← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفصل السادس (١) عشر في بيان ما يقبل التأويلَ من الكلام وما لا يقبله لمَّا (٢) كان وضعُ الكلام للدلالة على مراد المتكلم، وكان مراده لا يُعلَم إلَّا بكلامه، انقسم كلامه ثلاثة أقسام: أحدها: ما هو نصٌّ في مراده لا يحتمل غيره. الثاني: ما هو ظاهرٌ في مراده، وإن احتمل أن يريد غيره. الثالث: ما ليس بنصٍّ ولا ظاهرٍ في المراد، بل هو مجمل يحتاج إلى البيان. فالأول يستحيل دخول التأويل فيه، وتحميلُه التأويلَ كذبٌ ظاهرٌ على المتكلم. وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها كنصوص آيات الصِّفات والتوحيد، وأن الله سبحانه [ق ١٩ ب] مُكلَّمٌ متكلمٌ آمرٌ ناهٍ قائلٌ مخبرٌ مُوصِي حاكمٌ واعدٌ مُوعِدٌ مُنبِئٌ هادٍ داعٍ إلى دار السلام (٣)، فوق عباده. عليٌّ (٤) على كل شيءٍ، مستوٍ على عرشه، ينزل الأمرُ من عنده ويَعرُجُ إليه، وأنه فعالٌ حقيقةً، وأنه كلَّ يوم في شأنٍ، فعَّال لما يريد، وأنه ليس للخلق مِن دونه وليٌّ ولا شفيعٌ ولا ظهيرٌ، وأنه المنفرد بالربوبية والإلهية والتدبير والقيومية، وأنه يعلم السر وأخفى، وما تسقط من ورقة إلَّا يعلمها، وأنه

стр. 247

يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض، ولا يخفى عليه منها ذرةٌ واحدةٌ، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، فلا يخرج مقدورٌ واحد عن (١) قدرته البتةَ، كما لا يخرج عن علمه ولا (٢) تكوينه، وأن له ملائكة مدبِّرات بأمره للعالَم، تصعد وتنزل وتتحرك وتنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، وأنه يذهب بالدنيا ويُخرِّب هذا العالَم، ويأتي بالآخرة ويبعث مَن في القبور، ﷻ . إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلوله، وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبَرِّ والبحر والخيل والبِغال والإبل والبقر والغنم (٣) والذَّكَر والأنثى على مدلولها، لا فرقَ بين ذلك البتةَ. ولهذا لما سلَّطت الجهميةُ التأويلَ على نصوص الصِّفات سلَّطت الباطنيةُ التأويلَ على هذه الأمور، وجعلوها أمثالًا مضروبةً أُريدَ بها خلاف حقائقها وظواهرها، وجعلوا القرآن والشرع كله مؤولًا (٤)، ولهم في التأويل كتبٌ مستقلةٌ نظير كتب الجهمية في تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها. فهذا القسم إن سُلِّط التأويلُ عليه عاد الشرع كله متأوَّلًا؛ لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتًا وأكثرها ورودًا، ودلالةُ القرآن عليه متنوِّعةٌ غايةَ التنوع؛ فقَبولُ ما سواه للتأويل أقربُ من قبوله بكثيرٍ.

стр. 248

فصل القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل. فهذا يُنظَر في وروده، فإن اطَّرد استعمالُه على وجهٍ واحدٍ استحال تأويله بما يخالف ظاهرَه؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع (١) جاء نادرًا خارجًا عن نظائره منفردًا عنها، فيُؤوَّل حتى (٢) يُرَدَّ إلى نظائره. وتأويل هذا غير ممتنعٍ؛ لأنه إذا عُرف من عادة المتكلم باطراد كلامه في توارُد (٣) استعماله معنًى أَلِفَه ـ أي المخاطب (٤) ـ فإذا جاء موضع يخالفه ردَّه السامع بما عَهِد من عُرف المخاطب إلى عادته المطردة. هذا هو المعقول في الأذهان والفِطر، وعند كافة (٥) العقلاء. وقد صرَّح أئمةُ العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه قد استُعمِل فيه ثبوته أكثر مِن حذفه، فلا بد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثرَ من الحذف (٦)، حتى (٧) إذا جاء ذلك محذوفًا في موضع عُلِمَ بكثرة ذِكره في نظائره أنه قد أُزيلَ من هذا الموضع فحُمِلَ عليه. فهذا شأن مَن يقصد البيان

стр. 249

والدلالة، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأنٌ آخر. والقصد أن الظاهر في معناه إذا اطَّرد استعماله في موارده (١) اطرادًا مستويًا امتنع تأويله، وإن جاز تأويلُ ظاهرِ ما لم يطَّرِد في موارد استعماله. ومثال ذلك اطِّراد قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله بـ «استولى» باطلٌ. وإنما كان يصح أنْ لو كان أكثَرُ مجيئه بلفظ «استولى»، ثم يخرج موضع عن نظائره، ويرد بلفظ «استوى»، فهذا كان يصح تأويله بـ «استولى». فتفطَّنْ لهذا (٢) الموضع، واجعلْه قاعدةً فيما يمتنع (٣) تأويلُه من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله. ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله هكذا: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ» (٤)، «تَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ» (٥)، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]. ولم يَجِئْ في موضعٍ واحدٍ: «ترون ثواب ربكم»، فيُحمَلَ عليه ما خرج عن نظائره. ونظير ذلك اطِّراد قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥١]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ (٦) [القصص: ٦٢]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ اِلطُّورِ إِذْ

