← Тараджим

Тараджим · id 18294

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس

ابن زيدان السجلماسي

Полный текст (3 084 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس تأليف ابن زيدان: عبد الرحمن بن محمد السجلماسي (١٢٩٠ هـ - ١٣٦٥ هـ) تحقيق الدكتور علي عمر بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة المنيا والإمام بالرياض ومن الباحثين بمركز تحقيق التراث «سابقا» [الجزء الأول]

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر الناشر مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة ٥٢٦ شَارِع بورسعيد - الْقَاهِرَة ت: ٢٥٩٢٢٦٢٠ - ٢٥٩٣٨٤١١ - فاكس: ٢٥٩٣٦٢٧٧ E-mail: alsakafa_aldinay@hotmail.com بطاقة الفهرسة إعداد الْهَيْئَة المصرية الْعَامَّة لدار الْكتب والوثائق القومية إدارة الشئون الفنية إتحاف أَعْلَام النَّاس بِجَمَال أَخْبَار حَاضِرَة مكناس ج ١ تأليف: ابْن زَيْدَانَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المكناسي, تَحْقِيق: عَليّ عمر، ط ١، الْقَاهِرَة: مكتبة الثقافة الدِّينِيَّة ٢٠٠٨ م ٥ مج: ٢٤ سم تدمك: ٦ - ٣٨٩ - ٣٤١ - ٩٧٧ ١ - الْفُقَهَاء - معاجم أ - عمر، عَليّ (مُحَقّق) ب - العنوان ديوى: ٩٢٢.٥٨ رقم الْإِيدَاع: ٧٦٦٦/ ٢٠٠٨

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

مقدمة هذه الطبعة * * * المؤلف وإسهاماته في الحياة الثقافية بالمغرب: ابن زيدان: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن على بن الشريف العلوى السجلماسى، أبو زيد: مؤرخ من أعيان المغرب الأقصى ولد سنة ١٢٩٠ هـ. كان السلطان محمد بن يوسف يخاطبه بابن عمنا، نقيب عائلتنا ومؤرخ دولتنا. ولد ونشأ في "مكناسة الزيتون"، واستكمل دراسته في جامعة القروين بـ"فاس" سنة ١٣٢٤ هـ، وولى نقابة الأشراف بـ "مكناس" و "زرهون". وزار "مصر" حاجا في سنتى ١٣٣١ - ١٣٥٧، واستقر في "الدار البيضاء"، يدير المدرسة الحربية المغربية فيها، وتوفى بـ"مكناس" سنة ١٣٦٥ هـ. من كتبه: "إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس"، وهو الذى نقدم له اليوم، و"الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة"، وديوان شعر، أكثره مدائح نبوية. وجمع خزانة كتب تعد من أكبر الخزائن في المغرب. والكتاب الذى نقدم له اليوم يتناول تاريخ مكناس منذ الأجيال القديمة ومنذ ملوكها الأولين حتى عصر المؤلف. وهو للباحثين قبل غيرهم يجدون فيه ما تضن عليهم به المراجع الأخرى حيث تناول في إسهاب تاريخ مكناس وفق منهج لا يتوافر في المراجع المماثلة.

стр. 5

وقد اعتمدنا في طبعتنا هذه الطبعة الأولى لهذا الكتاب بالرباط سنة ١٣٤٧ هـ، وذلك بعد تنقيحها. هذا وقد تركنا النص على حاله في بعض المواد دون تدخل في تعديل أسلوب الكتاب، وذلك وفق منهج المؤلف حيث أشار إلى ذلك بقوله: "وقد أتينا لك أيها المطالع بالنصوص المتبادلة بين نواب الدول الأجنبية ونواب الحكومة الشريفة في المؤتمرات السياسية والاجتماعات الرسمية على ما فيها من علل التركيب وركاكة الإنشاء، وعدم التنظيم، محافظة على نص الأصل وعدم تغييره، واعتمادًا على همة القارئ اللبيب، الذى لا تعزب عنه الحقيقة، وسترى بقية من ذلك بعد هذا بقريب". أما ما عدا ذلك فقد قمت بتصويبه عند موضعه، ولم أشر في تعليقاتى إلى كل ما قمت به من تصويب، وإنما نبهت على بعضه فقط.

стр. 6

الموضوعات والصور التي صدرت بها طبعة الرباط سنة ١٣٤٧ هـ

стр. 7

[صورة] ﴿جلالة السلطان الأعظم سيدى محمد بن يوسف﴾ ﴿أيد الله نصره وعلاه﴾

стр. 8

الإهداء (إلى صاحب الجلالة) (مولانا السلطان سيدى محمد بن يوسف أيده الله) * * * أحسن أثر، عن يراعى يؤثر، فيحمد ويشكر، ويقر بفضله ولا ينكر، مثل إتحاف أعلام الناس، بجمال حاضرة مكناس، عاصمة فخر جدودك الكرام، واسطة عقد الملوك العظام، السالك في تدبير الممالك، أحسن المسالك، السلطان الجليل، أبو النصر والفدا إسماعيل، وجدك الإمام، الذى خضعت لعزه المشام، أبو زيد عبد الرحمن بن هشام، قدس الله أرواحهما في دار السلام. وبما أن جنابكم المرفوع أمره على المفارق، أحق أن تهدى إليه نفائس الذخائر والمهارق، قدمته هدية، لسمو جلالتكم الزكية، وكل الرجاء أن يحل لديها محل القبول والإقبال، وينظر بعين الاحتفاء والاحتفال. ولا غرو فإنه حسنة من حسنات عصرك، ومفخرة من مفاخر قطرك ونتيجة اجتهاد أحد أبناء، عائلتك العلية، ومؤرخي دولتك العلوية، فإليكه يا مولاى هدية، وطرفة سنية، تفخر بحلول ناديك، ويناجيك مهديها ويناديك: مولاي يا سبط الرسول محمد ... من اسمه المحمود من أسمائه من علمه البحر الذى حارت عقو ... ل ذوي النهى والفهم في إملائه من حلمه أنسى سماحة أحنف ... وتجاوز المأمون عن أعدائه من جوده الغيث الذى لو رامه ... معن أقر بعجزه وعنائه أهدى لحضرتك الشريفة منشدا ... بيتى فتى أربا على نظرائه

стр. 9

(أهدى لمجلسه الكريم وإنما ... أهدى له ما حزت من نعمائه) (كالبحر يمطره السحاب وماله ... فضل عليه لأنه من مائه) أهدى كتابا جامعا آثار من ... فازوا بنعمة ربهم ورضائه أسلافك الغر الآلى أنباؤهم ... كالروض في أرواحه وبهائه فاقبل فديتك تحفة من عابد الـ ... ـرحمن مخلص وده وولائه ذاك ابن زيدان الذى يزداد في ... علياك حسن مديحه وثنائه ولتبق يا مولاي في نصر وفى ... عز يفوق النجم سمك بنائه فلأنت من تزهو الدنا بوجوده ... ولأنت من يبقى الهنا ببقائه * * * الله خصك بالسيادة والعلا ... وحباك ما ترجوه من آلائه وإلى مراقى السعد ترقى صاعدا ... ما لاح بدر ساطعا بسمائه

стр. 10

[صورة]

