← Адаб

Адаб · id 18270

بحوث ومقالات في اللغة والأدب وتقويم النصوص (مقالات محمد أجمل الإصلاحي)

محمد أجمل الإصلاحي

Полный текст (486 стр.). Показаны 456–486 · переход к 461.

стр. 456

هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق بها العينين والحسن أحمر البيروني وأبو تمام: شهد العصر العباسي انقلابًا عظيمًا في الحياة السياسية والاجتماعية والعقلية، وأحدث اختلاط العناصر المختلفة ولقاح الثقافات المتباينة تغيّرًا في الذوق، وتغيّرًا في التفكير، وتغيّرًا في التعبير، فكان طبيعيًّا أن يتطور الشعر بتطوّر الحياة ويسلك طريقًا غير طريق المتقدّمين فيعبّر عن المعاني الجديدة تعبيرًا عصريًا. فنرى أبا تمام في هذا العصر يسلك - بفضل ثقافته العصرية وعقليته الممتازة - مذهبًا جديدًا وصف بغموض المعاني والتدقيق الفلسفي وكثرة الحوشي والإغراق في الطباق، بينما نرى تلميذه البحتري يؤثر أسلوب الأوائل الذي يمتاز بصحّة السبك وحسن الديباجة وانكشاف المعاني وقرب المأخذ، ويلتزم بما سمّوه "عمود الشعر العربي" التزامًا قويًا. فاحتدمت المعركة الأدبية بين أنصارهما، وتمخّضت عن ثروة أدبية ضخمة منها كتاب الموازنة بين الطائيين لأبي القاسم الآمدي (م ٣٧٠ هـ) وهو أول كتاب ظهر في هذا الموضوع. وادّعى الآمدي في هذا الكتاب عدّة مرّات اعتماد الحق وتجنّب الهوى وترك التحامل "لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر"، ولكن نظرة خاطفة في الكتاب تكفي للدلالة على أنه تحامل على أبي تمام في كثير من المواضع. أمّا البيروني فليس من الغريب بعدما عرفنا من ثقافته العلمية الواسعة المتنّوعة وما رأينا من ذوقه العلمي في ملاحظاته على التراكيب والتشبيهات الأدبية المعروفة أن يعجبه مذهب أبي تمام فيحبّه ويناصره دون أن يتعصّب على البحتري وأمثاله. ولعلّك تذكر أنه قد شرح ديوان أبي تمام، وقد رأى ياقوت

стр. 457

هذا الشرح بخط البيروني نفسه. فلمّا رأى صاحبنا الآمدي يتحامل على أبي تمام ويجحف بحقّه حمله حبّه للحق والعدل فضلًا عن إعجابه بأبي تمام على أن يدافع عنه في كتاب الجماهر. فينقل البيروني من كتاب الموازنة ويعلّق عليه فيقول (ص ١٢٠): "إنّ أبا القاسم الآمدي أنشد لأبي تمام: مفصلة باللؤلؤ المنقى لها ... من الشعر إلاّ أنها لؤلؤ رطب وقال: عنى به المحدث، وهذا من اختراعاته، ولم يخرجه مخرج المدح والرضى فإن فضل ميله إلى البحتري على الانحاء أبي تمام (كذا) مع ادّعائه الإنصاف بينهما في كتاب الموازنة بين شعريهما". ويرد البيروني على الآمدي فيقول: "فإن كان أبو تمام اخترعه فقد اتّبعه الكافة، ولهجوا بذكره، ولم يصابروا عنه، وكل محدث فتي في جنسه من حيوان أو غصن أو نبات فإنه لا محالة أنعم وأرطب بسبب استعداده لقبول النماء، فإن كان اللؤلؤ في الصدف ناميًا فله من تلك الرطوبة حظ، وإن برز فليس يعني غير مائه وبهائه، وإن كان أصلب من الحجارة والحديد". وكذلك عاب الآمدي قول أبي تمام "باللؤلؤ المنتقى" وقال قولًا يدلّ على عصبية عمياء وهو قوله: "إن المنتقى من الشعر لا يكون إلاّ مسروقًا، وقبيح فاحش أن يعترف بالسرقة". ورحم الله أبا الريحان، فقد دافع عن أبي تمام وأحسن الدفاع، فقال: "وكأن أبا القاسم عرف هذه السرقة بالكهانة أو الطالع والعيافة، فلست أرى لها في البيت أثرًا، وما على الرجل إذا قال في قصيدته إنها مفصلة لؤلؤ من الشعر ذي ماء ورونق، مختار لسمطها، منقح من العيوب، مهذب عن المقادح، وقد أكددت خاطري في انتقائها، كما قال عدي بن الرقاع: وقصيدةٍ قد بتّ أجمع بينها ... حتّى أقوم ميلها وسنادها"

стр. 458

ومن حضور بديهة البيروني أنه أنشد بيتًا للبحتري الذي استعمل الكلمة نفسها التي انتقدها الآمدي في بيت أبي تمام، ويقول: "وكما قال البحتري: بمنقوشة نقش الدنانير ينتقى ... لها اللفظ مختارًا كما ينتقى التبر وهذا هو الانتقاء لولا التجنّي والقلى، وما أعلمه أنه عنى بقوله من الشعر شعر غيره دون شعر نفسه". ثم أنشد البيروني تسعة أبيات في التشبيه باللؤلؤ الرطب منها قول ابن المعتز: كأن الكأس في يده عروس ... لها من لؤلؤ رطب وشاح وقال: "ثم تجاوز اللؤلؤ في الرطوبة إلى الجواهر الرطب بإطلاق فقال: نظمت قلائد زهرها بجواهر ... رطب زمرُّدها ندٍ عقيانها بل من الزمرد والعقيان إلى أدون الخرز: يا غصنا من سبجٍ رطب ... أصبح منك الدر في كرب" وأورد البيروني مثالًا آخر لتحامل الآمدي على أبي تمام فقال (ص ١٢٤): "وما يزيدك استيقانًا بسوء رأي أبي القاسم لأبي تمام أنه قال في قوله: فكل كسوف في الدَّراري شنعة ... ولكنّه في الشمس والبدر أشنع كسوف الكواكب أن يسترها كوكب فلكه دونها ولا يتفقّده إلاّ المنجّمون، فليست فيه شنعة لأن الشنعة تكون فيما عمت رؤيته". ثمّ ردّ البيروني على الآمدي ردًّا مفحمًا، ودافع عن أبي تمام دفاعًا قويًا وختم البحث بقوله: "وأبو تمام مظلوم جدًا من أبي القاسم في أكثر الأمر". ولا يخفى ما ينمّ عنه هذا التعليق من تألّم شديد لتحامل الآمدي على أبي تمام وما غمط من حقّه وطمس من محاسنه، ولعلّ تحامله هو الذي دفع البيروني إلى أن يشرح شعر أبي تمام، ويرد خصومه، ويكشف القناع عن

стр. 459

محاسنه فيعود الحق إلى نصابه والماء إلى مجاريه. وإني آمل أن يكون هذا العرض السريع للمباحث الأدبية التي يتضمّنها كتاب الجماهر عونًا على تحديد مكانة الكتاب الأدبية، وإنارة ملامح الشخصية الأدبية للبيروني وإبراز جانب مهمّ من جوانب عبقريته.

