فبالتوحيد يدخل على الله، وهو وسيلتُهُ إليه، وبالتسبيح يُنزِّهُهُ عما لا يليق به من أن يأخذه أو يعاقبه بغير جرم، أو يكون في ملكه ما لم يسبقْ به قضاؤه وقدَرُه، ويتعلَّقْ بمشيئته وخلقه.
والاعتراف والاستغفار يُطفئ غضبَ الرب عنه ويُسكِّنه، ويُقيمه في مقام العبوديَّة، ويُخرِج من نفسه مزاحمةَ الربوبيَّة.
وأعظم الناس اعترافًا واستغفارًا أعرفُهم بربه وبنفسه، ولهذا كان أعظمُ الأمة استغفارًا نبيَّها، فكانت الصحابة يَعُدُّون له في المجلس الواحد مائة مرةٍ يقول: "ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التوَّاب الغفور" (١)، وقال: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربِّكم، فإني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرَّة" (٢).
والتوبة والاعتراف هي الغاية المطلوبة من العباد، ولابدَّ لكل عبدٍ منها، وتوبةُ كلِّ عبدٍ بحسبِهِ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، فكيف (٣) بين حال آدم بعد التوبة وحاله قبل الخطيئة!
стр. 422
وأكثرُ توبة الخواصِّ: من السيئات القلبية والإرادات المزاحمة لمراد الربِّ منهم، ومن تركِ الحسنات، ومن الاشتغال بحسنة عمَّا هو أكبرُ منها، ومن غفلتهم عن شهود المنَّة في الحسنات.
وغالبُ توبة العوامِّ: من السيئات البدنية والشُّبهات المتعلقة بها.
فأعلى الناس مرتبةً من لم تُضِلَّه الشبهات، ولم تُغْوِه الشهوات، كما قال تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٢ - ٣].
فالناس ثلاثة أقسام:
السابقون المقرَّبون، يتوبون من ترك الحسنات، والاشتغالِ عن الحسنة الكبيرة بأصغرَ منها.
والمقتصدون، توبتهم من مواقعة السيئات.
والظالمون: يُذنبون ولا يتوبون.
وسمع آخرُ قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]، فقال: غرسَ الله أطيبَ الكلمات ــ وهي كلمة التوحيد ــ في أطيب المحالِّ وهي قلوبُ الموحدين من عباده، فأثمرتْ أطيبَ الثمرات وهي العمل الصالح والكَلِمُ الطيب، فنقل هذا الغِراس إلى دار الطيبينَ أطيبِ الدُّور، فأثمر لهم هناك أطيبَ الثمرات وأجلَّها.
стр. 423
فتلك الثمار هي ثمار كلماتهم وأعمالهم، وتلك الأشجار هي غِراسُ إيمانهم وتوحيدهم، فأعمالهم وُفُّوها بعينها، أنشأ الله لهم منها من النِّعَم وأصنافه ما هو مُشاكلٌ لها، كما أنشأ لأهل الخبيث من أعمالهم من العذاب وأصنافه ما هو مشاكلٌ لها.
فغِراس المؤمن طيبٌ، في قلبٍ طيبٍ، يُسقى بماء طيب، وثمرتُه طيبةٌ، فإن عَمِلَ عَمِلَ طيبًا، وإن قال قال طيبًّا، وإن تقلَّب تقلَّب طيبًّا، فهذا من ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، ومن الذين يقال لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
فالرب تعالى طيبٌ، وكلُّ ما يُنسَبُ إليه طيبٌ، وكلُّ طيبٍ منسوبٌ إليه، ودارُه دارُ الطيبينَ.
والشيطان خبيثٌ، وكلُّ خبيثٍ منسوبٌ إليه، وكلُّ ما يُنسَب إليه خبيثٌ، والدارُ التي أُعِدَّت له ولحزبه دارُ الخبيث، ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].
وسمِع قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، فقال: المقتُ: أشدُّ البغض، وقد أخبر عن مقتِه لمن نكح امرأة أبيه، فقال: ﴿إِنَّهُ
стр. 424
كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وأخبر رسوله عنه بمقْتِه للجالس على الخلاء كاشفًا عورتَه يناجي مَن هو كذلك (١).
ولم يقتصر على مقْتِ مَن قال ما لا يفعل، بل جعله مقتًا كبيرًا؛ ليدلَّ عبادَه على أنه يمقُتُ منهم أشدَّ المقت مخالفةَ أقوالهم لأفعالهم، وظواهرهم لبواطنهم، وسرائرهم لعلانياتهم، وأنَّ بُغضَه لهذا منهم وكراهتَه لهم أشدُّ من بُغضه للمعاصي والذنوب الظاهرة.
ولهذا اشتدَّ نكيرُ السلف الصالح للحِيَل التي يُتوصَّلُ بها إلى استحلال ما حرَّم الله تعالى وإسقاط ما أوجبَه، وجعلوها من جنس الخداع والنفاق (٢)، وقالوا: إنَّ ارتكاب الحرامِ على وجهه أسهلُ منها؛ فإنَّ صاحبَها يقول ما لا يفعلُ، ويُظهرُ خلافَ ما يُبطِنُ، ويُعلِنُ شيئًا ويُسِرُّ خلافَه، فمقتُهُ عند الله أكبر من مقْتِ مرتكب الحرام على وجهه صريحًا.
стр. 425
ولهذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، لأنهم قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فخالفتْ ظواهرُهم بواطنَهم، وبايَنتْ سَرائِرُهُم علانياتِهم، فكان مقتُ الله لهم أشدَّ المقتِ، وبُعدُهُم عنه أعظمَ البُعد.
فكلُّ من قال ما لم يفعل، وأظهر خلافَ ما يُبطنُ، وأعلن خلاف ما يُسِرُّ، فأظهرَ الوفاء وأبطنَ الغدرَ، وأظهر الصِّدق وأبطن الكذبَ، وأظهر الأمانة وأبطن الخيانةَ، وأظهر عقد التبايعِ وأبطنَ عقد الرِّبا، وأظهر عقد النكاحِ وأبطن عقْدَ التحليل، وأظهر صورة الشرط وأبطن عدمَ الوفاء به، أو أظهر أنه مظلومٌ ففجَرَ في الخصام وهو يعلم أنه ظالمٌ، أو أظهر العملَ لله وهو يُبطِنُ الرياءَ والسُّمعة به، أو أظهر النصيحةَ وهو يُبطِن الغشَّ= فأحسنُ أحوالِه أن يكون من الذين يقولون ما لا يفعلون، وجزاءُ ذلك كِبَرُ المقتِ من الله، فإن صادَفَ ذلك أصلَ الإيمان فهو النفاقُ الأكبر الموجِبُ للدَّرك الأسفل من النَّار، وإلا فنفاقُ العمل.
وسَمِعَ قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فقال: إن الله سبحانه ندَبَ قلوبَ عباده إليه، وكان أسرعُهم إليه إجابةً قلوبَ المرسلين؛ فاختصَّهم بكرامته وجعلهم محلَّ رسالتِهِ ووسائطَ في التبليغ بينَه وبينَ عباده. ثم ندب قلوبَ العباد بعدَهم إلى طاعته، فكان خيرُهُم أسرعَهم إجابةً، ولهذا كان السَّابقون الأوَّلُون من كلِّ أمةٍ خيرًا ممن بعدهم، وكان خيرُ هذه الأمة الأسبقَ فالأسبق. فالأسبقُ إجابةً العشرةُ لسَبْقِهِم، وخيارُ العشرةِ الخلفاءُ
стр. 426
الراشدون، وخيارُهم الشَّيخان، وخيرُهُما الصدِّيقُ أولُ الناس إجابةً.
ثم استبطأ قلوبَ الناس ولامَهُم في الإبطاء في محلِّ الإسراع، وعلى المهلة في محلِّ الاستعجال والمبادرة، وكيف أبطأت قلوبهم عن الخشوع لكلامه الذي لو نزل على الجبال لخشعتْ له وتصدَّعتْ عن أماكنها مع قسوتها وشدَّتها، فقلوبُ عبادِه أولى بالخشوع لكلامِه من الجبال.