стр. 11

كلمة تقديم * * * بقلم المشير ليوطي ماريشال فرنسا ووزير حربيتها ومقيمها العام بالمغرب سابقا وعضو المجمع العلمى الفرنسى وهى كلمة خاطب بها فضيلة المؤلف بما ترجمته: طوري في ١٩ غشت ١٩٢٩ صديقى العزيز: قبلت مع مزيد السرور تقديم كتابكم القيم الذى ألفتموه عن تاريخ مكناس، وإن لكم من المزايا ما يجعلكم أجدر الناس بالخوض في هذا المجال، أوليس اسمكم رمزًا لتلك التقاليد التي اعتنت أسرتكم الكريمة بتتبعها على مر العصور، أوليست أسرتكم تتصل مباشرة بعظمة السلطان مولاى إسماعيل الأكبر، وهذا وقد جمعتم مع احترامكم للماضى أفكارا حديثة قيمة فأظهرتم ذلك بمعاونتكم في العمل المشترك بين حكومة المخزن والحماية لترقية ذلك المغرب الذى لا يزيد إلا قوة ورفاهية. لقد أحييتم لنا في فصول عديمة النظير تاريخ مدينتكم منذ الأجيال القديمة ومنذ ملوكها الأولين، ثم صورتم لنا مجد ملك المولى إسماعيل وكيف شيد القصور وخطط البساتين فتتبعناه في عمله المدهش العظيم الذى شمل جميع أطراف المملكة، وكم يلذ لنا أن نتتبع أعماله وراء البحار فنحيى صلاته الودية مع ملكنا العظيم لويس الرابع عشر.

стр. 12

إن كتابكم هذا هو للأدباء قبل غيرهم فيجدون فيه ما تضن عليهم به المجلدات الكثيرة، ثم هو لتلاميذ مدارسكم وتلاميذ مدرستنا "مدرسة الدار البيضاء" حيث سيبقى اسمكم محبوبا محترما، ثم هو للفرنسيين الذين سيجدون فيه ما يقوى إعجابهم بمدينتكم. إننى خصصت لكتابكم "عبير الآس" مكان الشرف بين أعز الكتب لدى وبين الذكريات التي تحوط بى وتذكرني سنوات ماضية قضيتها بينكم ولا أنساها أبدا -وتجعلنى دائم الاتصال ببلادكم العزيزة. ليوطي

стр. 13

تصدير تواريخ المغرب " نبذة صغيرة" * * * التاريخ أنباء الخلف بأحوال السلف، وهو معيار توزن به أعمال الأمة في هذا الوجود ويعلم منه مكانها بين الأمم غيرها على هذه الأرض، وهو السائق للعزة والدليل الخريت في الدلجة. وللمغرب تاريخ معروف في إجماله، مملوء بالبطولة، حفيل بالمآثر العظمى والوقائع الفاصلة الكبرى، وصحفه دالة على استبحار عمرانه وتمدن سكانه وإدراكه البسطة في أغراض الحياة ومذاهبها، وبلوغه يفاع المجد وذُرَا الحضارة، لما قام فيه الأفذاذ الذين قادوا الأمم فأحسنوا مقادها وساقوها إلى مواطن العزة فبلغوها ومثله في ذلك كمثل هذه الأقطار المتألف من مجموعها عالم الإسلام ولا سيما وقد كان منها عضوا بارز المكانة محسوس الأثر. و"مراكش" و"فاس" و"سبتة" و"سجلماسة" ثم "مكناسة" حواضر مغربية كان لها شأن في العلم والأدب والحضارة بحيث يصح إدراجها بجانب غيرها من كراسى الإسلام وحواضره في الشرق والغرب. وقد نشأ التاريخ المغربى متدرجا على ناموس النشوء والارتقاء، فلذلك يغلب على عهوده الأولى أن يكون مؤرخوها المعاصرون لها أجانب من هذه الديار، ثم لما استقام للبلاد أمرها وبلغت أشدها صار لكل دولة وعصر مؤرخون معاصرون يحفظون للأجيال القادمة أنباء العصور السالفة وينقلون للآتى خبر الذاهب بما استطاعوا من جمع وتدقيق، وأعانهم على ذلك أن جمهورهم كان متصلا بالدولة مطلعا على ما قد يحتاج إليه إذ ليس فيهم -في الغالب- إلا وزير أو كاتب أو نحوهما.

стр. 14

فكان منهم في عهد المرابطين شاعرهم أبو بكر بن الصيرفى الغرناطى (-٥٥٧) وكان في عهد المهدى والموحدين مؤرخون منهم: "صاحب الأنساب" في معرفة الأصحاب أصحاب الإمام المهدى، وأبو بكر بن على الصنهاجى البيذق صاحب "تاريخ الموحدين"، وعبد الواحد بن على التميمى المراكشى مؤلف "المعجب" وغيرهم كالقاضى يوسف بن عمر الإشبيلى وابن حمويه السرخسى والقاضى الأكرم على بن يوسف القفطى (٥٦٨ -) صاحب تاريخ المغرب ومن تولاه من الموحدين فلما انقرضت دولتهم وقام المرينيون بجليل أعمالهم ونضجت في عهدهم الحضارة بالمغرب قام بتدوينها أصحاب الذخيرة السنية وروضة النسرين وروض القرطاس وشاعر ذلك العصر الكاتب عبد العزيز الملزوري في نظم السلوك وغيرهم كالسفير الخطيب بن مرزوق في المسند الصحيح الحسن في مآثر أبى الحسن وكاتب الدولة ابن خلدون وضيفها ابن الخطيب في آثاره، ثم دالت الدولة للوطاسيين منهم فما لبثوا بها إلا أياما واستلمها منهم السعديون، فظهر بليغهم الوزير الفشتالي بمناهل الصفا والجزولي بالنفحة المسكية، والرئيس ابن عيسى بالممدود والمقصور من سنا الملك المنصور، وابن القاضي بالمنتقى المقصور ودرة الحجال، وغيرهم بغير ذلك، ثم صار الأمر للعلويين فكان لهم مثل ما تقدم فكتب عن صدر دولتهم اليفرني ثم تلاه ابن إبراهيم الدكالي والغزال والضعيف والزياني، ومثله في الدولة العلوية كمثل ابن القاضى في الدولة السعدية في الاعتبار بالتاريخ والتدوين فيه، واكنسوس وابن الحاج والسملالي والسباعي وصاحب الاستقصاء وغير هؤلاء. ومن المؤرخين طائفة تخللت تلك الأدوار وعاشت في ظل أفيائها ولكنها انتحت بكتبها ناحية خاصة منها، ولهؤلاء في ذلك طرق مختلفة وأساليب شتى: فمنهم من كان ذا منزع صوفى فرأى الاقتصار على أخبار الزهاد والمتصوفة، وعددهم في هذه الأمة كثير ولهم فيها أى تأثير، وتدوين أحوالهم وما يتصل بهم