стр. 250

نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]، و ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ اِلْمُقَدَّسِ﴾ (١) [النازعات: ١٦] ونظائرها، ولم يجئ في موضعٍ واحدٍ: «أمرْنا مَن يناديه» ولا «ناداه مَلَكُنا»، فتأويله بذلك عينُ المُحالِ والباطل. ونظير ذلك اطِّراد قوله: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ … » (٢) في نحو ثلاثين حديثًا كلها مصرِّحةٌ بإضافة النزول إلى الربِّ، ولم يجئ موضعٌ واحدٌ بقوله: «ينزل مَلَكُ ربنا»، حتى يُحمَلَ ما خرج عن نظائره عليه. وإذا تأملتَ نصوص الصِّفات التي لا تسمح الجهمية بأن يُسمُّوها نصوصًا، فإذا احترموها قالوا: ظواهر سمعية، وقد عارضها القواطع العقلية = وجدتَها كلها من هذا الباب. وممَّا يُقضى منه العجبُ أن كلام شيوخهم ومصنِّفيهم عندهم نصٌّ في مراده لا يحتمل التأويل، وكلام الموافقين (٣) عندهم نصٌّ لا يجوز تأويله، حتى إذا جاؤوا إلى كلام الله ورسوله وقَفُوه على التأويل ووقفوا التأويل عليه، فقُلْ (٤) ما شئتَ وحرِّف ما شئت. أفترى بيانَ هؤلاء لمرادهم أتمَّ من بيان الله ورسوله، أم كانوا مستولين على بيان الحقائق التي [ق ٢٠ أ] سكت اللهُ ورسوله عن بيانها؟! بل (٥) أولئك هم الجاهلون المتهوِّكون (٦).

стр. 251

فصل القسم الثالث: الخطاب المُجمَل الذي أُحيل بيانه على خطابٍ آخر. فهذا أيضًا لا يجوز تأويله إلَّا بالخطاب الذي بيَّنه (١)، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون منفصلًا عنه. والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معانٍ، وليس معه ما يبيِّن مراد المتكلم، فهذا للتأويل فيه مجالٌ واسعٌ، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيءٌ من الجُمَل المركبة، وإنْ وقَعَ في الحروف المفتتَح بها (٢) السورُ. بل إذا تأمل مَن بصَّره اللهُ طريقةَ القرآن والسُّنَّة وجدها متضمِّنة لرفع ما يُوهِمه الكلام من خلاف ظاهره، وهذا موضع لطيف جدًّا في فهم القرآن نشير إلى بعضه: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣]. رفَعَ سبحانه توهُّم المجاز في تكليمه (٣) لكليمه بالمصدر المؤكِّد الذي لا يشكُّ عربي القلب واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة، كما تقول العرب: مات موتًا، ونزل نزولًا. ونظيره التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع، والتأكيد بقوله «حقًّا» ونظائره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]

стр. 252

فلا يشك صحيح الفهم البتةَ في هذا الخطاب أنه نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل بوجهٍ في إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة، وأنه بنفسه سَمِعَ. ومن ذلك قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اُلصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ اُلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤١]. فرَفَعَ توهُّمَ السامع أن المكلَّف به عَمِلَ جميع الصالحات المقدورة والمعجوز عنها، كما يجوِّزه أصحاب تكليف ما لا يُطاق= رَفَعَ هذا التوهم بجملة اعتُرض (١) بها بين المبتدأ وخبره تزيلُ (٢) الإشكال. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا اُلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اِللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٣]. فلمَّا أمَرَه بالقتال أخبره أنه لا يُكلَّف بغيره، بل إنما كُلِّف نفسه، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿وَحَرِّضِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلَّا يتوهم سامعٌ أنه وإن لم يُكلَّف بهم فإنه يهملهم ويتركهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ١٩]. فتأمل كم في هذا الكلام مِن رفعِ إيهامٍ وإزالة ما عسى أن يعرض للمخاطب من لبسٍ: فمنها: قوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ﴾، لئلا يُتوهَّم أن الإتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رِقٍّ أوغير ذلك.