ثم حذَّرهم سبيلَ مَن قبلَهم من أهل القسوة، وأنهم لمَّا طال عليهم الأمدُ ولم تخشع قلوبهم قَسَت وعتَتْ (١)، وهكذا مَن طال عليه الأمد ولم يُنِب إلى ذكرِ الله ولم يخشع قلبُه لكلامِه قَسَا وعزَّ عليه الخشوعُ والانقيادُ، كالخشبة الكبيرة إذا تطاولت عليها السِّنون وهي على عِوَجِها لم يكن إلى تقويمها سبيلٌ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "اقتلُوا شيوخَ المشركين واستَبْقُوا شَرْخَهُم" (٢)، الشرخُ: الشبابُ، فأمر باستبقائهم لأنَّ في لِينِهم مطمع (٣).
стр. 427
وأخبر سبحانه أن القلوبَ القاسية أبعدُ القلوب منه، وأنه لما لَعَنها جعلها قاسيةً، وأخبرَ أنَّ فتنةَ الشيطان إنما تُصِيب القلبَ المريضَ والقلبَ القاسيَ، ويَسْلَم منها القلبُ المُخْبِتُ إليه، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٤].
فجعل القلوبَ ثلاثةً: قلبَين شقيَّينِ، وهما المريض والقاسي. وقلبًا سعيدًا، وهو المخبت. والإخباتُ: اللِّينُ والتواضع والانخفاضُ للحقِّ، والخَبْتُ: المكانُ المنخفضُ.
وهذا لأنَّ القلبَ إمَّا أن يكونَ يابسًا لا يقبلُ الحقَّ، فهو القاسي. أو ضعيفًا لا يثبت فيه الحقُّ، فهو المريض. أو صافيًا ليِّنًا صُلْبًا، يرى الحقَّ بصفائِه، ويقبلُه بلينِه، ويحفظُهُ بصلابِتِه.
فالأول: القلب الحجريُّ، لا يقبلُ صورةَ الحقِّ، ولا ينطبعُ فيه.
والثاني: المريض المعلولُ، إن قبِلَها زالت بسرعةٍ، كالماء يقبلُ صورةَ ما ينطبعُ ثم يزولُ أسرعَ شيءٍ.
والثالث: القلب الزجاجيُّ، المشتمل على الصَّفاء والرِّقَّةِ والقوَّة؛ ولهذا ضرب الله به المثلَ لنوره، وجعله محلًّا له، فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥].
стр. 428
فقسوة القلب تُورِثُ الفسقَ، فإن اشتدَّت أورثَتِ البدعةَ والظُلْمَةَ واتِّباعَ الهوى، فإن اشتدَّت أورثتِ الكفرَ والنِّفاق، وكثيرًا ما تُورِثُ هذا وهذا، وبالله التوفيق.
وسَمِع قارئًا يقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]، فقال: لمَّا آثروا الشهوات حِيلَ بينهم وبينها أشدَّ ما كانوا شهوةً لها، ولو آثروا الطاعاتِ لانقادتْ إليهم الشهوات انقيادًا أكملَ ما كانت وأتمَّه وأطيبَهُ، بلا تنغيصٍ ولا تكديرٍ ولا مُزاحمٍ، فلو أعرضوا عنها لاشتاقت إليهم أعظمَ من شوقِهم إليها، ولكن آثرُوها فهجرَتْهم أحرصَ ما كانوا على الوصال.
إذا اشتاقتِ الخيلُ المناهِلَ أعرضَتْ ... عن الماء فاشتاقتْ إليها المناهِلُ (١)
فخلقَت الشهوةُ في العبد آلةً تَسُوقه، وحاديًا يحدوه إلى محلِّ الشهوات كلِّها، وهي الدارُ التي فيها ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ، وقيل لأربابها: لا تَقِفُوا عند هذه الشهوات الخسيسة الفانية، التي هي خيالُ طَيْفٍ أو سحابةُ صَيْفٍ؛ فإنَّ أمامَكم من الشَّهوات ما لا عينٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خطَرَ على قلب بشر، فنظر أصحابُ البصائر الحادَّة إلى تلك الشهوات من وراء سُتورِ الإيمان بالغيب فقالوا: نحن المشَمِّرُون، فقال لهم الدليلُ: قولوا: إن شاء الله وسِيْروا (٢)، سبَقَ
стр. 429
المفرِّدون (١).
ووقف أصحابُ العيون الرَّمِدَة والأبصار التي عليها غِشاوةٌ عندَ ما عاينوه من هذه الشهوات وباشروه منها، وقالوا: لا نبيعُ نقدًا بنسيئةٍ، ولا عاجلًا محقَّقًا بآجل مظنونٍ. فهؤلاء الذين حِيلَ بينهم وبين ما يشتهون، وتنقلب مآرِبُهم العَذْبة في الشباب عذابًا في المشيب.
مآرِبُ كانت في الشَّباب لأهلها ... عِذابًا فصارتْ في المشيبِ عَذابَا (٢)
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، فقال: نصبَ لهم ميدان السِّباق، وأعطى كلًّا منهم مركوبًا يليق به، وجعل الجنَّة غايةَ السِّباق، ثم سابَقَ بينهم وبذلَ الجُعْلَ من عندِه، وأقامَ ملائكتهُ على جنبتَيِ الميدان يُثَبِّتُونَ السَّابق ويُحَرِّضون المسبوق على اللَّحاق. فثارت الغَبرةُ في الميدان،
стр. 430
وخَفِيَ على أهل الجمع السَّابقُ من المسبوق، حتَّى إذا انجلى الغُبارُ، ووقفَت خيلُ السِّباق، ومَدَّتِ الخلائقُ أعناقَها ينظرون مَن سبقَ ومَن صلَّى (١) بعده، نادى المنادي: لَيعلَمنَّ أهلُ الجمع اليوم مَن السَّابقُون.
فإذا هم رجالٌ كانوا في الدنيا ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٥].
قيل لهم: اقتحِمُوا حلبةَ السباق، فإنما هي أنفاسٌ معدودةٌ آخرُها يوم التَّلاق، ويُسْعِد (٢) الله بسَبْقِه مَن شاء من خلقِهِ.
وقيل لهم: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ إلا في هذا الرِّهانِ، فمن استطاع منكم الجَلَبَ والجَنَبَ فليفعلْ، ولْيستعِنْ على السَّبقِ بما أمكَنَهُ.
وجُعِل جزاؤهم بالسَّبق إلى الطَّاعات سَبْقَهم عند القدوم عليه إلى الجنَّات، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]، فالسَّابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السَّابقون في الآخرة إلى الدرجات.
стр. 431
وأخبرهم أن من بطَّأ به فرسُه وعملُه لم يُسرِعْ به نسبُه وماله وولده (١)، فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فقال: كما تَفسُدُ السموات والأرض لو كان فيهما إلهانِ، فكذلك يَفسدُ القلب إذا كان له معبودان يَأْلَهُهُما (٢) ويعبدهما، فكيف بقلبٍ فيه من كل هوًى إلهٌ معبودٌ! ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].
كيف يكون حال هذا العبد إذا سمع النداء يوم الحشر: لِيتْبَعْ كلُّ أحدٍ ما كان يعبده. فرأى آلهته ومَن كان يعبده مع الله سائرةً مع جملة الآلهة إلى الجحيم (٣)، وهو لا يستطيع التخلُّف عنها!