стр. 15

من قول أو عمل وهؤلاء فريقان: فريق له مؤلفات عامة كتآليف ابن الزيات المراكشي والبادسى والصومعى. وفريق له كتب ورسائل تخص أبا محمد صالحا، وأبا يعزى وأضرابهما ومؤلفات هؤلاء وموضوعاتهم كثيرة. ومنهم من ألف في أنساب الملوك والقبائل والبيوت الجليلة القدر الكريمة الأصل وأكثر ما ألف في هذا المعنى في أهل فاس وأقله في غيرها من الجهات والكاتبون هنا كثير. ومنهم أرباب الفهارس والأثبات وهى تفيد من شاء الاطلاع على حالة المغرب العلمية في الجملة، وقد ألف في ذلك عياض كتابه "الغنية"، ثم ابن رشيد وابن الشاط وعبد المهيمن الحضرمى وأبو زكريا السراج وزروق وابن هلال وابن غازى والمنجور والجادرى وابن القاضى وعبد الواحد السجلماسى المراكشى والفاسيون والعراقى ويحيى البكرى السوسى والمنجرة واليوسى والمرغيثي والحضيكى والعميرى والبنانيان ابن عبد السلام وابن الحسن والتاودى والهشتوكى والورزارى والكوهن وغيرهم. ومنهم من كتب في طبقات الرجال وتراجم الأعلام كطبقات المالكية للقاضى عياض وتسمى بالمدارك، وقد اختصرها ابن سهل وابن علوان المصرى وابن حمادة السبتى تلميذ القاضى وزاد عليها زوائد، وطبقات الأعيان لابن عجيبة ورجال القرن العاشر لابن عسكر وطبقات القرنين الحادى عشر والثانى عشر للقادري ورجال القرن الحادى عشر المسمى بالإِعلام بمن مضى وغبر لعبد الله الفاسى وطبقات أهل الحساب والفرائض لابن القاضى وله ذيل علي ابن خلكان هو المسمى "بدرة الحجال في أسماء الرجال" وله ذيل آخر على ابن قنفذ من أول المائة الثامنة إلى تمام العاشرة وكذلك ذيل على الصلة أحمد بن فرتون الفاسي (-٦٦٠) وابن عبد الملك المراكشى (٦٣٤ - ٧٠٣) قاضى أبى يعقوب المرينى على مراكش في كتابه "الذيل والتكملة على الموصول والصلة"، وسلك الفتح بعض أدباء المغرب في

стр. 16

قلائده التي خدم بها مجلس الأمير إبراهيم ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ثم جمع ابن هانى السبتى كتابا في شعراء المائة السابعة سماه "الغرة الطالعة" وجاء بعده أبو الوليد ابن الأحم فجعل لأدباء العدوة قسما من كتابه نثير الجمان فيمن ضمه وإياهم الزمان، واقتصر العلمى على من لقيه من أدباء عصره في أنيسه المطرب، ومن هذا الباب ما وضع خاصا ببعض الأفراد الممتازين كاليحمدى وزير مولاى إسماعيل والعياشى زعيم السواحل وأمثالهما من الفضلاء. ومنهم المؤلفون في المدائن يذكرون أخبارها وما تقلبت فيه من الأحوال وكيف تداولتها الدول ومن كان فيها من الرجال والأسر النبيهة وقد ألف محمد بن يوسف الوراق القيروانى (٢٩٢ -) في أخبار سجلماسة ونكور والبصرة تآليف حسانا كما يقول ابن حزم. وفى فاس ألف عبد الملك بن موسى الوراق كتابه "المقباس في أخبار فاس" وألف في تاريخها ابن حنون وابن عبد الكريم وابن أبى زرع وفى رجالها ابن القاضى وابن الأحمر وابن عيشون والمدرع والفاسى والكنانى وجمع المقرى كتابا فيمن لقيه من الأعلام بها وبمراكش. وألف ابن أبى بكر الحضرمى السلسل العذب والمنهل الأحلى في سلك من تحلى سلكهم في الأربعين من جيل فاس ومكناسة وسلا. وفى سبتة ألف القاضى عياض العيون الستة وهى من كتبه التي لم تتم. وألف غيره بلغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدول المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب والكوكب الوقاد فيمن دفن بسبتة من العلماء والزهاد. وفى مكناسة ألف ابن جابر نزهة الناظر وابن غازى روضه الهتون والجبلى النفحات الوردية. وفى راوية الدلاء ألف الحوات واليازغى. وفى درعة ألف محمد المكى الناصرى الدرر المرصعة. ولا يزال هذا التاريخ المغربى تعمل فيه الأقلام وتنضب في تدوينه المحابر وتعمل فيه الليالى والأيام وهو لا يزداد إلَّا نُدْحَة في البحث واستقصاء وتنقيبا ومن

стр. 17

ذلك هذه الحركة المباركة التي قام بها ثلة من أرباب الأقلام في بعض أرجاء المغرب فاختص كل واحد بتدوين تاريخ مدينة من مدنه -كمراكش وفاس وسلا والرباط وطنجة- وتبيان ما كان لها من عهد زاهر ومجد غابر وذكر زعماء رجالها الذين كانت لهم يد في العلم والأدب منها، وجمع ما كان من ذلك متناثرا بعد أن أدركه التلاشى وكاد يصبح مضمحلا داثرا، وهى فكرة حميدة كان سعى أربابها مشكورا وعسى أن تعم أصقاع المغرب فيقوم بتنفيذها من يأنس من نفسه اقتدارا على ولوج هذا الميدان والإجادة من نصيبه منه حتى نرى تلك التواريخ يوما وقد أحكم وضعها وأتقن ترتيبها وجمعها وأصبحت مادة فوارة لتاريخ المغرب العام. وهذا أثر جليل من ذلك النحو قد جمع فأوعب واستدرك فأعجب وأغرب، وسيكون ولا ريب من أهم مؤلفات المغرب التاريخية وأغزرها مادة وأكثرها إفادة وجمعا، وقد اجتمعت فيه ثلاث من كن فيه كان حقيقا بالامتياز عن غيره والحظوة بالخصوصية ألا وهى، قيمة الكتاب وأهمية الموضوع واقتدار المؤلف في فنه: أما عن المؤلف فسماحة الأستاذ النقيب مؤلف هذا الكتاب أحد حملة التاريخ عندنا الذين يقول لسان حالهم: فجسمى في دهره ماكث ... وعقلى في أول الدهر ناء وهو غنى بشهرته ومكانته وخزانته الزيدانية عن زيادة التعريف والتبيين. وأما عن الموضوع فإن مكناس جمعت بين الطريف والتليد والقديم والجديد، وهى إحدى حواضر المغرب بعد سجلماسة مركز بنى مدرار وفاس كرسى الأدارسة ومن اقتفاهم ومراكش دار المرابطين ومن بعدهم. وقد مرت عليها أيام كسيت فيها نضارة الحضارة وظللها جلال الملك والإمارة وكانت فيها قلب المغرب ومأوى الوزراء والكتاب والشعراء وأرباب العلوم والصنائع والفنون.

стр. 18

وأما عن الكتاب فإن المؤلف متى كان قائما على فنه مضطلعا بأعبائه منقطعا إليه جاء في كتابه بنتيجة ذلك كله، وفى هذا الكتاب ما لا يكاد يتأتى لغير مؤلفه الإتيان به أو العثور عليه، وقد أحيا الله به مواتا ونشر بإبراره رفاتا وإن فيه فوائد هى أعز ما يطلب، ووثائق تكشف عن كثير من الأسرار المكتومة وتراجم هى لب التاريخ وحليته، ولولاه ذهبت وكأن لم يكن أربابها شيئًا مذكورا إلى ما حلى به من نادر الصور وقيم الغرر. وإن أقل ما يجارى به مؤلف وقد أبدى للناس كتابه -بعد أن أنفق عليه من ذهنه ووقته وجهده ويده- أن يقال له: أحسنت وأفدت ولا زال قلمك منهلا. الرباط ١١ جمادى الثانية ١٣٤٨ عبد الكريم بن الحسنى

стр. 19

الحمد لله حق حمده وللفقيه الأديب السيد محمد غريط لما وقف على رسم المؤلف: يا مرسل الفكرة في جنة ... أتت من الزهر بألوان جنة أخبار يتوق لها ... من ليس بالمستكبر الجانى إن شئت أن تبصر مبرزها ... نزهة ألباب وأعيان فانظر إلى رسمه تلف به ... لوصفه أحسن تبيان وهو أبو زيد النقيب الذى ... ينمو لفرع الملك زيدان