стр. 253

ومنها: قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ لرفع الوهم لمتوهمٍ أنه يحط الآباء إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم﴾ (١) أي: ما نقصنا الآباءَ بهذا الإتباع شيئًا مِن عملهم، بل رفعنا الذرية إليهم قرةً لعيونهم، وإن لم يكن لهم أعمالٌ يستحقون بها تلك الدرجة. ومنها: قوله: ﴿كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، فلا يتوهم متوهم أن هذا الإتباع حاصلٌ في أهل الجنة وأهل النار، بل (٢) هو للمؤمنين دون الكفار، فإن الله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلَّا بكسبه، وقد يُثِيبه من غير كسبٍ منه. ومنها: قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اَلنِّسَا إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فلمَّا أمرهن بالتقوى التي من شأنها التواضع ولِينُ الكلام نهاهن (٣) عن الخضوع بالقول؛ لئلَّا يطمع فيهن ذو المرض، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف رفعًا لتوهُّمِ الإذن في الكلام المنكر لمَّا نُهِينَ عن الخضوع بالقول. ومن ذلك قوله: ﴿وَكُلُوا وَاَشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فرفعَ توهُّمَ فَهْم الخيطينِ من الخيوط بقوله: ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ (٤).

стр. 254

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، فأثبت لهم مشيئةً، فلعل (١) متوهِّمًا يتوهَّم استقلاله (٢) بها، وأنه إن شاء أتى بها (٣) وإن شاء لم يأتِ بها (٤)، فأزال سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. ثم لعل متوهمًا يتوهم أنه يشاء (٥) الشيء بلا حكمةٍ ولا علمٍ بمواقع مشيئته وحيث تصلح، فأزال ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] (٦). ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (٧) (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ هُوَ أَهْلُ اُلتَّقْوى وَأَهْلُ اُلْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦]. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي اِلتَّوْراةِ وَاَلْإِنجِيلِ وَاَلْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فلعل (٨) متوهمًا يتوهم أن الله سبحانه يجوز عليه تركُ الوفاء بما

стр. 255

وعد به، فأزال ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ اُلْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فلمَّا ذَكَر إتيانه سبحانه ربما توهَّمَ متوهمٌ أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهمَ ورفع الإشكالَ بقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصًّا صريحًا في معناه لا يحتمل غيره. وإذا تأملتَ أحاديث الصِّفات رأيت هذا لائحًا [ق ٢٠ ب] على صفحاتها، باديًا على ألفاظها، كقوله ﷺ : «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تُرَى الشَّمْسُ فِي (١) الظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ، وَكَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ» (٢). وقوله: «مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ (٣) لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ» (٤). فلمَّا كان تكليم (٥) الملوك قد يقع بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام. وكذلك الحديث الآخر (٦): «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

стр. 256

ووَضَعَ إِبْهَامَيْهِ عَلَى أُذُنِهِ وعَيْنَيْهِ (١)» رفعًا لتوهم متوهمٍ أن المراد بالسمع والبصر غير الصفتين المعلومتين. وأمثال هذا كثيرٌ في القرآن والسُّنَّة، كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: «يَقْبِضُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالْأَرْضَ بِاليَدِ الْأُخْرَى. ثم جعل رسول الله ﷺ يَقْبِضُ يدَه ويَبسُطُها» (٢) تحقيقًا لإثبات اليد وإثبات صفة القبض. ومن هذا إشارتُه بإصبعه إلى السماء حين استشهد ربَّه ﵎ على الصحابة أنه قد بَلَّغَهم (٣) تحقيقًا لإثبات صفة (٤) العلوِّ، وأن الربَّ الذي استشهده فوق العالم مستوٍ على عرشه. فهذه أمثلة يسيرة ذكرناها، يعرف الفَهِمُ المنصفُ القاصد للهدى والنجاة منها ما يقبل التأويل وما لا يقبله، ولا عِبرةَ بغيره. والله المستعان. * * * * *

стр. 257

الفصل السابع (١) عشر في أن التأويل يُفسِد العلوم كلها إنْ سُلِّط (٢) عليها ويرفع الثقة بالكلام ولا يمكن أُمةً من الأمم أن تعيش عليه معلومٌ أن العلوم إنما قصد بها مصنِّفوها بيانَها وإيضاحها للمتعلمين، وتفهيمهم إياها بأقربِ ما يَقْدِرون عليه من الطرق. فإن سُلِّط التأويل على ألفاظهم، وحملها على غير ظواهرها (٣)، لم يُنتفَع بها وفسدت، وعاد ذلك على موضوعها ومقصودها بالإبطال. فإذا حُمل كلام الأطباء على غير عُرفهم المعروف من خطابهم، وتأوَّلَ المخاطَبُ كلامَهم على غير ظاهره، لم يصل إلى فهم مرادهم البتةَ، بل أفسد عليهم عِلمهم وصناعتهم. وهكذا أصحاب علم الحساب والنحو وجميع أرباب العلوم إذا سُلِّط التأويل على كلامهم لم يُوصِل إلى شيءٍ من تلك العلوم، مع أنه يجوز عليهم الخطأ والتناقض والتلبيس في بعض المواضع والتعمية، ومع قصورهم في البيان وجودة التعبير، ومع نقصان إدراكهم للحقائق وعلومهم ومعارفهم. فكيف يُسلَّط التأويلُ على كلام مَن لا يجوز عليه الخطأ والغلط والتناقض وضد البيان والإرشاد؟! هذا مع كمال علمه، وكمال قدرته على

