Полный текст (607 стр.). Показаны 596–607 · переход к 601.
стр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= تميلون قاعدًا» فقلت له: «لحنكم أقبح من لحننا, لأنا نحن نميل ألفه وأنتم تقلبوها ياء».
وإذا كان «حاصل» ونحوه لا يمال مع أن المستعلي مكسور, فألا يمال فتح فيه المستعلى أو انضم أولى, وذلك نحو: تفاصل, وتفاضل, وتباطش, وتعاظم, وتباخل, وتشاغل, وتناقل. وكذلك: تحامص, وتناهض, وتباسط, وتلافظ, وتناسخ, وتبالغ, وتساوق».
والمفتوح نحو: مناصب, ومباضعة, ومشاطرة, ومواظبة, ومفاخرة, ومشاغبة, ومناقلة, وكذلك: «مفاحصة, ومناهضة, ومباسطة, ومغايظة, ومناسخة, ومبالغة, ومعالقة».
وإنما مثلت هذا كله, لأن أبا الفتح تعرض لبعضه فأكملت تمثيله, فإن كان واحد من الحروف المستعلية مكسور قبل الألف بحرف لم تمتنع الإمالة, وذلك نحو: صباح وضعاف وطلاب وظلال وخلال وغلال وقلال, وإنما جازت الإمالة لأن المستعلى متقدم, فإذا أملت انحدرت بعد إصعاد, وذلك أخف عليهم من الإصعاد بعد الانحدار, والدليل عليه: أنهم قالوا في «سبقت وسويق» «صبقت وصويق». فأبدلوا من السين صادًا, لأن بعدها القاف المستعلية, فلو جمعوا بين السين والقاف لأصعدوا بعد انحدار, فأبدلوا من السين صادًا, ليكون العمل من موضع واحد فيصعدوا/ مع الحرفين. وقالوا: «قشور وقاسم» , فلم يبدلوا من السين صادًا, لأن البداءة بالمستعلى والتثنية بالمستفل فصار انحدارًا بعد إصعاد, وقد لمح هذا المعنى البحتري في شعره, فقال:
٥١٨ - ومصعد في هضاب المجد يطالعها ... كأنه لسكون الجاش منحدر
стр. 597
قال ابن جني: فإن كانت بعد الألف راء مكسورة, جازت إمالة الألف, وإن كانت قبل الألف هذه الحروف غير مكسورة وذلك نحو: «ضارب, وصارم, وطارد, وظافر, وخارب, وغارم, وقادر». قال الشاعر:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر ... بمنهمر جون الرباب سكوب
فإن كانت الراء مضمومة أو مفتوحة, منعت الإمالة كما/ تمنع المستعلية وذلك نحو: رأيت فراشًا, وهذا سراج, وهذا حمار, ورأيت حمارًا.
ــ
= فإن كان المستعلى ساكنًا وقبله حرف مكسور, وذلك نحو: مصباح ومضحاك ومطعام وإظلام وإخلاف ومعناج ومقلات, فإن العرب مختلفون فيه: منهم من يميله, ومنهم من يفخمه, فمن أمال: احتج بأن الكسرة التي تجاور المستعلي كأنها فيها فصار «مصباح كصباح» وكذلك البواقي, ومن فخم: احتج بأن الفتحة التي في الحرف الذي بعد المستعلى كانها فيه فصار مغناج كغزالوكذلك البواقي.
