بالحلق أو التقصير (قال) جابر ﵁ (فقلنا) لرسول الله ﷺ (حل) خبر مقدم (ماذا) استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ مؤخر أي هذا الحل الذي أمرتنا به أي حل هو أي هل هو حل من جميع المحرمات أم من بعضها، وقوله (قال الحل) خبر لمبتد! محذوف (كله) توكيد له أي هذا الحل الذي أمرتكم به الحل كله لا بعضه أي جميع ما يحرم على المحرم يحل لكم حتى النساء لأنكم فسختم الحج إلى العمرة، وقد فرغتم من جميع أعمالها فحصل لكم الحل كله لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، قال جابر (فواقعنا) أي جامعنا (النساء وتطيبنا) أي استعملنا (بالطبب ولبسنا ثيابنا) المخيطة (وليس) أي والحال أنه ليس (بيننا وبين) يوم (عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة (إلا أربع ليال) فاستمتعنا في تلك الليالي (ثم أهللنا) بالحج أي أحرمناه (يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة (ثم) بعدما أحرم الناس بالحج (دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي فقال) لها (ما شأنك) وحالك في بكائك، ما استفهامية خبر مقدم للزومها الصدارة، وشأنك مبتدأ مؤخر أي شأنك وسببك في بكائك ما هو أي لأي شيء تبكي (قالت) له ﷺ (شأني) وسببي في بكائي (أني قد حضت) ومنعت من عمل العمرة (وقد حل النَّاس) غيري ممن لم يكن معه هدي من إحرام الحج بعمل عمرة (ولم أحلل) أنا أي لم أتحلل من عمرتي لعارض الحيض (ولم أطف بالبيت) ولا بين الصفا والمروة (والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال) لها (أن هذا) الدم (أمر) أي شيء كتبه الله) في سابق علمه وقدره (على بنات آدم) ﵇ اللاتي منهن حواء لأنها خلقت
стр. 5509
فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ" فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ. حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ قَال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا" فَقَالتْ: يَا رَسُول اللهِ، إِني أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَال: "فَاذْهَبْ بِهَا، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَأَعْمِرْهَا مِنَ التنْعِيمِ" وَذلِكَ لَيلَةَ الْحَصْبَةِ.
٢٨١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ (قَال ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثنَا. وَقَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ
ــ
من ضلعه الأيسر (فاغتسلي) غسل الإحرام الذي الغرض منه النظافة لا الطهارة (ثم أهلي بالحج) قالت عائشة (ففعلت) ما أمرني به رسول الله ﷺ من الاغتسال ثم الإحرام بالحج (ووقفت المواقف) مع الناس مواقف الحج كلها من عرفة ومزدلفة (حتى إذا طهرت) عائشة رضي الله تعالى عنها من حيضها أي انقطع منها وحصل لها النقاء نزلت إلى مكة و (طافت بالكعبة) طواف الإفاضة (و) سعت بين (الصفا والمروة ثم قال) لها رسول الله ﷺ (قد حللت) أي تحللت (من حجك) الذي أدخلته على العمرة (وعمرتك) التي أقبلت بها من المدينة لاندراج عملها في عمل الحج أي تحللت منهما (جميعًا) ما بقي عليك شيء من أعمالهما (فقالت) عائشة (يا رسول الله إني أجد في نفسي) أي في قلبي شيئًا من نقصان نسكي (أني) أي لأني الم أطف بالبيت) طواف العمرة لعارض الحيض حين قدمنا مكة (حتى حججت) أي أدخلت عليها الحج (قال) رسول الله ﷺ لأخي عبد الرحمن بن أبي بكر إذًا (فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك) المذكور من المحاورة التي جرت بيني وبينه ﷺ وأمره لعبد الرحمن كائن (ليلة الحصبة) أي في ليلة نزولهم في المحصب والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود والنسائي كلاهما في المناسك اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٢٨١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (وعبد بن حميد) الكسي (قال ابن حاتم حدثنا وقال عبد أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني البصري، صدوق، من (٩) (أخبرنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج)
стр. 5510
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهِيَ تَبْكِي. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيثِ إِلَى آخِرِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيثِ.
٢٨١٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ) حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها، فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَال: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سهْلًا. إِذَا هَويَتِ الشَّيءَ
ــ
الأموي المكي، ثقة، من (٦) (أخبرني أبو الزبير) المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لليث بن سعد حالة كون جابر (يقول دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ وهي تبكي فذكر) ابن جريج (بمثل حديث الليث إلى آخره ولم يذكر) ابن جريج (ما قبل هذا) أي ما قبل قوله (وهي تبكي) (من حديث الليث) السابق.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه فقال:
٢٨١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو غسان المسمعي) مالك بن عبد الواحد البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا معاذ يعني ابن هشام) الدستوائي البصري (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله الدستوائي البصري (عن مطر) بن طهمان الوراق السلمي البصري، صدوق، من (٦) (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر بن عبد الله) ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد مدني وواحد مكي، غرضه بيان متابعة مطر لليث بن سعد (أن عائشة رضي الله تعالى عنها في حجة النبي ﷺ حجة الوداع (أهلت بعمرة وساق) مطر (الحديث) السابق (بمعنى حديث الليث) بن سعد لا بلفظه (وزاد) مطر (في الحديث) لفظة (قال) جابر (وكان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا) أي سهل الخلق كريم الشمائل لطيفًا ميسرًا في الخلق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (إذا هويت) عائشة (الشيء) من أمور الدين أو الدنيا من هوى يهوى من باب رضي إذا أحب
стр. 5511
تَابَعَهَا عَلَيهِ. فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، مِنَ التَّنْعِيمِ. قَال مَطَرٌ: قَال أَبُو الزُّبَيرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ
ــ
لا من هوى يهوى من باب رمى إذا سقط (تابعها) أي تابع النبي ﷺ عائشة ووافقها (عليه) أي على ذلك الشيء المحبوب لها، قال النووي: معناه إذا هويت شيئًا لا نقص فيه في الدين مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه، وفيه حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا سيما فيما كان من باب الطاعة اهـ (فأرسلها) أي فأرسل عائشة (مع عبد الرحمن بن أبي بكر) إلى التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة (فأهلت) أي أحرمت (بعمرة من التنعيم قال مطر) الوراق بالسند السابق (قال) لنا (أبو الزبير) المكي (فكانت عائشة) دائمًا بعد وفاة النبي ﷺ (إذا حجت صنعت كما صنعت مع نبي الله ﷺ في حياته، لعل المراد أنها كانت تعتمر من التنعيم دائمًا في كل الأعوام.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث، الأول حديث عائشة ذكره للاستدلال وذكر فيه أربعًا وعشرين متابعة، والثاني حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ذكره للاستشهاد، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