стр. 460

التُّسك، والنُّسك، والتُّكّ (١) جاء في كتاب المجرّد لكراع النَّمل (ت ٣١٠ هـ) في باب التاء فصل تس (ص ٣٢٥): "والتسك على مثال فعل، والتسك بسكون السين: طائر صغير، يقال له ابن تمرة. والتمرة هي التسك بالفارسية" (٢). وعلّق عليه محقّق الكتاب بقوله: "لم أجد في المعاجم وكتب الحيوان "التسك". أمّا ابن تمرة فهو معروف، وقد ذكره المصنّف في هذا الكتاب، كما أنني لم أجد في المعرب للجواليقي هذه اللفظة". قلت: وذكر المصنّف "ابن تمرة" في كتابه المنتخب (١: ٣٧٠) أيضًا: ولكن لم يشر إلى لفظ "التسك"، كما لم يذكره في "باب ما دخل من لغات العجم في لغات العرب" (ص ٦٠ - ٦٠٣) من الكتاب المذكور (٣).

стр. 461

وصدق المحقّق الفاضل، فلم يرد هذا اللفظ فيما طبع من كتب اللغة والحيوان والمعرب والدخيل، على نحو ما رسم في كتاب المجرد هذا. غير أننا وجدنا في بعض المعاجم الكبيرة كلمتين نقلتا عن كراع النمل في مادتين مختلفتين، ولا نشك أن وجودهما نتيجة لما أصاب كلمة "التسك" من تصحيف وتحريف. ويبدو أن الضيم لحقها قديمًا على يد ناسخ في كتاب من كتب كراع اعتمد عليه بعض علماء اللغة - وهو ابن سيده فيما نرى - فنقلها مصحفة في كتابه الذي كان مصدرًا لأصحاب المعاجم فيما بعد. (١) أمّا الكلمة الأولى فهي "النسك" بالنون. تصحّفت فيها المثناة إلى الموحدة. جاء في لسان العرب: "والنسك بضمّ النون وفتح السين: طائر؛ عن كراع". (١) هذا النص في اللسان منقول من كتاب المحكم لابن سيده (٢) الذي اعتمد كثيرًا على كتب كراع في كتابيه المحكم والمخصّص. أمّا المخصّص فإن ترتيبه لا يفيد في ضبط الكلمات، إلاّ أن هذا اللفظ ورد فيه أيضًا بالنون. ونصّه (٨: ١٦٥): ""التمير" وهو أبو تمرة. وأظنّه التمرة ... والتمرة هو النسك بالفارسية .. " (٣). وكذا أورده مصحفًا صاحب القاموس في (نسك) وأيّده شارحه:

стр. 462

" (و) النسك (كصرد طائر) عن كراع" (١). وزيادة الشارح "عن كراع" مأخوذ بدون شك من اللسان". ونرجّح أن مصدر القاموس أيضًا هو المحكم لابن سيده. والزبيدي الذي يظهر من بعض كلامه في التاج أنه اعتمد فيه على كتاب المجرّد لكراع لم يرجع إليه في توثيق هذه الكلمة. (٢) ومرّة أخرى أسيء إلى كلمة "التسك" حينما أخفى بعض النساخ أسنان السين، فقرئت "التك". وهذه الصورة المحرّفة أيضًا وردت في اللسان (تكك): "والتك طائر يقال له ابن تمرة عن كراع" (٢). ومصدر هذا التحريف أيضًا نسخة المحكم التي اعتمد عليها صاحب اللسان (٣). ولمّا كان الفيروزابادي سلم من هذا التحريف استدرك عليه شارحه الزبيدي فأضاف نقلًا من اللسان: "والتك بالضم طائر يقال له ابن تمرة. عن كراع" (٤). ومن هذين المعجمين الكبيرين: اللسان والتاج، أو أحدهما، نقلت الكلمتان المذكورتان "النسك" و"التك" في بعض المعاجم الحديثة نحو متن اللغة للشيخ أحمد رضا (٥)، ومحيط المحيط للبستاني (٦)، وأقرب الموارد للشرتوني (٧)،

стр. 463

ولعل الفريق أمين معلوف كان هو الوحيد الذي نقل في كتابه معجم الحيوان (ص ٢٤٠) "النسك" من كتاب المخصص دون الرجوع إلى اللسان أو التاج (١). وأخشى أن يكون المعجم الكبير الذي يصدره مجمع اللّغة العربية بالقاهرة قد أثبت أيضًا "التك" في الجزء الثالث الذي يتضمّن حرف التاء (٢). وكان أولئك كان معذورًا، لأن كتاب المجرد لكراع لم يسمع له خبر بعد الزَّبيدي، إن صحَّ أنه اطلع عليه، وظلّ مجهولًا حتى أخرج الدكتور محمد أحمد العمري كتاب المنتخب لكراع، وبشر بعثوره على قطعة من كتاب المجرّد له، ثم أخرج السفر الأول منه سنة ١٤١٣ هـ. ولا ريب أن النسخة التي طبع عنها كتاب المجرد مشحونة بالتصحيفات والتحريفات، ولكن لفظ "التسك" لا مجال في صحّتها لأدنى شك، فإنّ كراعًا أثبته في باب التاء وفصل تس. فهذا نصّ صريح على ضبط الحرفين الأول والثاني. وكراع هو الذي ينتهي إليه إسناد هذا اللفظ كما رأينا في نصّ اللسان، ولكن الكتاب الذي اعتمد عليه ابن سيده من مؤلفّات كراع لم يكن بكتاب المنضد أو المجرّد الذي اختصره من الأول. فإنه لو كان كذلك لدلّ ترتيب الكتاب على ضبط هذه الكلمة، ولصانها موقعها من أي تصحيف في فائها أو عينها. وجملة القول أن الكلمتين: "النسك" بالنون، و"التك" بالتاء والكاف المضعفة لا أصل لهما. والثابت عن كراع إنما هو "التُّسك" بضم التاء وفتح السين، و"التُّسك" بضم التاء وسكون السين. أما بعد، فإن الفضل في هذا التصحيح راجعٌ إلى الدكتور محمد أحمد العمري الذي تجرّد لتحقيق كتاب المجرّد، ولم يثن عزيمته ما تتّصف به نسخة

стр. 464

الكتاب من سقم شديد ونقص بالغ. وإن عمله هذا لخليق بكلّ شكر وتقدير واحتفاء من جميع المعنيين باللسان العربي، ونسأل الله أن يعينه على إخراج ما تبقّى من مخطوطة هذا الكتاب الذي هو أصل من أصول المعاجم العربية. وأرجو أن أعود إليه قريبًا إن شاء الله بجهد متواضع يخدم الكتاب ومحقّق الكتاب (١)، وبالله التوفيق.

стр. 465

سواء السبيل إلى ما في العربية من الدخيل (١) كتاب جديد حظيت به المكتبة العربية حديثًا، من تأليف العالم اللغوي المعروف الدكتور ف. عبد الرحيم أستاذ اللغويات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة سابقًا. وهو الكتاب الرابع الذي أصدره ضمن مشروعه الجليل لرصد الألفاظ المعربة والدخيلة في اللسان العربي ودراستها التأصيلية. وقد استهلّ هذه السلسلة قبل تسع سنوات بإصدار نشرة جديدة لكتاب المعرب لأبي منصور الجواليقي (٥٤٠ هـ)، وكان أصلها رسالة علمية نال عليها المؤلّف شهادة الدكتوراة من جامعة الأزهر. ولم يقصد بذلك تحقيق الكتاب بالمعنى الاصطلاحي المعروف، فقد كفاه مؤونته الشيخ أحمد شاكر ﵀ في نشرته التي صدرت بالقاهرة سنة ١٣٦١ هـ، وإنما كان همّه الدراسة التأصيلية للألفاظ التي ضمّها كتاب المعرّب، وهي نحو ٧٣٢ كلمة، فتناول أقوال اللغويين التي نقلها الجواليقي بالنقد والتمحيص، وردّ الكلمات المعربة إلى أصولها الأعجمية، وكتبها بحروفها، منبّهًا على التغيّرات الصوتية التي طرأت عليها، مع كتابة مقدّمة نفيسة في ٧٥ صفحة، جعلها مدخلًا لدراسة الألفاظ الواردة في كتاب المعرّب. وقد صدر الكتاب بهذه الدراسة النقدية سنة ١٤١٠ هـ من دار القلم بدمشق.

