← Акыда

Акыда · id 18381

الفتوى الحموية الكبرى

ابن تيمية

Полный текст (369 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

«تأسيس التقديس» ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل

стр. 72

أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري،

стр. 73

وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها

стр. 74

التأويلات التي ذكرها بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل

стр. 75

وإبطاله أيضًا ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بيَّنت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير

стр. 76

في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: «رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد» حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. [إجماع الأئمة على ذم المريسية] : ثم إذا رأى الأئمة ـ أئمة الهدى ـ قد أجمعوا على ذم المريسية

стр. 77

وأكثرهم كفّروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسية، تبَيَّن الهدى لمن يريد الله هدايته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب، وإنما نشير إشارة إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر. [بعض الكتب التي عنيت بنقل مذهب السلف] : وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلاً منه، مثل: كتاب «السنن» للالكائي، و «الإبانة»

стр. 78

لابن بطة، و «السنة» لأبي ذر الهروي، و «الأصول» لأبي عمر

стр. 79

الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، و «الأسماء والصفات»

стр. 80

للبيهقي، وقبل ذلك «السنة» للطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني،

стр. 81

[ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي أحمد العسَّال الأصبهاني] ،

стр. 82

وقبل ذلك «السنة» للخلال، و «التوحيد» لابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، و «الرد على الجهمية» لجماعة، وقبل ذلك

стр. 83

«السنة» لعبد الله بن أحمد، و «السنة» لأبي بكر بن الأثرم، و «السنة» لحنبل

стр. 84

وللمروذي، ولأبي داود السجستاني، ولابن أبي شيبة،

стр. 85

و «السنة» لأبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب «الرد على الجهمية» لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، وكتاب «خلق أفعال العباد»

стр. 86

لأبي عبد الله البخاري، وكتاب «الرد على الجهمية» لعثمان بن سعيد الدارمي، وكلام عبد العزيز المكي صاحب «الحيدة» في الرد على الجهمية،

стр. 87

وكلام نعيم بن حماد الخزاعي. وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه [ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، وقبل هؤلاء

стр. 88

عبد الله بن المبارك وأمثاله] وأشياء كثيرة. وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأنا أعلم أن المتكلمين لهم شبهات موجودة، لكن لا يمكن ذكرها في الفتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير. وإذا كان أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل

стр. 89

والتأويل ـ مأخوذًا عن تلامذة المشركين، والصابئين، واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. * * *

стр. 90

فصل [مجمل مذهب أهل الحق في صفات الله تعالى] : ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسول الله ﷺ وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث» . ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل

стр. 91

ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يُعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، [لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم وأنصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد] . وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما يتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقية، فكذلك له صفات حقيقية، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث، سابقه العدم، ولافتقار المحدَث إلى مُحدِث، ولوجوب وجوده بنفسه .

стр. 92

[مذهب السلف وسط بين التمثيل والتعطيل] : ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرّفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته. [بيان أن التعطيل تمثيل والتمثيل تعطيل] : وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامعٌ بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون؛ فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثلوا أولاً، وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله

стр. 93

سبحانه وتعالى. فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك محال، ونحو ذلك من الكلام. فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم. [أما] استواء يليق بجلال الله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها. وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهرًا،

стр. 94

أو عرضًا، وكلاهما محال: إذ لا يعقل موجود إلا هذان، أو قوله: إذا كان مستويًا على العرش، فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك، إذ لا يُعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كلاهما مَثَّل وكلاهما عَطَّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز

стр. 95

[الأول] بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين. [إثبات العلو والاستواء لله تعالى] : والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط، من أنَّ الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي كعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها. [موافقة مذهب السلف للعقل والنقل] : واعلم أن ليس في العقل الصريح ولا في النقل الصحيح ما

стр. 96

يوجب مخالفة الطريقة السلفية [أصلاً] لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلَّها فذلك سهل يسير. [اضطراب أهل التأويل] : ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة ـ من المتأولين لهذا الباب ـ في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية، يزعم أن العقل يحيلها، وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك، فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن زعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل.

стр. 97

[الدليل على فساد منهج أهل التأويل] : ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم من يزعم أن العقل جوّز أو أوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله. فيا ليت شعري بأي عقل يُوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: «أوَكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء؟» . [الرد على أهل التأويل] : وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه: أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك. الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر

стр. 98

رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم

стр. 99

والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات. الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك

стр. 100

تفصيله، وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه، على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. [الرسول ﷺ أعلم الأمة وأنصحهم لها] : ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنه بيّن للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر. والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] ، وقال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧] . وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم

стр. 101

الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده. ومعلومٌ للمؤمنين أن رسول الله ﷺ أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره، وأفصح من غيره عبارة وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، وقد اجتمع في حقه ﷺ كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلومٌ أن المتكلم [والفاعل] إذا كمل علمه وقدرته وإرادته: كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان. والرسول ﷺ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة، والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد، فعلم قطعًا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من

стр. 102

البيان، وما أراده من البيان هو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك هو أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذه منه، أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين لا من المؤمنين، والصحابة والتابعون [لهم بإحسان] ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على [سبيل] الاستقامة. [الطوائف المنحرفة عن طريقة السلف] : وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل. [الطائفة الأولى: أهل التخييل] : فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف.

стр. 103

فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق. ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه. ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة،

стр. 104

وباطنية الصوفية. ومن منهم من يقول: بل الرسول عَلِمَها لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يناقضها، لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق. ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد. فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما الأعمال: فمنهم من يقرها، ومنهم من يجريها هذا المجرى،

стр. 105

ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم. [الطائفة الثانية: أهل التأويل] : وأما أهل التأويل: فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني

стр. 106

ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء

стр. 107

من ذلك. [هذه الفتوى رد على أهل التأويل] : والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا، بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم

стр. 108

بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه. وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب. فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به. وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه،

стр. 109

ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات، مثل: لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ

стр. 110

وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقولهم: استراح لما خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] ، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان. [الطائفة الثالثة: أهل التجهيل] : وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.
следующие страницы →