وكما أنه لا صلاحَ للعالم العُلويِّ والسُّفليِّ ولا بقاءَ إلا بكون إلهه
стр. 432
الحقِّ إلهًا واحدًا، فلا صلاح للقلب ولا للروحِ ولا فلاحَ إلا بأن يكون الله وحدَه معبودَه وإلهه وغايةَ مطلوبه الذي يريده ويحبُّه لذاته ويُريد ما سواه له، فيكون وحدَه المرادَ ووحدَه المعبودَ ووحدَه المألُوه ووحدَه المرجُوَّ المخُوفَ، فتتقدَّمُ محبَّتُه جميعَ المحابِّ، وخوفُه جميعَ المخاوف، ورجاؤه جميع الرجاء، فإن لم تنسخها وإلا قهرتْها وغمرتْها وصار الحكمُ لها. وأكثر الخلق بعكس ذلك، والله المستعان.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، فقال: القلبُ السليم سَلِمَ من إرادة الشرِّ، لا من معرفته، سَلِمَ من معارضة التوحيد بالشرك، ومن معارضة الخبر بالشُّبهات، ومن معارضة الأمر بالشهوات. فليس فيه عبوديةٌ لغير الله، ولا شبهةٌ تعارض خبرَه، ولا شهوةٌ تزاحمُ أمرَه. فلمَّا سَلِمَ من هذه الآفات سَلمَ من عذاب الله، واستحقَّ اسمَ الإسلام المطلق، وسالمَتْهُ جنودُ الله، فلو اجتمع على حربه مَن بين أقطارها لكان هو المؤيَّدُ المنصورُ، لم يضرَّه مَن خذلَه ولا من خالفَه، ولا يقع عليه الغلبةُ والكسرةُ إلا مِن عَدَمِ سلامته من هذه الأمور الثلاث، أو من بعضها، وإلا فمعَ سلامتِه منها لا مطمعَ للعدوِّ فيه.
و سلامة القلب نوعان:
سلامته من ورود هذه المعارضات عليه.
وسلامته من تأثيرها فيه إذا وردت عليه.
стр. 433
ولا سبيلَ إلى السلامة الأُولى إلا بعد السلامة الأخرى، فليصبر على المعارضات ولا يَقْلَق، ولا يظنّ أن امتحانه بها لشرٍّ يُرادُ به، بل قد هُيِّئ بها لأمرٍ عظيم وخَطْبٍ جسيم، وليعلَمْ أنها وإن غَطَّتِ الوادي فهي كالزَّبد يذهب جُفاءً، ويبقى ما فيه حياتُه ونعيمُه (١) ــ الإيمان واليقين ــ مستقرًّا في القلب، يُسقى به زرعُه ويَروَى به الناس ويَسقُون به زروعَهم.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فقال: بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين (٢)، فبالصبر تُنفى الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات، فيصيرُ قدوةً للمؤمنين وإمامًا للمتقين، يَقتدي أهل الإرادة بصبره، وأهل العلم بيقينه. فلِواءُ الإمامة بيده، فإذا قصدَه جيشُ الشهوات ليدُقُّوا (٣) اللواء اتَّقاه بالصبر، وإذا قصده جيشُ الشبهات دفعه باليقين.
فهذا هو الصدِّيق الذي يستغفرُ له مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر ودوابُّ البرِّ والأنعامُ، ويُصلِّي الله
стр. 434
وملائكته عليه، ووفودُ الخيراتِ العاجلة والآجلة تُساقُ إليه، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤].
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، قال له قائلٌ: انظر كيف أقام عذْرَهم في تناولها، حيث أخبرهم أنه زيَّنها لهم، وأنهم لا يستطيعون الصبر عنها!
فقال: كلَّا، وحاشا لله أن يكون هذا مرادَ الله من كلامه. وفهْمُ هذا من كلامه يدلُّ على ظلمة قلبِ مَن فهِمَه وبُعدِه عن حقائق الإيمان والقرآن. وإنما معنى الآية: تزهيدُهم في هذه الشهوات المذكورة في الآية، وتقليلُها في أعينهم، وتحقيرُها في نفوسهم، وتصغيرُ شأنها، وأنها لولا (١) ما أُلبِسَتْهُ من هذه الزينة التي لا حقيقةَ لها، وإنما هي متاعٌ قليلٌ مفارقٌ عن قريبٍ، ثم تزول زينتُها وتذهبُ بهجتُها؛ فتصيرُ أقبحَ شيء، وتنقلبُ لذَّاتها آلامًا، وشهواتُها كراهةً وبغضةً. ثم يُنْهِضُهم على ما هو خيرٌ منها وأفضلُ وأعلى؛ لئلَّا يقطعَهم الرغبةُ في هذا الذي زُيِّنَ لهم عنه (٢)، وليُؤثِرُوه عليه.
стр. 435
وأيضًا فإنه حذف فاعل التزيين ولم يذكر مَن هو الذي زيَّن، فيجوز أن يكون الذي زيَّنها لهم هو الشيطانُ، لقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وهو القائل: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، وفي أثرٍ مرويٍّ: "بُعِثتُ داعيًا ومُبيِّنًا، وليس إليَّ من الهداية شيء، وبُعِث إبليسُ مُغوِيًا ومزيِّنًا، وليس إليه من الضلالةِ شيءٌ" (١). ولا ينافي نسبةُ التزيين إلى الشيطان نسبتَه إلى ربِّ كل شيء ومليكه، فإنه منسوبٌ إليه خَلقًا وقضاءً وقدرًا، كما قال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وإلى الشيطان فعلًا ومباشرةً.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦]، فقال: ابتلى الله عبدَه المؤمن في هذه الدار بعدوَّينِ، وهما شياطينُ الإنس والجنِّ، فلابُدَّ لكلِّ نبيٍّ ولكلِّ
стр. 436
وارثِ نبيٍّ من هذين العدوَّين، فأرشد عبادَه إلى ما يدفعون به شرَّ هذين العدوَّين عنهم:
فأمر بدفع شرِّ عدوِّ الإنسِ بأن يدفع سيِّئتَهُ بالتي هي أحسن، فلا يُقابِلُه على سيِّئتِهِ بمثلها، بل يُقابلُها بالإحسان، فإذا قابَلَ شرَّ عداوته بالإحسان انقلبتْ عداوتُه صداقةً، فصار كأنَّه وليٌّ حميمٌ؛ لأنَّه كلَّما أساء إليك ورآك تُقابلُ إساءَته بالإحسان إليه طَفَّأَ إحسانُك نارَ عداوتِه، والقلوبُ مجبولةٌ على حُبِّ من أحسنَ إليها، فكيف من قابَلَ الإساءةَ بالإحسان وسعى في مصلحتِك وأنت في مضَرَّتِه؟! فما مُلِكَت القلوبُ بمثلِ ذلك.
وهذا الخُلُقُ مَلِكُ الأخلاقِ الفاضلةِ، لا تصبرُ عليه إلا النفوسُ الكِبارُ والهِمَمُ العاليةُ، والناسُ أسرعُ انقيادًا إلى صاحبِهِ من السَّيلِ في منحدرِه، والقلوبُ تُعظِّمُه وتُحِبُّه وتُجِلّه وتَهابُه، والنَّاسُ أعداءُ من عاداهُ، وإن ازدادَ إحسانُه إليه اشتدَّ انتصارُ الناس له، فما قُهِرَ العدوُّ قطُّ بمثل الإحسان إليه، ولكن هذه الخُلَّة هي (١) كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وبين العبد وبينها أن يُجرِّبَها ويذوقَ حلاوتها، وتصبرَ نفسُهُ على مرارتها قليلًا، وبعدَ تلك المرارة تجدُ أشدَّ الحلاوة.
стр. 437
وفي هذه الخُلَّةِ من المصالح والفوائد ما لا يُعَدُّ:
ولو لم يكن فيها إلا سلامة قلبه من الغِلِّ والحقدِ، وعمارةِ بيت أفكاره بإيصال الشرِّ والأذى إلى عدوِّه (١)، فعيشُهُ أنكَدُ عيشٍ وأتعبُهُ، وقلبُهُ يَتَلَظَّى بجَمْرِ الغضب والتحسُّرِ على الانتقام، وقد فاتَهُ حلاوةُ سلامة القلب ولذَّتُها ونعيمها.
ولو لم يكن فيها أيضًا إلا أن الجزاء من جنس العمل (٢)، فكما جازى إساءةَ مَن أساءَ إليه بإحسانِهِ مع تضرُّرِه بالإساءةِ، فالله الذي لا يتضرَّرُ بإساءةِ العبدِ أولى أن يجازيَه بإساءتِهِ إحسانًا.