قال ابن الخباز: وأما الراء فليست بحرف مستعل, وإنما هي مكررة, وإنما سميت مكررة, لأنك إذا نطقت بها تعثر طرف اللسان فكنت كالناطق براءين, ومن حكمها في الإمالة: أنها تمنع كمنع المستعلية في بعض المواضع, وتغلب المستعلية في بعض المواضع, فمن مواضع غلبتها: أنها إذا كانت مكسورة بعد الألف التي بعد المستعلية جازت إمالتها, وذلك نحو: صارف, وضارب, وطارد, وخارج, وغارب, وقارب. وكذلك إن كانت الراء بعد الألف بحرف, نحو: صادر وضامر وطاهر وظافر وخاسر وقادر وغادر, وقرأ أبو عمرو: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ , ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ , ﴿إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار﴾ و ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ وقال
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= هدبة بن خشرم:
٥١٩ - إنا وجدنا العجز ذي ابن عامر ... نسيب العميريين شر نسيب
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر ... بمنهمر جون الرباب سكوب
المنهمر: المنصب, والجون: الأسود, والرباب/: سحاب صغار يتعلق بالسحاب الأعظم, قال الشاعر:
٥٢٠ - كأن الرباب ذوين السحاب ... نعام يعلق بالأرجل
وإنما غلبت الراء المستعلية: لأنها لما كانت مكررة كانت كسرتها بمنزلة كسرتين. فإن كانت الراء مفتوحة قبل الألف تليها: كفراش وسراج وجراب منعت الإمالة, لأن فتحتها بمنزلة فتحتين, وقول العامة: فراش وسراج لحن, ويقولون: «سراج» فيخطئون من وجهين: أحدهما: إمالة السراج. والثاني: أنهم يعنون بالسراج الوعاء الذي فيه القتيل, وإنما ذلك المشرجة, والسراج: الفتيل المشتعل, ويكفيك دليلًا على خطئهم قوله تعالى: ﴿وجعل الشمس سراجًا﴾ ولم تمنع الراء لأنها مستعلية, وإنما شبهت بالمستعلى للتكرير, وبعض اللثغ بجعلها ياء, فيقول «وجئت ميه» أي: مرة, وأكثر لثغة الناس فيها أنهم يجعلونها غينًا, وكذلك كان أبو بكر بن السراج, ﵀, وأنشد أصحابه يومًا قول ذي الرمة:
٥٢١ - ويوم يزير الظبي أقصى كناسه ... وتنزو كنزو المعلقات جنادبه
فقال: يزيغ فكتبوها بالغين, فقال: بالغاء بالغاء.
فإن كانت بعد الألف مضمومة أو مفتوحة منعت الإمالة, لأن ضمتها بمنزلة
стр. 599
قال ابن جني: فإن كانت قبل الألف راء مفتوحة, وبعدها راء مكسورة, غلبت المكسورة المفتوحة فجازت الإمالة, وذلك قولك: جئتك في سرار الشهر, وهذا من شرار الناس, قال الله : ﴿وإن الآخرة هي دار القرار﴾.
وقد اطردت الإمالة في الفعل, وإن كانت فيه حروف الاستعلال لتمكن الفعل في الاعتلال, وذلك نحو: سقى وقضى وغزى ودعا, وهو يشقى والأشقى. ولا تمال الحروف لبعدها من الاشتقاق, إلا أنهم قالوا: «بلى» لأنها قويت لما قامت بنفسها. وقالوا: يا زيد, فأمالوا أيضًا, لأنها قويت لما نابت عن الفعل أي: أدعوا زيدًا, أو أنادي زيدًا. وكذلك الأسماء الموغلة في شبه الحرف نحو: إذا ولدا وعلى, وأني, وأمالوا «متى, وأني, وذا» فأمالوا حملًا على الأسماء.
ــ
ضمتين وفتحتها بمنزلة فتحتين, تقول: «هذا حمارك, ورأيت حمارك». وإن كانت مكسورة: جازت الإمالة كقولك: مررت بحمارك, لأنها إذا غلبت المستعلى فغلبتها غير المستعلى أولى, وقرأ أبو عمرو: ﴿عذاب النار﴾ , ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ / ﴿وانظر إلى حمارك﴾ , ﴿والجار ذي القربى﴾ وهو كثير.
قال ابن الخباز: فإن اكتنفت الألف راءان مفتوحة قبلها, ومكسورة بعدها, أميلت الألف, لأن الراء الأولى المفتوحة لا تكون أقوى من المستعلي, وإنما شبهت بالمستعلى وليس فيها استعلاء, وإذا غلبت المكسورة المستعلية التي تمنع الإمالة مكسورة في نحو: «حاصل».
فإن تغلب الراء المكسورة الراء المفتوحة التي لا تمنع الإمالة مكسورة أولى, وذلك كقولك: جئتك في سرار الشهر «وفلان من شرار الناس» ويقرأ أبو عمرو: ﴿كنا
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= نعدهم من الأشرار﴾ , ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ , ﴿وإن الأخرة هي دار القرار﴾ وقد ذكرنا علته.