***
стр. 5512
٤٧١ - (٢٧) باب: يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد
٢٨٢٠ - (١١٨٥) (١٠٥) حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁. ح وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁. قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ. مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْولْدَانُ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
ــ
٤٧١ - (٢٧) باب يجزئ القارن طواف واحد وسعي واحد
٢٨٢٠ - (١١٨٥) (١٠٥) (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي الكوفي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي الكوفي، ثقة، من (٧) (حدثنا أبو الزبير عن جابر ﵁ ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (واللفظ) الآتي (له) ليحيى (أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية، وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغتي شيخيه لأن أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير، ويحيى قال: أخبرنا أبو خيثمة (عن أبي الزبير عن جابر ﵁ وهذان السندان من رباعياته الأول منهما رجاله اثنان كوفيان وواحد مدني وواحد كوفي والثاني منهما رجاله واحد مدني وواحد مكي وواحد كوفي وواحد نيسابوري (قال) جابر (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة (مهلين) أي محرمين (بالحج) من ذي الحليفة (معنا النساء والولدان) أي الأولاد، قال النواوي: ففيه صحة حج الصبي والحج به، ومذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي ويثاب عليه ويترتب عليه أحكام حج البالغ إلا أنه لا يجزئه عن فرض الإسلام، وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: لا يصح له إحرام ولا حج ولا ثواب فيه ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحج، قال: وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم، قال: وكذلك لا تصح صلاته وإنما يؤمر بها لما ذكرناه وكذلك عنده سائر العبادات، والصواب مذهب الجمهور لحديث ابن عباس ﵄ إن امرأة رفعت صبيا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" كما سيأتي اهـ (فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة) أي درنا حول البيت وسعينا بين الصفا والمروة، وقال ملا علي: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير.
стр. 5513
فَقَال لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ" قَال: قُلْنَا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَال: "الْحِلُّ كُلُّهُ" قَال: فَأَتَينَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسْنَا الطِّيبَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْويةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأوَّلُ بَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الإِبِلِ وَالْبَقَرِ. كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ
ــ
علفتها تبنًا وماءًا باردا
(فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحلل، قال) جابر (قلنا) لرسول الله ﷺ (أي الحل) هذا الحل أي هل هو الحل العام لكل ما حرم بالإحرام حتى الجماع أو حل خاص؟ (قال) لنا رسول الله ﷺ هو (الحل كله) حتى الجماع (قال) جابر (فأتينا النساء) أي جامعناها (ولبسنا الثياب) المحيطة (ومسسنا الطيب) أي تطيبنا به هو بكسر السين الأولى هذه هي اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها حكاها أبو عبيد والجوهري، قال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسًّا فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة مسست الشيء بالفتح أمسه بضم الميم، وقال: وربما قالوا مِسْت الشيء يحذفون منه السين الأولى وينقلون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا ينقل ويترك الميم على حالها مفتوحة كذا في الشرح (فلما كان يوم التروية) وجاء وهو اليوم الثامن (أهللنا) أي أحرمنا (بالحج وكفانا الطواف الأول) أي السعي الأول (بين الصفا والمروة) يعني القارن منها وهم الذين ساقوا الهدي، وأما المتمتع الذي أحل بعمل عمرة وهم الذين لم يسوقوا الهدي فلا بد له من السعي بين الصفا والمروة للحج بعد طواف الإفاضة والرجوع من عرفات لأن السعي الأول للعمرة والله أعلم، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطًا في شرح حديث عائشة أول الباب (فأمرنا رسول الله ﷺ في دم القران (أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا) مبتدأ خبره محذوف تقديره يشترك (في بدنة) واحدة أو في بقرة، وجملة الابتداء مفسرة لجملة الفعل، قال في المصباح: والبدنة هي ناقة أو بقرة، وزاد الأزهري أو بعير ذكر، وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى فإذا وجبت جنوبها سميت بذلك لعظم بدنها، وإنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة وهي قوله ﷺ : "تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" ففرق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة لما ساغ عطفها
стр. 5514
٢٨٢١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵁ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إلا طَوَافًا وَاحِدًا زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: طَوَافَهُ الأَوَّلَ
ــ
لاقتضاء العطف المغايرة، وكذلك في حديث غسل الجمعة المذكور في الصحيحين "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" الحديث، وفي الحديث دلالة على إجزاء كل واحدة من البدنة أو البقرة عن سبعة أنفس وقيامها مقام سبع شياه، وفيه دلالة على جواز الاشتراك في الهدي والإضحية وبه قال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما رحمهم الله تعالى. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته النسائي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٢٨٢١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (حدثنا يحيى بن سعيد) القطان البصري (عن ابن جريج ح وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا محمد بن بكر) البرساني البصري (أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير) المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة ابن جريج لزهير بن معاوية في رواية هذا الحديث عن أبي الزبير، وهذا السند مؤخر عما قبله في أكثر النسخ، والأولى تقديمه عليه ليتصل المُتَابِع بالمُتَابَع (يقول لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه) ممن ساقوا الهدي معهم (بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا) أي سعيًا واحدًا لأنهم قارنون فليس عليهم إلا سعي واحد، اكتفاء بالسعي الأول الذي سعوا بعد طواف القدوم (زاد) عبد بن حميد (في حديث محمد بن بكر) البرساني لفظة (طوافه الأول) بالنصب بدل من المستثنى لأنه يجوز إبدال المعرفة من النكرة، والضمير عائد إلى النبي ﷺ والمعنى لم يطف النبي ﷺ بين الصفا والمروة إلا طوافه الأول، وكذا أصحابه الذين ساقوا الهدي.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث جابر وذكر فيه متابعة واحدة.