ومنها: حلاوة الظفر بنفسه وشيطانه، فإنَّه لما فاته ظفرُه بعدوِّه ظفَّرَه الله بنفسه وشيطانه، فلم يُطِعْهما في الانتقام، ولا نسبةَ بين حلاوة الظفرَينِ البتَّةَ، ومن لم يُصدِّق فليُجرِّب.
وأما شيطانُ الجنِّ فلا يمكن الإحسان إليه، فأمر بدفع شرِّه بالاستعاذة بالله منه.
ونظيرُ هذا ما ذكره في سورة الأعراف (٣) من دفع الشرَّين:
стр. 438
أحدهما: بالاستعاذة.
والثاني: بأخذ العفو والإعراض عن الجاهلين؛ فإنه إذا أخذ منهم ما سهُلَ عليهم ولم يَشُقَّ، وأعرض عن جاهلهم= اكتفى شرَّهم.
فأرشَدَه إلى ما يدفع عنه شرَّ الجنِّ والإنسِ.
ولما كان الشيطان مُجِدًّا في محاربة العبدِ لا يَفْتُرُ، ويأتيه من حيث لا يدري ولا يراه، فيأخذ حِذْرَه منه إذا حاربه، ولا يمكن دفعُهُ بإحسانٍ إليه= أمرَ بدفعه بالاستعاذة، وهي: اللَّجَأُ إلى مَن ناصيتُه بيده والاعتصام به واللِّياذُ به، ليكفيه شرَّه.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]، فقال: وصفهم الله سبحانه في هذه الآية بضدِّ حال أهل السماع الشعريِّ، وأنهم إذا ذُكِّروا بآيات ربِّهم لم يَخِرَّ قلوبُهم عليها صُمًّا عن سماعِ حقائقها ومرادِ المتكلِّم منها، عُميانًا عن رؤية معانيها وأسرارها، عكس حالِ أهل السماع الشعريِّ، فإن قلوبهم في غطاءٍ عن حقائقِ هذا السماع، لم تنفتح آذانُ قلوبهم ولا أعينهم لأسرارِه ومقاصدِهِ، ولم يُكامِعْ (١) قلوبَهم مرادُ المتكلم منه، ولم تباشرها روحُه وبهجته، ولم تُخالط معانيه بشاشةَ القلوبِ، فإذا قُرئ عليهم خرَّت
стр. 439
قلوبهم على آياته صُمًّا عن معانيه عُميانًا عن حقائقه، فإذا جاء السماعُ الذي هو مشروبهم انفتحت آذانُ قلوبهم وزال الغطاء عن أعيُنِهم، فقاموا له إجلالًا وهيبةً، أبصرَ شيءٍ لمعانيه، وأسمعَ شيءٍ لحقائقه، وأفهمَ لمرادِ المغنِّي، قد حملهم استجلاءُ معانيه واستِلذاذُها واستطابتُها ومباشرتُها لقلوبهم على القَنَعِ بوجدهم وذوقهم، إذ طفحَ بهم وامتلأت به بواطنُهُم، ففاض على ظواهرِهِم.
وبالله إنهم ليشهدون على أنفسهم بما ذكرناه، ويشهد الله به عليهم وملائكته والمؤمنونَ من عبادِه، وكفى بالله شهيدًا.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]، فقال: أصول النِّعَمِ ثلاثةٌ: نعمة الإيجاد، ونعمة الإعداد، ونعمةُ الإمداد. فالنِّعَمُ والخيراتُ كلُّها تابعةٌ لهذه الثلاثة ودائرةٌ عليها.
فشَمِلَهم بنعمة الإيجاد التي تناولت البرَّ والفاجرَ، والمؤمنَ والكافرَ، ودَلَّهم بها على توحيد ربوبيته، وأنه لا خالقَ غيره، ولا ربَّ سواه.
ثم خصَّ بنعمة الإعداد منهم محالَّ (١) أعدَّها لقلوب كمالاتها التي هي غايةُ سعادتها وفلاحها، ولم يساوِ بينَهم في هذه النعمة، بل فاوتَ بينهم فيها غايةَ التفاوتِ:
стр. 440
والاستعداد الذي خصَّ به رسلَه لم يُعطِه غيرَهم.
والذي خصَّ به أولي العزم منهم لم يكن لغيرهم.
والذي خصَّ به الخليلين منهم لم يُعطِه لغيرِهما.
والذي خَصَّ به محمدًا ﷺ من بينهم لم يُشْرِكه فيه غيرَه.
وسائرَ عباده يُعِدُّ على مراتبهم من هذا الاستعداد على حسب ما أعطاهم منه.
ثم أهل الاستعداد أيضًا قسمان:
قسمٌ أعدَّهم ثم أمدَّهم، فحصل لهم من الكمال بحسب إعداده وإمداده.
وقسم أعدَّهم ثم لم يُمِدَّهم، ففاتهم الكمالُ لتخلُّفِ إمداده عنهم.
فلله كم من أرضٍ بُورٍ قابلةٍ لأنواعِ الزرع والثمر ولا زرعَ فيها ولا ثمرَ، لانقطاع إمداد الغيث عنها، فإذا شئتَ رأيته ذكيًّا فهِمًا شَهْمًا قويًّا صبورًا وليس عنده شيء من العلم والإيمان، لأنه تعالى أعدَّه وما أمدَّه.
وإذا تأملتَ أصحاب النبي ﷺ قبل مبعثه رأيتَ ما فيهم من كمال الاستعداد والقبول، كالأرض الزَّكيَّة القابلة لأنواع النبات ولكن لا نباتَ فيها، لأنها لم تُمَدُّ بالغيث، فأمدَّها الله تعالى برسوله ﷺ وما أنزل عليه من الكتاب والحكمة، فشرِبتْه (١) قلوبُهُم أعطشَ ما كانت إليه، فاهتزَّت ورَبَتْ وأنبتتْ من كل زوجٍ بهيج.
стр. 441
وهذه الثلاثة ترجع إلى الإيجاد: فإن الإعدادَ تخصيصٌ بصفةٍ وقبولٍ أوجَدَه في المحلِّ. والإمداد كذلك، فإنه إيجادٌ لمادة كماله، فرجع الكلُّ إلى نعمة الإيجاد. لكن لمَّا كانت تلك أصلًا وهما فرعان عليها، ونعمةُ الإيجاد عامَّةٌ، وأخصُّ منها نعمة الإعداد، وأخصُّ منها نعمة الإمدادِ= صارت ثلاثةً، وعُرِفتْ حكمتُه (١) ورحمتُهُ ومحبَّتُه وكراهتُهُ بالنعمتين الأخريَينِ، كما عُرفت ربوبيتُه العامَّةُ الشاملةُ بالنعمةِ الأولَى.
فنعمة الإيجاد لا تُنالُ بشيء من الكسب.
وأما نعمة الإعداد فأصلُها غيرُ مكتسب، وأما كمالُها فقد يحصل بالكسب، فإنَّ العبد إذا بذل قوَّتَه فيما سُئِلَه أعدَّه (٢) ذلك لقوَّةٍ أخرى، وكذلك إذا بذل علمَه أعدَّه بذلُهُ لقبولِ علمٍ آخر، وكذلك إذا بذل همَّتَه وعزيمته وقوَّةَ إرادتِه فيما يُحِبُّه الله أعدَّه ذلك لقبولِ هِمَّةٍ وعزيمةٍ وإرادةٍ أخرى، وهكذا كلُّ شيءٍ يبذلُهُ لله، فإنه يستعدُّ ببذلِه لقبولِ نظيرِه وما هو خيرٌ منه.
وأما نعمةُ الإمداد فنوعان: نوعٌ منها مَوهبيٌّ، ونوع كسبيٌّ. فالكسبيُّ: ما حصل عن بذله لِمَا سُئِلَ منه، وفعْلِه لما أريد منه. والموهبيُّ: ما كان من العطاء بغير سبب.