стр. 466

والخطوة التالية كانت تأصيل الكلمات التي لم ترد في كتاب الجواليقي، إما لأنها فاتته أو دخلت في العربية بعد زمنه. فلما نظر المؤلّف في تلك الكلمات وجد بين يديه كمًّا هائلًا، يحوج حصرها ودراستها إلى مدّة مديدة وجهد جهيد. فاستحسن، كلّما فرع من دراسة عدد صالح منها، أن يخرجها في كتاب يتداوله الباحثون. فأصدر عام ١٤١١ هـ كتابه "القول الأصيل في ما في العربية من الدخيل"، ودرس فيه نحو خمسمائة كلمة جديدة استدركها على كتاب الجواليقي. وقد نشرته مكتبة لينة للنشر والتوزيع في دمنهور بمصر. وبعد سنتين أصدر كتابًا ثالثًا في هذا المجال، سمّاه "الإعلام بأصول الأعلام الواردة في قصص الأنبياء ﵈" (دار القلم بدمشق ١٤١٣ هـ)، قصره على فئة خاصة من الدخيل، كما هو بيّن من عنوان الكتاب، جمعها من كتب التفسير والسيرة والتاريخ. والكتاب عمدة في بابه، ولا غنى عنه لمن يهمّه تحقيق كتب الأقدمين في العلوم المذكورة، فإن الأعلام التي درست في هذا الكتاب قليل منها دخلت في المعاجم، كما لم تتعرّض لها كتب التراجم والرجال، فإنّها ليست من أعلام هذه الأمة، ولا يتعلّق بها تصحيح حديث أو تضعيفه. وقد كثر فيها التصحيف والتحريف لكونها أعلامًا أعجمية لا يعين على تصحيحها لقواعد اللغة ولا سياق الكلام. فلا شكّ أن كتاب الإعلام قد سدّ فراغًا قائمًا في المكتبة العربية. وبعد ستة أعوام من صدور الكتاب السابق، ظهر هذا الكتاب الذي بين أيدينا، ونشرته دار المآثر بالمدينة المنوّرة بعنوان "سواء السبيل إلى ما في العربية من الدخيل". وهو في اسمه ورسمه وطريقته ومصادره صنو كتاب "القول الأصيل"، ويضمّ نحو أربعمائة كلمة من الدخيل، خلت منها كتبه الثالثة الأولى، رصدها من كتب اللغة والأدب والأخبار، وكتب التاريخ والتراجم والرحلات والبلدان، وكتب الطب والصيدلة والجواهر وغيرها.

стр. 467

ومن ثم تنوعّت المجالات التي تتعلّق بها هذه الكلمات الدخيلة، فمنها مصطلحات علمية، ومصطلحات سياسية وعسكرية، وألفاظ دينية، وكلمات حضارية تتّصل بالملابس والحلي، والأطعمة والأشربة، والصناعات والمهن، وآلات اللهو والطرب. واللغات التي تنتمي إليها هذه الألفاظ كثيرة، منها الفارسية والتركية والعبرانية والسريانية واليونانية واللاتينية والهندية والقبطية والفرنسية والإيطالية. ولكن اللغتين اللتين استأثرتا بمعظمها هما الفارسية واليونانية. وقد تفاوتت معالجة الألفاظ في طولها وقصرها حسب مقتضى الحال، فإذا كانت معالجة بعضها لم تتجاوز ثلاثة أسطر، فإنّ بعضها الآخر استغرق صفحتين أو أكثر نحو "فيلسوف" و"مالق" (آلة الطيّان"، و"برمك" (لقب جد البرامكة"، و"فهر" (من أعياد اليهود"، و"فرفخ" (البقلة الحمقاء)، و"جنك" (من آلات الطرب). أما طريقة المؤلف في دراسة الألفاظ فهي كالتي اتبعها في الكتب الثلاثة السابقة، خصوصًا في "القول الأصيل". فهو يورد أولًا نصًّا من بعض المصادر يتضمّن الكلمة الدخيلة، ثم يذكر أقوال اللغويين في أصلها ومعناها - إن كانت اللغة تعرّضت لها - ليعلّق عليها بالتصويب أو التخطئة، ثم يذكر اللغة التي انحدرت منها الكلمة، ويكتب أصلها بحروف تلك اللغة، مشيرًا إلى ما طرأ عليها من إبدال أو إدغام أو قلب أو زيادة أو نقص. وكثيرًا ما يشير المؤلف إلى اللغات الأخرى (غير العربية) التي دخلت فيها الكلمة الأصلية أو الصيغة العربية، فيزيد البحث ثراءً، والقارئ إمتاعًا، بتتبّع رحلة الألفاظ من لغة إلى لغة أخرى، وما يعتريها في كلّ منزلة تحلّ فيها من تغيّر قليل أو كثير. وللتمثيل على منهج هذا الكتاب ننقل هنا نصّ ما قاله المؤلّف في كلمة "بلخش":

стр. 468

"حجر كريم أحمر. ذكره الزبيدي في شرح (بذخشان)، وهو ممّا استدركه في ترجمة (الباذش). قال: بذخشان - ويقال له بذخش - بلدة في أعلى طخارستان، والعامة يسمّونها بلخشان ... وفي جبالها معادن البخلش واللازورد وحجر الفتيلة وغيرها اهـ. وقال الحميري في الروض المعطار في ترجمة بلخشان (١٠١): موضع على مقربة من غزنة ... فيها معدن البلخش اهـ. وسمّاه البيروني في الجماهر (٨١) اللعل البذخشي. قال عبد الرحيم: هو بالفارسية (بدخش) بالدال، ويبدو أن إبدال الدال لامًا تم في اللغة العربية، وهذا الإبدال جائز من الناحية الصوتية، فقد وقع في (ألماس) وأصله باليونانية (أدماس). انظر المعرب للجواليقي بتحقيقنا ص ٧٢. والجدير بالذكر أن هذه الصيغة العربية دخلت في اللغة اللاتينية المتأخّرة بصورة balascus - بتقديم الشين التي أصبحت سينًا على الخاء التي أصبحت كافًا - ومنها balascio بالإيطالية، و balais بالفرنسية، و balas بالإنكليزية. أما balax بالأسبانية القديمة فيبدو أنها مأخوذة من العربية مباشرة". انتهت عبارة الكتاب. ومن فوائد هذا الكتاب القيّم أنه ينبه على تحريفات وتصحيفات وقعت في المعاجم وغيرها من المصادر، وفاتت محقّقيها الأفاضل. ومن ذلك كلمة (الزرخ) وردت في كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ (ص ٢٠٥) وذكر محقّقه الدكتور قاسم السامرائي أنه كتب في هامش المخطوط: "وهو الطيهوج"، وأن دوزي فسّرها بذلك نقلًا عن نسخة لكتاب الحيوان، فعلّق على ذلك الدكتور ف. عبد الرحيم بقوله: "لم تذكره المعاجم العربية، والظاهر أنه تصحيف، والصواب (زرج) بالجيم، فبالفراسية (زرچ) بفتح الزاي، وكسر الراء، بعدها