стр. 5515
شرح صحيح مسلم
المسمَّى
الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي
العلوي الهَرَري الشافعي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البرفسور هاشم محمد علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
المقدمة
الجزء الرابع عشر
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 5516
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المنهاج
جدة - السعودية
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 5517
شرح صحيح مسلم
стр. 5518
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5519
(شعر)
وذِكْرُكَ لِلمُشْتَاقِ خَيرُ شَرابِ ... وكُلُّ شَرابٍ دُوْنَهُ كسَرَابِ
لَهُ أَحَادِيثُ في ذِكْرَاكَ تَشْغَلُه ... عَنِ الشَّرابِ وتُلْهِيهِ عَنِ الزَّادِ
لَهُ بِوَجْهِك نورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ ... وَمِنْ حَدِيثِكَ في أَعْقَابِهِ حَادِي
وأنشد الشعبي وابن مهدي:
دِينُ النَّبي مُحمَّدٍ أَخْبَارُ ... نِعْمَ المَطيَّةُ لِلفَتَى الآثَارُ
لَا تَرْغَبَنَّ عَنِ الحَدِيثِ وأَهْلِهِ ... فَالرَّأيُ لَيلٌ والحَدِيثُ نَهارُ
التاريخ ١٢/ ٦ / ١٤٢٣ هـ
стр. 5520
٤٧٢ - (٢٨) باب: إحرام المتمتع يوم التروية إذا توجه إلى منى
٢٨٢٢ - (١١٨٦) (١٠٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄. قَال: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، لَمَّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنَى. قَال: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطَحِ.
٢٨٢٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ
ــ
٤٧٢ - (٢٨) باب إحرام المتمتع يوم التروية إذا توجه إلى منى
٢٨٢٢ - (١١٨٦) (١٠٦) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي (حدثنا يحيى بن سعيد) التميمي القطان البصري (عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ وهذا السند من خماسياته (قال) جابر (أمرنا النبي ﷺ أي أمر المتمتعين منا الذين لم يسوقوا الهدي (لما أحللنا) من عمرتنا وتمتعنا بعد التحلل (أن نحرم) بالحج يوم التروية (إذا) خرجنا من مكة و (توجهنا) أي أقبلنا (إلى منى قال) جابر (فأهللنا) أي أحرمنا بالحج (من الأبطح) هو بطحاء مكة وهو متصل بالمحصب، وقد يستدل به من يجوز للمكي والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفي المسئلة وجهان لأصحابنا أصحهما لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة، وأفضله من باب داره، وقيل من المسجد الحرام، والثاني يجوز من مكة ومن سائر الحرم فمن قال بالثاني احتج بحديث جابر هذا لأنهم أحرموا من الأبطح وهو خارج مكة لكنه من الحرم، ومن قال بالأول وهو الأصح قال: إنما أحرموا من الأبطح لأنهم كانوا نازلين فيه، وكل من كان دون الميقات المحدود فميقاته منزله كما سبق في باب المواقيت كذا قال النواوي في الشرح والله أعلم. وقال في الهداية: فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من المسجد، والشرط أن يحرم من الحرم، وأما المسجد فليس بلازم اهـ قال ابن الهمام: بل هو أفضل ومكة أفضل من غيرها من الحرم والشرط الحرم اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري والنسائي وابن ماجه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ هذا فقال:
٢٨٢٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي
стр. 5521
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. قَال: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، فِي نَاسٍ مَعِي. قَال: أَهْلَلْنَا، أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ. قَال عَطَاءٌ: قَال جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ. قَال عَطَاءٌ: قَال: "حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ". قَال عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيهِمْ. وَلكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. فَقلْنَا: لَمَّا لَمْ
ــ
(حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن ابن جريج أخبرني عطاء) بن أبي رباح القرشي مولاهم أبو محمد المكي، ثقة، من (٣) (قال) عطاء (سمعت جابر بن عبد الله ﵄ الأنصاري السلمي ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عطاء لأبي الزبير في الرواية عن جابر، وفائدتها رفع إبهام عنعنة أبي الزبير في السند الأول أي سمعته (في ناس) أي مع ناس كانوا (معي) أي سمعته (قال أهللنا أصحاب) بالنصب على الاختصاص بعامل محذوف تقديره أخص أصحاب (محمد ﷺ أي أحرم كثير منهم (بالحج خالصًا) عن شوب نية العمرة، وقوله (وحده) أي مفردًا حال ثانية مؤكدة للأولى أي أحرمنا بالحج ليس معه عمرة وهذا محمول على ما كانوا ابتدأوا به ثم وقع الإذن بإدخال العمرة على الحج وبفسخ الحج إلى العمرة فصاروا على ثلاثة أقسام مثل ما قالت عائشة: منا من أهل بحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من جمع (قال عطاء قال) لنا (جابر فقدم النبي ﷺ مكة (صبح) بضم الصاد وكسرها اهـ نووي، أي قدم مكة صبيحة ليلة (رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا) أي أمر من لم يسق الهدي من (أن نحل) بفتح النون وكسر الحاء من حل الثلاثي أي أن نخرج من إحرامنا (قال عطاء) قال جابر في بيان صيغة أمر النبي ﷺ (قال) لنا رسول الله ﷺ (حلوا) بكسر الحاء بصيغة أمر الثلاثي؛ أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي (وأصيبوا النساء) أي باشروا حلائلكم وجامعوهن (قال عطاء) قال جابر (ولم يعزم) النبي ﷺ أي لم يجزم ولم يؤكد أمر إصابة النساء وجماعهن (عليهم) أي على الذين أمرهم بالتحلل أي لم يأمرهم أمرًا جازمًا في وطء النساء بل أباحه لهم، وأما الإحلال فعزم فيه على من لم يكن معه هدي اهـ نووي فأمر حلوا للوجوب وأصيبوا للإباحة وقد تقدم قالوا أي الحل قال الحل كله (ولكن أحلهن لهم فقلنا) فيما
стр. 5522
يَكُنْ بَينَنَا وَبَينَ عَرَفَةَ إلا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا. فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ! قَال: يَقُولُ جَابِرٌ بيَدِهِ (كأَني أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا) قَال: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا. فَقَال: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقاكُمْ لِلهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ. وَلَوْلا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ. وَلَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا
ــ
بيننا أي قال بعضنا لبعض (لما لم يكن بيننا وبين) يوم (عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة (إلا خمس) ليال فلما حينية متعلقة بقوله (أمرنا) أي حين لم يبق بيننا وبين يوم عرفة إلا خمس ليال أمرنا (أن نفضي) بضم النون من الإفضاء بمعنى الإيصال أي أمرنا أن نصل ونضم (إلى نسائنا) أي حلائلنا بالجماع والمباشرة (فـ) بعد ذلك (نأتي) ونحضر (عرفة) أراد بها عرفات، قال في المصباح: يقال وقفت بعرفة كما يقال بعرفات، فنأتي بالنصب معطوف على نفضي، والفاء بمعنى ثم كما أشرنا إليه في الحل، وقيل بالرفع نص عليه ملا علي أي فنحن حينئذ نأتي عرفات مع مقاربة النساء بقربها فكرهوا ذلك فضلًا عن كراهيتهم الاعتمار في أشهر الحج، حالة كوننا (تقطر) وتصب (مذاكيرنا) أي ذكرنا (المني) فالجملة حالية وهو كناية عن قرب الجماع، وقول عمر بن الخطاب في هذا المعنى فيما يأتي (تقطر رؤوسهم) أحسن من هذا، قال ملا علي: وكان ذلك عيبًا في الجاهلية حيث يعدونه نقصًا في الحج اهـ، وقطر من باب نصر يتعدى ولا يتعدى، والمذاكير جمع الذكر بمعنى آلة الذكورة على غير قياس، وأما الذكر خلاف الأنثى فيجمع على ذكور وذكران (قال) عطاء (يقول جابر) أي يشير (بيده) إلى صفة تقاطر المذاكير المني حالة كونه يحركها ففيه إطلاق القول على الفعل، ومثله قوله (كأني أنظر) الآن (إلى قوله) أي إلى قول جابر وإشارته (بيده) حالة كونه (يحركها) أي يحرك يده ويميلها، حكاية لصفة المذاكير عند تقطير المني، وجملة (كأني) إلخ من كلام عطاء، قال الكرماني: هذه الإشارة لبيان كيفية القطر، ويحتمل أن تكون إلى محل التقطر اهـ (قال) جابر (فقام النبي ﷺ فينا) زاد في رواية حماد خطيبًا فقال: ما بلغني أن أقوامًا يقولون كذا وكذا (فقال) رسول الله ﷺ (قد علمتم) أيها المسلمون (أني أتقاكم) أي أشدكم خشية وتقوى الله) تعالى (وأصدقكم) أي أكثركم صدقًا في الكلام (وأبركم) أي أكثركم برًّا وإحسانًا إلى الغير (ولولا) سوق (هديي) معي (لحللت) من إحرام الحج (كما تحلون) أي إحلالًا كإحلالكم بفسخ الحج إلى العمرة (ولو استقبلت من أمري) بيان مقدم لقوله (ما
стр. 5523
اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ. فَحِلُّوا" فَحَللْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَال عَطَاءٌ: قَال جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ
ــ
استدبرت) وما موصولة في محل النصب على المفعولية لاستقبلت، والاستقبال خلاف الاستدبار؛ والمعنى لو ظهر لي أولًا ما ظهر لي آخرًا من الإحرام بعمرة (لم أسق الهدي) معي وفعلت معكم ما أمرتكم بفعله من فسخ الحج إلى العمرة، وسائق الهدي لا يجوز له ذلك فإنه لا يحل من إحرامه حتى ينحره ولا ينحره إلا يوم النحر بخلاف من لم يسق الهدي، قال الأبي: وإنما منع الهدي من التحلل من العمرة لأن التحلل منها هو بعد الفراغ منها وآخر عملها الحلق ولو حلق منها لحلق قبل أن يبلغ الهدي محله، والله سبحانه شرط في الحلق أن يكون بعد بلوغ الهدي محله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الآية، لا يقال يقصر ويؤخر الحلق حتى يبلغ الهدي محله لأن الشارع جعل التقصير بمنزلة الحلق فإذا امتنع الحلق امتنع التقصير اهـ منه. وقال ابن الأثير: وإنما أراد بهذا القول تطييب قلوب أصحابه لأنه كان يشق عليهم أن يحلوا وهو محرم فقال لهم ذلك لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم قبول ما دعاهم إليه وأنه لولا الهدي لفعله اهـ، وقال الحافظ: فيه ما كان عليه ﷺ من تطييب قلوب أصحابه وتلطفه بهم وحلمه عنهم اهـ (فحلوا) بكسر الحاء أمر من الثلاثي؛ أي اخرجوا من إحرامكم بالطواف والسعي والتقصير، قال جابر (فحللنا) من إحرامنا (و) قلنا له (سمعنا) ما قلت لنا (وأطعنا) ما أمرتنا به (قال عطاء قال جابر فقدم علي) بن أبي طالب ﵁ (من سعايته) بكسر السين أي من عمله باليمن من الجباية وغيرها، قال القاضي: أي من عمله في السعي في الصدقات، قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أنه إنما بعث عليًّا أميرًا لا عاملًا على الصدقات إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الزكاة لقوله ﷺ للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" ولم يستعملهما، قال القاضي: يحتمل أن عليًّا ولي الصدقات وغيرها احتسابًا أو أعطي عمالته عليها من غير الصدقة، قال: وهذا أشبه لقوله من سعايته والسعاية تختص بالصدقة هذا كلام القاضي وهذا الذي قاله حسن إلا قوله إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة فليس كذلك لأنها تستعمل في مطلق الولاية وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدل لما ذكرته حديث حذيفة السابق في كتاب الإيمان من صحيح مسلم قال في حديث رفع الأمانة: "ولقد أتى علي زمان ما أبالي أيكم
стр. 5524
فَقَال: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " قَال: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا"
ــ
بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، ولئن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه علي ساعيه" يعني الوالي عليه والله أعلم اهـ فتح الملهم (فقال) له رسول الله ﷺ (بم أهللت) أي بأي نسك من النسكين أحرمت يا علي (قال) علي أهللت (بما أهل به النبي ﷺ من القرآن أو الإفراد أو التمتع، وهذا يسمى عند الفقهاء إحرامًا تشبيهيا (فقال له رسول الله ﷺ فأهد) بقطع الهمزة أي فاذبح دم القرآن وقت دخول ذبحه وهو يوم النحر (وامكث) بوصلها (حرامًا) أي واجلس الآن محرمًا حتى يبلغ الهدي محله، وفي حديث ابن عمر قال: فأمسك فإن معنا هديًا، قال النواوي: ثم ذكر مسلم بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعري قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: "حججت؟ " فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت" قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: "قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل" وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضًا أن النبي ﷺ قال له: "بم أهللت؟ " قال: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: "هل سقت من هدي؟ " قلت: لا، قال: "طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل" هذان الحديثان متفقان على صحة الإحرام معلقًا وهو أن يحرم إحرامًا كإحرام فلان فينعقد إحرامه ويصير محرمًا بما أحرم به فلان، واختلف آخر الحديثين في التحلل فأمر عليًّا بالبقاء على إحرامه وأمر أبا موسى بالتحلل، وإنما اختلف آخرهما لأنهما أحرما كإحرام النبي ﷺ وكان مع النبي ﷺ هدي فشاركه علي ﵁ في أن معه هديا فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه كما بقي النبي ﷺ على إحرامه بسبب الهدي وكان قارنًا وصار علي قارنًا، وأما أبو موسى فلم يكن معه هدي فصار له حكم النبي ﷺ ولم يكن معه هدي، وقد قال ﷺ إنه لولا الهدي لجعلها عمرة وتحلل، فأمر أبا موسى بذلك فلذلك اختلف أمره ﷺ فاعتمد ما ذكرته فهو الصواب، وقد تأولها الخطابي والقاضي عياض تأويلين غير مرضيين والله أعلم اهـ منه، ثم قال: وفي هذين الحديثين دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقا بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيد فيصير هذا المعلق كزيد فإن كان زيد محرمًا بالحج كان هذا أيضًا محرمًا بالحج، وإن كان بعمرة فبعمرة وإن
стр. 5525
قَال: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا. فَقَال سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هذَا أَمْ لأَبَدِ؟ فَقَال: "لأَبَدِ".
٢٨٢٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيمَانَ،
ــ
كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقًا كان هذا محرمًا إحرامًا مطلقًا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف (قال) جابر (وأهدى له) ﷺ أي ساق له ﷺ (علي) ﵁ (هديًا) من اليمن فإنه كما يأتي قدم من اليمن ومعه هدي (فقال) له ﷺ (سراقة بن مالك بن جعشم) بضم الجيم والشين بينهما مهملة ساكنة (يا رسول الله ألعامنا هذا) أي جواز العمرة في أشهر الحج أي هل هو مختص بهذه السنة (أم لأبد) أي أم هو باق في الأمة إلى أبد (فقال) ﷺ هو باق (لأبد) أي إلى أبدٍ، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها عند جمهور الفقهاء، وإنما أمروا به في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية أفاده النووي، وفي رواية فشبك أصابعه واحدةً في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبدٍ أبدٍ، قال النواوي: معناه عند الجمهور أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إبطالًا لما كان عليه الجاهلية، وقيل معناه: جواز القِران أي دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج، وقيل معناه: سقط وجوب العمرة وهذا ضعيف لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقيل معناه: جواز فسخ الحج إلى العمرة قال: وهو ضعيف، وتعقب بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة إلا الثالث والله أعلم كذا في فتح الباري، قال الأبي: التشبيك بين الأصابع يرجح أنه يعني القرآن لأن سؤال سراقة وارد على قوله فمن لم يكن معه هَدي فليحل وعدم الهَدي يتقرر في المفرد والمعتمر والقارن الذي ليس معه هَدي، والمفرد والمعتمر لا مدخل لأحدهما في معنى التشبيك فيتعين القارن اهـ والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ هذا فقال:
٢٨٢٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد (بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثني أبي) عبد الله بن نمير، ثقة، من (٩) (حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة الفزاري أبو
стр. 5526
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄. قَال: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةٌ. فَكَبُرَ ذلِكَ عَلَينَا. وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا. فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ . فَمَا نَدْرِي أَشَيءٌ بَلَغَهُ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ شَيءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ. فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ! أَحِلُّوا. فَلَوْلا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي، فَعَلْتُ كلمَا فَعَلْتُمْ" قَال: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ. وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلالُ. حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْويةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ
ــ
محمد الكوفي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٧) أبواب (عن عطاء) بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي، ثقة، من (٣) (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الملك لابن جريج (قال) جابر (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا) رسول الله ﷺ (أن نحل) من حجتنا (ونجعلها عمرة) فيه حذف ما علم من الروايات المتقدمة أي فلما قدمنا مكة وفعلنا بها ما يفعله الحاج الآفاقي أمرنا بفسخ ما فعلنا من مناسك الحج إلى العمرة اهـ من بعض الهوامش (فكبر) أي ثقل وشق (ذلك) الفسخ (علينا) أي على قلوبنا وهو ﷺ على إحرامه (وضاقت) أي حرجت (به) أي بذلك الفسخ (صدورنا) أي قلوبنا (فبلغ ذلك) أي وصل ضيق صدورنا به (النبي ﷺ بالنصب على المفعولية (فما ندري) ولا نعلم (أ) ذلك الضيق (شيء بلغه) ﷺ بالوحي (من السماء أم شيء) بلغه (من قبل) إخبار (الناس) منا له (فقال) لنا رسول الله ﷺ (أيها الناس أحلوا) من إحرامكم بالحلق أو التقصير -بفتح الهمزة وكسر الحاء- أمر من الإحلال الرباعي، وهو للوجوب (فلولا الهدي) أي فلولا سوق الهدي (الذي معي) موجود واقع مني (فعلت كما فعلتم) أي أحللت إحلالًا كإحلالكم لأنه الواجب على من لم يسق الهدي (قال) جابر (فأحللنا) كل الحل (حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال) من محظورات الإحرام وصرنا على تلك الحال (حتى إذا كان) ودخل (يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة (وجعلنا مكة بظهر) أي بوراء منا وخلف ظهرنا (أهللنا بالحج) معناه عند إرادة الذهاب من منزلنا إلى منى والله أعلم.