стр. 442
هذا كلُّه إذا نُظِر إلى الأسباب والحِكَم، فإذا أضربتَ عنها صفحًا ونظرتَ إلى المُسبِّبِ الأولِ، وصدورِ الأشياء عنه، وإيجابِ مشيئته وإرادته التامة لها= فهناك يُطوى التقسيمُ والتفصيلُ، ويصيرُ الأمرُّ كلُّه من الله تعالى، كما أنَّه كلَّه لله، فمنه ابتداءُ الخَلقِ، وإليه تُرجعُ الأمورُ.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]، فقال: جمعت هذه الآية منازلَ الدين ومقاماتِ الإسلامِ كلَّها بأوجز عبارة وأعذب لفظٍ، فإنه لابُدَّ للعبد من أمرٍ يمتثِلُهُ، ومرادٍ محبوبٍ يتألَّهُه ويعبُدُه، وعدوٍّ يُحاربُهُ.
وإن شئتَ قلت: لا بُدَّ لكلِّ نفسٍ من حركةِ حُبٍّ، وحركةِ بُغضٍ، ينشأ عنهما فعلٌ وتركٌ، وموالاةٌ ومعاداة.
فأمَرَ أن تكون حركةُ القلب كلُّها له، وهي ابتغاء الوسيلة إليه، فإنَّ ابتغاء الوسيلةِ هو طلبُ القُربة (١) منه محَبَّةً وعبوديَّةً.
وأمر أن يكون ما يتبعها من الفعل والترك هو تقواهُ: بفعلِ ما أمرَ به، وترك ما حرَّمه.
وأمر أن يكون الجهادُ ــ الذي أصلُهُ الموالاةُ والمعاداةُ ــ في سبيله.
стр. 443
وبهذه الثلاث يكون الدينُ كلُّه لله: فيكون وحدَه هو المعبود الذي يُبتغَى إليه الوسيلةُ، ويكون الفعلُ والترك موافقًا لأمرِهِ ونهيِهِ، وتكون الموالاةُ والمعاداةُ له وفيه.
فبتقواه تحصلُ النجاةُ من النار، وبابتغاء الوسيلةِ تُنالُ كرامتُهُ والقُربُ منه، وبالجهاد في سبيله يُرفَعُ إلى الدرجات العُلَى، والله المستعانُ.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فقال: الدينُ كلُّه أمانةٌ، وعدم الدين كلُّه خيانةٌ، فالدين تحت لفظة الأمانة وحقيقتها، وعدمُ الدين تحتَ لفظةِ الخيانةِ وحقيقتها.
والخيانةُ ثلاثةُ أقسامٍ: خيانةُ الله، ورسوله وكتابه، وخيانة خَلقِهِ. فمن لم يؤدِّ الأمانة التي بينه وبين الله فقد خانَه، ومن لم يُطع رسولَه فيما أمرَ ويُصَدِّقْه فيما أخبر فقد خانه، ومن لم يأتِ إلى النَّاس ما يُحِبُّ أن يأتُوه إليه فقد خانَهم.
وأعظم الخيانة: خيانةُ الله تعالى في توحيده، وهذه الخيانةُ نوعانِ: خيانةٌ في توحيد المعرفة والاعتقاد، وخيانةٌ في توحيد الإرادة والمحبَّة.
والخيانةُ في توحيد المعرفة أيضًا نوعانِ:
أحدهما: أن ينفي عنه ما وصف به نفسه من كماله الذي يختصُّ به، فيجحَد ما وصف به نفسَه ووصَفَهُ به رسولُهُ، ويجعلَ ذلك تجسيمًا
стр. 444
وتشبيهًا يجبُ نفيُهُ عنه، فما أعظمها من خيانةٍ! عَمَدَ (١) إلى صفاتِ جلالِهِ ونعوتِ كماله فجعلها تشبيهًا، ثم عطَّلَهُ منها!
والثاني: أن يُشبِّهها بصفات خلقه، فهذا خائنٌ أيضًا.
وكلاهما قد خان الله، فعزَلَه الله عن منصب الأمانةِ، فإنَّ عهْدَه بالأمانةِ لا ينال خائنًا، فإنه ظالمٌ، وقد قال الله تعالى لإبراهيم خليله لما سأله أن يجعل من ذريَّتِه أئمَّةً: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي: لا ينالُ عهدي بالأمانة ظالمًا، فإن مرتبة الإمامة (٢) لا تُدرَكُ إلا بالأمانة، فكيف يكون الخائنُ إمامًا!
وأما الخيانة في توحيد الإرادة والمحبَّة: فأن يجعل بينه وبينه نِدًّا يُحِبُّهُ كما يحبُّ اللهَ، ويَرجوه ويخافه ويطيعُهُ ويَقْصِدُ مرضاتَه ويبعُد من سخطه كما يطيع الله ويخافُه ويرجُوه ويقصدُ مرضاتَه ويبعُدُ من سخطه، فكيف إذا كان المخلوقُ في ذلك آثَرَ عندَه من الله كما هو حال أكثر الخَلْقِ! وكفى بالإنسان حسيبًا على نفسه!
بل إذا كان من خيانةِ التوحيد أن يقولَ لمخلوقٍ: ما شاء الله وشئتَ، أو يقول له: واللهِ، وحياتِك، أو يقولَ: أنَا (٣) بالله وبك، أو مُتَّكِلٌ
стр. 445
على الله وعليك، أو هذا من الله ومنك= فكيف بخيانةِ مَن قُوى قلبِهِ كلُّها مُستَغرِقةٌ في رضاءِ (١) المخلوقِ والبُعدِ من سخطِهِ، وليست منزلةُ الله من قلبِهِ بهذه المنزلةِ!
فأيُّ خيانةٍ أكبرُ من هذه! وأيَّ كيدٍ يَهْدِي الله لهذا الخائنِ! وأيَّ عملٍ يُصلِحُ له! والله لا يهدي كيدَ الخائنينَ، ولا يُصلِحُ عملَ المفسدينَ.
ثم بعدَ هذه الخيانة خيانتُهُ في أمرِهِ ونهيِهِ، وكثيرًا ما تجتَمِعُ الخيانتانِ في الرجل.
وأما خيانةُ الرسول فأصلها تكذيبُ خبرِه وعصيانُ أمرِهِ:
فمن ردَّ شيئًا ممَّا أخبَرَ به لزعمه أنَّ العقلَ عارضَهُ أو الذوقَ أو الوَجْدَ، أو وَزَنَ أخبارَهُ بآراءِ الرِّجالِ وبخَيالات المُنْتَسِبِينَ إلى التصوُّفِ، فقد خانَهُ أعظمَ خيانةٍ.
ومن ردَّ أمرَه لمُعارضِ شَهوةٍ، أو طَلَبِ رياسةٍ، أو تحصيلِ مالٍ ودنيا، فقد خانَه.
стр. 446
ومن لم يُحَكِّمهُ في كلِّ دقيقٍ وجليلٍ، ويَرضى وينقاد (١) له انقيادًا، ويُسَلِّم له تسليمًا، فقد خانَهُ.
ومن قدَّمَ أمرَ غيره على أمرِه عندَ التَّعارضِ فقد خانَهُ.
وبهذا يُعلَمُ كثرةُ الخائنينَ وقلَّة الأمناء!
وأما خيانة الأمانات التي بين الناس فنوعان:
أحدهما: أن يكتمَ عنه نصيحةً.
والثاني: أن يعاملَه بالغِشِّ، فتكذِبُهُ إذا حدَّثتَهُ، وتُكذِّبُهُ إذا صَدَقَك، وتغدِرُ به إذا عاهَدْتَهُ، وتخُونُهُ إذا ائتَمَنَك، وتَمْنَعُهُ من حقِّه الذي قِبَلك، وتطالبُهُ بما ليس لك عندَه من الحقِّ.