وإذا قلت مررت بالأخبار وبسيار, فإمالته أقوى من الإمالة في قولك: مررت بحمار, لأن الألف ها هنا اكتنفتها ياء وراء مكسورة.
مسألة:
فعال المبنية على الكسر إذا كانت علمًا كحذام وعرار وظفار, فإن أهل الحجاز يبنونه على الكسر, وبني تميم يعربونه, ويمنعونه الصرف, إلا ما كان آخره راء نحو: عرار في اسم بقرة, «وظفار» في اسم بلد.
وسألت شيخنا ﵀ عن علة موافقتهم أهل الحجاز في كسر ما آخره راء, فقال: لأن بني تميم لغتهم الإمالة فلو أعربوا ما آخره راء لضموه وفتحوه والراء تمنع الألف من الإمالة مضمومة ومفتوحة, فبنوه على الكسر لتتهيأ لهم الإمالة. واعلم أن مبنى الفعل على التصريف, ألا ترى أنه يكون منه الماضي والمضارع والأمر؟ وهذا التصرف جعله متمكنًا في باب الاعتلال, فتسلط التغيير عليه, فخالف الاسم/ في الإمالة من وجهين: أحدهما: أنه يمال وإن كانت الألف الأخيرة فيه منقلبة عن الواو, وذلك نحو: دعا وعدا, وقد ذكرت علة ذلك, ومنع ابن بابشاذ أن يمال «تاب» ونحوه مما ألفه التي هي عين منقلبة عن واو وسأل نفسه فقال: لم لا يجوز إمالته وهو إذا بني للمفعول به قلبت الألف ياء, كقولك تيب عليه؟ فأجاب: بأن بناء الفعل لما لم يسم فاعله غير لازم, والأصل بناؤه للفاعل.
واعلم أن يرد عليه: دعا وغزى, وقد أميل: دعى وغزى, وله أن يفرق بأن الأطراف محال التغييرات.
الجهة الثانية: أنه يمال وإن كانت فيه حروف الاستعلاء, وذلك نحو: قضى
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وطغى للعلة التي ذكرنا من انقلابها ياء ولا يوجد في النسخ الأشقى بالشين المعجمة. قال الجوهري:
يقال شاقني فشقوته أي: غلبته في الشقاء.
وما كان من الحروف آخره ألف لا يمال, وذلك نحو: «ما» و «ها» و «على» و «إلى» «وحتى». و «أما» علته: أنها صيغ جوامد لا مشابكة بينها وبين الاشتقاق, ولا أصل لألفاتها. بل هي مبنية هكذا من أول وضعها, ويدلك على أن ألفاتها لا أصول لها ما ذكره أبو الفتح في «المنصف» وهو أن ألف «ما» لو كان أصلها واوا أو ياء لقيل: مو أو مي وصحت, كما قالوا: كي لأن الحرف الثنائي مبني على السكون, فلما قالوا «ما» علمت أن الألف لا أصل لها, ولو سميت «بعلى وإلى» لم يجز إمالتهما, لأنك تجعلهما من بنات الواو أكثر.
فإن قلت: فقد قالوا: عليك وإليك فقلبوا الألف ياء مع المضمر.
قلت: ذلك ليس بأصل الألف, لأن هذه الياء لو كانت أصل الألف لقيل/ من غير الدخول على المضمر: على زيد, ولو سميت «بحتى» و «وأما» جازت إمالتهما لأن ألفهما رابعة, وهي تقلب «ياء» في التثنية, كما قلبت ألف حبلى فقيل: حبليان. وقد أمالوا بعض الحروف على غير قياس, فمن ذلك: أنهم قالوا: بلى, أمالها أبو بكر عن عاصم, وذلك لأنها أشبهت الفعل حيث قامت بنفسها في الجواب وأغنت عن الجملة المذكور في السؤال, وفي التنزيل: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أي: بلى أنت ربنا. واختلف النحويون في «بلى» فقال البصريون:
стр. 602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= هي مفردة وقال الكوفيون: أصلها: «بل» ضمت إليها الألف, وقول البصريين أولى, لأن الإفراد هو الأصل.
وقالوا: «يا زيد» فأمالوا «يا» لأنها قويت حيث قامت مقام الفعل وقوى إمالتها أن أولها «ياء».