стр. 469

جيم مهموسة، وهو نوع من الحجل". ومنها كلمة (برلغ). جاء في صبح الأعشى: "من المطلقات البرالغ - بالباء الموحّدة والراء المهملة والألف واللام والغين المعجمة - جمع برلغ، وهي لفظة تركية معناها المرسوم. وعليها جرى عرف كتاب بلاد الشرق، وقل أن تكتب بالديار المصرية" (٧/ ٢٢٩). يقول الدكتور عبد الرحيم إن "هذا تصحيف، والصواب (يرلغ) بالياء المثناه التحتية". ويحيل إلى باب الياء الذي نقل فيه نصًا من رحلة ابن بطوطة، وردت فيه الكلمة على الصواب، وهو قوله: "وكتبوا بذلك إلى السلطان أبي سعيد، فأمضاه، ونفّذ له اليرليغ - وهو الظهير - بذلك اهـ. (١٧٩). ثم ذكر أن اللفظ المذكور تركي، وأصله yarlig، ومعناه المرسوم، الأمر الملكي. ومنها كلمة (لوالب). جاءت في كتاب التكملة والذيل والصلة لمرتضى الزبيدي (ط المجمع اللغوي بالقاهرة) في مادة الإسكاف: "من يعمل اللوالب والشمشكات". وصوابه: اللوالك، بالكاف، وهو جمع لالكة بمعنى الحذاء وأصله: لالك، بفتح اللام، ولالكا. ومن الألفاظ التي استدركها الزبيدي على القاموس كلمة (يهموت)، فقال في مادة (يهت): ويهموت: "الحوت الذي عيه الأرض"، ونقل من كتاب عناية القاضي للخفاجي أنه "غلط من ضبطه بالموحدة". فخطّأه الدكتور ف. عبد الرحيم قائلًا: "الصواب كونه بالباء الموحّدة أي (بهموت)، وهو دخيل في العربية من العبرية، أصله في تلك اللغة (بهيموث)، ويرى علماء تلك اللغة أنها جمع (بهيمة) بمعنى البهيمة". ثم أشار إلى أن الكلمة المذكورة وردت في كتب اليهود في موضعين: في سفر أيوب ٤٠/ ١٥ وسفر أشعياء ٣٠/ ٦.ويرجّح علماء العبرانية أن معناها فرس البحر (hippopotamus)، فإن وصفه الذي جاء في سفر أيوب ينطبق عليه تمامًا. ولم ينس أن يرد على قول الزبيدي

стр. 470

(الحوت الذي عليه الأرض) بأنه "لا يستند إلى العقل ولا النقل، وهو من الخرافات". ومن التحقيقات الممتعة التي يضمّها كتاب سواء السبيل تحقيق لفظ (دكنكص) الذي ذكر الصاحب ابن عباد في كتابه المحيط نقلًا عن الخليل أنه اسم نهر بالهند. واستدركه الصغاني في حاشيته على كتابه التكملة قائلًا: "لم أسمع به ولا أعرفه، وليس في كلام أهل الهند صاد". (دكص ٤/ ١١). وذكره مرة أخرى في معجمه الكبير العباب الزاخر، وأفاض في الكلام عليه، فقال إن في ذلك - يعني أنه اسم نهر بالهند - نظرًا من وجوه: "أولًا أن الخليل لم يذكره، وثانيًا لأن الصاد ليس في لغة غير العرب، وثالثًا أني شرقت وغربت في الهند والسند نيفًا وأربعين سنة، وشاهدت أكثر أنهارها، وبلغني أسماء ما لم أشاهد منها، وهي تربي على تسعمائة نهر، فلم أر هذا النهر، ولم أسمع به، غير أن لهم نهرًا عظيمًا إذا زاد الماء يكون عرضه فرسخًا، وإذا نقص يكون مثلي عرض دجلة في زيادة الماء، كفار الهند يحجّون إليه من أقطار الهند، فيتبرّكون به ويحلقون عنده رؤوسهم ولحاهم، ويسرحون فيه موتاهم على السرر رجاء تمحيص ذنوبهم على زعمهم، ومن أحرقوه من موتاهم يذرون حممه ورماده فيه، وهو من أشهر أنهارهم، واسمه (كنك)، فإن كان وقع فيه التحريف، وإلاّ فليس في الهند نهر اسمه (دكنكص) ". كلام الصغاني هذا نقله الزبيدي في شرح القاموس الذي ذكر فيه الفيروزابادي لفظ (دكنكص) نقلًا عن ابن عباد، و (دكنكصوص) نقلًا عن أبي منصور بن عزيز اللغوي، وقال: "وكأنه وهم" محتجًا بأن "الصاد ليس في لغة غير العرب ... " فاكتفى بالوجه الثاني من الوجوه التي أوردها الصغاني. إذا تأمّل أحد أن اللفظ الدخيل يتعلّق بالهند، وشهد شاهد من أهلها أنه لا يعرفه ولم يسمع به، وهو الإمام الصغاني الذي ولد في (لاهور) وشرق وغرب

стр. 471

في الهند أكثر من أربعين سنة كما صرّح بذلك، ثمّ نقل كلامه مرتضى الزبيدي ولم يعارضه. وهو الذي ولد في بلدة (بلجرام) في الولاية الشمالية (أترابراديش حاليًا) في الهند، ونشأ فيها، ودرس على بعض مشاهير علمائها في دلهي وغيرها، قبل أن يخرج إلى اليمن. ويرى الفيروزابادي الذي لم يكن غريبًا عن الهند، فقد كان ممّن زارها، أن اللفظ كأنه وهم = إذا تأمّل أحد ذلك وضمّ إليه ما قاله الصغاني في الوجه الأول إن الخليل لم يذكره - وعليه كان اعتماد ابن عباد في نقله - بدأ الشك يساوره في صحّة نقل ابن عباد، وإن كان حديث عهد بكتاب أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي سارع إلى اتّهام ابن عباد باختلاقه. والكلمات لها حظوظ مثل حظوظ الناس، فأتيح لكلمة (دكنكص) - بعد وفاة الصغاني (٦٥٠ هـ) بنحو ثمانية قرون - لغوي آخر من الهند، يزيل عنها غبار الشك الذي أثاره كلام بلديه، فنقض الوجوه التي أوردها، وصوّب نقل ابن عباد، وردّ الكلمة الدخيلة إلى أصلها، وفسّر ما أصابها من تغيّر قبل انتقالها إلى العربية. فقال في ردّه على الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرها الصغاني: إنّ الخليل ذكر كلمة قريبة منه، فقال في العين (٥/ ٤٢٥): "الدككص اسم نهر بالهند، بلغتهم، ليست بالعربية، ودليل ذلك أنه لا يلتقي في كلمة عربية حرفان مثلان في حشو الكلمة إلاّ بفصل لازم كالعقنقل ... ". ويرى كاتب هذه السطور أن ذلك راجع إلى اضطراب في نسخ العين، فالظاهر أن النسخة التي كانت بين يدي الصغاني لم يرد فيها (دكنكص) ولا (دككص). أمّا نسخته التي اعتمد عليها ابن عباد فكان فيها (دكنكص) لا غير (١). وممّا يدلّ على ذلك أن الأصول التي اعتمد عليها ناشر كتاب العين