ومن خيانةِ الله وخَلْقِهِ: أن يُظهِرَ من الدين والخشوع والزهد والعفاف والورع خلافَ ما يُبطِنُ؛ فيُظهِرُ ذلك ويُبطِنُ خلافَه، فهذا يتضمنُ الخيانةَ لله ولرسوله ولخَلْقِهِ ولنفسِهِ:
وأما خيانة الله: فإنه أظهر إخلاصَ العبوديَّة له، وأبطَنَ خلافَ ذلك.
وأما خيانة الرسول: فإنه أظهر طاعتَهُ ومتابعتَه، وأبطَن خلافَها.
وأما خيانتُه للنَّاس: فإنه أظهر لهم ما يحبُّونه ويحمدونَه عليه ويُكرِمونه لأجله ويقرِّبونَه عليه، وأبطن خلافَه، ولو علموا منه ما أبطنه لعامَلُوه بما ينبغي أن يُعامَلَ به، فهذا خيانتُهُ لهم.
وأما خيانتُه لنفسه: فبَخْسُها حظَّها وظلمُها ووضعُها في أردى المواضع وأخسِّها، وهي أخسُّ مراتبِ بني آدم؛ ولهذا كان منزلة هؤلاء عند الله تعالى أسفلَ سافلِينَ في الدَّرك الأسفلِ من النَّار.
стр. 447
والمقصودُ: أنَّ الشرك والكُفرَ والنِّفاقَ والفُسوقَ والعصيانَ كلَّهُ خيانةٌ، والتوحيدَ والإسلامَ والإيمانَ والبِرَّ والتَّقوى كلَّه أمانةٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]، فقَسَّمَهُم في حَمْلِ الأمانةِ قسمَينِ: أهلَ الخيانةِ الذين يستحقُّون العذابَ، وأهلَ الأمانةِ الذين لهم الثوابُ. وغايةُ أهل الأمانةِ: التوبةُ. وغايةُ أهل الخيانة: النفاقُ والشِّركُ.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٧]، فقال: هاتان الآيتانِ أعظمُ ميزانٍ يُوزَنُ به أهلُ الحقِّ من أهلِ الباطل، وأعوانُ هؤلاء وأعوانُ هؤلاء. وصلاحُ الأمة بل صلاح الوجود في العمل بموجِبِهما (١)، وفسادُ الوجود من مخالفتهما وتعطيلهما، فلو تأمَّلتَ كلَّ صلاح في العالم لرأيتَه من إقامة حُكم هاتين الآيتين، ولو تأملت كل شرٍّ في العالمِ لرأيتَه من تعطيل حكمهما.
стр. 448
ولم يُطلِق الله تعالى لرسوله أن يحكُمَ بين عباده بما رآه هو، ولكن بما أراه الله، هذا وهو بالمحلِّ الذي أحلَّه الله إياه من النبوَّة والرسالة ورُجحان عقلِهِ على عقولِ العالمينَ كلِّهم ومعرفته على معارفهم، فكيف بمَن حكم بين عباد الله بما رآه هو أو مَن قلَّدَه وقدَّمه على رأي مَن هو فوقَه وأعلَمُ منه، فكيف بمن قدَّمَه على نصوصِ الوحي! فكيف [بمن] حكمَ على الله تعالى بما رآه أو رآه الرجالُ، وقدَّم ذلك على الواجبين (١): على كتاب الله وسنَّةِ رسوله!
وماذا يكون جوابُ هذا غدًا بين يدي الله إذا قيل: هل حكمتَ على الله وبين عباده بما أرى اللهُ ورسولُه أو بما رآه فلانٌ وفلانٌ؟ فوالله ليُسألَنَّ عن هذه المسألة، وليُطالَبَنَّ بالجواب، وسيَرِد ويعلم!
وما ظنُّ من توكَّلَ للخائنين، وخاصَمَ لهم، ودافع عنهم على اختلافِ طبقاتهم في الخيانة؟! فكلُّ من قرَّر باطلًا ونصرَه، ودافعَ عنه، وذَبَّ عن أهلِهِ في دقيقٍ وجليل= فهو خصيمٌ للخائنينَ، يُجادلُ عن الذين يختانون أنفسهم، سواءٌ كان ذلك في علمٍ أو ولايةٍ أو مالٍ، فمن أعان خائنًا كائنًا من كان فهو خصيمٌ للخائنينَ.
وإذا تأمَّلْتَ أحوالَ العالم رأيتَ أهلَه خائنينَ ووكلاءَ للخائنينَ، ومجادلِينَ عن الخائنين مخاصمينَ عنهم، ومن لم يكن فيهم كذلك فهو
стр. 449
مقهورٌ بينهم مُبْعَدٌ عنهم، لا يقربُونَه ولا يُعاونونه (١)، وكلَّما كان أشدَّ خيانةً لله ولرسوله ولدينه ولنفسه كان أقربَ إليهم وأحظى عندهم، فلا يَنْفُق (٢) عندهم إلا خائنٌ أو وكيلٌ للخائنِ أو مجادلٌ عن الخائنِ مخاصمٌ عنه.
وأقرَبُ الوسائل إليهم وسيلةُ الخيانةِ، وأبعدُها عنهم وسيلةُ الأمانة؛ لأن الخيانة بينهم قد صارت هي الأمانة، والأمانةُ بدعةً ومخالفةً لما عليه الناسُ! ولو جرَّدَ رجلٌ لهم الأمانةَ لعادَوهُ ونابَذُوه، ولا يُمكِنُهُ أن يعيش بينهم إن لم يَشُبْ أمانتَه بنوعٍ من الخيانة، ويُحَسِّنْ لهم خياناتِهم، ويمدحِ الخونةَ عندَهم!
واعتبِرْ هذا بمثالٍ: وهو أن أعظم الأمانةِ توحيدُ الله تعالى ومتابعةُ رسولِهِ:
فلو جرَّدَ لهم رجلٌ التوحيدَ وأعطى الربوبيَّةَ حقَّها والعبوديَّة حقَّها، ولم يُعطِ المخلوقَ مرتبةَ الخالقِ، ولا العبدَ مرتبةَ الربِّ= لنَسَبُوه إلى تنقُّصِ الأنبياءِ والرسل والأولياء والصالحين، وهضْمِ منازلِهم، والتكلُّم فيهم بما لا يَلِيقُ. فلا يُمكِنُ الموحِّدَ أن يُجَرِّدَ التوحيدَ بين هؤلاء الخونةِ في التوحيد، وأحسنُ أحوالِه بينَهم أن يسكُتَ عن تجريدِه ولا يُوافِقَهُم في شَوْبِه بالشِّرْك. وإذا كان أعظمَ إشراكًا وأشدَّ غُلُوًّا في المخلوقِ كان
стр. 450
أحسنَ حالًا بينهم، وأقربَ إلى قلوبهم!
ولو جَرَّدَ لهم رجلٌ متابعةَ الرسول ﷺ ، ولم يَشُبْها بغيرها، وردَّ كلَّ قولٍ خالفَ ما جاء به ولم يَلْتَفِت إليه، لنسَبُوه إلى البدعة ومخالفةٍ وإساءةِ الأدب على الأئمة، وتعدِّي طورِهم وطورِه هو أيضًا، ورأوا من الأمر بالمعروف إلزامَهُ بتركِ ما عَلِمَه من السنَّةِ لما جَهِلُوه منها، وأن يَتْرُكَ ما عَلِمَ أنَّ الرسول جاء به لِمَا قالَه فلانٌ وفلانٌ.
فتجريدُ التوحيد عندَهم تنقُّصٌ، وتجريدُ المتابعةِ عندهم بدعةٌ، والله المستعانُ وعليه التُكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.
فما أجدَرَ هؤلاء بالخيانة وأن يكونوا خُصَماءَ للخائنينَ، ومجادلِينَ عن الخائِنينَ!
