← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18337

التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (721 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والتعديل، وذلك صنعتُه ﵎ في قبضةٍ من ترابٍ، وصُنْعُهُ بالمشاهدة في نطفةٍ من ماءٍ. وذلك من أعظم الآيات الدالَّة على وجوده (١)، وقدرته، وحكمته، وعلمه، وصفات كماله، ولهذا يكرِّرها كثيرًا في القرآن (٢) لمكان العبرة بها، والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته، وعلى المبدأ والمَعَاد. وتضمَّنَ إقسامُهُ بتلك الأمكنة الثلاثة الدالَّة عليه، وعلى علمه وحكمته = عنايته (٣) بخلقه؛ بأن أرسل منها رسلًا أنزل عليهم كتبه، ويُعرِّفون العباد بربِّهم، وحقوقه عليهمْ، وينذرونهم بأْسَهُ ونقمته، ويدعونهم إلى كرامته وثوابه. ثُمَّ لمَّا كان النَّاس في إجابة هذه الدعوة فريقين: منهم من أجابَ، ومنهم من أَبى = ذكر حال الفريقين، فذكر حال الأكثرين، وهم المردودون إلى أسفل سافلين. والصحيح أنَّه النَّار، قاله: مجاهد، والحسن، وأبو العالية. قال علي بن أبي طالب ﵁: "هي النَّار بعضها أسفل من بعض" (٤). وقالت طائفةٌ منهم: قتادة، وعكرمة، وعطاء، والكلبي،

стр. 142

وإبراهيم: إنَّه أرذل العمر، وهو مرويٌّ عن ابن عباس (١). والصواب القول الأوَّل لوجوه: أحدها (٢): أنَّ أرذل العمر لا يسمَّى: أسفل سافلين، لا في لغةٍ، ولا عرفٍ، وإنَّما "أسفل سافلين" هو "سِجِّين" الذي هو مكان الفُجَّار، كما أنَّ "عِلِّيين" مكان الأبرار (٣). الثاني: أنَّ المردودين إلى أرذلِ العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليلٌ جدًّا، فأكثرهم يموت ولا يُرَدُّ إلى أرذل العمر. الثالث: أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رَدِّ مَنْ طَالَ عُمُره إلى أرذل العمر، فليس ذلك مختصًّا بالكفار حتَّى يستثني منهم المؤمنين. الرابع: أنَّ الله - سبحانه - لمَّا أراد ذلك (٤) لم يَخُصَّهُ بالكفار، بل جعله لجنس بني آدم، فقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥] فجعلهم قسمين: قسمًا يتوفَّى قبل الكِبَر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر، ولم يسمِّه "أسفل سافلين". الخامس: أنَّه لا تَحْسُنُ المقابلة بين أرذل العمر وبين أجر

стр. 143

المؤمنين، وهو - سبحانه - قابَلَ بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاءَ الكفار أسفل سافلين، وجزاءَ المؤمنين أجرًا غير ممنون. السادس: أنَّ قول من فسَّره بأرذل العمر يستلزم: - ١ - خُلُوَّ الآية عن جزاءِ الكفار، وعاقبةِ أمرهم. ٢ - وتفسيرها بأمرٍ محسوسٍ. فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود والأَهَمِّ، وأخبر بأمرٍ يُعْرَفُ بالحِسِّ والمشاهدةِ، وفي ذلك هضْمٌ لمعنى الآية، وتقصيرٌ (١) بها عن المعنى اللائق بها. السابع: أنَّه - سبحانه - ذكر حال الإنسان في مبدئه ومَعَادِه، فمبدؤه خلْقُه في أحسن تقويم، ومعادُهُ رَدُّهُ إلى أسفل سافلين، أو إلى أجرٍ غير ممنونٍ. وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومَعَاده، فما لأَرْذَلِ العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟ الثامن: أنَّ أرباب القول الأوَّل (٢) مضطَرُّون إلى مخالفة الحِسِّ، أو إخراج الكلام عن ظاهره، والتكلُّف البعيد له (٣). فإنَّهم إن قالوا: إنَّ الذي يُرَدُّ إلى أرذل العمر هم (٤) الكفار دون المؤمنين؛ كابروا الحِسَّ. وإن قالوا: إنَّ من النَّوعين من يردُّ إلى أرذل العمر؛ احتاجوا إلى التكلُّف

стр. 144

لصحة الاستثناء. فمنهم من قدَّرَ ذلك بأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا رُدُّوا إلى أرذل العمر، بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة. وهذا - وإن كان حقًّا - فإنَّ الاستثناء إنَّما وقع من الردِّ، لا من الأجر والعمل. ولمَّا علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلُّف خَصَّ بعضُهم "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" بقُرَّاء القرآن خاصَّةً، فقالوا: من قرأ القرآن لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر. وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ الاستثناءَ عامٌّ في المؤمنين، قارئهم وأُمِّيهم. الثاني: أنَّه لا دليل لهم على ما ادَّعَوه، وهذا لا يُعْلَم بالحِسِّ، ولا خَبَرَ يجب التسليم له (١) يقتضيه، والله أعلم. التاسع: أنَّه - سبحانه - ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم، وهذه النِّعمة تُوجب عليه أن يشكرها بالإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، فينقله - حينئذٍ (٢) - من هذه الدار إلى أَعْلَى عِلِّيين، فإذا لم يؤمن بربِّه، وأشرك به، وعصى رسله؛ نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدَّلَهُ بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورةً من أقبح الصور في أسفل سافلين. فتلك نعمتُهُ عليه، وهذا عَدْلُهُ فيه، وعقوبَتُهُ على

стр. 145

كفران نعمته. العاشر: أنَّ نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ [الانشقاق: ٢٤، ٢٥]، فالعذاب الأليم هو "أسفل سافلين"، والمُسْتَثنَون هنا هم المُسْتَثنَون هناك، والأجر غير الممنون هنا هو المذكور هناك، والله أعلم. وقوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾، أي (١): غير مقطوعٍ، ولا منقوصٍ، ولا مكدَّرٍ عليهم. هذا هو الصواب (٢). وقالت طائفةٌ: غير ممنونٍ به عليهم، بل هو جزاء أعمالهم. ويذكر هذا عن: عكرمة، ومقاتل، وهو قول كثيرٍ من القَدَرِيَّة (٣). قال هؤلاء: لأنَّ المِنَّةَ تكدِّرُ النِّعمة، فتمام النِّعمة بأن تكون غير ممنونٍ بها على المنعَم عليه. وهذا القول خطأٌ قطعًا، أُتِيَ أربابُهُ من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإنَّ المِنَّة التي تكدِّرُ النِّعمة هي مِنَّةُ المخلوق على المخلوق، وأمَّا مِنَّةُ الخالق على المخلوق فبها تمامُ النِّعمة، ولذَّتُها، وطِيبُها، فإنَّها مِنَّةٌ حقيقيةٌ، قال