стр. 5527
٢٨٢٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ. قَال: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ. قَبْلَ التَّرْويةِ بَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. فَقَال النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الآنَ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَاسْتَفْتَيتُهُ. فَقَال عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ ﵄، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ. وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا. فَقَال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ. فَطُوفُوا بِالْبَيتِ وَبَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَصِّرُوا
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ هذا فقال: ٢٨٢٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا ابن نمير حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين مشهور بكنيته التميمي مولاهم الكوفي الأحول، ثقة، من (٩) (حدثنا موسى بن نافع) الحناط الهذلي الأسدي أبو شهاب الأكبر الكوفي، مشهور بكنيته، روى عن عطاء بن أبي رباح في الحج، وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم، ويروي عنه (خ م س) وأبو نعيم والثوري وعيسى بن يونس ووكيع والقطان وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال أحمد: منكر الحديث، له في (خ م) فرد حديث وفي (س) آخر، وقال في التقريب: صدوق، من السادسة (قال) موسى بن نافع (قدمت مكة متمتعًا بعمرة قبل) يوم (التروية بأربعة أيام فقال) لي (الناس تصير حجتك الآن مكية) يعني قليلة الثواب لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه أنك تنشئ حجك من مكة كما ينشئ أهل مكة منها فيفوتك فضل الإحرام من الميقات فيقل ثوابك بقلة مشقتك كأنهم كانوا لا يرون التمتع في الحج شيئًا (فدخلت على عطاء بن أبي رباح فاستفتيته) أي فاستفتيت عطاء بن أبي رباح عن حجتي هذه (فقال) لي (عطاء حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة موسى بن نافع لعبد الملك (أنه) أي أن جابرًا (حج مع رسول الله ﷺ عام ساق) رسول الله ﷺ (الهدي معه) يعني عام حجة الوداع (وقد أهلوا) كلهم أولًا أي أحرموا (بالحج مفردًا) عن العمرة (فقال رسول الله ﷺ لمن لم يسق الهدي (أحلوا من إحرامكم) أي اجعلوا إحرامكم عمرة وتحللوا بعملها وهو الطواف والسعي ثم التقصير، وقوله (فطوفوا بالبيت و) اسعوا (بين الصفا والمروة وقصروا) شعوركم تفسير لقوله "أحلوا" وإنما أمرهم بالتقصير لأنهم يهلون بعد قليل بحج فأخر الحلق له لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط
стр. 5528
وَأَقِيمُوا حَلالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْويةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ. وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً". قَالُوا: كَيفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةَ وَقَدْ سَمَّينَا الْحَجِّ؟ قَال: "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ. فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ. وَلكِنْ لَا يَحِلَّ مِنِّي حَرَامٌ. حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" فَفَعَلُوا.
٢٨٢٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيسِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ،
ــ
(وأقيموا حلالًا حتى) يدخل يوم التروية فـ (إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا) الحجة (التي قدمتم بها متعةً) أي تمتعًا أي اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة فتحلوا منها فتصيروا متمتعين فأطلق على العمرة متعة مجازًا والعلاقة بينهما ظاهرة كذا في الفتح (قالوا كيف نجعلها متعةً وقد سمينا) أي ذكرنا (الحج) في إحرامنا (قال) رسول الله ﷺ (افعلوا ما آمركم به) من فسخ الحجة إلى العمرة (فإني لولا أني سقت الهدي) أي لولا سوق الهدي معي واقع (لفعلت مثل الذي أمرتكم به) من الفسخ لأنه الأفضل لمن لم يسق الهدي (ولكن لا يحل مني حرام) أي لا يحل لي شيء مما حرم علي بالإحرام (حتى يبلغ الهدي) الذي سقته معي (محله) أي مكان حل ذبحه ووقته وهو يوم النحر في منى (ففعلوا) ما أمرهم به لما رأوا أنه عزم محتم، قال النواوي: وفي هذا دليل ظاهر لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما في ترجيح الإفراد، وأن غالبهم كانوا محرمين بالحج، ويتأول رواية من روى من روى متمتعين أنه أراد في آخر الأمر صاروا متمتعين كما سبق تقريره في أوائل هذا الباب، وفيه دليل للشافعي وموافقيه في أن من كان بمكة وأراد الحج إنما يحرم به من يوم التروية، وقد ذكرنا المسئلة مرات اهـ منه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في هذا الحديث فقال:
٢٨٢٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي) أبو عبد الله البحراني البصري، صدوق، من (١١) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا أبو هشام المغيرة بن سلمة المخزومي) البصري، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٠) مائتين، روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) (عن أبي بشر) الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري، ثقة،
стр. 5529
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄. قَال: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً. وَنَحِلَّ. قَال: وَكَانَ مَعَهُ ﷺ الْهَدْيُ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً
ــ
من (٥) (عن عطاء بن أبي رباح) اليماني المكي (عن جابر بن عبد الله ﵄ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد مكي وواحد واسطي، غرضه بيان متابعة أبي بشر لموسى بن نافع (قال) جابر (قدمنا مع رسول الله ﷺ مكة (مهلين) أي محرمين أغلبهم (بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها) أي أن نجعل الحجة (عمرة ونحل) بفتح النون وكسر الحاء أي نخرج من الإحرام بالتقصير (قال) جابر (وكان معه ﷺ الهدي فلم يستطع أن يجعلها عمرة) لما مر.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث جابر ﵁ هذا وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم.