стр. 20

[صورة] علمي غذا روحي وراحة بنيتي ... وتفكري فرضي وخير مجالس وتدبري راحى وريحاني وكتـ ... بي في انفرادي مطربي ومؤانس وأرى حياتي دون ذلك ما لها ... نفع كعيشة عابث متقاعس عبد الرحمن بن زيدان

стр. 21

إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس لابن زيدان

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله مقدمة المؤلف * * * حمدا لمن تعالت عظمته عن أن تحيط بها الأخبار. وتقدس في سلطانه فقصرت الأفهام عن كنهه على مر الأجيال والأعصار. لا يعزب عن علمه ما كان وما يكون. ولا تخفى عليه خافية من أحوال الظهور والبطون. كل يوم هو في شأن، وإليه ترجع الشئون. مدارك العقول في موقف الحيرة تحت ذيل القصور. وتحريرات النقول في قصوى العي على بساط الفتور. عقل العقل أن يكون محيطا ... ليس ربى مركبا أو بسيطا حجب الكل عن دراية كنه ... وهو بالكون لا يزال محيطا سبحانه ما أجل بره، وأوسع امتنانه، أسدل على كل مكون قبل نشأته وبعدها فضله وإحسانه. لم يخل قط عن إمداد وإيجاد ... مكون رائحا قد كان أو غاد فالاعتراف له بالبر يورث أن ... يزيد من فضله من غير تعداد فله الشكر ما تحلت الألسن بذكر الوقائع، وقامت في صحائف الأذهان أخبار الرقائع. شكرا لرب تعالى ... وفضله قد توالى من يصرف العمر منه ... في طاعة ما تغالى

стр. 23

ونشهد أنه الله الذى لا إله إلا هو شهادة تعصم من الأوهام والشكوك وترشد الجازم بها إلى الاتباع في المآخذ والتروك. تعالى أن يشارك في صفات ... وكل خلقه كيف الشريك تقدس أن تحيط به عقول ... وجل الله مولانا المليك ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله الصادق فيما قص من الأنباء، وأبدى من أسرار من تقدمه من الرسل والأنبياء. برى الله خير العالمين مكملا ... وأولى علاه فوق ما منه أملا وصور منه الشكل غير مشارك ... على كل موجود جلاه مفضلا فصل اللهم عليه صلاة تملأ الأرض والسماء، وتدوم بدوام ملكك، فلا يأتى عليها إحصاء ولا استقصاء، وعلى آله نجوم الاهتداء وأمان الأمة، القاعدين على صهوة المجد البالغين من كل مقصد همه، وأصحابه الذين نصروه وشدوا أزره، وحملوا عنه إلى من لم يحضره نهيه وأمره. أما بعد: فيقول خديم العلم والتاريخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن ابن على بن محمد بن عبد المالك بن زيدان ابن فخر ملوك المغرب وجد سلاطينه مولانا إسماعيل بن الشريف الحسنى السجلماسى: إن لله تعالى في أجيال العوالم -من مكنون السر وخفى الدقائق- ما لا تحتوى على بيانه فنون المجازات وأنواع الحقائق، أودع فيها حكما ترجع دون تمام إدراكها الأمانى حسرى، وتقف في مشاهد إبداعها فتخر آونة شكرا وأخرى برقائقها سكرى. كيف وهى مظاهر قدرته الباهرة، وتجلياته التي تكل أولاها والآخرة. فأعقل الناس من رآها بلب الاعتبار، وعرف أن منها ما سبيله الادكار، وما أبرز للاختبار، فاعتبروا يا أولى الأبصار، فوقف به ما رأى وسمع من أحوال القرون الشاسعة، على هدى يجده في المعاش والمعاد من الأعمال النافعة.

стр. 24

وإن الفن الذى يجمع من ذلك زبدة الأوطاب، ويميز بين ما خبث وطاب، علم التاريخ الذى هو من أجل ما يدخر، وتقدم أهميته ولا تؤخر، يريك من المعدوم موجودا، ومن المقطوع سابقا فصلا ممدودا، حتى كان من انقرض الآن ينطق، وشمس حياته لا زالت تشرق، فلم يفت المتقدم المتأخر إلا بالأشباح والصور، إذا جليت منهم العبر وتليت عليهم السور. أخبار من سبقوا إدراك عصرهم ... وجودهم يجتلى في طى نشرهم ناجوك دون لسان إذ تبين من ... حديثهم ما خلا في مر عمرهم فاعرف قدره ما بين الفنون، ومتن فخامته إذا تليت المتون، فقد نوه الذكر الحكيم بإنافة شأنه. وقص على المعتبر فائدته وبدائع حسنه، وناهيك بما ضمنه من أسراره، وكشف للألباب من خبايا أستاره، فقد أرى أخبار المرسلين وحميد سيرهم، وما لقوا من نشأتهم إلى انتقالهم عن عالم الدنيا ورحلتهم، ومن أجل ذلك أمر الله أشرف الموجودات، أن يتأسى بهم في سنى تلك الحالات فقال: (فبهداهم اقتده). ولهذا ومثله تصدى الأعلام لتدوينه، والتنقير عن تفصيل حوادثه وشئونه، اقتفاء لما ذكر الله في الكتاب، وانتحالا لما يستعذب ويستطاب ما بين موجز ومطنب، ومشرق فيه ومغرب. بيد أنى لم أجد من يشفى العلة، ويبرد من الصادى الغلة، بشرح أنباء مكناسة الزيتون، ونظم ما تناثر من درها المكنون، بعد بلاغ الجهد في القديم والحديث، فيمن يروى مسند ذلك الحديث، وما صنفه إمام المحققين وخاتمتهم ابن غازى في روضه الهتون، نقطة من بحر ولقطة عجلان لا تأتى على البعض من عجائب بيت الملك وسرها المصون، ولا تروى من هو بقيظ الجهل بها صديان،

стр. 25

وعذرا له لأنه أول قارع لأبوابها، وغير مسبوق بشيء يعتبر في اختراعه من لبابها، وتلك العادة المحكمة في أول متكلم. غير أن له الفضيلة بسبقيته على العالم والمتعلم، فالهجوم على ما يصعب لا يحكمه إلا البطل، وبعد جناية النحل يجنى العسل، إذ الفضل كل الفضل لمن إذا الليل عسعس، طرق العقيلة في حيها وقد أحدق بها الحرس، ومن تكلم بعده في شيء من هذا الموضوع في ديوان فيه أو في غيره مشروع فعلى أثره عول وبإضاءته فرع ما فرع وأصل ولم أر منهم من هز لنشر طيها عطفا ولا من اقتطف من مشكاة أنوارها قطفا بل هم عن تدوين شئونها في انقباض وكل يدعى أنه خالى الوفاض إجماعا على الوفاق والتراض، وجنوحا إلى الزمانة بدلا عن الانتهاض، وما أراهم إلا لما تكامل فيها الحسن والإحسان، بهتت العقول فكل عنها منهم اللسان وتركوا القول جملة وتفصيلا، وتساقطوا على غيرها قبيلا فقبيلا تكاثرت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد وليس هذا بالرأى الحميد، ولا بما يلوى اللبيب فيحيد فقد أطبق العقلاء على أن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه أو جله. وطالما رمت الأخذ بهذه القاعدة فأجد النفس عن الجولان في ذلك الميدان قاعدة، إذ فقد مواد تقص تلك الأنباء يوجب العجز عن أن تتحمل منها الأعباء سيما وقد ضن على أغبياء جهلاء هذه المدينة التي كانت كل البلاد من محاسنها مدينة وتقاعدوا على ما لديهم وطووا كشحا دون الاقتراح فيه عليهم، مما عسى أن يظن به خبر ذلك الحى، ونشر ما أصبح الآن منه في ربقة الطى أو له بسالفه أدنى استمداد، يكون عند النهوض عمدة استعداد، بل آل سؤالى منهم ما أملت من الدفاتر، أن أصبح ودهم من قبيل العفا الداثر فكان تقلص ظل الوداد نتيجة