стр. 146

تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾ [الصافات: ١١٤، ١١٥]، فكيف (١) تكون مِنَّتُهُ عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة؟ وقال - تعالى - لموسى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ [طه: ٣٧]. وقال أهلُ الجنَّة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية. وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]. وفي "الصحيح" أنَّ النبيَّ ﷺ قال - لمَّا قال للأنصار -: "أَلَمْ أجِدْكُم ضُلَّالًا فَهَدَاكُم اللهُ بي؟ ألَم أَجِدْكُم عَالَةً فأَغْنَاكُم اللهُ بي؟ "؛ وجعلوا يقولون له (٢): "الله ورسوله أَمَنُّ" (٣). فهذا جواب العارفين بالله ورسوله، وهل المِنَّةُ - كلُّ المِنَّةِ (٤) - إلا لله المَانِّ (٥) بفضله الذي جميع الخلق في مِنَّتِهِ؟

стр. 147

وإنَّما قَبُحَت مِنَّةُ المخلوق لأنَّها مِنَّةٌ بما ليس منه، وهي مِنَّةٌ يتأذَّى بها الممنون عليه. وأمَّا مِنَّةُ المَانِّ (١) بفضله التي ما طاب العيش إلا بمِنَّته، وكلُّ نعمةٍ منه في الدنيا والآخرة فهي مِنَّةٌ يَمُنُّ بها على من أنعم عليه = فتلك لا يجوز نفيها. وكيف يجوز أن يقال: إنَّه لا مِنَّةَ لله على "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" في دخول الجنَّة؟! وهل هذا إلا من أبطل الباطل؟! فإن قيل: هذا القَدْر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء، وليس مرادهم ما ذُكِر، وإنَّما مرادُهم أنَّه لا يَمُنُّ عليهم به، وإن كانت لله فيه المِنَّة عليهم، فإنَّه لا يَمُنُّ عليهم به، بل يقال لهم: هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، وهذا أجركم، فأنتم تستوفون أجور أعمالكم، ولا نَمُنُّ عليكم بما أعطيناكم. قيل: وهذا - أيضًا (٢) - هو الباطل بعينه، فإنَّ ذلك الأجرَ ليست الأعمالُ ثمنًا له، ولا معاوضةً عنه، وقد قال أعلم الخلق بالله ﷺ : "لن يدخُلَ أحدٌ منكُم الجنَّةَ بعمله" قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال "ولا أنا؛ إلَّا أن يتغمَّدني اللهُ برحْمَةٍ منهُ وفَضْلٍ" (٣)، فأخبر أنَّ دخولَ الجنَّة برحمة الله وفضله، وذلك محض مِنَّته عليه وعلى سائر عباده، وكما أنَّه - سبحانه - المَانُّ بإرسال رسله، وبالتوفيق لطاعتهم، وبالإعانة عليها = فهو المَانُّ بإعطاء الجزاء، وذلك كلُّه محض مِنَّته وفضله وجوده، لا حَقَّ لأحدٍ عليه، بحيث إذا وفَّاهُ إيَّاهُ لم يكن له عليه مِنَّةٌ، فإن

стр. 148

كان في الدنيا باطلٌ فهذا منه. فإن قيل: كيف تقولون هذا وقد أخبر رسولُه عنه بأنَّ حقَّ العباد عليه إذا عَبَدُوه وحدَهُ (١) أن لا يعذِّبهم (٢)، وقد أخبر عن نفسه أنَّ حقًّا عليه نصرُ المؤمنين (٣)؟ قيل: لَعَمْرُ اللهِ؛ وهذا من أعظم مِنَّته على عباده، أن جعل على نفسه حقًّا بحكم وعده الصادق: أن يثيبهم ولا يعذِّبهم إذا عبدوه وحده، فهذا من تمام مِنَّته، فإنَّه لو عذَّبَ أهلَ سمواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولكن مِنَّته اقتضت أنْ أَحَقَّ على نفسه ثوابَ عابديه، وإجابةَ سائليه. ما للعبادِ عليهِ حقٌّ واجبٌ … كلَّا، ولا سَعْيٌ لديهِ ضائعُ إن عُذِّبُوا فبعَدْلِه، أو نُعِّمُوا … فبفَضْلِه، وهو الكريمُ الواسعُ (٤) وقوله سبحانه: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧]، أصحُّ القولين:

стр. 149

أنَّ هذا خطابٌ للإنسان (١)، أي: فما يكذِّبُك بالجزاء والمَعَاد بعد هذا البيان، وهذا البرهان؛ فتقول: إنَّك لا تُبعث، ولا تُحاسب؟! ولو تفكَّرت في مبدأ خَلْقِك، وصورتك، لعلمتَ أنَّ الذي خَلَقَك أقدر على إعادتك بعد موتك، ونشأتك خَلْقًا جديدًا من خَلْقِك الأوَّل (٢)، وأنَّ ذلك لو أَعْيَاهُ وأَعْجَزَهُ لأَعْيَاهُ وأَعْجَزَه خَلْقُك الأوَّل. وأيضًا؛ فإنَّ الذي كَمَّلَ خَلْقَك في أحسن تقويمٍ بعد (٣) أن كنت نطفةً من ماءٍ مهينٍ، كيف يليق به أن يتركَكَ سُدَىً، لا يكمِّلُ ذاتَكَ بالأمر والنهي، وبيانِ ما ينفعُكَ ويضرُّك، ولا يبعثُكَ لدارٍ هي أكمل من هذه الدار، ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها، فحِكْمَةُ أحكمِ الحاكمين تأبَى ذلك، وتقتضي خلافه. قال منصور (٤): قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ عَنَى به محمدًا؟ فقال: "معاذَ اللهِ؛ إنَّما عَنَى به الإنسان" (٥).

стр. 150

وقال قتادة: "الضمير للنبيِّ ﷺ " (١). واختاره الفرَّاء (٢). وهذا موضعٌ يحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ: يقال: كَذَبَ الرجلُ، إذا قال الكَذِب. وكذَّبْتَهُ: إذا نَسَبْته إلى الكَذِب، ولو اعتقدتَ صدْقَهُ. وكَذَبْتَهُ: إذا اعتقدتَ كَذِبَه، وإن كان صادقًا. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. فالأوَّل بمعنى: وإنْ ينسبُوك إلى الكذب. والثاني بمعنى: لا يعتقدون أنَّك كاذِبٌ، ولكنَّهم يعاندون، ويدفعون الحقَّ بعد معرفته؛ جحودًا وعنادًا. هذا أصل هذه اللفظة. ويتعدَّى الفعل إلى المُخْبِر (٣) بنفسه، وإلى خبره بـ "الباء"، أو بـ "في". فيقال: كذَّبْتُه بكذا، وكذَّبْتُه فيه، والأوَّل أكثر استعمالًا، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥]، وقوله:

стр. 151

﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الروم: ١٦]. إذا عُرِفَ هذا، فقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾ اختُلف في "ما"؛ هل هي بمعنى: أيُّ شيءٍ يكذِّبُك، أو بمعنى: مَن الذي يكذِّبُك؟ فمن جعلها بمعنى: أيُّ شيءٍ، تعيَّنَ على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، أي: فأيُّ شيءٍ يجعلك بعد هذا البيان مكذِّبًا بالدِّين، وقد وَضَحَتْ لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومن جعلها بمعنى: فمن الذي يكذِّبك؛ جعل الخطاب للنبيِّ ﷺ . قال الفرَّاء: "كأنَّه يقول: من يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعدما تبيَّن له من خَلْق الإنسان ما وصفناه؟ " (١). وقال قتادة: "فمَنْ يكذِّبُك أيُّها الرسول بعد هذا بالدِّين؟ " (٢). وعلى قول قتادة والفرَّاء إشكالٌ من وجهين: أحدهما: إقامة "ما" مقام "مَنْ"، وأمره سهلٌ. والثاني: أنَّ الجارَّ والمجرور يستدعي متعلَّقًا، وهو: يكذِّبك، أي: فمَنْ يكذِّبك بالدِّين؟ فلا يخلو: إمَّا أن يكون المعنى: فمَنْ يجعلك كاذبًا بالدِّين، أو: مكذِّبًا به، أو: مكذَّبًا به (٣)؛ ولا يصحُّ واحدٌ منهما. أمَّا الثاني والثالث: فظاهرٌ؛ فإنَّ "كذَّبْتُه" ليس معناه (٤): جعلتُهُ

стр. 152

مكذِّبًا أو مكذَّبًا، وإنَّما معناه نسبتُهُ إلى الكذب، فالمعنى على هذا: فمَنْ يجعلك بَعْدُ (١) كاذبًا بالدِّين (٢). وهذا إنِّما يتَعدَّى إليه بـ "الباء" الفعلُ المُضَاعَفُ لا الثلاثي، فلا يقال: كَذَبَ بكذا، وإنَّما يقال: كذَّبَ به. وجواب هذا الإشكال أنَّ قوله: كذَّبَ بكذا؛ معناه: كذَّبَ المُخْبَر به، ثُمَّ حذفوا المفعول لظهور العلم به، حتَّى كأنَّه نِسْيٌ مَنْسِيٌّ، وعَدَّوا الفعل (٣) إلى المُخْبِر به (٤)، فإذا قيل: مَنْ يكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبُوك بكذا - سواء -، أي (٥): نسبوك إلى الكذب في الإخبار به. بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنَّ الخطاب إذا كان للإنسان، وهو المكذِّب - أي: فاعل التكذيب - فكيف يقال له: ما يكذِّبك؟ أي: يجعلك مكذِّبًا، والمعروفُ "كذَّبَهُ": إذا جعله كاذبًا لا مكذِّبًا، مثل "فسَّقَه": إذا جعله فاسقًا، لا مفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنَّ "صدَّقَ" و"كذَّبَ" - بالتشديد - يراد به معنيان: أحدهما: النِّسبة؛ وهي إنَّما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل.

стр. 153

قال الكِسَائي (١): "يقال: ما صدَّقَكَ بكذا، أو ما كذَّبَكَ بكذا؛ أي: ما حملك على التصديق والتكذيب". قلت: وهو نظير: ما جَرَّأَكَ على هذا، أي: ما حَمَلَكَ على الاجتراء عليه. وما قَدَّمَك، وما أَخَّرَك، أي: ما دَعَاكَ وحمَلَك على التقدُّمِ والتأخُّرِ، وهذا استعمالٌ سائغٌ في العربية (٢)، وبالله التوفيق. ثُمَّ ختم السورة بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، وهذا تقريرٌ لمضمون السورة من إثبات النُّبوَّة، والتوحيد، والمَعَاد، وحُكْمُه يتضمَّن نَصْرَهُ لرسوله على من كذَّبَهُ وجحد ما جاء به بالحُجَّة والقدرة والظهور عليه، وحُكْمَه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره، وحُكْمَه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه، وأنَّ أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونَقْلِه (٣) في أطوار التخليق حالًا بعد حالٍ إلى أكمل أحواله. فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المُحْسِنَ بإحسانه، والمُسِيءَ بإساءته؟ وهل ذلك إلا قَدْحٌ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟ فَلِلَّهِ ما أخصرَ لفظَ هذه السورة، وأعظم شأنها، وأتمَّ معناها، والله أعلم.

стр. 154

فصل ومن ذلك قَسَمُهُ بالليل ﴿إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢] الآيات، وقد تقدَّم (١) ذكر المُقْسَم عليه وأنَّه سعيُ الإنسان في الدنيا، وجزاؤه في العُقْبَى. فهو - سبحانه - يُقْسِمُ بـ "الليل" في جميع أحواله، إذ هو من آياته الدالَّة عليه. فأقسم به (٢) وقت غشيانه، وأتى به بصيغة المضارع لأنَّه يغشى شيئًا بعد شيء، وأمَّا "النَّهار" فإنَّه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلَّى وَهْلَةً واحدةً، ولهذا قال في سورة "الشمس وضحاها": ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ [الشمس: ٣، ٤]. وأقسَمَ به وقت سريانه كما تقدَّم (٣)، وأقسَمَ به وقت إدباره، وأقسَمَ به إذا عَسْعَس. فقيل: معناه أدبر (٤)، فيكون معناه مطابقًا لقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ [المدثر: ٣٣، ٣٤].

стр. 155

وقيل: معناه أقبل (١)، فيكون كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ (٢) إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢]. فيكون قد أقسَمَ بإقبال الليل والنَّهار، وعلى الأوَّل يكون القَسَم واقعًا على انصرام الليل، ومجيء الصُّبْح عقيبه، وكلاهما من آيات ربوبيته. ثُمَّ أقسَمَ بخلق الذَّكَر والأنثى، وذلك يتضمَّنُ الإقسامَ بالحيوان كلِّه على اختلاف أصنافه، ذَكَرِهِ وأُنْثَاه، وقابَلَ بين الذَّكَر والأنثى كما قابَلَ بين الليل والنَّهار، وكلُّ ذلك من آيات ربوبيته، فإنَّ إخراج الليل والنَّهار بواسطة الأجرام العُلْويَّة، كإخراج الذَّكَر والأنثى بواسطة الأجرام السُّفْلية، فأخرج من الأرض ذكورَ الحيوان وإناثَه على اختلاف أنواعه، كما أخرج من السماء الليلَ والنَّهارَ بواسطة الشمس فيها (٣).

стр. 156

وأقسَمَ - سبحانه - بزمان السعي وهو (١) الليل والنَّهار، وبالساعي وهو الذَّكَر والأنثى؛ على اختلاف السعي، كما اختلف الليلُ والنَّهارُ، والذَّكَرُ والأنثى. وسعيُه وزمانُه مختلِفٌ (٢)؛ وذلك دليلٌ على اختلاف جزائه وثوابه، وأنَّه - سبحانه - لا يسوِّي بين من اختلف سعيه (٣) في الجزاء، كما لم يسوِّ بين الليل والنَّهار، والذَّكَر والأنثى. ثُمَّ أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي (٤) المسيء فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]، فتضمَّنت الآيتان (٥) ذِكْرَ شَرْعِه وقَدَرِه، وذِكْرَ الأعمالِ وجزائها، وحكمةَ القَدَرِ في تيسير هذا لليُسْرَى، وهذا للعُسْرَى، وأنَّ العبد ميسَّرٌ بأعماله لغاياتها، ولا يظلم ربُّك أحدًا. وذَكَر للتيسير لليسرى ثلاثةَ أسباب: أحدها: إعطاء العبد، وحذَفَ مفعول الفعل إرادةً للإطلاق (٦) والتعميم، أي: أعطى ما أُمِرَ به، وسَمَحَتْ به طبيعته، وطاوَعَتْهُ