وكم بيَّتُوا ويُبَيِّتُون لأهل التوحيد والمتابعة ما لا يرضاه الله من القولِ، والله بما يعملون محيطٌ، ولله القائلُ:
نَحنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولا ... أفلَحَ عِندَ الحساب مَن نَدِمَا (١)
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢٠ - ٢١]، فقال: هاتان الآيتان من أعظمِ كنوز القرآن، فهما كَنزان
стр. 451
عظيمان قد أُودِعا هذه السورة وأكثرُ الخلق عنهما غافلون. وذلك أن العبد مضطرٌّ إلى من يجلبُ المنافعَ لروحِه وقلبِهِ وبدنِه وحواسِّهِ بالرِّزق الذي يتضمن إيصالَ ما به قِوامُها وصلاحُها إليها، ويدفع عنها المضارَّ المُفْسِدة لها المضادَّة لصلاحها وكمالها بالنصر. فهو مضطرٌّ أشدَّ ضرورة إلى مَن لا يزالُ يرزقه وينصره، فإن انقطع رزقه أو نصرُه عنه هلَكَ وفسَدَ. فحقيقٌ بالعبد أن يجعل توجُّهَه ورغبتَه وعبوديَّتَه وخوفَه ورجاءَه وإنابتَهُ وتعلُّقَ قلبِه بمن بيده نصرُه ورزقُه، فإن علَّق ذلك بمن لا يملك له رزقًا ولا نصرًا فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١].
فمن جعل معبوده مَن لا يملكُ له رزقًا ولا نصرًا خذَلَه أحوجَ ما يكون إليه، وقطع عنه رزْقَه أفقَرَ ما يكونُ إليه. ومن كان الرازقُ الذي بيده النصرُ وحدَه معبودَه ومحبوبَه ومَخُوفَه ومَرْجُوَّه ونهايةَ مطلبِهِ= لم يزل مرزوقًا وإن مسَّه الفقرُ العارضُ أحيانًا، منصورًا ولو لم يكن له من الناس أنصارٌ وأعوانٌ، لا يضُرُّه من استأثر عليه بالدنيا، كما لا يضُرُّه مَن خذَلَه ولا من خالفَه، فكمالُ الرزق والنصرِ بحسب كمالِ التوحيد.
وكلُّ أهل الغرور بالله ليس عندَهم الرزقُ إلا سعةَ المأكْلِ والمشرب والمَلْبسِ والمَنكحِ وأسبابَ ذلك، وليس عندَهم النصرُ إلا الجاهَ الظالمَ الجاهلَ، والدخولَ تحت ظلِّهِ، والعيشَ تحت كَنَفِه، وهيهاتَ! إن لله رزقًا غيرُ هؤلاء عليه، وإنَّ زرقَ صاحبِ التوحيد والمتابعة ونصرَه غيرُ ما يخطُرُ ببالِ هؤلاء أو يدور في خيالهم.
стр. 452
فرزقُ التوحيد والعلم والسنَّةِ والفهم عن الله ورسوله، ورزقُ الإقبال على الله تعالى والإنابةِ إليه والثقةِ به والتوكُّلِ عليه هو الرزق النافعُ ولو مصَّ صاحبُه النَّوى.
ونصرتُهُ على الجهلِ والبدع، وعلى نفسِهِ وشيطانه، وما يَدْعُونَ إليه، هو النصرُ الحقيقيُّ وإن كانت الحربُ بينَه وبينهما سِجالًا، فما دام مُهاجرًا إلى الله ورسوله فهو منصورٌ وإن أُدِيلَ عليه عدوُّهُ، فحزبُ الله هم المفلحون، وجندُه هم الغالبون.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فقال: أرشد حزبَه عندَ لقاء العدو إلى شيئين، بهما يحصُلُ لهم كمالُ النُّصرة، وإن فاتا فاتَتِ النُّصرة، وإن فاتَ أحدهُما فات من النُّصرة بقدر ما فاتَ منهما.
فما أُدِيلَ العدوُّ على من ثبتَ وأكثَرَ من ذكر الله أبدًا، ولا انتصرَ من غَفَلَ عن ذكر الله ولم يثبُت لعدوِّه أبدًا، فالثَّباتُ يُلقِي الرُّعبَ في قلوب أعدائهم، وبكثرة ذكره يكونُ معهم، فإنَّ الله مع مَن ذَكرَهُ، ومَن كان الله معه لم يُغلَبْ غلَبَةً مُستَقِرَّةً.
وأرشدهم إلى الثبات بذِكْرِه، فإنَّ ذكرَه يطرُدُ الشيطانَ الذي يخوِّفُهم ويُخنسهم (١) ويحملُهم على الفرار. وأيضًا فالشيطانُ يَفِرُّ ممن
стр. 453
له صبرٌ وثباتٌ ويعلمُ أنه لا يُقاوِمُه، فإذا ذَكَرَ الله واستعانَ عليه بذكرِه فَرِق الشيطانُ من ظِلِّه، وهذا لا يقومُ له عدوُّهُ. وإذا رآه جبانًا غافلًا عن الله صَفَعَه ورَكِبَهُ:
فإذا رأى الشيطانُ طَلْعَةَ وَجهِهِ ... حَيَّا وقال: فَدَيْتُ مَن لا يفلحُ (١)
فالجبانُ الغافلُ فريسةُ الشيطان، والشيطان فريسةُ الثَّابِت الذَّاكرِ، وله فيمن هو بينَ بينَ مُنازلاتٌ ومُصاوَلاتٌ، وهنالك الزَّلازلُ والبَلابِلُ والمِحَنُ!
وأيضًا فالمُحِبُّون يَفْتَخِرُون بذكر من يُحِبُّونَهُ في شدَّة المخاوفِ والتقاءِ الصفوفِ، كما قال الحماسيُّ:
ذَكَرْتُكِ وَالخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا ... وقد نَهِلَتْ مِنَّا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ (٢)
قال غيرُهُ (٣):
ولقد ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ كأنَّها ... أشْطَانُ بِئرٍ في لَبَانِ الأَدْهَم
стр. 454
وقال الآخر (١):
ولقد ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ شَوَاجِرٌ ... نحوي وَبِيْضُ الهِنْدِ تَقْطُرُ من دَمِي
وهذا أقوى ما يكون من الحبِّ: أن يَذْكُرَ المُحِبُّ محبوبَهُ أخوَفَ ما يكونُ، عندما يَذْهَلُ الخليلُ عن خليلِهِ وولدِهِ، ولا يكونُ هذا إلا للشُّجعانِ الأبطالِ؛ لكمالِ بَسالتِهِم وزوالِ الخوفِ عن قلوبِهِم، فلا يُفارِقُهم ذِكْرٌ من محبوبِهِ. وأمَّا الجبانُ فالخوفُ قد خَلَعَ قلبَهُ، فلم يَبْقَ له قلبٌ يَذْكُرُ به مَن يُحِبُّهُ.
فالمجاهدون أربعةُ أصنافٍ: شجاعٌ ذاكرٌ، فهذا في الجيش يُعَدُّ بفئةٍ. وجبانٌ غافلٌ، فهذا يَكْسرُ جيشًا. وشجاعٌ غافلٌ. وجبانٌ ذاكرٌ. فالفلاحُ التامُّ للأول، وهو فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]، فقال: امتَحَنَ عبادَهُ بعضَهُم ببعضٍ، وامتَحَنَ صبرَهُم، وأخبَرَ أنَّه بصيرٌ بأهلِ الصبرِ منهم وغيرِ أهلِ الصبر، فإن لم يَصْبِرُوا على ما امتُحِنُوا به في هذه الدار امتَحَنَهم يومَ لقائِهِ بما لا صَبْرَ لهم عليه.
стр. 455
فامتَحَنَ الذين أُرسِلَ إليهم بالرُّسل، وآجَرَهُم بصبرِهِم على ما أَمَرُوهم به ونَهَوهم عنه، وبالصبر معهم على جهادِ مَن خالفَهم.
وامتَحَنَ الرُّسلَ بأُمَمِهِم، وأمَرَهُم بالصبرِ على ما يَنالُهم من أنواع الأذَى منهم، مِن تكذيبِ خبرِهِم، ومعصيةِ أمرِهِم، وعداوتهم.
وامتحن أتباعَهم مِن بعدِهِم بمَن خالفَهم، وأمَرَهم أن يَصبِرُوا منهم على مثلِ ما صَبَر عليه الرُّسلُ من أسلافِ هؤلاء المخالفِينَ.