стр. 258

أعلى أنواع البيان، وكمال نُصحِه وهُداه وإحسانه، وقصده الإفهامَ والبيانَ لا التعميةَ والإلغاز. ولهذا لما سلَّط المحرِّفون التأويلات الباطلة على نصوص الشرع فسد الدِّينُ فسادًا، لولا أن الله سبحانه تكفَّل بحفظه، وأقام له حرسًا وَكَلَهم بحمايته (١) من تأويل الجاهلين وانتحال المبطِلين (٢)، لجرى عليه ما جرى على الأديان السالفة. ولكن الله برحمته وعنايته بهذه الأُمة يبعث لها عند دروس السُّنَّة وظهور البدعة مَن يُجدِّد لها دينها، ولا يزال يغرس في دِينه غرسًا يستعملهم فيه علمًا وعملًا. وكما أن التأويل إن سُلِّط على علوم الخلائق أفسدها، فكذلك إذا استعمل في مخاطباتهم أفسدَ الإفهام والفهم، ولم يمكن لأُمة أن تعيش عليه أبدًا؛ فإنه ضد البيان الذي علَّمه اللهُ الإنسانَ لقيام مصالحه في مَعاشه ومَعاده. وقد تقدَّم تقرير ذلك بما فيه كفاية (٣)، وبالله التوفيق. * * * * *

стр. 259

فصل (١) في بيان أنه إنْ سُلِّط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطُه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفةً وقصدًا هذا فصلٌ عظيم النفع جليل القدر، إنما ينتفع به مَن عرف نوعَيِ التوحيد: القولي العلمي الخبري، والتوحيد القصدي الإرادي العملي، كما دلَّ على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ﴾. وكذلك دلَّ على الأول قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٥]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿* قُلْ يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … ﴾ الآية [آل عمران: ٦٣]. ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنة الفجر (٢)، وسُنة المغرب (٣)، ويقرأ بهما (٤) في ركعتَيِ الطواف (٥). ويقرأ بالآيتين في سُنة الفجر (٦) لتضمُّنهما التوحيدَ

стр. 260

العلمي والعملي. والتوحيدُ العلمي أساسُه إثبات صفات الكمال للربِّ تعالى ومباينته لخَلْقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. والتوحيدُ العملي أساسُه تجريد القصد بالحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب واللسان والجوارح لله وحده لا شريك له (١). فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كُتبه على هذين التوحيدين، وأقرب الخلق إلى الله أقومُهم بهما علمًا وعملًا. ولهذا كانت الرُّسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ [ق ٢١ أ] أقربَ الخلق إلى الله، وأقربُهم إليه وسيلةً أولو العزم، وأقربُهم الخليلانِ، وخاتَمُهم سيِّد ولد آدم وأكرمُهم على الله بكمال توحيده وعبوديته لله. فهذان الأصلان هما قُطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور. والله سبحانه بيَّنَهما غايةَ البيان بالطرق الفطرية والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة، ونوَّع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل التنويع، بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها (٢) للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء، فذاك للبصيرة بمنزلة هذا (٣) للبصر. فإنْ سُلِّط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهلَ، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمينِ، لا ينفك أحدهما

стр. 261

عن صاحبه. وإمام المعطِّلين المشركين فرعون، فهو إمام كل معطِّلٍ ومشركٍ إلى يوم القيامة، كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ إلى يوم القيامة. قال الله تعالى لإمام المعطِّلين وأتباعه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال لإمام الحنفاء ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٣] وقال لأتباعه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فلا (١) يأتي المعطِّل للتوحيد الخبري بتأويلٍ إلَّا أمكن المشرك المعطِّل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويلٍ من جنسه، وقد اعترف بذلك حُذَّاق الفلاسفة وفضلاؤهم، فقال أبو الوليد ابن رشد في كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة» (٢): «القول في الجهة: وأمَّا هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة يُثبِتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلةُ، ثم تَبِعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومَنِ اقتدى بقوله. وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات (٣) الجهة، مثل قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ومثل قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، ومثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمَا إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ اُلْمَلَائِكَةُ وَاَلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ومثل قوله: ﴿* آامِنتُم

стр. 262

مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يَخْسِفَ بِكُمُ اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات التي إنْ سُلِّط التأويل عليها عاد الشرعُ كله مؤولًا (١). وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنيةٌ على أن الله في السماء، وأن (٢) منه تنزل الملائكةُ بالوحي إلى النبيين، وأن مِن السماء نزلت الكتبُ، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ حتى قُرِّب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت (٣) جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نُفاةَ الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثباتَ الجهة يوجب إثباتَ المكان، وإثباتَ المكان يوجب إثباتَ الجسمية. ونحن نقول: إن إثبات هذا كله غير لازمٍ؛ فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إمَّا سُطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة. وبهذا تقول: إن للحيوان فوق وأسفل ويمينًا وشمالًا وأمامَ وخلفَ. وإمَّا سُطوح جسمٍ آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست، فأمَّا الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا، وأمَّا سطوح الأجسام المحيطة به (٤) فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان، وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضًا مكان (٥) للهواء، وهكذا الأفلاك بعضها