стр. 157

نفسُه (١)، وذلك يتناول إعطاءَهُ من نفسه الإيمانَ، والطاعةَ، والإخلاصَ، والتوبةَ، والشكرَ؛ وإعطاءَهُ الإحسانَ، والنفعَ بمالهِ، ولسانِه، وبدنِه، ونيَّتِه، وقَصْدِه، فتكون نفسه نفسًا مُطيعَةً باذلةً، لا لئيمةً مانعةً. فالنَّفْسُ المُعْطِيةُ (٢) هي النفَّاعَةُ المحسِنة، التي طَبْعُها الإحسانُ وإعطاءُ الخير اللَّازم والمتعدِّي، فتعطي خيرَها لنفسها ولغيرها، فهي بمنزلة "العَين" التي ينتفع النَّاس بشُرْبهم منها، وسقي دوابِّهم وأنعامِهم، وزروعهم، فهم ينتفعون بها كيف شاءُوا، فهي ميسَّرةٌ لذلك، وهكذا الرجل المُبَارَكُ ميسَّرٌ للنفع حيث حَلَّ، فجزاء هذا أن ييسِّره اللهُ لليُسرَى كما كانت نفسُه ميسَّرةً للعطاء. السبب الثاني: التقوى، وهي اجتناب ما نَهَى اللهُ عنه، وهذا من أعظم أسباب التيسير، وضدُّه من أسباب التعسير. فالمتَّقِي ميسَّرٌ عليه أمور دنياه وآخرته، وتارك التقوى وإن يُسِّرَتْ عليه بعضُ أمور دنياه تعسَّرَ عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى. وأمَّا تيسير ما تيسَّر عليه من أمور الدنيا؛ فلو اتَّقَى اللَّهَ - تعالى - لكان تيسيرها عليه أَتَمُّ، ولو قُدِّر أنَّها لم تُيَسَّر له فقد يُيَسِّر اللهُ له من الدنيا ما هو أنفع له ممَّا ناله بغير التقوى، فإنَّ طِيْبَ العيش، ونعيمَ القلب، ولذَّةَ الرُّوح وفرحَها وابتهاجَها من أعظم نعيم الدنيا، وهو أجَلُّ من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذَّات، ونعيم أهل التقوى بالطاعات

стр. 158

والقربات أعظم وأَجَلُّ. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢] إلى قوله (١): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، فأخبر أنَّه يُيَسِّر على المُتَّقِي ما لا يُيَسِّر على غيره. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وهذا - أيضًا - تيسيرٌ عليه بتقواه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣) [الطلاق: ٥]، وهذا تيسيرٌ عليه بإزالة ما يخشاه، وإعطائه ما يحبُّه ويرضاه. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٩]، وهذا تيسيرٌ بالفرقان المتضمِّن للنَّجاةِ، والنَّصرِ، والعلمِ، والنُّورِ الفارق بين الحقِّ والباطل، وتكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وذلك غاية التيسير. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]، والفلاح غاية اليُسْر، كما أنَّ الشَّقَاءَ غايةُ العسر.

стр. 159

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، فضَمِنَ لهم - سبحانه - بالتقوى ثلاثةَ أمور: أعطاهم نَصِيبَين من رحمته؛ نصيبًا في الدنيا، ونصيبًا في الآخرة، وقد يُضَاعِفُ لهم نصيبَ الآخرة فيصير نصيبين. الثاني: أعطاهم نورًا يمشون به في الظلمات. الثالث: مغفرة ذنوبهم. وهذا غاية التيسير، فقد جعل - سبحانه - التقوى سببًا لكلِّ يُسْرٍ، وتَرْكَ التقوى سببًا لكلِّ عُسْرٍ. السبب الثالث: التصديق بالحُسْنَى، وفُسِّرَت بـ "لا إله إلا الله"، وفُسِّرت بالجنَّة، وفُسِّرت بالخَلَف، وهي أقوال السلف (١). و"اليُسْرَى": صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي: الحالة والخَلَّة اليُسْرَى، وهي "فُعْلَى" من اليُسْرِ. والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال، وأفضل الجزاء: فمن فسَّرها بـ "لا إله إلا الله"؛ فقد فسَّرها بمفردٍ يأتي بكلِّ جمعٍ، فإنَّ التصديقَ الحقيقي بـ "لا إله إلا الله" يستلزم التصديقَ بشُعَبِها وفروعِها

стр. 160

كلِّها. وجميعُ الدِّين - أصولُه وفروعُه - من شُعَب هذه الكلمة. فلا يكون العبد مصدِّقًا بها حقيقة التصديق حتَّى يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه. ولا يكون مؤمنًا بأنَّ اللهَ إلهُ العالمين حتَّى يؤمن بصفات جلاله، ونعوت كماله. ولا يكون مؤمنًا بأنَّه (١) "لا إله إلا هو" حتَّى يَسْلُبَ خصائصَ الإلهيَّة عن كلِّ موجودٍ سواه، ويسلبَها عن اعتقاده وإرادته، كما هي مَنْفِيَّةٌ في الحقيقة والخارج. ولا يكون مصدِّقًا بها مَنْ نَفَى الصفات العُلَى، ولا مَنْ نَفَى كلامه وتكليمه، ولا من نَفَى استواءه على عرشه، وأنَّه يصعد (٢) إليه الكَلِمُ الطيِّبُ والعملُ الصالح، وأنَّه رفَعَ المسيحَ إليه، وأسرى برسوله ﷺ إليه، وأنَّه يُدَبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُج إليه، إلى سائر ما وصفَ به نفسه، ووَصَفَهُ به رسولُه ﷺ . ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مصدِّقًا بها على الحقيقة مَنْ نَفَى عمومَ خَلْقِهِ لكلِّ شيءٍ، وقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ، وعِلْمِهِ بكلِّ شيءٍ، وبَعْثَهُ للأجسادِ من القبور ليوم النُّشور. ولا يكون مصدِّقًا بها من زعم أنه يترك خَلْقَهُ سُدىً، لم يأمرهم ولم يَنْهَهُم على أَلْسِنَةِ رُسُلِه.

стр. 161

وكذلك التصديق بها يقتضي الإذْعَانَ والإقرارَ بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة. فالتصديقُ بجميع أخباره، وامتثالُ أوامره، واجتنابُ نواهيه، هو تفصيل "لا إله إلا الله"، فالمصدِّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلِّه، وكذلك لم تحصل عصمة المال والدَّم - على الإطلاق - إلا بها، وبالقيام بحقِّها، وكذلك لا تحصل النَّجاة من العذاب - على الإطلاق - إلا بها وبحَقِّها، فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها، أو ترك حَقِّها. ومن فَسَّر "الحُسْنَى" بالجنَّة؛ فسَّرها بأَعْلَى أنواع الجزاء وكماله. ومن فسَّرها بالخَلَف؛ ذكر نوعًا من الجزاء، فهذا جزاءٌ دنيويٌّ، والجنَّة الجزاء في الآخرة. فرجع التصديق بـ "الحُسْنَى" إلى التصديق بالإيمان وجزائه. والتحقيقُ أنَّها تتناول الأمرين. وتأمَّلْ ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث - وهي: الإعطاءُ، والتقوى، والتصديقُ بالحُسْنَى - من العلم والعمل، وتضمَّنته من الهُدَى ودين الحق، فإنَّ "النَّفْسَ" لها ثلاثُ قوى: ١ - قوَّةُ البذل والإعطاء. ٢ - وقوَّةُ الكَفِّ والامتناع (١).