стр. 472

خلت من لفظ (دككص)، . وإنّما زاده في المطبوعة نقلًا من مختصر العين للزبيدي (١). أمّا الاستدلال الصغاني بعدم حرف الصاد في غير العربية على استحالة كون (الدكنكص) باللغة الهندية، فردّه مؤلّف سواء السبيل بأنه غير سليم، فكم من كلمة معربة تحوي حروفًا عربية بحتةً كـ (الصنج) و (القرطق) و (الحب) بمعنى الزير و (العنبر) بمعنى جناح المبنى، وذلك بسبب الإبدال. وذكر الصغاني في الوجه الثالث النهر المشهور الذي يقدّسه كفار الهند، وقال: "إنّ اسمه (كنك) فإن كان (دكنكص) تحريفًا لـ (كنك)، وإلاّ فليس في الهند نهر يسمّى بهذا الاسم". فبيّن الدكتور عبد الرحيم أن " (دكنكص) هو (كنك) نفسه، ولكن ليس تحريفًا له، إنّما هو تعريب لاسمه باللاتينية، وهو Ganges (كنكس) بالكاف المجهورة في الموضعين وبسين في آخره - وهي من حروف الزيادة في تلك اللغة - وأبدلت صادًا عند التعريب". ثمّ أشار إلى أن الاسم اللاتيني للنهر المذكور قد دخل في العربية بصيغة أخرى أيضًا، وهو (جنجس) بالجيم في موضع الكاف المجهورة، وإبقاء السين سينًا، كما جاء في التنبيه والإشراف للمسعودي (ص ٥٠): "ومنها نهر الهند العظيم المعروف بـ (جنجس) " وكذا في مروج الذهب أيضًا (١/ ١٠٢). ولكن بقي إشكال في الصيغة الأولى، وذلك أن في أوّلها دالًا يخلو منها الأصل اللاتيني المذكور. كشف الدكتور عبد الرحيم عن سر هذه الزيادة قائلًا: "أمّا الدال في كلمة (دكنكص) فأرى أنها تمثّل حرف البحر اللاتيني de بمعنى

стр. 473

(عن)، وقد جعل جزءًا من الكلمة، فكأن الأصل كان de Ganges أي (عن كنكص) ". إن التصرّف الذي حصل في هذه الكلمة، من نقلها إلى العربية مع حرف الجر في أوّلها، يذكرنا ببعض الكلمات الأعجمية التي عربوها بحذف أوّلها ظنًا منهم أنه حرف جر، نحو كلمة (مارستان) بمعنى المستشفى، أصلها في الفارسية: بيمارستان مركب من (بيمار) ومعناه: المريض. و (أستان) لاحقة تفيد معنى المكان، وتحذف همزتها في التركيب؛ ونحو كلمة (زماورد) لنوع من الطعام، أصلها بالفارسية: (بزماورد). هذا الحوار الممتع الذي دار حول كلمة (دكنكص) يكشف عن أمر بالغ الخطورة، وهو أن تأصيل كلمة دخيلة قد يستعصي على عالم اللغة التي يرجع إليها الكلمة. وقد ينكر وجودها في لغته - وهو من أهلها - أشدّ الاستنكار، ويكون معذورًا في ذلك، لأنه لم يعرف اللغة الثالثة التي مرّت بها الكلمة في طريقها إلى اللغة العربية، وقد تغيّرت ملامحها في تلك المرحلة، فلمّا انتقلت منها إلى مستقرها الجديد ازداد تغيّرًا باعدها من أصلها. إن كتب الدكتور ف. عبد الرحيم حافلة بمعالجات دقيقة بارعة كهذه، والمطلع عليها يتمنّى أن يتفرّغ الدكتور لدراسة ما تبقّى من الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية على هذا المنهج المشوق، فإنّه - كما قلت في كلمة سابقة نشرت في هذا الملحق قبل تسع سنوات - قلّما يدانيه أحد من علماء العربية المعاصرين فيما اجتمع له من الكفايات العلمية العديدة التي تجعله خير من يتصدّى لهذا الجانب الوعر من معجم اللغة العربية.

стр. 474

دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان لصاحبها: الحبيب اللمسي شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود التليفون: Tel: ٠٠٩٦١١ - ٣٥٠٣٣١ - الخلوي: Cellulaire: ٠٠٩٦١٣ - ٦٣٨٥٣٥ فاكس: Fax: ٠٠٩٦١١ - ٧٤٢٨٥٧/ ص. ب. ١١٣ - ٥٧٨٧ بيروت، لبنان DAR AL-GHARB AL-ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN الرقم: ٢٠٠٧/ ٨/١٠٠٠/ ٤٥٤ التنضيد: مطبعة الصراط - بيروت - لبنان الطباعة: مطبعة الصراط - بيروت - لبنان

стр. 475

كتاب الرأي الصحيح في من هو الذبيح للفراهي (١) من التحريفات الفظيعة التي ارتكبها اليهود في كتابهم، ما فعلوه في قصّة إبراهيم ﵇، ولأهّميتها الكبرى كان نصيبها من التلاعب أوفر من القصص الأخرى. فلم يكن الذين يزعمون أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه ليرضوا بأن يذهب إخوانهم بنو إسماعيل بطرف من شرف، بله اختصاصهم ببيت الله والمنحر والنبوّة الخاتمة. فلم يألوا جهدًا في لبس الحقّ بالباطل، وحاولوا أن يغيّروا بنية القصّة كلّها بالحذف والتبديل والتقديم والتأخير والكذب والافتراء، بغيًا وظلمًا وحسدًا. وإذا أنعمت النظر في جهودهم لتحريف قصة إبراهيم ﵇ وطمس معالمها وجدتّها ترمي من قريب أو بعيد إلى نقطة واحدة، وهي تمويه قصّة الذبيح. فإنّها مركز الإشعاع في هذه القصّة وقطب رحاها بل إنسان عينها، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره. فترى أمر الذبيح في كتابهم عجبًا، فهو يستعلن من حيث يعتمّدون إخفاءه، وكلّما أخفوا جانبًا منه انكشف جانب آخر على رغم أنوفهم. ولما رأى أهل الكتاب أن القرآن الكريم لم ينصّ على الذبيح، ومن ناحية أخرى وجدوا المسلمين يؤمنون برسل الله وأنبيائه جميعًا لا يفرّقون بين أحد من رسله، ولا يحملون في صدورهم حقدًا وتعصّبًا على الملل الأخرى، ولا يتحرّجون من الاستماع إلى كلام اليهود والنصارى في تاريخ الأوائل وقصص الغابرين وفيما لا يمسّ بعقائدهم وأصول دينهم، صادفوا فرصة سانحة لبثّ

стр. 476

أكاذيبهم ودسّ أقاويلهم بين المسلمين. ومنهم، من الذين أسلموا منهم تلقّيت الإسرائيليات التي ملأت كتب التفسير والتاريخ، وأثارت عثيرًا ضلّت فيه الحقائق بعض الأحيان أو كادت. وكم من قول صار أشهر الأقوال، كأنّه أحسنها، وإنما هو أضعفها وأوهنها. والقرآن الكريم ينبّه على تحريفات أهل الكتاب ويقيم الحجّة عليهم، ولكن له طرائقه وأساليبه الحكيمة في الاحتجاج والجدال بالتي هي أحسن. فمن غفل عنها، ولم يتدبّر نظام الآيات حقّ التدبّر خفيت عليه مقاصد الكلام، ويخشى أن تجوز عليه دسائس المبطلين. وقد حدث ذلك في تفسير القرآن الكريم وخاصّة في قصص النبيّين، وبوجه أخصّ في قصّة إبراهيم ﵇. فمع أن أمر الذبيح لم يكن من الدقّة والخفاء بمكان كبير، جنح بعض كبار المفسّرين ﵏ إلى أنه إسحاق ﵇، وانتصر لقوله كالإمام ابن جرير (ت ٣١٠ هـ). ومنهم من اكتفى بسرد الروايات دون نقد. ومنهم من ذكر القولين دون ترجيح إلاّ أنه قدّم القول بكون الذبيح إسماعيل ممّا يشير إلى رجحان ذلك عنده. وبعضهم قال إنّ ذلك هو الأظهر. أمّا الذين صرّحوا ببطلان هذا المذهب، ولم تغرّهم الأقوال المنسوبة إلى بعض الصحابة والتابعين، فهم العلماء المحقّقون النقّاد الذين كانوا من أهل العلم بالقرآن، وقد اطلعوا على كتب اليهود والنصارى أيضًا، نحو شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) وتلميذه الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) رحمهما الله. يقول ابن القيم في زاد المعاد: "وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأمّا القول بأنّه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنّما هو متلقّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنصّ كتابهم! " (١).