стр. 26

القضية، وسهام البين عي المعروف والغطية، ظنا منهم أن العلم منحصر في الحصول على ذلك الوطر انحصار المبتدأ المعرف بلام الجنس في الخبر، وما دروا أن في بذل ما لديهم إنقاذها من البلا ورفعها عن أن يحل بها من الأرضة البلا فجمعوا بين رذيلتى البخل وكتم العلم جمعا، والحال أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فنهض من إجابته عندى فرض عين، وخلافه في سماء الوداد كسوف وغين يحثنى بإزعاج على أن أجوب تلك الفجاج لأنظم ما سعت الأيام في نثره وأكمل من الروض ما يحسب من بتره وأضيف إلى أغراضه ما حدث بعد عصره مرسلا عنان القول غير لاحظ لحصره بدائع تزهو من سناها الخرائد ... ونظم نثار ما حوته القلائد أصول لذى التحقيق يبقر باطنا ... وفى ظاهر الأرقام تلك زوائد فقلت حملتنى في قصدك أصرا، وقد فقدت من أبناء العصر تأييدا ونصرا، فلم تزده الإباية إلا حثا واقتراحا ولا نظم البراهين على الإعواز إلا شغفًا وارتياحا فحرك منى ما كان سكن هبوبه وقوى عزمى على فتح ما أغلقت جيوبه فأجبته مستعيذا بربى من حسد سابقى ودونى وتربى لائذا بحوله ومعونته في السر والنجوى سائلا منه سبحانه أن يجعلنا ممن اعتصم بحبله الأقوى، وأدرجه في سلك أهل الطاعة والرضا، ووفاه من قصده ما يحب ويرضى. وعنونته (بإتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس) ولك أن تسميه عبير الآس من روض تاريخ مكناس، أو حسن الاقتباس من مفاخر الدولة العلوية وتاريخ مكناس. ورتبته على مقدمة وأربعة مطالب تهذب علم الشيخ، وتفتح ما أغلق على الطالب.

стр. 27

المقدمة حشوتها من نفيس الفوائد ما يعود على الخبير بالصلات والعوائد وينسى الغرثان (١) لذيذ الموائد والعاشق الولهان محاورة الغيد والخرائد. والمطلب الأول في اختطاط البلاد، وذكر الخلاف في نشأتها بين الرؤساء والأفراد. وثانى المطالب في نعوتها التي أسلت عن الحسناء والحسن، وأنست من البقاع سواها كل سهل وحزن. وثالث المطالب في تفصيل تراجم علمائها وذوى الفضائل والحيثيات من رجالها ووجهائها، وإن انتقلوا إلى غيرها من البلاد، سيان عندى حاضرها والباد. ورابعها وجيز الإشارة إلى ما توارد عليها من الأحوال وما مر بها من أنواع الحبور والمحال. المقدمة التاريخ لغة: تعيين الوقت مطلقا، وعرفا علم يبحث فيه عما مضى من سالف الدهور وعن أحوال المتقدمين من الأمم وأسماء المشاهير منهم ومعرفة أزمنتهم وأمكنتهم، وسيرهم وعوائدهم، وما يتعلق بحياتهم ووفياتهم. وينقسم إلى أثرى وبشرى: فالأول ما قصته الكتب المنزلة، والسنة النبوية، والثانى ما دونه علماء الأمم من الوقائع والحوادث والحروب، وينقسم أيضا إلى قديم وحديث، فالقديم: ما كان قبل الإسلام والحديث: ما كان بعده. وعلى هذا التقسيم جرى جل مؤرخى العرب، ولكل أمة وجيل تقاسيم اصطلحوا عليها لسنا بصدد التعرض لها، ثم ما دون أو يدون في التاريخ إما عام وإما خاص، فقد يقع في الدول من بدء الدنيا، وقد يختص بالدولة الإسلامية

стр. 28

مثلا، وقد يكون في أعمار الأعيان ووفياتهم، وقد يكون في اختطاط البلدان والمساجد والربط وغير ذلك. وأما أصل موضوعه فأعمال البشر في كل زمان ومكان، والفحص عن سير المتقدمين من الملوك والعلماء والصلحاء والوقائع الحربية وغيرها، وحالة المدنية والعمران، وقوة الدول وفشلها، وأسباب تقدمها وتأخرها واضمحلالها. وأما واضع الأثرى منه فهو الله ﵎، أنزله على رسله الكرام في كتبه الناطقة بالحق وأعظمها القرآن، فقد تكررت فيه أقاصيص المتقدمين وأحوال الماضين وخصوصا مع الأنبياء والمرسلين، حتى قال مولانا ﵎ فيه خطابا لنبينا ﷺ : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ... (١٢٠)﴾ [سورة هود آية ١٢٠]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ... (٥)﴾ [سورة القمر آية ٤، ٥]. وفى هاتين الآيتين الكريمتين تنبيه على ما يقصده العاقل من الاطلاع على أحوال الماضين والوقوف على سير الغابرين من الاعتبار والاتعاظ والاستبصار، ولذلك نرى القرآن يتفنن في إيراد القصة الواحدة وإعادتها بأساليب. من طرق البلاغة ويبرزها في صور شتى على قدر ما فيها من وجوه العبر وضروب النظر، حتى احتوى من ذلك على جم مما كان لا يعرف الوجه الواحد من علوم أقاصيصه إلا أفراد الرهبان، ورؤساء الأحبار، ولذلك وصف نبينا ﷺ كتاب ربنا هذا بقوله: "فيه نبأكم وخبر ما كان قبلكم". وكذلك أوحى الله تعالى من هذا الفن التاريخى إلى أنبيائه -في غير ما أنزله عليهم من الكتب أيضا- ما لا يستطاع استقصاؤه، وقد حدث نبينا ﷺ من ذلك بما ملأ الدفاتر، وعلى ذلك جرى سلفنا الصالح، فلم يزل الصحابة رضوان الله عنهم يتفاوضون في حديث من مضى، ويتذاكرون في أخبار من تقدمهم من الأمم، واقتدى بهم في ذلك سادات التابعين وأتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا. وأما واضع البشرى فهو الإنسان وهو قديم الوضع من عهد نبى الله آدم ﵊، ومأخذ ذلك هو قوله عندما تيقظ من نومته التي ألقاها الله عليه