стр. 162

٣ - وقوَّةُ الفَهْم والإدراك. ففيها: قوَّة العلم والشعور؛ وتَتبعها: قوَّةُ الحُبِّ والإرادة، وقوَّةُ البُغْضِ والنُّفْرة. فهذه القُوى الثلاثة عليها مدارُ صلاحِها وسعادتها، وبفسادها يكون فسادُها وشقاوتُها. ففساد قوَّة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحُسْنَى. وفساد قوَّة الحبِّ والإرادة يوجب له (١) تَرْكَ الإعطاءِ، والمنعَ (٢). وفساد قوَّة البُغْضِ والنُّفْرة يوجب له تركَ الاتِّقاء. فإذا كمَّلَ قوَّةَ حُبِّهِ وإرادته بإعطائه ما أُمِرَ به، وقوَّةَ بُغْضه ونُفْرَتِه باتقائه ما نُهِيَ عنه، وقوَّةَ علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها = فقد زكَّى نفسَهُ، وأعَدَّها لكلِّ حالةٍ يُسْرَى، فصارت "النَّفْسُ" بذلك ميسَّرةً لليُسْرَى. ولمَّا كان الدِّين يدور على ثلاثِ قواعد: فعلِ المأمور، وتركِ المحظور، وتصديقِ الخبر - وإنْ شئتَ قلتَ: الدِّين: طلبٌ، وخبرٌ. والطلبُ نوعان: طلبُ فعلٍ، وطلبُ تركٍ -؛ تضمَّنَت هذه الكلماتُ الثلاثُ مراتبَ الدِّين أجمعَها؛ فالإعطاء: فعل المأمور، والتقوى: ترك المحظور؛ والتصديق بالحُسْنَى: تصديق الخبر = فانتظم ذلك الدِّينَ كلَّه.

стр. 163

وأكملُ النَّاس من كملت له هذه القُوى (١) الثلاث، ودخول النَّقْص بحسب نقصانها أو بعضِها (٢)، فمن النَّاس من تكون قوَّة إعطائه وبذله أتمَّ من قوَّة انكفافه وتركه، فقوَّةُ التَرْكِ فيه أضعفُ من قوَّةِ الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التَّرْكِ والانكفافِ فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التصديق فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء والمنع، فقوَّتُه العلميَّة الشعوريَّة أتمُّ من قوَّته الإراديَّة، وبالعكس، فيدخل النَّقْص بحسب ما نقص (٣) من قوَّة هذه القُوى الثلاث، ويفوته من التيسير لليُسْرَى بحسب ما فاته منها، ومن كملت له هذه القُوى يُسِّرَ لكلِّ يُسْرَى. قال ابن عباس ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾: "نُهَيِّئُه لعمل الخير، ونيسِّرها عليه" (٤). وقال مقاتل، والكلبي، والفرَّاء: "نُيَسِّرُه للعَود إلى العمل الصالح" (٥). وحقيقة "اليُسْرَى" أنَّها الخَلَّةُ والحالَةُ السَّهْلَةُ النافعةُ الواقعة (٦) له، وهي ضِدُّ العُسْرَى، وذلك يتضمَّنُ تيسيره للخير وأسبابه، فيُجْرِي الخيرَ ويُيَسِّرُه على قلبِه، ونيتِه (٧)، ولسانِه، وجوارحِه. فتصير

стр. 164

خصالُ الخير وأسبابُه ميسَّرةً عليه، مذلَّلةً له، مُنْقَادَةً لا تستعصي عليه، ولا تستصعب؛ لأنَّه مُهَيأٌ لها، ميسَّرٌ لفعلها، يسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وتنقادُ له علمًا وعملًا، فإذا خالطتهُ قلتَ: هذا هو الذي قيل فيه: مُبارَكُ الطَّلْعَةِ مَيْمُونُها … يَصْلُحُ للدنيا وللدِّينِ (١) ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فعطَّل قوَّةَ الإرادة والإعطاء عن فعل ما أُمِرَ به، ﴿وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ بترك التقوى عن ربِّه، فعطَّل قوَّةَ الانكفافِ والتَّرْكِ عن فعل ما نُهِيَ عنه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩)﴾ فعطَّل قوَّةَ العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه = ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾. قال عطاء: "سوف أَحُولُ بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي" (٢). وقال مقاتل: "يُعَسَّرُ عليه أن يُعْطَى خيرًا" (٣). وقال عكرمة، عن ابن عباس: "نُيَسِّرُه للشَّرِّ" (٤).

стр. 165

قال الواحديُّ: "وهذا هو القول؛ لأنَّ الشَّرَّ يؤدِّي إلى العذاب، فهو الخَلَّة العُسْرَى، والخيرَ يؤدِّي إلى اليُسْرِ والراحةِ في الجنَّة، فهو الخَلَّةُ اليُسْرَى، يقول: سَنُهَيِّئُه للشَّرِّ، بأن نُجْرِيه على يديه" (١). قال الفرَّاء: "والعربُ تقول: قد يَسَّرَتْ غنمُ فلان؛ إذا تَهَيَّأَتْ للوِلادة، وكذلك إذا ولدت وغَزُرَتْ ألبانُها، أي: يَسَّرَتْ ذلك على أصحابها" انتهى (٢). و التيسير للعُسْرَى يكون بأمرين: أحدهما: أن يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشَّرُّ على قلبه، ونيته، ولسانه، وجوارحه. والثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه. فإن قيل: كيف قَابلَ "اتَّقَى" بـ "استغنى"؟ وهل يمكنُ العبدَ أن يستغنيَ عن ربِّه طَرْفَةَ عَينٍ؟ قيل: هذا من أحسن المقابلة (٣)، فإنَّ المتَّقِي لمَّا استشعر فَقْرَهُ وفَاقَتَهُ، وشدَّةَ حاجته إلى ربِّه = اتَّقَاهُ، ولم يتعرَّض لسخَطِه وغضبه ومَقْته؛ بارتكاب ما نهاه عنه. فإنَّ من كان فقيرًا شديدَ الحاجةِ والضرورةِ إلى شخصٍ فإنَّه يَتَّقي غضَبَهُ وسخطَهُ عليه غاية الاتِّقَاء، ويجانب ما يكرهُهُ غايةَ المجانبة، ويعتمدُ فعلَ ما يحبُّهُ ويُؤْثِرُهُ.