***
стр. 5530
٤٧٣ - (٢٩) باب: في الاختلاف في المتعة بالحج والعمرة
(٢٨٢٧) - (١١٨٧) (١٠٧) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَال ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحدِّثُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ. قَال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيرِ يَنْهَى عَنْهَا. قَال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِجابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ. فَقَال: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ. تَمَتَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَال: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ. وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزلَ مَنَازِلَهُ. فَأتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ. كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ
ــ
٤٧٣ - (٢٩) باب في الاختلاف في المتعة بالحج والعمرة
٢٨٢٧ - (١١٨٧) (١٠٧) (حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قال ابن المثنى) في روايته (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي المعروف بغندر (حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة) العبدي المنذر بن مالك بن قطعة بكسر القاف وسكون الطاء، وفي التقريب: بضم القاف وفتح الطاء، ثقة، من (٣) (قال) أبو نضرة (كان ابن عباس يأمر بالمتعة) أي يجوزها ويرخص فيها (وكان) عبد الله (ابن الزبير ينهى عنها قال) أبو نضرة (فذكرت ذلك) الاختلاف الواقع بينهما الجابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا جابر بن عبد الله ﵄، قال القرطبي: هذه المتعة التي اختلف فيها هي فسخ الحج إلى العمرة التي أمرهم بها النبي ﷺ فكان ابن عباس يرى أن ذلك جائز لغير الصحابة، وكان ابن الزبير يرى أن ذلك خاص بهم (فـ) هي التي (قال) فيها جابر بن عبد الله (على يدي دار الحديث) أي وقع في حضرتي ذلك الحديث أي فعلى الخبير سقطت (تمتعنا مع رسول الله ﷺ أي فسخنا حجنا إلى العمرة وتحللنا منها (فلما قام عمر) بن الخطاب خليفةً عن خليفة رسول الله ﷺ منعها، واستدل على منعها بقول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله حيث (قال) عمر (إن الله) (كان يحل لرسوله ما شاء) من الأحكام (بما شاء) من الوحي يشير بذلك إلى أن ذلك خاص بهم (وإن القرآن قد نزل منازله) بالنصب على الظرفية أي في أوقات نزوله وهي في حياة النبي ﷺ وأمر بإتمامها منطوقًا، ونهى عن فسخهما مفهومًا (فأتموا) أيها الناس (الحج والعمرة لله كما أمركم الله) تعالى بإتمامهما في هذه
стр. 5531
وَابِتُّوا نِكَاحَ هذِهِ النِّسَاءِ. فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ، إلا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ
ــ
الآية ولا تفسخوا الحج إلى العمرة لأن ذلك خاص بالصحابة، قال القرطبي: أيضًا ولا معنى لقول من قال إن اختلافهما كان في الأفضل بين المتعة التي هي الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وسفر واحد وبين غيرها من الإفراد والقرآن لأنه لو كان اختلافهما في ذلك لكان استدلال عمر ضائعًا إذ كان يكون استدلالًا في غير محله غير أنه لما كان لفظ المتعة يطلق عليهما بالاشتراك خفي على كثير من الناس، وكذلك يصلح هذا اللفظ لمتعة النكاح ولذلك ذكرهما جابر عن عمر في نسق واحد، وكان ابن عباس أيضًا خالف في متعة النكاح ولم يبلغه ناسخها على ما يأتي في النكاح إن شاء الله تعالى اهـ من المفهم، وقول جابر في الرواية الآتية (فعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهى عنهما عمر ﵁ فلم نعد لهما) هذا يدل على أن إجماع الصحابة انعقد على ترك العمل بتينك المتعتين وأن تينك خاصتان بهم ممنوعتان في حق غيرهم كما قال أبو ذر.
وقول عمر (إن القرآن قد نزل منازله) أي استقرت أحكامه وثبتت معالمه فلا يقبل النسخ ولا التبديل بعد أن توفي رسول الله ﷺ يعني بذلك أن متعة الحج قد رفعت لما أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة ومتعة النكاح أيضًا كذلك لما ذكر الله شرائط النكاح في كتابه وبيَّن أحكامه فلا يزاد فيها ولا ينقص منها شيء ولا يغير.
(و) قال عمر أيضًا (أبتوا نكاح هذه النساء) اللاتي عقد عليهن نكاح المتعة أي اقطعوا نكاحهن وأبدوه ولا تقيدوه بمدة كشهر أو شهرين أمر من الإبتات، يقال بت وأبت بمعنى قطع وهذا منه أمر وتهديد ووعيد شديد لمن استمر على ذلك النكاح بعد هذه التقدمة والإعلان، قال النواوي: ومتعة النكاح هي نكاح المرأة إلى أجل فكان مباحًا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح واستمر تحريمه إلى الآن وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه، ثم قال عمر (فلن أوتى) بالبناء للمفعول (برجل نكح امرأةً) مؤجلًا نكاحها (إلى أجل) معلوم أو مجهول (إلا رجمته بالحجارة) على جهة التغليظ، وظاهره أنه كان يرجمه
стр. 5532
(٢٨٢٨) - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ
ــ
لأنه قد كان حصل عنده على القطع والبتات نسخ نكاح المتعة، ثم إنه تقدم بهذا البيان الواضح والتغليط الشديد فكأنه لو أتي بمن فعل ذلك بعد تلك الأمور لحكم له بحكم الزاني المحصن ولم يقبل له اعتذارًا بجهل ولا غيره، قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين العلماء في أن التمتع المراد بقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج في عام واحد وسفر واحد من غير المكي، قال غيره: عليه كافة فقهاء الأمصار، وروي عن الحسن إسقاط شرط الحج من عامه، ورأى أن على المعتمر في أشهر الحج هديًا حج أو لم يحج، وروي عنه إسقاط شرط العمرة في أشهر الحج، وقال: إن اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه الهدي، وهذان القولان شاذان لم يقل بهما أحد من العلماء غيره اهـ من المفهم، وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
[تتمة] قال المازري: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل هي فسخ الحج إلى العمرة وقيل هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها، وقال القاضي عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة قال ولهذا كان عمر ﵁ يضرب الناس عليها ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان خصوصًا في تلك السنة للحكمة التي قدمنا ذكرها من زجرهم عما كانوا عليه في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأقبح الذنوب هذا كلام القاضي. (قلت) والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها وقد سبقت هذه المسئلة مستوفاةً كذا في شرح النووي.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٢٨٢٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولاهم أبو عثمان الصفار البصري، قال العجلي: ثقة ثبت، من كبار العاشرة
стр. 5533
حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال فِي الْحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ. فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ. وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ.