стр. 477

ونصّ كلام شيخ الإسلام في الفتاوى: " ... وفي الجملة فالنزاع مشهور ولكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل. وهذا الذي عليه الكتاب، والسنة، والدلائل المشهورة، وهو الذي تدلّ عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب" (١). ومنهم الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) الذي يقول في تفسيره: "وما أظن ذلك - يعني القول بأنّ الذبيح إسحاق - تلقّي إلاّ عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلَّمًا بغير حجّة" (٢). وكان يجب بعد هذا القول الفصل في القضية أن ينحسم الخلاف فيها، ولا يتلجلج أحد في هذا الحق الأبلج، ولكنّ للروايات سلطانًا على النفوس، وتعلّقًا بالقلوب. والذين يعتمدون عليها أكثر من اعتمادهم على نظام الآيات وسياق الكلام ودلالات الألفاظ والأساليب يشقّ عليهم التخلي عنها، فألّف العلامة السيوطي (ت ٩١١ هـ) بعدما اطلع على كلام الإمام ابن القيم رسالةً في الذبيح سمّاها "القول الفصيح" (٣) ولكنّه ختمها بقوله: "وكنت ملت إليه - يعني القول بأنّ الذبيح إسحاق - في علم التفسير. وأنا الآن متوقّف في ذلك. والله أعلم" (٤)، فأراد السيوطي ﵀ كما ترى أن يفصح فأعجم وجمجم. ولعلّ وقوفه على كلام ابن القيم هو الذي أدّاه إلى التوقّف في هذه المسألة، ولولا ذلك لظلّ على مذهبه السابق الذي نسبه القرطبي للأكثرين! (٥). وقد تناول عدد من العلماء غير السيوطي مسألة الذبيح في رسائل مفردة نحو مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) في "كتاب الاختلاف في الذبيح

стр. 478

من هو؟ " (١) والقاضي أبي بكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في رسالته "تبيين الصحيح في تعيين الذبيح " (٢)، وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ) في رسالته "القول الصحيح في تعيين الذبيح" (٣). وابن طولون (ت ٩٥٣ هـ) في رسالته "الميمون التصريح بمضمون الذبيح" (٤) وعلي بن برهان الدين الحلبي (ت ١٠٤٤ هـ) في رسالته "القول المليح في تعيين الذبيح" (٥). وقد وصل إلينا بعض هذه الرسائل كرسالة السبكي. أشار في أوّلها إلى بعض الأدلة التي احتجّ بها القائلون بأنّ الذبيح إسماعيل، ثم قال: "وهي أمور ظاهرة لا قطعية، وتأمّلت القرآن، فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه، ولم أر من سبقني إلى استنباطه. وهو أن البشارة مرتين ... " وفصّل هذا الدليل، ثم ردّ ما يمكن إيراده عليه. وهذه الرسالة في ورقة واحدة (٦). ورسالة السيوطي التي مرّ ذكرها في ثلاث ورقات. وقد وصلت رسالتا القاضي ابن العربي وابن طولون أيضًا لكن لم نطلع عليهما (٧). ويبدو أن الرسائل المذكورة كلّها كانت لطيفة صغيرة الحجم. أما هذه الرسالة التي نقدّمها اليوم فهي كتاب حافل في هذا الباب. وقد سبق ما أشار إليه الإمام ابن القيم ﵀ من أنّ القول بكون الذبيح إسحاق باطل بأكثر من

стр. 479

عشرين وجهًا. ولكن لم نقف على تلك الوجوه ولا على نصفها فيما وصل إلينا من مصنّفات العلماء قبله أو بعده، وإنّما وجدنا مصداق كلامه في هذا الكتاب القيم، فإنّه جاء بأكثر من عشرين دليلًا على أن الذبيح إسماعيل ﵇، ونصفها من التوراة المحرّفة التي لا يزال اليهود والنصارى متمسّكين بها. وما رأينا من هذه الوجوه المستنبطة من التوراة في غير هذا الكتاب إلاّ وجهًا أو وجهين. وهو كتاب فريد لإمام نابغة من جهابذة علماء الإسلام، أراد الله به خيرًا ففقّهه في الدين وعلّمه التأويل، وفتح عليه من علوم كتابه العزيز ما شاء، فكان في فهم القرآن منقطع القرين. كان غاية بل آية في حدّة الذكاء، ووفور العقل، ونفاذ البصر، وشدّة الورع، وحسن العبادة، وغنى النفس، ولئن تأخّر به زمانه لقد تقدّم به علمه وفضله، وهو الإمام عبد الحميد الفراهي ﵀ (١٢٨٠ - ١٣٤٩ هـ) صاحب تفسير "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان". وتصدّى الإمام الفراهي ﵀ في كتابه هذا لإبطال ما زعم اليهود من أن الذبيح إسحاق ﵇، والكشف عن تحريفاتهم لإثبات ذلك في التوراة. وقد يظنّ بعض الناس أنّ هذه المسألة مسألة فرعية جزئية من التاريخ، وسواء أإسماعيل كان الذبيح أم إسحاق، فكلٌّ من أنبياء الله ورسله. فليست لذلك أهمّية شرعية تستوجب اهتمامًا كبيرًا كهذا. ولكنه ظنّ لا نصيب له من الصحّة. وقد شرح الإمام الفراهي ﵀ في مقدّمة كتابه الأسباب الداعية إلى تأليفه، وهي ثلاثة أمور: أوّلها: هو مكانتها العظمى في ملّتنا، وتكلّم على خطر هذه المسألة في تاريخ الإسلام وأهمّيتها لفهم حقيقة الإسلام نفسه كلامًا في غاية النفاسة. وهو باب عظيم من علم أسرار الدين. ولقد وددنا أن نلخّص هذا الكلام هنا، ولكن تعذّر ذلك لما يمتاز بيان المؤلّف من شدّة الإيجاز وحسن الرصف، فكلّ ما قاله هو الخلاصة بعينها. يقول في آخره: "فمن زعم أن هذا الابتلاء وقع على جبل