ومما لم يذكره أبو الفتح قولهم: «افعل كذا إما لا» وتقديره: «افعل كذا إن كنت لا تفعل غيره» ومعنى هذا الكلام أن الرجل يؤمر بأشياء فلا يفعلها فيقع منه بعضها. وإنما أمالوا «لا» لأنها قامت مقام الفعل المحذوف, ولا يفعلون هذا بها في كل موضع (قامت» فيه مقام محذوف, ألا ترى أنك تقول في الجواب «لا» فلا تميل, وإن قامت مقام الجملة.
والأسماء الموغلة في شبه الحروف كالحروف في منع الإمالة, وذلك نحو: إذا ولدى وعلى إذا كانت اسمًا, وذلك لأن ألفاتها لا أصل لها, والعلة ما ذكرناه من كلام أبي الفتح في «ما» فليستعمل ها هنا, والعجم يميلون «إذا» وهو لحن, وبعض أهل العراق يميلون «على» وهو لحن أيضًا, وبعضهم يميل «إلى» وهو لحن أيضًا. وقد أمالت (القراء) «متى, وذا, وأنى» أما «متى»: فلأنه يوصف به ويصغر/ فتصرف تصرف (الأسماء) المتمكنة. وأما «أنى»: فلأن ألفها رابعة, وهي تقوم بنفسها في الاستفهام, وقرأ أبو الحسن: ﴿أنى صببنا الماء صبًا﴾ وهو استفهام على سبيل استعظام الأمر, حكى القراءة صاحب الكشاف, ودلك على أن الأسماء الموغلة في شبه الحروف مثلها في منع الإمالة أنهم لا يميلون «إيا» مع أن فيه ثلاثة أشياء تحسن الإمالة: انكسار أوله, ومجاورة يائه الألف, ووقوع ألفه
стр. 603
قال ابن جني: وقد أمالوا بعض الكلام على غير قياس, قالوا: عندي ناس, وقال العجاج والحجاج وذلك لكثرة الاستعمال لا غير.
انتهى اللمع, وفرغ منه نسخًا بتاريخ الأربعاء ثالث عشر من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة, غفر الله له ولوالديه ولمن نظر فيه, ودعا له بالمغفرة والرحمة ولجميع المؤمنين.
ــ
رابعة. فتأمل هذه التنبيهات فإنها معينى على استنباط التعاليل.
قال ابن الخباز: وقد شذت أشياء من الإمالة لا يقاس عليها, لأنها مخالفة للقواعد المبنية فمن ذلك قولهم: العشى والمكا, فأمالوهما, وهما من بنات الواو, والعشى: ضعف البصر وقرئ: ﴿فأعشيناهم﴾ ويدلك على أنه من (بنات) الواو قولهم: عشواء. والمكا: جحر الضب, وهو من بنات الواو لقولهم في التثنية مكوان, قال الشاعر: أنشده الجوهري:
٥٢٢ - كأن خليفي زورها ورحاهما ... بنى مكوين ثلما عند صيدان
وقالوا: ألكبا للكناسة وهو من (بنات) الواو, لأنه مشتق من الكبوة وقالوا الربا وهو من (بنات) الواو, يقال: ربى الشيء يربوا, والذي جرأهم على إمالته أن أوله راء مكسورة, وقالوا: ناس فأمالوه في موضع الرفع, والألف زائدة, لأن أصله «أناس» ولما حذفوا الهمزة ألزموه الألف واللام عوضًا, والذي جاء في القرآن منه معرف باللام. وقال عمران بن حطان:
стр. 604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ٥٢٣ - أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
ويقل استعمالهم إياه بالألف واللام إذا ردوا الهمزة/ كقول الشاعر:
٥٢٤ - إن المنايا يطلعـ ... ـن على الأناس الآمنينا
وقد يستعملونه مع حذف الهمزة بغير لام, وهو قليل. قال أبو خراش الهذلي:
٥٢٥ - إذ الناس ناس والزمان بقرة ... وإذ نحن لا تذوى علينا المداخل
وقالوا: الحجاج والعجاج, فأمالوهما علمين في الرفع والنصب, وذلك لأن الأعلام موضوعة على التغيير, والتغيير يونس بالتغيير, فإن كانا صفتين لم يمالا إلا في موضع الجر, والحجاج: فعال من حج يحج إذا قصد, أو من حج إذا غلب بالحجة, أو من حججت الشجة إذا سبرتها بالمثل لتعلم عمقها, قال أبو ذؤيب:
٥٢٦ - وصب عليها الطيب حتى كأنها ... أسي على أم الدماغ حجيج