стр. 263

محيطةٌ ببعض ومكان له. وأمَّا سطح الفلك الخارج (١) فقد تبرهن (٢) أنه ليس خارجه جسمٌ؛ لأنه لو كان ذلك (٣) كذلك لوجب أن يكون خارجَ ذلك الجسم جسمٌ آخر، ويمر (٤) الأمر إلى غير نهاية. فإذًا سطحُ آخر أجسام العالم ليس مكانًا أصلًا؛ إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسمٌ؛ لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسمٌ. فإذًا إنْ قام البرهانُ على وجود موجود في هذه الجهة فواجبٌ أن يكون غير جسمٍ، فالذي يمتنع (٥) وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم. وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء. وذلك أن الخلاء قد تبيَّن في العلوم النظرية امتناعُه؛ لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا أكثرَ من أبعادٍ ليس فيها جسمٌ، أعني: طُولًا وعرضًا وعمقًا؛ لأنه إنْ رُفِعت الأبعادُ (٦) عنه عاد عَدَمًا، وإن أُنزِلَ الخلاء موجودًا لزم أن يكون أعراضٌ موجودة في غير جسمٍ؛ وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد. ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع هو مسكن الرُّوحانيين، يريدون الله والملائكة، وذلك أن ذلك الموضع ليس هو بمكان (٧) ولا يحويه زمانٌ. وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان

стр. 264

فاسدًا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غيرَ فاسدٍ ولا كائنٍ [ق ٢١ ب]. وقد تبيَّن هذا المعنى ممَّا (١) أقوله، وذلك أنه لمَّا (٢) لم يكن ها هنا شيءٌ، إلَّا هذا الموجود المحسوس أو العدم (٣)، وكان من المعروف بنفسه (٤) أن الموجود إنما يُنسَب إلى الوجود، أعني أنه (٥) يقال إنه موجودٌ ـ أي: في الوجود ـ إذ لا يمكن أن يقال إنه موجودٌ في العدم. فإن كان ها هنا موجودًا هو أشرفُ الموجودات فواجبٌ أن يُنسَب من الموجود المحسوس إلى الجزء (٦) الأشرف وهي السماوات. ولشرفِ هذا الجزء (٧) قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اِلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم. فقد ظهر لك من هذا أن (٨) إثبات الجهة واجبٌ بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطالٌ للشرائع (٩)، وأن وجه العُسر في تفهيم (١٠) هذا المعنى مع نفي الجسمية (١١) هو أنه ليس

стр. 265

في الشاهد مثالٌ له، فهو بعينه السبب في أنه لم يصرِّح الشرع بنفي الجسم عن (١) الخالق سبحانه؛ لأن الجمهور إنما يقع لهم (٢) التصديقُ بحكم الغائب متى كان ذلك معلومَ الوجود في الشاهد، مثل العلم بالصانع، فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب. وأمَّا متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر، ولا يعلمه إلَّا العلماء (٣) الراسخون، فإن الشرع يَزجُر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثالًا من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم (٤). والشبهة الواقعة في نفي الجهة ـ عند الذين نفَوْها ـ ليس يتفطن الجمهور إليها، لا سيما إذا لم يصرِّح لهم بأنه (٥) ليس بجسمٍ، فيجب أن يمتثل في هذا كله فِعل الشرع، وأن لا يتأول ما لم يُصرِّح الشرع (٦) بتأويله. والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب: صِنفٌ لا يشعرون بالشكوك العارضة (٧) في هذا المعنى، وخاصة متى

стр. 266

تُركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثر، وهم الجمهور. وصِنفٌ عرفوا حقيقة هذه الأشياء، وهم العلماء الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس. وصِنفٌ عرضت لهم في هذه الأشياء شكوكٌ ولم يقدروا على حلها، وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء، وهذا الصِّنف هم الذين يُوجد في حقهم التشابهُ في الشرع، وهم الذين ذمَّهم الله. وأمَّا عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابهٌ، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يُفهم التشابه. ومثال ما عرض لهذا الصِّنف مع الشرع مثالُ ما يعرض في خبز البُرِّ مثلًا ـ الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان ـ أن يكون لأقل الأبدان ضارًّا، وهو نافعٌ للأكثر، وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضرَّ الأقل، ولهذا (١) الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا اَلْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٥] لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في (٢) الأقل منها والأقل من الناس، وأكثرُ ذلك هي الآيات التي تتضمَّن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيُعبَّر (٣) عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات (٤) إليها، وأكثرها شبهًا (٥) بها، فيعرض لبعض الناس أن يأخذ