стр. 29

-ليخلق حواء من ضلعه- كما ورد في التوراة: (هذه عظم عظمى ولحم لحمى) إذ قوله هذه حكاية حادثة شاهدها وواقعة حال حققها، ثم ترقى التاريخ بهذا المعنى شيئا فشيئا كسائر العلوم البشرية حتى دون ذلك، وكل شيء يبدو صغيرا ثم ينمو كما هو مشاهد، "سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا". والتاريخ أيضا بمعنى التوقيت أى تعيين الوقت، كذلك قديم الوضع، فقد روى ابن عساكر في تاريخه بإسناده إلى الزهرى والشعبى، قالا: لما أهبط آدم ﵊ من الجنة وانتشر بنوه في الأرض، أرخوا من هبوطه إلى أن بعث الله سيدنا نوحا ﵇، فأرخوا من مبعثه إلى وقعة الطوفان، فأرخوا حتى جاءت حادثة نار سيدنا إبراهيم ﵇ فأرخوا بها. ثم اجتمع رأى كل أمة من الأمم على شيء، فأرخ الروم واليونان بميلاد إسكندر الرومى، وأرخ المسيحيون بظهور سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وأرخ بنو إسحاق من مبعث نبى إلى مبعث نبى آخر، وأرخ بنو إسماعيل -من بنيان البيت- حين بناه إبراهيم وإسماعيل- حتى تفرقوا، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بخروجهم ومن بقى بتهامة منهم أرخ بخروج سعد ونهد وجهينة بنى زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤى فأرخوا من موته، ولا زالوا يؤرخون بما كان من الحوادث حتى أتى عام الفيل فجعلوه تاريخا إلى أن حصلت الهجرة فأرخوا بها وبقيت مبدءا للتاريخ الإسلامى إلى الآن (١). ويعتبر التاريخ بالليالي، لأن الليل عند العرب سابق على النهار، لأنهم كانوا أميين لا يحسنون الكتابة ولم يعرفوا حساب غيرهم من الأمم، فتمسكوا بظهور الهلال، وإنما يظهر بالليل فجعلوه مبدءًا للتاريخ.

стр. 30

وأما ثمرته فالانتفاع بتذكر الحوادث التي حصلت في الكون خيرا أو شرا، والتبصر في الأمور والاسترشاد بما فات في كل ما هو آت للتخلى عن الصفات الذميمة والتحلى بالآداب والأخلاق الحميدة، إذ قصص من قبلنا عبرة لأولى الألباب في أحوال الدين والدنيا وما يعقلها إلا العالمون. فإذا اطلع العاقل على سير المتقدمين من الأمم الراقية وأخلاقهم وسياستهم تاسى بهم وقاس نفسه عليهم، فانتصح بأحوالهم في دينهم ودنياهم، واكتشف عن عورات الكاذبين فيجتنب سوء أعمالهم ووخيم منقلبهم، ووقف على أحوال الصادقين فيقتدي بهم ويحرز لنفسه من معلومات العالمين وتصانيفهم واكتشافاتهم ما يشحذ ذهنه ويزيد في قوة إدراكه بأقرب الطرق وأيسرها مما لم يحصل عليه من سبقه إلا بعد العناء والكد. وأما فضيلته فهو من أعظم العلوم وأعزها وأشرفها وأنفعها وأجملها وأكملها فهو أكبر مرب للأذهان ومرق لحالة الإنسان والعمران، وهو في الحقيقة برنامج ما مضى وتذكرة ما عناه الأولون من أحوال وتقلبات، وتبصرة لأولى الألباب في المستقبل، وعمر جديد للمطالعين يغنم ولا يهمل وفى فضله قيل: ألا إن في التاريخ علما وحكمة ... وفيه اعتبار بالقرون الأوائل إذا لم تكن بالجسم شاهدت من مضى ... فبالفضل قد شاهدتهم والشمائل لذاك اعتنى بالكتب فيه أئمة ... جهابذة أولو التقى والفضائل وهم كل قاض أو فقيه مدرس ... وذو أدب لم يدره باسم جاهل وقال لسان الدين ابن الخطيب في صدر أرجوزته رقم الحلل في نظم الدول: وبعد فالتاريخ والأخبار ... فيه لنفس العاقل اعتبار وفيه للمستبصر استبصار ... كيف أتى القوم وكيف صاروا

стр. 31

يجرى على الحاضر حكم الغائب ... فيثبت الحق بسهم صائب وينظر الدنيا بعين النبل ... فيترك الجهل لأهل الجهل وقيل: إن شئت تكثير عقل فيه مصلحة ... لأجلها دارت الأفلاك أدوارا فانظر لمعنى المواليد التي اختلفت ... واقرأ تواريخ من في الدهر قد صارا وقيل: ليس بإنسان ولا عاقل ... من لا يعي التاريخ في صدره ومن درى أخبار من قبله ... أضاف أعمارا إلى عمره وقيل: إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ... توهمته قد عاش حينا من الدهر وتحسبه قد عاش آخر دهره ... إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر فكن عالما أخبار من عاش وانقضى ... وكن ذا نوال واغتنم آخر العمر وقيل: وما التاريخ إن فكرت إلا ... رياض تجتنى منها ثمارا تنادم تارة فيها ملوكا ... وأخرى سادة علما كبارا وآونة تنادم شرب راح ... أداروا في مجالسهم عقارا تفيدك حالة الماضين علما ... ولا تألوك نصحا وادكارا ترى فيها البلاد وساكنيها ... كأنك حاضر معهم جهارا

стр. 32

به يعرف من خلف سير من سلف، ولولاه لجهلت الأنساب، ونسيت الأحساب، وتقطعت الأسباب. ولم يعلم الإنسان أن أصله من تراب ومآله إلى خراب. وقد ضمنت مقالتى التاريخية التي أمليتها بنادى الخطابة بمكناس خمسة عشر وجها من فضائله فلتنظر ثَمَّة. وأقوى دليل على فضله وشفوف شرفه بين العلوم وقوع الاستدلال به والاحتجاج في القرآن الكريم -الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- في قوله جل من قائل: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [سورة آل عمران آية ٦٥]، وهذا كما قال العلماء من لطائف الاستدلالات وأنفسها. وأما حكمه فإنه يكون مطلوبا في غالب الحالات، وربما كان فرض كفاية، وبالجملة فالقول الفصل ما أفصح به أبو على اليوسى -في قانونه- إذ قال: كل ما يحتاج فيه إلى شيء من أمور الشرع كتاريخ سكة معلومة، أو مكيال معلوم، أو مسجد عتيق، أو التقى فلان بفلان من الرواة، أو إمكان التقائه، أو كان فلان من المتقدمين أو من المتأخرين أو من الصحابة أو لا، وغير ذلك فهو داخل في العلوم الشرعية المهمة، وما سوى ذلك بخارج عنها غير أنه إن أفاد فائدة أخرى كالاعتبار والاستبصار والاهتزاز بوصف محمود بسماع أخبار من اتصف به من صلاح، أو عبادة، أو زهد، أو شجاعة أو حلم، أو سخاء ونحوه والانتهاء عن مذموم عند ذكر من نعي به، أو تعليم صنعة أو حيلة نافعة، أو غير ذلك من المصالح فهو محمود كسائر العلوم التي ليست من أمور الدين كالحرف والصنائع التي تجلب للإنسان -كما هو مشاهد- جزيل المنافع وذلك إن لم يعطل عما هو أهم منه وإلا فالأهم المقدم. وأما نسبته إلى غيره من أصول العلوم الأدبية فهو جزئى لها، وهى اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعانى والبيان والعروض والقافية والخط وقرض