стр. 480

أرشليم، وقرّب عليه إسحاق ﵇ كان في غطاء كثيف عن حقيقة هذه البعثة العظمى وحقيقة هذا الذبح ومكانته في ملّتنا". والأمر الثاني: "أن في القرآن آيات كثيرة يتوقّف فهم تأويلها ونظامها على معرفة هذه المسألة وما يتعلّق بهذا الذبح ... واستيفاء البيان في كتابنا "نظام القرآن" تحت كل آية تشتمل على ذلك الأمر، يفضي إلى تكرار وإطناب. فأفردت له كتابنا هذا، وجعلناه من مقدمّة تفسيرنا، لكي نحوّل إليه عند الحاجة". والأمر الثالث: "أنّ اليهود لم يبالغوا في كتمان أمر مثل مبالغتهم في ذلك. فإنّهم قد ارتكبوا تحريفات وأكاذيب صريحة في أمر إسماعيل والكعبة ... وقد بيّن الله قصة هذا الذبح في التوراة ولكن اليهود قد دسّوا فيها أهواءهم فأصلحها القرآن ... ومع أنّ الناقدين من علماء المسلمين من أهل العلم والنظر - كما ستعلم - قد استدلّوا بنصوص التوراة أنفسها على كون إسماعيل ﵇ هو الذبيح، فإن اختلاف كلمتنا جعل هذا الأمر العظيم من الأمور التي لا يعتدّ بها، بل عدم اعتدادهم به أمكن اختلافهم فيه، فإنّهم لو علموا ما لهذا الذبح من المكانة في ملّتنا لتحذّروا عن الغفلة في أمره. فلهذه الأمور الثلاثة التي كلّها على غاية الأهمية احتجنا إلى كشف القناع عن هذه المسألة". وبعد هذه المقدّمة يشتمل الكتاب على ثلاثة أبواب وخاتمة. الباب الأوّل في الاستدلال بالتوراة وما اعترف به علماء أهل الكتاب. والباب الثاني في الاستدلال بالقرآن المجيد وحده. والباب الثالث فيما روي من الآثار وأقوال السلف وآراء المفسّرين والاستدلال بأحوال العرب وأقوالهم قبل الإسلام. وقدّم الاستدلال بالتوراة لأنّه أراد إقامة الحجّة على أهل الكتاب من كتابهم. وبدأ هذا الباب بفصلين تمهيدًا لاستدلاله من التوراة: الفصل الأول في معارف تتعلّق بشريعة القربان وبالوحي الذي يكون في الرؤيا وهي عشرة أمور. والفصل الثاني في ذكر أصول ومبادئ للنظر في صحف اليهود. ثمّ جاء بثلاثة

стр. 481

عشر دليلًا من التوراة التي عند اليهود على أن الذبيح إسماعيل ﵇. ومعظم هذه الدلائل كما قلنا جديدة لم يّسبق إليها. وكشف المؤلّف ﵀ في هذا الباب عن كثير من تحريفات اليهود في كتابهم، وفسّر بعض نصوص التوراة ممّا استغلق عليهم أو تجنّبوا بيانه كتمانًا للحقّ وظنًّا لن يفطن أحد لوجه الاحتجاج به. ومن أهمّ التحقيقات العلمية التي تضمّنها هذا الباب تحقيقه لموضع الذبح. وقد تعرّض اسمه في صحف اليهود لتحريف شديد في قراءته وتفسيره. فجاء في سفر التكوين (٢٢: ٢) حسب الترجمة السبعينية: "إلى الأرض العالية"، وحسب النسخة العبرانية: "إلى أرض موره"، وفي ترجمة أقيلا: "الأرض المستعلنة"، وترجمة سماخوس: "أرض الرؤيا". وفي السفر نفسه في مكان آخر (١٢: ٦) في السبعينية: "البلوطة العالية"، وفي العبرانية: "ميدان موره". أمّا في القراءة فقرأوا: "مريّاه"، و"مورياه"، و"موره". وقد أفاض المؤلّف في ذكر هذه التحريفات، ثمّ أورد أقوال بعض علمائهم في الاعتراف بالتحريف في هذه الكلمة والردّ على زعم اليهود بأنّ هذا الموضع هو مكان هيكل سليمان في أورشليم وزعم النصارى بأنّه موضع صلب المسيح حسب معتقدهم. وأشار إلى اقتراح بعضهم أنّ هذا الموضع على جبل جريزيم، وردّ عليه. ثمّ نبّه المؤلّف على مداخل التوهّم والتحريف في الكلمة مستدلًا بقواعد اللغة العبرانية ووجود التشابه الشديد بين الحروف في الخط العبراني ممّا يسهّل عمل التحريف لمن يتعمّده. ثمّ أثبت المؤلّف ﵀ أن الصواب في اسم موضع الذبح هو "المروة" فقال: "إنّ ذلك الموضع هو الذي في مساكن بني إسماعيل ولم يزل مشهورًا باسم المروة. ويؤيّد ذلك ما في صفحهم. فإنّه قد جاء في سفر القضاة (٧: ١): "وكان جيش المديانيين شماليّهم عند تلّ موره في الوادي، فتبيّن أن! هذا تلّ موره

стр. 482

كان معسكرًا للمديانيين. ولا شكّ أنّ المديانيين هم العرب. واسم مديان يطلق عليهم وعلى أرضهم. وقد جاء التصريح في صحفهم بأنّ مديان هم الإسماعيليون". ثمّ أورد نصوصًا من التوراة وقال: "فبعد ذلك أيّ شيء يبقى من دعواهم بأنّه على جبل أورشليم؟ أم أي شيء يدفع ما لم يزل الإسماعيليون يعرفونه بالمروة؟ وكانت عندهم أشهر من نار على علم، وكانوا يطوفون بها في حجّهم. وحين خاطبهم القرآن في أمر الطواف لم يحتج إلى تعريفها، ولكن بيّن أنّها من شعائر الله. وهناك أشار إلى تحريف أهل الكتاب في أمرها وسوء صنيعهم فيما يكتمون من آيات الله من بعد ما بينّها الله تعالى في كتابهم". فيرى المؤلف رحمه الله تعالى أن في قوله تعالى في سورة البقرة (١٥٩) ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ بعد قوله تعالى (١٥٨) ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾ تلميحًا إلى ما حرفت اليهود في اسم المروة ورسمها وموضعها لحسدهم إسماعيل وذريته، فردّ الله عليهم بإشارة لطيفة. وتفصيل ذلك في الفصل الثاني والثلاثين. ولخّص في آخر الفصل قصّة الذبح فقال: "فتطابق الأمور يدلّ على أنّ إبراهيم ﵇ جاء من جهة الشرق، وترك غلاميه على جبل قريب، وذهب بابنه الوحيد إسماعيل إلى المروة ساعيًا وملبّيًا لدعوة الرب. وكان مسكن إبراهيم ﵇ إلى جانب الصفا كما جاء في سفر التكوين (١٢: ١ - ٨) حيث جاء ذكر رحلته إلى أرض موره في رواية أخرى لقصّة الذبح. ولكنّهم أسقطوا منها ذكر هذا الذبح، واكتفوا بذكر رحلته، فلم تزل الصفا والمروة في بني إسماعيل قائمتين من لدن إبراهيم ﵇ إلى يومنا هذا مع الاسم والرسم والمناسك الدالّة على تلبية إبراهيم للرب وسعيه لإتمام أمره. وليس

стр. 483

لليهود والنصارى شيء من هذه المناسك .. ". وقد أعان المؤلّف ﵀ على القيام بهذا التحقيق العلمي الرائع مدارسته لكتب اليهود والنصارى، ومعرفته للغة العبرانية، واطلاعه على الدراسات الحديثة التي قامت على العهدين القديم والجديد. أمّا الباب الثاني الذي هو في وجوه الاستدلال المأخوذة من القرآن الكريم وحده، فبدأه المؤلّف ﵀ كالباب السابق بذكر أصول ومبادئ للتدبّر في قصص القرآن وحججه. وهي أمور مهمّة لفهم منهج القرآن الكريم في إيراد القصص والاحتجاج في المعقول والمنقول. والوجوه التي استدلّ بها المؤلّف في هذا الباب جلّها منثور في كتب السابقين ولكنّها جاءت في هذا الكتاب على أحسن وجه في التحرير والتلخيص والتشييد. ومن عجيب ما استدلّ به المؤلّف ﵀ في هذا الباب عدم تسمية الذبيح في القرآن الكريم. فقد جعل ذلك حجّة على كون إسماعيل هو الذبيح، فقال: "ليس لقائل أن يقول: إن كان إسماعيل ﵇ هو الذبيح فلم لم يصرح القرآن به؟ فإنّ هذا السؤال عائد عليه في أمر إسحاق ﵇ على سواء، مع أنّه لم يكن مانع لذكره، وأمّا إسماعيل ﵇ فلعدم التصريح باسمه وجوه من الحكمة". ثمّ فصّل القول في هذه الوجوه، وهي أربعة أوّلها: "أنّه من عادة القرآن الصفح والإعراض عن اللجاج الذي لا ينفصم لكيلا يشتغل الخصم به، ويترك ما يلقى إليه من الحجّة الدامغة. وقد أدخلت اليهود اسم إسحاق ﵇ في قصّة الذبح، فلو صرح القرآن بخلاف ذلك لتمسكوا بما في كتبهم، وجادلوا بباطلهم، وأنكروا بما جاء به النبي لخلافه الصريح بما عندهم. فالقرآن يلزمهم ما كان موجودًا في صحفهم أو كان ظاهرًا بيّنًا عند العقل لكيلا يترك لهم متمسّكًا وعذرًا، وقد أشار إلى ذلك في غير ما آية تارة يخاطب النبي ويأمره بالصفح