стр. 166

فقابَلَ التقوى بالاستغناء تشنيعًا لحال تارك التقوى، ومبالغةً في ذمِّه؛ بأن فَعَلَ فِعْلَ المستغني عن ربِّه، لا فِعْلَ الفقيرِ المضطرِّ إليه الذي (١) لا ملجأ له منه إلا إليه، ولا غنى له عن فضله وجُودِهِ وبِرِّهِ طَرْفَةَ عينٍ. فَلِلَّهِ (٢) ما أَحْلَى هذه المقابلة، وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلِّها وأسبابِها، وللشرورِ كلِّها وأسبابِها. فَسُبْحَانَ من تعرَّفَ إلى خواصِّ عباده بكلامه، وتجلَّى لهم فيه، فهم لا يطلبون أثرًا بعد عَينٍ، ولا يستبدلون الحقَّ بالباطل، والصدق بالمَيْنِ. وقد تضمَّنت هاتان الآيتان فَصْلَ الخطاب في مسألة القَدَر، وإزالة كلِّ لَبْسٍ وإشكالٍ فيها، وذلك بَيِّنٌ - بحمد الله - لمن وُفِّقَ لفهمه. ولهذا أجاب بهما (٣) النبيُّ ﷺ لمن أورد عليه السؤالَ الذي لا يزال النَّاس يَلْهَجُون به في القَدَر، فأجاب بِفَصْل الخطاب، وأزال الإشكال. ففي "الصحيحين" من حديث علي بن أبي طالب [ن/ ١٨]﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما منكم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِمَ مَقْعَدُهُ من الجنَّةِ والنَّارِ" قيل: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العَمَلَ، ونتَّكِلُ على كتابنا (٤)؟ قال: "اعمَلُوا، فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلِقَ له" ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)

стр. 167

وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (١) [الليل: ٥ - ١٠]. فقد تضمَّنَ هذا الحديث الردَّ على "القَدَريَّة" و"الجَبْرِيَّة"، وإثباتَ القَدَر والشرع، وإثباتَ الكتاب الأوَّل المتضمِّنِ لعلم الله - سبحانه - الأشياءَ قبل كونها، واثباتَ خلق الفعل الجزائي. وهو يبطل أصول "القَدَريَّة" الذين يمنعون خَلْقَ الفعل مطلقًا، ومن أقرَّ منهم بخَلْق الفعل الجزائي دون الابتدائي = هَدَمَ أصلَهُ، ونقضَ قاعدته. والنبيُّ ﷺ أخبر بمثل ما أخبر به الرَّبُّ - تعالى -: أنَّ العبد ميسَّرٌ لمَا خُلِق له (٢)؛ لا مَجْبُورٌ، فالجَبْر لفظٌ بدعيٌّ، والتيسير لفظ القرآن والسُّنَّة. وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الصحابة كانوا أعلم النَّاس بأصول الدِّين، فإنَّهم تلقَّوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق، وكانوا إذا استشكلوا شيئًا سألوه عنه، وكان يجيبُهم بما يُزيل الإشكال، ويبيِّنُ الصوابَ. فهم العارفون بأصول الدِّين حقًا، لا أهلُ البدع والأهواء من المتكلِّمين ومن سلك سبيلهم. وفي الحديث استدلالُ النبيِّ ﷺ على مسائل أصول الدِّين بالقرآن،

стр. 168

وإرشادُهُ الصحابةَ إلى استنباطِها منه، خلافًا لمن زعم أنَّ كلامَ الله ورسوله لا يفيد العلم بشيءٍ من أصول الدِّين، ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه، وعبَّرَ عن ذلك بقوله: "الأدلَّة اللفظية لا تفيد اليقين" (١). وفي الحديث بيان أنَّ من النَّاس من خُلِقَ للسَّعادة، ومنهم من خُلِق للشَّقَاوة، خلافًا لمن زعم أنَّهم كلُّهم خُلِقُوا للسَّعَادة، ولكن اختاروا الشَّقَاوة، ولم يُخْلَقُوا لها. وفيه إثباتُ الأسباب، وأنَّ العبد ميسَّرٌ للأسباب الموصِلة له (٢) إلى ما خُلِق له. وفيه دليلٌ على اشتقاق السُّنَّةِ من الكتاب، ومطابقتها له. فتأمَّلْ قوله ﷺ : "اعمَلُوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له" ومطابقته لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ إلى آخر الآيتين، كيف انتظم الشَّرْعَ والقَدَرَ، والسببَ والمسبَّب؟ وهذا الذي أرشد إليه النبيُّ ﷺ هو الذي فَطَر اللهُ عليه عباده، بل الحيوانَ البهيمَ، بل مصالحَ الدنيا وعمارتها بذلك، فلو قال كلُّ أحدٍ: إنْ كان قُدِّر لي كذا وكذا فلابدَّ أن أنَالَهُ، وإن لم يقدَّر لي فلا سبيل إلى نَيلِهِ، فلا أَسْعَى ولا أتَحَرَّكُ؛ لَعُدَّ من السفهاءِ الجُهَّالِ، ولم يمكنه طَرْدُ ذلك أبدًا، وإن أتى به في أمرٍ مُعَيَّنٍ، فهل يمكنه أن يَطْرُدَهُ في مصالحه

стр. 169

جميعها، من طعامه، وشرابه، ولباسه، ومسكنه، ومَنْكَحِهِ، وهُرُوبِهِ ممَّا يُضَاد بقاءه، وينافي مصالحه، أم يجد نفسه غير منفكَّةٍ أَلْبتَّةَ عن قول النبيِّ ﷺ : "اعمَلُوا فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلِقَ له"؟! فإذا كان هذا في مصالحِ الدنيا، وأسباب منافعها، فما المُوجِبُ لتعطيله في مصالح الآخرة، وأسبابِ السَّعَادةَ والفلاح؛ ورَبُّ الدنيا والآخرة واحدٌ؟! فكيف يُعطَّلُ ذلك في شرع الرَّبِّ وأمرِه ونهيه، ويُستَعْمَلُ في إرادةِ العبد، وأغراضِه، وشهواته؟ وهل هذا إلا مَحْضُ الظلم والجهل، والإنسان ظلومٌ جَهُولٌ، ظلومٌ لنفسه، جهولٌ بربِّه. فهذا الذي أرشد إليه النبيُّ ﷺ ، وتلا عنده هاتين الآيتين، موافقٌ لما جعله اللهُ في عقول العقلاء، وركَّب عليه فِطَرَ الخلائق حتَّى الحيوان البهيم، وأرسل به جميع رسله، وأنزل به جميع (١) كتبه. ولو اتَّكَلَ العبدُ على القَدَر ولم يعمل لتعطَّلت الشرائع، وتعطَّلت مصالح العالم، وفسد أمر الدنيا والدَّين، وإنَّما يَسْتَرْوِحُ إلى ذلك مُعَطِّلُو الشرائع، ومن خَلَعَ رِبْقَةَ (٢) الأوامر والنواهي من عنقه، وذلك ميراثٌ من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وعارَضوا شرعَهُ بقضائه وقَدَرِهِ، كما حكى اللهُ - سبحانه - ذلك عنهم في غير موضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية وما بعدها [الأنعام: ١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ

стр. 170

شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ الآية [يس: ٤٧]. فإن قيل: فالإعطاء، والتقوى، والتصديق بالحُسْنَى (١)، هي من اليُسْرَى - بل هي أصل اليُسْرَى - من يسَّرَها للعبد أوَّلًا؟ وكذلك أضدادها؟ قيل: الله - سبحانه - هو الذي يسَّر للعبد أسباب الخير والشَّرِّ، وخَلَقَ خَلْقَهُ قسمين: ١ - أهلَ سَعَادةٍ، فيسَّرهم لليُسْرَى. ٢ - وأهلَ شَقَاوةٍ، فيسَّرهم للعُسْرَى. واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خُلِقُوا لغَايَاتها، لا يَصْلُحُون لِسِوَاها، وهؤلاء في الأسباب التي خُلِقُوا لغَايَاتها لا يَصْلُحُون لِسوَاها، وحكمتُهُ الباهِرةُ تأْبَى أن يضع عقوبته في موضعٍ لا تصلُح له، كما تَأْبَى أن يَضَع كرامته وثوابه في مَحَلٍّ لا يصلح له ولا يليق به، بل (٢) حكمةُ آحادِ خلقه تَأْبَى ذلك، ومَنْ جعل مَحَلَّ المِسْكِ والرَّجِيعِ واحدًا فهو من (٣) أسفه السفهاء.