стр. 267

الممثَّل به هو المثال نفسه (١)، فيلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يُسمَّى متشابهاً في الشرع. وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور، وهم صِنفَا الناس في الحقيقة؛ لأن هؤلاء هم الأصِحَّاء، والغذاء الملائم إنما يُوافق أبدان الأصحاء (٢). وأمَّا أولئك فمرضى، والمرضى هم الأقل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وهؤلاء أهل الجدل (٣) والكلام. وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا ممَّا ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أتى اللهُ به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان. فإذًا ما أبعدَ مِن مقصد الشرع مَن قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه. ثم أوَّلَ ذلك المتشابِهَ بزعمه، وقال لجميع (٤) الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش، وغير ذلك ممَّا قالوا إن ظاهره متشابِهٌ. وبالجملة فأكثرُ التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤمِّلَت وُجدتْ ليس يقوم عليها برهانٌ، ولا تفعل فِعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم (٥) عنها. فإن المقصود الأول بالعلم في حق

стр. 268

الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفعَ في العمل فهو أجدرُ. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعًا، أعني العلم والعمل. ومثال مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع، وزعم أن ما أوَّلَه هو الذي قصده الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور: مثال مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيبٌ ماهرٌ ليحفظ صحةَ جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجلٌ فلم يلائمه ذلك [ق ٢٢ أ] الدواء المركَّب الأعظم لرداءة مزاجٍ كان به ليس يعرض إلَّا للأقل من الناس، فزعَمَ أن بعض الأدوية الذي (١) صرَّح باسمه الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركَّب لم يُرِدْ به ذلك الدواءَ التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخَرَ ممَّا يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعلَ فيه بدلَه الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيبُ، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيبُ الأول. فاستعمل الناسُ ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوَّله عليه ذلك المتأوِّل (٢)، ففسدت به أمزجةُ كثيرٍ من الناس. فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواءٍ آخرَ غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع (٣) الأول. فجاء ثالثٌ فتأوَّل في أدوية ذلك المركَّب غيرالتأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس (٤) نوعٌ ثالثٌ من المرض

стр. 269

غير النوعين المتقدمين. فجاء متأوِّلٌ رابع فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة. فعرض منه للناس نوعٌ رابعٌ من المرض (١) غير الأمراض المتقدمة، فلمَّا طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيَّروها وبدَّلوها، عرض منه للناس أمراضٌ شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركَّب في حق أكثر الناس. وهذه هي حال هذه الفِرَق الحادثة في الشريعة. مع الشريعة، وذلك أن كل (٢) فرقةٍ منهم تأوَّلت في الشريعة تأويلًا غير التأويل الذي تأوَّلته الفرقةُ الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع، حتى تمزَّقَ الشرعُ كلَّ مُمزَّقٍ، وبَعُدَ جدًّا عن موضوعه الأول. ولمَّا علم (٣) صاحب الشرع ﷺ أن مثل هذا يعرض، ولا بد، في شريعته، قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (٤). يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهرَ الشرع

стр. 270

ولم تؤوِّله. وأنت إذا تأملتَ ما (١) عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض (٢) فيها من قِبَل التأويل (٣) تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح، وأولُ مَن غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارجُ، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فَطَمَّ الوادي على القَرِيِّ (٤)». وذكر كلامًا بعد ذلك يتعلق (٥) بكُتب أبي حامد (٦) ليس لنا غرضٌ في حكايته. * * * * *

стр. 271

الفصل الثامن عشر في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويلٍ وأصحاب تخييلٍ وأصحاب تجهيلٍ وأصحاب تمثيلٍ (١) وأصحاب سواء السبيل هذه خمسة أصناف انقسم الناس إليها في هذا الباب بحسب اعتقادهم ما أُريدَ بالنصوص: الصنف الأول: أصحاب التأويل، وهم أشد الأصناف (٢) اضطرابًا، إذ لم يثبت لهم قدمٌ في الفرق بين ما يُتأول وما لا يُتأول، ولا ضابط مطَّرِد منعكس يجب مراعاته ويمنع مخالفته؛ بخلاف سائر الفرق، فإنهم جَرَوْا على ضابطٍ واحدٍ، وإن كان فيهم من هو أشد خطأً من أصحاب التأويل كما سنذكره. الصنف الثاني: أصحاب التخييل، وهم الذين اعتقدوا أن الرُّسل لم تُفصِحْ للخلق بالحقائق؛ إذ ليس في قُواهم إدراكها، وإنما خَيَّلَت (٣) لهم، وأبرزت المعقولَ في صورة المحسوس. قالوا: ولو دعتِ الرُّسلُ أُمَمَهم إلى الإقرار بربٍّ لا داخلَ العالم ولا خارجَه ولا مُحايِثًا له ولا مُبايِنًا له (٤)، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه، ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره. لنفرت عقولُهم من ذلك، ولم تصدِّق بإمكان وجود هذا الموجود فضلًا عن وجوب وجوده. وكذلك لو أخبروهم بحقيقة كلامه، وأنه فيضٌ