وامتحن الرَّعِيَّةَ بالملوكِ والولاةِ، وأمَرَهم أن يَصْبِرُوا على جَوْرِهم وظُلْمِهِم، ولا يَخْلَعُوا رِبْقَة طاعتِهِم من أعناقِهِم، ولا يَشُقُّوا عصاهُم.
وامتحن الملوكَ والولاةَ بالرَّعِيَّةِ، وأمَرَهم أن يَصبِرُوا على طعنِهم عليهم، وعَيْبِهِم لهم، وأن يَكُفُّوا غضبَهَم عنهم، وأن يَصْبِرُوا على حوائِجِهِم، ولا يُغْلِقُوا أبوابَهم دونَهم، ولا يَحْتَجِبُوا دونَ خَلْقهم (١) وحاجتِهم، وأن يُصَبِّرُوا أنفسَهم بحوائِجِهِم غايةَ طاقتِهم.
وامتحن العلماءَ بالجهَّالِ، وأمَرَهُم أن يَصْبِرُوا على لَجاجِهِم ومسألتِهِم، ولا يَتَبَرَّمُوا بهم، ولا يَدْفَعُوهم بالعنفِ والغِلْظَةِ.
وامتحنَ الفقراءَ بالأغنياء، وأمَرَهم أن يَصْبِرُوا على استئثارِهم عليهم بالطيِّباتِ وأنواعِ النَّعِيمِ، ولا يَتَسَخَّطُوا على الله إذ لم يعطِهِم ما أَعْطاهم.
стр. 456
وامتحَنَ الرجالَ بالنساء، وأمَرَهم أن يَصْبِرُوا عنهنَّ بغضِّ أبصارهم وحفظِ فروجِهم، إلا ما أباحَ لهم منهنَّ.
وامتحن النساءَ بالرجال، وأمَرَهُنَّ أن يَصْبِرنَ عنهم، بغضِّ أبصارِهنَّ وحفظِ فروجهِنَّ.
وامتحن كُلًّا من الزوجَينِ بالآخر، وأمَرَه أن يَصْبِرَ منه على ما يَكْرَهُ. فامتحن كلًّا من النوعين بالآخر أعظمَ محنةٍ، وفَتَنَهُ به أشَدَّ فتنةٍ، ثم نَظَرَ إلى صبرِ الصابرِ فأعطاه فوقَ أُمنيَّتِه.
وامتحنَ المماليكَ بساداتِهم، وأمَرَهم بالصبر على أحكامِ الرِّقِّ.
وامتحن السَّاداتِ بمَمالِيكِهِم، وأمَرَهم بالصبرِ عليهم، والإحسانِ إليهم، وأن لا يُكلِّفُوهم مِن العمل فوقَ طاقتِهِم.
وامتحن البَرَّ بالفاجِرِ، وأمَرَه بالصبرِ على أذاهُ.
وامتحن الفاجِرَ بالبَرِّ، وأمَرَه بالصبرِ على نصيحتِهِ (١).
وامتحَن أهلَ الغناء بأهل القرآن، وأهلَ القرآن بأهل الغناء، وابتلَى كل واحد من الفريقين بالآخر. فلا يصطلحان إلا إذا ترك أحدهما ما عنده لما عند الآخر.
وامتحن كلًّا من الإنسان والشيطان بالآخر، وسلَّط كلًّا منهما على الآخر وأعانه عليه، فأعان الإنسانَ على الشيطان بطاعته وذكره وتقواه
стр. 457
وصبره واستعاذته بربه منه، وأعان الشيطانَ على الإنسان بفجوره ونسيانه (١) لربه ومعصيته لأمره.
وامتحن بدنَ الإنسان وجوارحه بنفسه، ونفسَه ببدنه وجوارحه.
ولا تزال الخصومة بين يدي الرب تعالى بين هؤلاء الممتحن بعضهم ببعض، حتى تختصم الروح والبدن بسبب ذلك الامتحان والفتنة، فيحكم بينهما بأعدل الحكم.
وجعل سبحانه حكمة هذه الفتنة والمحنة استخراجَ صبرهم وصدقهم، فمن صبر وصدق كانت الفتنة في حقه عين كماله وسعادته، ومن لم يصبر ولم يصدق كانت هذه المحنة سببَ هلاكه، فهذه المحنة عينُ حكمته، فهي كالكِيْر الذي ميَّز بين الطيب والخبيث، ولولا هذا الامتحان لما تميز هذا من هذا. وإذا عرف العبد هذا فما أولاه بالصبر والتأنّي (٢) إذا علم أن العالم كله في محنة! وبالله التوفيق.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الانشراح: ١ - ٤]، فقال: شرح الله صدرَ رسوله أتمَّ الشرح، ووضع عنه وِزره كل الوضع، ورفع له ذكره كل الرفع، وجعل لأتباعه حظًّا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه (٣) حظ ونصيب من
стр. 458
حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم [١٢٤ ب] له.
فأتبعُ الناس لرسوله ﷺ أشرحُهم صدرًا، وأوضعهم وزرًا، وأرفعهم ذكرًا، وكلما قويتْ متابعتُه علمًا وعملًا وحالًا وجهادًا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبُها أشرحَ الناس صدرًا، وأرفعهم في العالمين ذكرًا. وأما وضعُ وِزرِه فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودوابُّ البر و (١) البحر يستغفرون له؟
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تَقبِضُ الصدر وتُضيِّقه، وتُخمِلُ الذكرَ وتَضَعُه، وكذلك ضيق (٢) الصدر يضع الذكر ويَجلِبُ الوِزرَ، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره و عدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقًا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرْحَ (٣) صدره، ودَفْعَ ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرحَ بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثرُ من يُواقِع المحظورَ إنما يدفع به (٤) عن نفسه ما فيها من الهمّ و (٥) الغمّ والضيق، وكثيرًا ما تَبرُد شهوته وإرادته، ومع هذا
стр. 459
يَحرِصُ على المعاودة تداويًا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخُ الفسوق أبو نواس بقوله (١):
وكأسٍ شربتُ على لذةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها
فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيقَ الصدر وخمولَ الذكر، ثم خمولُ الذكر يوجب (٢) له ضيقَ الصدر، [١٢٥ أ] فلا يزال المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددًا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روحَ التوحيد وتجريدَه ومحبةَ الله ورسوله وامتثالَ أمره دائرًا بين تلك المنازل الثلاث.
وإذا أُثْقِل (٣) الظهر بالأوزار منع القلبَ من السير إلى الله، والجوارحَ من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافةَ السفر مُثْقَلٌ بالحمل (٤) على ظهره؟ وكيف ينهض إلى الله قلب قد أثقلته الأوزار؟ فلو وُضِعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقًا إلى ربه، ولانْقلبَ عسرُه يسرًا، فإن ضيق الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسرٌ (٥) يقلبه إليه، وهو تجريد التوحيد وتجريد الطاعة بمتابعة
стр. 460
الرسول، وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨]، فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده. فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبُدِّل عُسْرُه يسرًا.
وسمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، فقال: لو أن الناس أخذوا كلهم (١) بهذه السورة لوَسِعتْهم أو كفتْهم، كما قال الشافعي ﵁: "لو فكَّر الناس في سورة والعصر لكفتْهم" (٢). فإنه سبحانه قسَّم نوع الإنسان فيها قسمين: خاسرًا ورابحًا، فالرابح من نصح نفسه بالإيمان والعمل الصالح، ونصح الخلق بالوصية بالحق المتضمنة [١٢٥ ب] لتعليمه وإرشاده، والوصية بالصبر المتضمنة لصبره هو أيضًا، فتضمنت السورة النصيحتين والتكميلين وغاية كمال القوتين، بأخصر لفظ وأوجزه وأعذبه (٣) وأحسنه ديباجةً وألطفه موقعًا.
أما النصيحتان فنصيحة العبد نفسه، ونصيحته أخاه بالوصية بالحق والصبر عليه.