(٢٨٢٩) - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيبَةُ. جَمِيعًا عَنْ حَمَّاد. قَال خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. قَال: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄. قَال: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيكَ بِالْحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً
ــ
(حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي البصري، ثقة ثبت ربما وهم، من (٧) (حدثنا قتادة) بن دعامة البصري، ثقة، من (٤) وهذا السند من سداسياته أيضًا، غرضه بيان متابعة همام بن يحيى لشعبة في رواية هذا الحديث عن قتادة (بهذا الإسناد) يعني عن أبي نضرة عن جابر ﵁ (و) لكن (قال) همام (في) رواية هذا (الحديث فافصلوا) أي أفردوا (حجكم من عمرتكم) ثم اعتمروا (فإنه) أي فإن إفراد الحج وفصله عن العمرة (أتم) أي أكثر أجرًا (لحجكم وأتم) أي أكثر أجرًا (لعمرتكم) لما في الإفراد من كثرة الأعمال.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا فقال:
٢٨٢٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا خلف بن هشام) بن ثعلب البزار -بالراء آخره- البغدادي المقرئ، ثقة، من (١٠) (وأبو الربيع) الزهراني سليمان بن داود البصري (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (جميعًا عن حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري (قال خلف) في روايته عنه (حدثنا حماد بن زيد عن أيوب) السختياني (قال سمعت مجاهدًا) ابن جبر المكي (يحدث عن جابر بن عبد الله ﵄ هذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة مجاهد لأبي نضرة (قال) جابر (قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول) أي أغلبنا يقول (لبيك بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أي أمر من لم يسق الهدي منا (أن نجعلها) أي نجعل حجتنا (عمرةً) فعملنا أعمال العمرة فتحللنا منها إلى يوم التروية، وظاهره أنهم فسخوا الحج إلى العمرة فاختلف هل هو خاص بهم أم للأبد؟ .
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
стр. 5534
٤٧٤ - (٣٠) باب: حجة النبي ﷺ
(٢٨٣٠) - (١١٨٨) (١٠٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَينٍ. فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ
ــ
٤٧٤ - (٣٠) باب حجة النبي ﷺ
حديث جابر هذا فيه أحكام كثيرة وأبواب من الفقه غزيرة، وقد استخرجها الأئمة وصنفوها وعددوها حتَّى بلغوا بها إلى نيف ومائة وخمسين حكمًا، وإذا تتبع وجد فيه أكثر من ذلك لكن أكثرها لا يخفى على فطن فلنعمد إلى بيان ما يشكل: - فمن ذلك سؤال جابر عن القوم حين دخلوا عليه إنما كان ذلك لأنه بيان قد عمي، وفعل جابر ذلك الفعل به إنما كان تأنيسًا له ومبالغة في إكرامه على ما يفعل بالصغار وعلى ذلك نبه بقوله وأنا يومئذ غلام شاب اهـ من المفهم.
٢٨٣٠ - (١١٨٨) (١٠٨) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (جميعًا عن حاتم قال أبو بكر حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم أبو إسماعيل (المدني) كوفي الأصل، قال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، وقال في التقريب: صدوق يهم، من (٨) مات سنة (١٨٧) روى عنه في (١٢) بابا (عن جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق أبي عبد الله المدني، صدوق، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي جعفر المدني، ثقة، من (٤) روى عنه في (٦) أبواب (قال) محمد بن علي (دخلنا) مع من معي (على جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني. وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما كوفي أو مروزي (فسأل) جابر (عن القوم) أي عن جماعة الرجال الداخلين عليه أي عن أسمائهم فإنه إذ ذاك كان أعمى، عمي في آخر عمره، قال عياض: فيه اعتناء الرجل بالداخلين عليه والسؤال عنهم لينزل كلًّا منهم منزلته اهـ، فدار سؤاله على القوم (حتَّى انتهى إلي) فقال لي: من أنت (فقلت) له (أنا محمد بن علي بن الحسين فأهوى) أي مد وبسط (بيده إلى رأسي فـ) ـمسح برأسي ثم جعل يده على صدري و (نزع) أي
стр. 5535
زِرِّي الأَعْلَى. ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسْفَلَ. ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَينَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فَقَال: مَرْحَبًا بِكَ. يَا ابْنَ أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ. وَهُوَ أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ في نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا. كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيهِ مِنْ صِغَرِهَا
ــ
خلع وأخرج (زري) أي زر قميصي (الأعلى) أي الَّذي تحت الذقن أي أخرجه من عروته لينكشف القميص عن صدري (ثم نزع) وأخرج (زري الأسفل) من عروته، قال القاضي عياض: فيه إكرام الرجل بنزع ردائه عنه اهـ، وفيه ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه وهذا سبب حل جابر زرَّي محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه، قال النواوي: وفيه إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ كما فعل جابر بمحمد بن علي (ثم وضع (جابر كفه) على صدري (بين ثديي وأنا يومئذ) أي يوم إذ وضع كفه على صدري (غلام شاب) قال عياض: فيه تنبيه على أن موجب فعل جابر به ذلك تانيس له لصغره وشفقةٌ عليه إذ لا يفعل هذا بالرجال الكبار من إدخال اليد في جيوبهم إكبارًا لهم، وفيه أن لمس الغلمان الأجانب على وجه الشفقة ولغير التلذذ جائز بخلاف شباب الجواري وحكم لمسهم كالنظر إليهم، وإنما يحرم من لمس الغلمان والنظر إليهم ما كان من ذلك على وجه التلذذ والشهوة اهـ منه (فقال) لي جابر (مرحبًا بك) أي أتيت مكانًا رحبًا واسعًا لك أو رحبنا لك رحبًا ووسعنا لك وهي كلمة إكرام وترحيب، وفيه استحباب قول الرجل للزائر والضيف ونحوهما مرحبًا (با ابن أخي) نداء شفقة أراد به أخوة الدين لا النسب (سل عما شئت) جواب النداء مما أشكل عليك من أمور الدين، قال محمد بن علي (فسألته) أي سألت جابرًا عن حجة رسول الله ﷺ (وهو) أي والحال أن جابرًا (أعمى) أي مكفوف العين (و) قد (حضر وقت الصلاة فقام) جابر للصلاة (في نساجة) بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم، قال النواوي: هذا هو المشهور في نسخ بلادنا وروايتنا لصحيح مسلم وفي سنن أبي داود، ووقع في بعض النسخ في ساجة بحذف النون، وكلاهما صحيح، قال في النهاية: هي ضرب من الملاحف منسوجة كأنها سميت بالمصدر، يقال نسجت أنسج نسجًا ونساجةً، أي فقام إلى الصلاة لابسًا نساجة (ملتحفًا بها) أي متلففًا بها كهيئة الصبيان (كلما وضعها) أي وضع طرفيها (على منكبه رجع طرفاها إليه) أي سقطا عن منكبيه (من صغرها) أي من
следующие страницы →