والعجاج: فعال من العج, وهو رفع الصوت, ومنه بعير عجاج, إذا كان له هدير عال, والعجاج: لقب أبي رؤبة, قال رؤبة:
٥٢٧ - قدنوه العجاج باسمى فادعني ... به إذا ناديت باسمي تكفني
стр. 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وسمعت في بعض (المجالس) الأدبية أن اسمه عبد الله بن الطويل. فأما قول أبي الفتح ﵀: (وذلك لكثرة الاستعمال لا غير) فيريد أن الشيء إذا كثر في كلامهم تصرفوا فيه كما قال أبو على. وإذا لم تكثر الكلمة لم يكثر التصرف فيها. هذا آخر ما عمدت لإملائه من شرح كتاب «اللمع» وقد جئت به كما ضمنت في خطبته, ومن تصفحه وتأمله علم صدق دعواي/ ولم أستعن في مدة إملائه عليه بمطالعة كتاب, وقد أودعته نبذًا مما رويته عن شيخي مجد الدين ابن أبي حفص عمر بن أحمد بن أبي بكر بن مهران, برد الله مضجعه وطيب مهجعه, فإن حالي معه كما أنشد الإمام عبد القاهر الجرجاني:
٥٢٨ - وكم سبقت منه إلى عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف
وكم غرر من بره ولطائف ... لشكري على تلك اللطائف طائف
ومن عثر لي في هذا الإملاء على عثرة فليكن العاثر عذارًا, غافرًا لزلها, وسادا لخللها فإن السعيد من عدت سقطاته, وما أحسن ما أنشد أبو إسحاف الزجاج في كتاب المعاني:
٥٢٩ - أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
ويمهد عذري في التقصير أني لما فتحت باب تأليفه فجئني مرض, غشيتني به
стр. 606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من الغماء ما يغشى الغريق من الماء, أشمت بي العدا, وكدت منه أسلم النفس إلى الردى, فلما وطنت النفس على البأساء, وقلت لها: إن الجزع من شيم النساء وأنشدتها قول أبي تمام:
٥٣٠ - خلقنا رجالًا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم
رميت الجزع بسهم الهجر, وأعرضت عنه رجاء الأجر, فما تجاوزت ذلك الزمان بنغبة طائر خائف إلا وقد رذى بعض من يعنيني أمره من أهلي بمرذئة: استعذب (بها) أمر الحمام, وآثر على برد الماء حر السمام, فقلت:
٥٣١ - مصائب شتى جمعت في مصيبة ... ولم يكفها حتى قفتها مصائب
وأنا مع ذلك بين أهل بدة تجعل رؤيتهم الذكي بليدًا, ينفرون/ من الفضائل وأهلاه نفور الضب من البحار, والنون من البيد القفار, كلما زاد المرء بينهم فضلا زاد عندهم نقصًا, وقرأ مساعفتهم له: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ يبتغون الشكر على الأذى, وتنيور العيون بالقذى, والموت دون الحكم بذا, واللائق أن تطوى أحوالهم على غرها خوفًا من عدوى عرها, فأسأل الذي صان أوجهنا عن السجود لغيره أن يصون ألسنتنا عن السؤال لغيره, وأن يعرفنا عيوب أنفسنا, ويشغلنا بسترها, وأن يفتح علينا أبواب رزقه العميم ومنه الجسيم, وأن يجمع لنا بين العلم والعمل, وأن يحقق لنا هذا الأمل, وأن يصلي على نبيه محمد الذي أرسله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا, وعلى آله الهادين وأصحابه المهديين, وأن يجعل ما أمليته خالصًا لوجهه الكريم, إنه أكرم مسئول, ولديه تحقيق كل مأمول. فهو حسبي ونعم الوكيل, غفر الله لكاتبه ولوالديه ولأولاده ولذريته ولمن أعان على نسخه ولمن نظر فيه ودعا لهما بالمغفرة ولجميع المسلمين, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووافق الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الخميس سادس عشر المحرم سنة ست وثمانين وسبع مائة, ٧٨٦ هـ.