стр. 272

فاضَ من (١) المبدأ الأول على العقل الفعَّال، ثم فاضَ من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة؛ لم يفهموا ذلك. ولو أخبروهم عن المعاد الرُّوحاني بما هو عليه لم يفهموه، فقرَّبوا لهم الحقائقَ المعقولة في إبرازها في الصور المحسوسة، وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور، ومصيرها إلى جنةٍ فيها أكلٌ وشربٌ ولحمٌ وخمرٌ وجوارٍ حِسانٌ، أو نارٍ فيها أنواع العذاب، تفهيمًا للذة الرُّوحانية بهذه الصورة، والألم الرُّوحاني بهذه الصورة (٢). وهكذا فعلوا في وجود الربِّ وصفاته وأفعاله، ضربوا لهم الأمثال بموجودٍ (٣) عظيمٍ جدًّا أكبر من كل موجودٍ، وله سريرٌ عظيمٌ وهو مستوٍ فوق سريره، يسمع ويبصر ويتكلم، ويأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويأتي ويجيء وينزل، وله يدانِ ووجهٌ، ويفعل بمشيئته وإرادته، وإذا تكلم العبادُ سمع (٤) كلامَهم، وإذا تحركوا رأى حركاتِهم، وإذا هجسَ في قلب أحدٍ منهم هاجسٌ عَلِمَه، وأنه ينزل كل ليلة إليهم (٥) إلى سمائهم هذه فيقول: «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ (٦) يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (٧). إلى غير ذلك ممَّا نطقت به الكتبُ الإلهية.

стр. 273

قالوا: ولا يحلُّ لأحدٍ أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور؛ لأنه يُفسِد ما وُضِعت له [ق ٢٢ ب] الشرائع والكتب الإلهية. وأمَّا الخاصة فهم يعلمون أن هذه أمثالٌ مضروبةٌ لأمور عقلية تَعجِزُ عن إدراكها عقولُ الجمهور، فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة، وإقرارها (١) إقرارٌ للشريعة والحكمة. قالوا: وعقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق (٢) أضعفُ من عقول الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاءُ الرجال وأهل الحِكمة منهم. والحكيم إذا أراد أن يخوِّف الصغير أو يبسط أملَه خوَّفه ورجَّاه بما يناسب فَهمَه وطبعَه. وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة: أن الذي أخبرت به الرُّسلُ عن الله وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقةَ له تُطابِق ما أخبروا به، ولكنه أمثالٌ وتخييلٌ وتفهيمٌ بضرب الأمثال. وقد ساعدهم أربابُ التأويل على هذا المقصد في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وصرَّحوا في ذلك بمعنى (٣) ما صرَّح به هؤلاء في باب المَعاد وحشْر الأجساد، بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفَوْقية ونصوص الصِّفات الخبرية. لكن هؤلاء أوجبوا أو سوَّغوا تأويلها بما يُخرِجها عن حقائقها وظواهرها، وظنوا أن الرُّسل قصدت ذلك من المخاطَبين تعريضًا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد (٤) في تأويلها واستخراج معانٍ تليق بها وحملها عليها؛ وأولئك حرَّموا التأويل،

стр. 274

ورأوه عائدًا على ما قصدته الأنبياءُ بالإبطال. والطائفتان متفقتان على انتفاء حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر. و الصنف الثالث: أصحاب التجهيل، الذين قالوا: نصوص الصِّفات ألفاظٌ لا يُعقَل معانيها، ولا يُدرى ما أراد اللهُ ورسوله منها، ولكن نقرؤُها (١) ألفاظًا لا معانِيَ لها، ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلَّا الله، وهي عندنا بمنزلة: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١] و ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]. فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلًا ولا تشبيهًا، ولم نعرف معناه، ونُنكِر على مَن تأوَّله، ونَكِل علمه إلى الله. وظن هؤلاء أن هذه طريقةُ السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يفهمون معنى قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٤] وقوله: ﴿وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، وأمثال ذلك من نصوص الصفات. وبنَوْا هذا المذهب على أصلين: أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابِه. والثاني: أن للمتشابه تأويلًا لا يعلمه إلَّا الله. فنتج مِن هذين الأصلين استجهالُ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرؤون: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] و ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٦]،

стр. 275

ويَرْوُون (١): «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» (٢)، ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أُريدَ به؛ ولازمُ قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، ثم تناقضوا أقبحَ تناقُضٍ، فقالوا: تُجرَى على ظواهرها، وتأويلُها بما (٣) يخالف الظواهر باطلٌ، ومع ذلك فلها تأويلٌ لا يعلمه إلَّا الله. فكيف يُثبِتون (٤) لها تأويلًا، ويقولون: تجرى على ظواهرها، ويقولون (٥): الظاهر منها غير (٦) مرادٍ، والربُّ منفرد بعلم تأويلها. وهل في التناقض أقبحُ من هذا؟! وهؤلاء غلطوا (٧) في المتشابه، وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كَوْن المتشابه لا يعلم معناه إلَّا الله، فأخطؤوا في المقدِّمات الثلاث. واضطرهم إلى هذا التخلصُ من تأويلات المبطِلين وتحريفات المعطِّلين، وسدُّوا على نفوسهم الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصولَ لنا إلى الصواب. فهؤلاء تركوا التدبُّر المأمور به والتذكر والعقل لمعاني النصوص، الذي هو أساس الإيمان وعمود اليقين، وأعرضوا عنه بقلوبهم، وتعبَّدوا بالألفاظ المجردة التي أُنزلت في ذلك، وظنوا أنها أُنزلت للتلاوة والتعبُّد بها دون تعقُّل