стр. 171

فإن قيل: فَلِمَ جعل هذا لا يليق به إلا الكَرَامة، وهذا لا يليق به إلا الإهَانة؟ قيل: هذا سؤال جاهلٍ، لا يستحقُّ الجواب، كأنَّه يقول: لِمَ خَلَقَ اللهُ كذا وكذا؟ فإن قيل: وعلى هذا، فهل لهذا الجاهل من جوابٍ، لعلَّهُ يَشْفَى من جهله؟ قيل: نعم؛ شأنُ الربوبية خَلْقُ الأشياءِ وأضدادِها، وخَلْقُ المَلْزُومات ولوازِمِها، وذلك هو مَحْضُ الكَمَال. فالعُلُوُّ لازِمٌ وملزومٌ للسُّفْلِ، والليلُ لازمٌ وملزومٌ للنَّهار، وكمالُ هذا الوجود بالحَرِّ والبَرْدِ، والصَّحْوِ والغَيْم. ومن لوازم الطبيعة الحيوانية: الصحَّةُ، والمَرَضُ، واختلافُ الإرادات، والمُرَادَات. ووجودُ المَلْزُومِ بدون لازِمِه ممتنعٌ (١)، ولولا خَلْقُ المُضَادَّاتِ (٢) لَمَا عُرِفَ كمالُ القدرة والمشيئة والحكمة، ولَمَا ظهرت أحكامُ الأسماء والصفات، وظهورُ أحكامِها وآثارِها لابدَّ منه، إذ هو مقتضى الكمالِ المقدَّسِ، والمُلْكِ التامِّ. وإذا أعطيتَ اسمَ "المَلِك" حقَّه - ولن تستطيع - علمتَ أنَّ الخلقَ والأمرَ، والثوابَ والعقابَ، والعَطَاءَ (٣) والحرمانَ = أمرٌ لازِمٌ لصفة المُلْكِ، وأنَّ صفة المُلْكِ تقتضي ذلك ولابدَّ، وأنَّ تَعَطُّلَ هذه الصفة أمرٌ

стр. 172

ممتنعٌ. فالمُلْكُ الحقُّ يقتضي إرسالَ الرُّسُل، وإنزالَ الكتب، وأمرَ العباد، ونَهْيَهم، وثوابَهم، وعقابَهم، وإكرامَ من يستحقُّ الإكرام، وإهانةَ من يستحقُ الإهانة. كما يستلزِمُ حياةَ "المَلِكِ"، وعلمَهُ، وإرادتَهُ، وقدرتَهُ، وسمعَهُ، وبصرَهُ، وكلامَهُ، ورحمتَهُ، ورضاهُ، وغضبَهُ، واستواءَهُ على سرير مُلْكِه، يدبِّرُ أمرَ عباده. وهذه الإشارة تكفي اللبيبَ في مثل هذا الموضع، ويَطَّلِعُ منها على رياضٍ مُونِقَةٍ، وكنوزٍ من المعرفة، وبالله التوفيق. فصل ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٢، ١٣]؛ قيل: معناه: إنَّ علينا أن نُبيِّنَ طريقَ الهُدَى من طريق الضلال. قال قتادة: "على الله البيانُ؛ بيانُ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته" (١). اختاره أبو إسحاق (٢)، وهو قول مقاتل (٣)، وجماعة.

стр. 173

وهذا المعنى حقٌّ، ولكنَّ مرادَ الآية شيءٌ آخر. وقيل: المعنى: إنَّ علينا للهُدَى والإضْلَال. قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: "يريد: أُرْشِدُ أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأَحُولُ بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي". قال الفرَّاء: "فَتَرَكَ ذكر الإضْلَال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد" (١). وهذا أضعف من القول الأوَّل، وإن كان معناه صحيحًا، فليس هو معنى الآية. وقيل: المعنى: من سَلَكَ الهُدَى فعَلَى الله سبيلُه، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، وهذا قول مجاهد (٢)، وهو أصحُّ

стр. 174

الأقوال في الآية. قال الواحديُّ: "علينا الهُدَى، أي: إنَّ الهُدَى يُوصِلُ صاحبه إلى الله، وإلى ثوابه وجنَّته" (١). وهذا المعنى في القرآن في ثلاثة مواضع: ههنا، وفي "النَّحْل" في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، وفي "الحِجْر" قال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحجر: ٤١]. وهو معنىً شريفٌ جليلٌ، يدلُّ على أنَّ سالك طريق الهُدَى يُوصِلُه طريقُهُ (٢) إلى الله ولابدَّ، والهُدَى هو الصراط المستقيم (٣) فمن سلكه أوصله إلى الله تعالى، فذَكَرَ الطريق والغاية، فالطريقُ: الهُدَى، والغايةُ: الوصولُ إلى الله ، فهذه أشرفُ الوسائل، وغايتُها أَعْلَى الغايات. ولمَّا كان مطلوبُ السالك إلى الله تحصيلَ مصالح دنياه وآخرته لم يتمَّ له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبهِ، والمطلوب منه. فأَعْلَمَهُ - سبحانه - أنَّ سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئًا، وأَنَّ الدنيا والآخرة جميعًا له وحده، فإذا تيقَّنَ العبدُ ذلك اجتمع طَلَبُهُ ومطلُوبُهُ على مَنْ يملك الدنيا والآخرة وحده.

стр. 175

ف تضمَّنَتْ الآيتان أربعةَ أمورٍ، هي المطالب العالية: ١ - ذكرَ أَعْلَى الغايات؛ وهو الوصول إلى الله سبحانه. ٢ - وأقربَ الطُّرُقِ والوسائلِ إليه، وهي طريقة الهُدَى. ٣ - وتوحيدَ الطريقِ؛ فلا يُعدَلُ عنها إلى غيرها. ٤ - وتوحيدَ المطلوبِ، وهو الحقُّ، فلا يُعدَل عنه إلى غيره. فاقْتَبِسْ هذه الأمور من مشكاةِ هذه الكلمات، فإنَّ هذا غاية العلم والفهم، وَبالله التوفيق. والهُدَى التَّامُّ يتضمَّنُ: توحيدَ المطلُوبِ، وتوحيدَ (١) الطَّلَبِ، وتوحيدَ الطريقِ المُوصِلة. والانقطاعُ وتخلُّفُ الوصولِ يقع من (٢) الشركة في هذه الأمور، أو في بعضها: فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص، والشركة في الطلب تنافي الصِّدْقَ والعزيمة، والشركة في الطريق تنافي اتِّبَاعَ الأمر. فالأوَّل: يوقع في الشِّرْكِ، والرِّيَاء. والثاني: يوقع في المعصيةِ، والبَطَالَةِ. والثالث: يوقع في البدعةِ، ومُفَارَقَةِ السُّنَّةِ، فتأمَّلْهُ.