стр. 33

الشعر والإنشاء والمحاضرات، نعم الثمانية الأولى أصول، والأربعة بعدها فروع، كما صرح بذلك أبو البقاء في كلياته وغيره، قال: ومنها التواريخ والبديع ذيل للمعانى والبيان، وقد جمعها الشيخ حسن العطار في قوله: نحو وصرف عروض بعده لغة ... ثم اشتقاق وقرض الشعر إنشاء كذا المعانى بيان الخط قافية ... تاريخ هذا العلم العرب إحصاء وقد توقف الشيخ الأمير في عد التاريخ من علوم العرب وقوفا مع ظاهر كون الأمية فيهم هى الأصل وعمدة التاريخ الكتابة. ونحن نقول توقفه غير ظاهر، لأن العرب أكثر الناس اعتناء بالمحافظة على معرفة الأنساب وأشد الأمم ولوعا بحكاية الوقائع والأخبار والحروب والقصص، وذلك في أشعارهم كثير، وغير خاف أن شعر العرب مستودع أخبارها، ففيه علومهم وأخبارهم وحكمهم وهو ديوانهم الجامع لمآثرهم، وقد جعل الله تعالى أناجيلهم في صدورهم، وأغناهم بقوة الحفظ وسيلان الأذهان عن الاحتياج للكتابة وما يتبعها من الوسائل، ولو دفعنا عنهم التاريخ بعدم كتابتهم لدفعنا بذلك أيضا عنهم سائر العلوم الأدبية التي لا ينازعهم فيها أحد وذلك باطل بالضرورة، وسترى في كلام الحسن بن سهل الآتى قريبا أن علم النسب وأيام الناس عربى الأصل وكفى به ردا لتوقف الأمر. ثم إن إطلاق الأدب على الاثنى عشر المذكورة مولد حدث في الإسلام كما أفصح بذلك شارح القاموس، فإن علم الأدب لغة هو: تعلم رياضة النفس ومحاسن الأخلاق. قال أبو ريد الأنصارى: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، والأزهرى نحوه كما في المصباح، ونقل الخفاجى في العناية عن الجواليقى في شرح أدب الكاتب أن معناه لغة حسن الأخلاق وفعل المكارم هـ.

стр. 34

وقال ابن خلدون في مقدمته: هذا العلم يعنى الأدب لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهى الإجادة في فنى المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العربَ مما عساه تحصل به الملكة: من شعر عالى الطبقة، وسجع مَبْثُوثة (١) أثناء ذلك متفرقة يستقرى منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة، والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شئ من كلام العرب وأساليبهم ومناحى بلاغتهم إذا تصفحه، لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه، فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه (٢). ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف، يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهى القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم هـ (٣). ونقل أبو على اليوسى في محاضراته عن الحسن بن سهل قال: الأدب عشرة أصناف: ثلاثة شهرجانية وهى ضرب العود ولعب الشطرنج واللعب بالصوالجة، وثلاثة أنوشروانية وهى الطب والهندسة والفروسية، وثلاثة عربية وهى الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشر مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس وهذا عام هـ.

стр. 35

وفى نفح الطيب أن علم الأدب في الأندلس كان مقصورا على ما يحفظ من التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات (١) الحكايات، قال: وهو أنبل علم عندهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل (٢). وإنما كان التاريخ من الفنون الأدبية لأنه أكبر مرشد للتخلق بمكارم الأخلاق ومجانبة أهل الرذائل والنقائص والفرار من الأشرار، ولأنه أقوى معين ومساعد على نمو قوة ملكة الإنشاء نظما ونثرًا للاستشهاد بشواهده والاستمداد من فوائده والائتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه وزواجره لمن أبصر رشده وأراد الله هدايته. وأما استمداده فهو إما من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وإما من أخبار الأنبياء أهل التحقيق والعرفان. وإما من الحوادث المشاهدة بالعيان. والآثار الضخمة العظيمة الشان. وإما مما دونته رواة الأخبار وأولاه ما نقلته عن مشاهدة وعيان. فإن ذلك يغنى هم كل برهان. ويكسب صاحبه علما يقينا لا يشككه فيه ثان. وإما من الوقائع المسموعة ممن شاهدها من المعاصرين الأعيان. نعم لا غنى لمن يعول في النقل على هذا الأصل من اعتبار أحوال المسموع والمسموع منه، أما الأول فبأن يعتبر إمكانه في نفسه باعتبار العقل والحقيقة فإن دخل في حيز الإمكان بهذين الطريقين نظر فيه، واعتبره ثانيا باعتبار حال المسموع منه بأن يكون ثقة غير مغفل فإن لم يكن فيهما مانع فحينئذ يعول عليه ويجعله أصلا لديه، وإنما اعتبرنا الإمكان شرطا في قبول ما جاء من هذه الطريق وفى الحقيقة كل الطرق مثلها لأن غير الممكن لا نظر فيه، إذ هو ملطوم به وجه الآتى به، وأما ما صح عن المعصوم فلا يكون إلا ممكنا إذ:

стр. 36

لم يمتحنا بما تعيا العقول به ... حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم وبهذا يأمن الخائض في هذا الفن من البناء على المستحيل، وإنما اعتبرنا حال المسموع منه لأنه لا التفات لنقل كذوب، ولا لمن ليس بضابط، فإنه لا بناء إلا على أساس صحيح، وإلا كان الإنسان عاقبته الخيبة، ومن هنا تعلم أن صاحب هذا الفن لا غنى له عن التبصر في علم الحقائق والرقائق والمهارة في المواد والطرائق حتى يكون ناقدًا بصيرًا، وبإماطة أذى غثه من سمينه كفيلًا خبيرًا. ومن طرق استمداده أيضا الآثار القديمة والبناءات الضخمة العظيمة كقصر البنت الموجود أثره بالحِجر بكسر الحاء وسكون المعروف اليوم بمدائن صالح في وادى القرى على طريق المار من الشام إلى مكة المعظمة، وبقايا الرواق الأعظم، وقصر بصرى حوران، وقلعة صلخد في حوران، وبقايا قصر المشتى، وبقايا القصر الأبيض، وبقايا الأهرام وما بصعيد مصر من الآثار، وما بمصر أيضا عند أطلال مدينة طيبة القديمة. وما بالقدس الشريف من بقايا بناء نبى الله سيدنا داود ﵊، وما كان شاخصًا من الأطلال قبل، بل وفى الحين الحالى الكائنة بمدينة وليلى (١) من جبل زرهون المعروفة في زماننا الحاضر بقصر فرعون مع ما اكتشفه علماء الفن من الآثار العجيبة الهائلة ذات البال في هذا العهد هنالك أيضا وغير ذلك مما يطول. ومنها السكك المضروبة من ذهب وفضة وغيرهما كورق أهل الكهف، وبعث أحدهم به إلى المدينة كما نص الله تعالى في كتابه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونقود السبَّئِيّين في اليمن , ونقود الرومانيين الموجودة في الزمن الحاضر بمتحف الآثار المكتشفة بمدينة وليلى المشار لها ووهب اللات وغيرها.