стр. 484

عنهم، وتارة يخاطب المسلمين بترك جدالهم إلاّ بحسن القول، وتارة يخاطب أهل الكتاب ويدعوهم إلى مسلماتهم". ثمّ أورد أمثلة على ذلك وقال: "وبالجملة فإنّ القرآن قد اجتنب مجادلتهم فيما تمسّكوا بظاهر الكتاب، وفي ذلك حكمة بيّنة لعدم التصريح باسم الذبيح، فلو كان هو إسحاق ﵇ لم يكن مانع من تسميته ههنا". ومن أروع فصول هذا الباب الفصلان الأخيران اللذان استدلّ فيهما المؤلّف ﵀ بما صرّح به القرآن من أحوال إبراهيم وإسماعيل ﵉، وما جاء في القرآن على سبيل إبطال ما افترت اليهود في أمر إسماعيل ﵇، وكلاهما من جوامع الأدلّة. وسترى فيهما كلامًا بديعًا في تفسير معاني الآيات وحسن نظامها ومحكم ترتيبها وبعيد مراميها ولطيف أسلوبها. وختم المؤلّف ﵀ هذا الباب بقوله: "ولو فصلناها - يعني الأدلّة - لصارت أكثر عددًا ولكنّا اخترنا الثلاثة عشر كما اخترنا في القسط الأوّل رعاية لسني عمر إسماعيل ﵇ حين قدّمه الخليل ﵇ قربانًا لربّه". أمّا الباب الثالث الأخير من هذا الكتاب فأورد فيه المؤلّف أوّلًا ما روي عن الصحابة والتابعين والسلف والأقدمين في هذه المسألة، ثمّ ذكر ما قاله ابن جرير ﵀ وهو القائل بأنّ الذبيح إسحاق ﵇، وردّ على احتجاجه. ثمّ ذكر في فصل مستقلّ ما قاله الرازي (٦٠٦ هـ) في تفسيره تبعًا للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، ونبّه على بعض مواضع الوهم في كلامهما. ولخّص في فصل تالٍ كلام ابن كثير من تفسيره وقال: "لا يخفى أنّ ابن كثير ﵀ أتى بأكثر الأدلّة الظاهرة. ولم نجد في المتأخّرين من زاد عليها، فلا حاجة إلى استقصاء أقوالهم، ولكن نذكر في الفصل التالي من أقوال المشهورين منهم ما يكفي للدلالة على مذاهبهم في هذه المسألة". فذكر أقوال البغوي (٥١٠ هـ) والبيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) والنسفي (٧٠١ هـ) والخازن (ت ٧٤١ هـ) والجلال المحلّي

стр. 485

(ت ٨٦٤ هـ)، وأشار إلى رسالة السيوطي (ت ٩١١ هـ). والظاهر أنّ المؤلّف ﵀ لم يقف عند تأليف كتابه على كلام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، مع شغفه بمصنّفاته، ومصنّفات شيخه الإمام ابن تيمية ﵀. وللمؤلّف ﵀ كلام جميل في هذا الفصل في الدفاع عن العلماء الذين لم يتّخذوا موقفًا قويًا في هذه المسألة، فاكتفوا بذكر القولين دون الجزم بأحدهما أو بمجرد الترجيح، وقد أحسن كل الإحسان إذ صيّر ذلك من مناقبهم فقال: "والسبب في ذلك - والله أعلم - أنّ علماءنا رحمهم الله تعالى براء من التعصّب لنبي من الأنبياء. ثمّ إنّهم لا يجترئون على القطع في تأويل القرآن ما لم يكونوا على بصيرة فيه، ثمّ إنّ المتأخّرين منّا على غاية مراعاة الأدب للسلف. فإذا وجد أحدهم اختلافًا من السلف في تأويل أمسك عن القطع بأحد وجوهه، واكتفى بالإشارة إلى ما هو المرجّح عنده، ومع ذلك من كان على بيّنة من أمره جاء بقول فصل. وفي اختيار ابن جرير ﵀ أنّ إسحاق ﵇ هو الذبيح لأكبر شهادة على أنّ المسلمين لم ينظروا في هذه المسألة نظر المتعصّب المعاند، وكذلك الشهادة في عدم القطع من بعضهم بأحد الجانبين". وآخر فصول هذا الباب في الاستدلال بأحوال العرب قبل الإسلام وأقوالهم تكملة للقرائن التاريخية التي وردت في البابين السابقين، وتفصيلًا للإشارات التي تضمنها قوله تعالى في سورة آل عمران في أمر بيت الله: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا﴾ ... الآية. والكتاب كلّه من أوّله إلى آخره نمط عالٍ من التحقيق والتأليف، ومثل خليقٌ بالاحتذاء في أدب الخلافة والمجادلة الحسنة، في أسلوب علمي يتميّز ببراعة التحليل ودقّة الاستنباط، وقوّة الاستدلال، وحسن التأتّي للمعضلات، ونقد الآراء في تواضع جمّ واحترام تامّ لأصحابها، مع إحكام النسج، ونهاية الإيجاز، ونصاعة البيان.

стр. 486

فهرس الموضوعات بين يدي الكتاب ٥ (١) جمل الغرائب للنيسابوري وأهميته في علم غريب الحديث ١١ (٢) نظرات في كتاب المجرّد لكراع النمل ٧٣ (٣) شعر ابن وكيع التنّيسي في كتاب نزهة الأبصار في محاسن الأشعار ١١٩ (٤) حول كتاب خلق الإنسان لأبي محمد الحسن بن أحمد بن عبد الرحمن ١٣٥ (٥) قصة بيع الجمهرة الدريدية صاحبها أبو الحسن الفالي، لا أبو علي القالي ١٥٥ (٦) دراسة نقدية مبسوطة حول تحقيق كتاب "إصلاح ما غلط فيه النمري ... " للغندجاني ١٨١ (٧) نظرات لغوية في الترجمات الأردية للقرآن الكريم ٣٢٥ (٨) أهذا كتاب "الموضح لعلم القرآن" للحدّادي! ٣٥٩ (٩) حول كتاب "المجموع اللفيف" للقاضي أمين الدولة ٣٧١ (١٠) كتاب المعرب للجواليقي في نشرة علمية جديدة ٤٢٣ (١١) مواقف أدبية ولغوية في كتاب الجماهر لأبي الريحان البيروني ٤٣٣ (١٢) التسك والنسك والتك ٤٦٩ (١٣) سواء السبيل إلى ما في العربية من الدخيل ٤٧٥ (١٤) الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح للفراهي ٤٨٥