стр. 176

فـ "توحيدُ المطلوب" يعصِمُ من الشِّرْك، و"توحيدُ الطلب" يعصِمُ من المعصية، و"توحيدُ الطريق" يعصِمُ من البدعةِ، والشيطانُ إنَّما يَنْصِبُ فَخَّهُ بهذه الطرق الثلاثة. ولمَّا أقام - سبحانه - الدليلَ، وأنارَ السبيل، وأوضحَ الحُجَّةَ، وبيَّنَ المَحَجَّةَ = أنذرَ عبادَه عذابَه الذي أعدَّهُ لمن كذَّبَ خَبَرَهُ، وتولَّى عن طاعته. وجعلَ هذا الصِّنْفَ من النَّاس هم أشقاهم، كما جعل أَسْعَدَهم أهلَ التقوى والإحسان والإخلاص، فهذا الصِّنْفُ هو الذي يُجَنَّبُ (١) عذابه، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٧، ١٨]، فهذا المتَّقِي المُحْسِنُ، ولا يفعلُ ذلك إلا ابتغاءَ وجه ربِّه، فهو مُخْلِصٌ في تقواه وإحسانه. وفي الآية إرشادٌ إلى أنَّ صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمَّلَ مِنَنَ الخَلْق ونِعَمَهُم، وإن حَمَلَ منها شيئًا بادَرَ إلى جزائهم عليه؛ لئلَّا يبقى لأحدٍ من الخَلْقِ عليه نعمةٌ تُجْزَى، فيكون بعد ذلك عمله كلُّه لله وحده، ليس جزاءً للمخلوق على نعمته. ونبَّه بقوله: ﴿تُجْزَى (١٩)﴾ على أنَّ نعمة الإسلام التي لرسول الله ﷺ على هذا الأتقى لا تُجْزَى، فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ يمكن جزاءُ نعمته إلا نعمة الإسلام، فإنَّها لا يمكن جزاؤها من المُنْعَمِ بها عليه (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ الصدِّيقَ ﵁ أوَّلُ وأَوْلَى من ذُكِرَ في هذه الآية (٣)، وأنَّه

стр. 177

أحقُّ الأُمَّة بها، فإنَّ عليًّا ﵁ تربَّى في بيت النبيِّ ﷺ ، فَلِرَسُولِ الله ﷺ عنده نعمةٌ غير نعمةِ الإسلام، يمكن أن تُجْزَى. ونبَّهَ - سبحانه - بقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ على أنَّ من ليس لمخلوقٍ عليه نعمةٌ تُجْزَى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاءَ وجهِ ربِّهِ الأعلى، بخلاف من تطوَّقَ بِنِعَم المخلوقين ومِنَنِهِم، فإنَّه مُضطَرٌّ إلى أن يفعل لأجلهم، ويترك لأجلهم. ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبدُ عليه مِنَّةً لأحدٍ من النَّاس، لتكون معاملته كلها لله إبتغاء وجهه، وطلب مرضاته. وكما أنَّ هذه الغايةَ أعلى الغايات، وهذا المطلوبَ أشرفُ المطالب؛ فهذه الطريقُ أقْصَدُ الطرق إليه، وأقربُها، وأقومُها، وبالله التوفيق.

стр. 178

فصل ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - بالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ٢] على إنعامه على رسوله ﷺ ، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمِّنٌ لتصديقه له، فهو يُقْسِم (١) على صحَّةِ نُبَوَّته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قَسَمٌ على النُّبوَّة والمَعَاد. وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته؛ دالَّتَين على ربوبيته، وحكمته، ورحمته، وهما الليل والنَّهار. فتأمَّلْ مطابقةَ هذا القَسَم - وهو نورُ الضُّحَى الذي يوافي بعد ظلام الليل - للمُقْسَم عليه؛ وهو نورُ الوحي الذي وَافَاهُ بعد احتباسِهِ عنه، حتَّى قال أعداؤُه: "وَدَّع محمدًا ربُّهُ" (٢). فأقسَمَ بضوء النَّهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره، بعد ظلمة احتباسه (٣) واحتجابه.

стр. 179

وأيضًا؛ فإنَّ الذي فَلَقَ ظلمةَ الليل عن ضوءِ النَّهار؛ هو الذي فَلَقَ ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنُّبوَّة، فهذان للحِسِّ، وهذان للعقل. وأيضًا؛ فإنَّ الذي اقتضت رحمتُهُ أن لا يترك عبادَهُ في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النَّهار إلى مصالحهم ومعايشهم = لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغَيِّ، بل يهديهم بنور الوحي والنُّبوَّة إلى مصالحهم في دنياهم وآخرتهم. فتأمَّلْ حُسْنَ ارتباطِ المُقْسَم به بالمُقْسَم عليه، وتأمَّلْ هذه الجزالةَ والرَّوْنَقَ الذي على هذه الألفاظ، والجلالةَ التي على معانيها. ونفَى - سبحانه - أن يكون ودَّعَ نبيَّهُ أو قَلَاهُ، فالتوديع: التَّرْكُ، والقِلَى: البُغْضُ، فما تَرَكَهُ منذ اعتنى به وأكرمه، ولا أبغَضَهُ منذ أحبَّهُ. وأطلق - سبحانه - أنَّ الآخرة خيرٌ له من الأُولَى، وهذا يَعُمُّ كلَّ أحواله، وأنَّ كلَّ حالةٍ يُرقّيه إليها هي خيرٌ له ممَّا قبلها، كما أنَّ الدارَ الآخرة خيرٌ له ممَّا قبلها. ثُمَّ وَعَدَهُ بما تَقَرُّ به عَيْنُهُ، وتفرَحُ به نفسُهُ، وينشرحُ به صدرُهُ، وهو أن يعطيه فَيُرضِيه (١)؛ وهذا يَعُمُّ ما يعطيه من القرآنِ، والهُدَى، والنَّصْرِ، وكثرةِ الأتْبَاع، ورَفْع ذِكْرِهِ، وإعلاءِ كلمتِه، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجَنَّة. وأمَّا ما يغترُّ به الجُهَّالُ، من أنَّه لا يرضَى وواحدٌ من أُمَّته في النَّار،

стр. 180

أو لا يرضَى أن يدخل أحدٌ من أُمَّته النَّار = فهذا منِ غرور الشيطان لهم، ولَعِبهِ بهم، فإنَّه -صلوات الله وسلامه عليه - يرضى بما يرضَى به ربُّهُ ﵎، وهو - سبحانه - يُدخِل النَّارَ من يستحقُّها من الكفار، والعُصَاة، والمنافقين من هذه الأُمَّة وغيرها (١)، ثُمَّ يَحُدُّ لرسوله حَدًّا يشفع فيهم، ورسولُهُ أَعْرَفُ به وبحقِّهِ من أن يقول: لا أرضى أن تُدخِلَ أحدًا من أُمَّتي النَّار، أو تَدَعَهُ فيها، بل رَبُّهُ ﵎ يأذن له، فيشفع فيمن شاء اللهُ أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذِنَ له، ورضيَهُ تعالى (٢).
следующие страницы →