стр. 37

وقد شاهدت عين البعض مما ذكر وصور البعض في كتب المعتنين بذلك الشأن، وكالرسوم والأعمدة والقوائم الضخمة التي يستدل ببقائها من زمان نشأتها القديم إلى رمان الوقوف عليها على أنها منظور إليها بعين العناية والاعتبار والرعاية والرسوم والأطلال مع ما رقم عليها، وسيمر بك بعض ذلك إن شاء الله فترقب، وكل ما يشهد لحقيقة الأمر وينتفى به الشك في حكاية الواقع. ثم بعد تحصيل الناظر في هذا الفن لهذه الأصول فعليه أن يعضدها بأصل رابع وهو التثبت والتحرى ولزوم الصدق وعدم الميل مع غير الحق حتى يتجرد بالكلية، عن الأغراض الشخصية، والمحاباة والحمية، وحكاية غير الواقع ونسبة الأمور والواقع ونسبة الأمور والوقائع لغير أربابها، إذ بالتثبت يثمر مقاله، ويزكو بين البرايا حاله، وبالعلم ينفذ من مهاوى السقوط في الزلات والأغاليط، وبالأمانة تنتفى عنه الشهوات والأغراض، فيتكلم بلسان الحوية، متجافيا عن الشهوات النفسية، وواقفا عند حد العدل والمدنية. ولا غرو أن فحول المؤرخين قد استوعبوا أخبار ما تكلموا عليه من أيام الأمم وسطروها على صفحات الدفاتر، ولكن خلطها المتطفلون بدسائس من الباطل لاحظوها بطرف فاتر، ولفقوها بزخارف واهى الروايات، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال في تلك الحكايات، ولم يرفضوا ترهات الأقاويل، ولم يميزوا بين الصحيح وما ليس عليه تعويل، فتحققهم في أمرها قليل، وطرف تحقيقهم في الغالب كليل. وعن ذلك نشأ ما حشيت به التواريخ من كثرة الدخيل، الذى لا يلتفت إليه إلا سقيم الإدراك عليل، ولا يؤبه به لا في قبيل ولا في دبير. والغرض من التنبيه على هذا تحذير مطالع التواريخ من التعويل على كل قيل، والبناء عليه من غير تفرقة بين صحيح أصيل، وباطل دخيل.

стр. 38

أما الذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة في التاريخ فهم قليلون، منهم اليعقوبى في منتصف القرن الثالث، وابن جرير في "تاريخ الأمم والملوك" المتوفى عام عشرة وثلاثمائة، والمسعودى في تواريخه الثلاث "أخبار الزمن" و "الأوسط" و"مروج الذهب" المتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وابن الأثير في كامل التواريخ المولود سنة خمس وخمسين وخمسمائة، المتوفى سنة ثلاثين وستمائة. وابن خلدون في كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر، المتوفى رمضان سنة ثمان وثمانمائة. وتواريخ هؤلاء من بدء العالم إلى أيامهم، وقد جاء من بعدهم في كل رمان ومكان من استدرك ما فاتهم وذيل عليهم بتدوين ما قصرت عنه حياتهم واستمر ذلك إلى وقتنا هذا وهو ثانى عشرى رجب الفرد الحرام عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، فكثرت بسبب ذلك موضوعات هذا الفن وتنوعت أساليبه، وتعددت أسبابه، حتى لو رام أحد تقصى ذلك لعجز. وقد ذكر المسعودى جملة كبيرة منها وتاريخه لغاية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة فما ظنك بما بعد ذلك. وقد عد الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجبرتى في كتابه "عجائب الآثار" جملة صالحة منها، وسرد صاحب "كشف الظنون" من التواريخ في زمانه ثلاث عشرة مائة، وقد أوجز إذ لا موقع لهذا العدد في جانب ما فاته من ماض عنه فأحرى ما هو آت بعده. فعلى الإنسان أن يستفرغ في الاستطلاع جهده ولا يوقع نفسه في ورطة الحصر، فإنه ما رامه أحد إلا تعدى طوره. وأفنى عمره ولم يبلغ غوره. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. وأما مسائله فهى عبارة عن كليات حكمية مأخوذة من التمحيص التفصيلى يهتدى بها في أحوال الدول ومآل حياتهم، كقولهم: كل دولة لا بد لها من عصبية

стр. 39

في أول نشأتها، وقولهم: الطمع والترف يؤديان إلى دمار الممالك، وتعطيل المسالك، وقولهم: إن الدول إذا تهممت بالطرف والذخائر وقصرت هممها على الحلى والحلل والفرش الهائلة والمبانى المشيدة دل ذلك على تحلل تركيبها واضمحلال ضخامتها وفناء رونقها وحسنها ونقصان كمالها وآل أمرها إلى الاندثار والدمار، وقولهم: العدل سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق وقولهم: عدل قائم، خير من عطاء دائم، وقولهم: لا يكون العمران، حيث لا يعدل السلطان، وقولهم: قيمة العدل ملك الأبد وقيمة الجور ذل الحياة، وقولهم: العدل يسع الخلق والجور يقصر عن واحد، وقولهم: من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه، وقولهم: رأس المملكة وأركانها وثبات أحوال الأمة وبنيانها العدل والإنصاف، وقولهم: الظلم نقيصة لا يألفها إلا كل متوحش جاهل، والعدل فضيلة عظيمة لا يتحلى بها إلا كل متمدن عاقل. العدل روح به تحيا البلاد كما ... دمارها أبدا بالظلم ينحتم الظلم شين به التعمير ممتنع ... والعدل زين به التمهيدي ينتظم وقولهم: إن خير السلاطين من عمل في أمر الرعية بالعدل والإنصاف ولم يقبل بغى بعضهم على بعض، وقولهم الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أوامره ونواهيه، وقولهم: بالعدل تطول المملكة وتصح الرعية وتكثر العمارة، وقولهم: إذا هم الوالى بالجور وعمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفى كل شيء، وإذا هم بالخير أو عمل به أدخل الله البركة على أهل مملكته حتى في التجارات والزراعات وفى كل شيء ويعم البلاد والعباد. واعلم أن مدار جل هذه الكليات على العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [سورة

стр. 40

النحل آية ٩٠]، وأن العدل هو القسطاس المستقيم في الرعايا والعوالم، فإن الله تعالى خلق العوالم مختلفة متقابلة متضادة مزدوجة، ويعسوب ثباتها الكفيل بسعادة حياتها هو العدل فيها يربط شئونها بالطريق الوسط، الخالى من التفريط والشطط، فإن ذلك به تطمئن القلوب من الشعوب، وبه ترتبط على التعاضد في مدلهمات الخطوب، وبضده تنال مهاوى الفشل والتفرق والاندثار، وتلاقى الأمة من شقاوة الحياة سائر الأخطار. فحقيق على كل دولة رامت السعادة والثبات أن تجعل العدل أساس تصرفاتها، ومركز سائر تقلباتها، وأن تتعاهد إصلاح ما اختل من ذلك كل حين، وأن تجعله محور دوائر المراقبة منها على ممر الأوقات والسنين، وليس يتأتى ذلك إلا بإدمان النهضة لتصفح أحوال المتولين، والمبادرة لطرد الظالمين، والضرب على أيديهم، وإظهار مزايا من وجد منهم لطريق العدل سالكا، ولسائر الأغراض الشخصية في ولايته تاركا، فقد قيل لبعض الحكماء: بم يزول الملك؟ قال: بغش الوزير، وسوء التدبير. وفساد الطوية، وظلم الرعية، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة ص آية ٢٦]. هذا وقد آن أن نتخلص للمقصود فنقول: حيث كان فن التاريخ تقصر الحافظة عن الإحاطة بإفادته، وتنقض خطا القلم عن الإلمام بسائر مهماته، تعين صرف العنان من الإنسان لتحرير ما هو الأهم به في طوره الآن. وذلك شيئان أصل تخطيط بلدة أقيم فيها. وأحوال دولة هو الآن بين رجالها، وأهمية الأول هى باعتبار أن جاهل تخطيط بلدته، التي بها مسقط رأسه ومحط رجال أهل جلدته، يكاد مع انتفاء الموانع أن لا يضرب له في الإنسانية بسهم من فئته، ويعد ذاهلا حتى عن أصل نشأته.
следующие страницы →