стр. 276

معانيها وتدبُّرها والتفكر فيها. فأولئك جعلوها عُرضة للتأويل والتحريف، كما جعلها أصحاب التخييل أمثالًا لا حقيقة لها. وقابلهم الصنف الرابع، وهم أصحاب التشبيه والتمثيل، ففهموا منها مثل (١) ما للمخلوقين، وظنوا أنْ لا حقيقةَ لها سوى ذلك، وقالوا: مُحال أن يخاطبنا اللهُ سبحانه بما لا نعقله، ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٨]، ونظائر ذلك. وهؤلاء هم المشبِّهة (٢). فهذه الفِرَق لا تزال تُبدِّع بعضُهم بعضًا وتضلِّله وتجهِّله، وقد تصادمت كما ترى، فَهُمْ كزُمرة من العميان تلاقوا فتصادموا، كما قال أعمى البصر والبصيرة (٣) منهم (٤): وَنَظِيرِي فِي الْعِلْمِ مِثْلِيَ أَعْمَى … فَتَرَانَا فِي حِنْدِسٍ نَتَصَادَمْ وهدى الله أصحابَ سواء السبيل للطريقة المُثلى، فلم يتلوثوا بشيءٍ من أوضار (٥) هذه الفرق وأدناسها (٦)، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفَوْا عنها مماثلة المخلوقات، فكان (٧) مذهبهم [ق ٢٣ أ] مذهبًا بين مذهبين

стр. 277

وهُدًى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطِّلين والمخيِّلين والمجهِّلين والمشبِّهين، كما خرج اللبن من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا (١) سائغًا للشاربين. وقالوا: نَصِفُ اللهَ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسولُه، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، بل طريقتنا إثباتُ حقائق الأسماء والصفات، ونفْيُ مشابهة المخلوقات، فلا نعطِّل ولا نؤوِّل ولا نمثِّل ولا نجهِّل، ولا نقول: ليس لله يدانِ ولا وجهٌ ولا سمعٌ ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا استواءٌ على عرشه. ولا نقول: له يدانِ كأيدي المخلوقين (٢)، ووجه كوجوههم، وسمعٌ وبصر وحياة وقدرة واستواء كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم. بل نقول: له ذاتٌ حقيقةً ليست كالذوات، وله صفاتٌ حقيقةً لا مجازًا ليست كصفات المخلوقين. وكذلك قولنا في وجهه ﵎ ويديه وسمعِه وبصرِه وكلامه واستوائه، ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصِّفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك مَن أثبت لله شيئًا من صفات الكمال مِن فَهْمِ معنى الصفة وحقيقتها (٣)، فإن مَن أثبتَ له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقةً وفَهِمَ معناهما، فهكذا سائر صفاته المقدسة (٤) يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيلَ لنا (٥) إلى

стр. 278

معرفة كُنْهها وكيفيتها؛ فإن الله سبحانه لم يكلِّف عباده بذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا. بل كثيرٌ من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلًا إلى معرفة كنهه وكيفيته، وهذه أرواحهم ـ التي هي أدنى إليهم من كل دانٍ (١) ـ قد حجَبَ عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، و [ما] (٢) جعَلَ لهم السبيل إلى معرفتها والتمييز (٣) بينها وبين أرواح البهائم. وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائقُ ذلك في قلوب أهل الإيمان، وشاهدته عقولُهم، ولم يعرفوا كيفيته وكُنْهه. فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمرٍ، وأنهارًا من عسلٍ، وأنهارًا من لبنٍ، ولكن لا يعرفون كُنْهَ ذلك ومادته وكيفيته؛ إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلَّا ما اعتُصِرَ من الأعناب، والعسل إلَّا ما قذفت به النحلُ في بيوتها، واللبن إلَّا ما خرج من الضروع، والحرير إلَّا ما خرج من فم دود القزِّ، وقد فهموا معانيَ ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثِلًا لما في الدنيا، كما قال ابن عباسٍ: «ليس في الدنيا ممَّا في الآخرةِ إلَّا الأسماءُ» (٤). ولم يمنعهم عدم النظير في الدُّنيا مِن فَهْمِ ما أُخبروا به من ذلك، فهكذا

стр. 279

الأسماء والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها مِن فَهْم حقائقها ومعانيها، بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها. وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن: أحدها: قوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ اُلسَّوْءِ وَلِلَّهِ اِلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى وَهْوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]. الثاني: قوله: ﴿وَهْوَ اَلَّذِي يَبْدَأُ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهْوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ اُلْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَهْوَ اَلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٦]. الثالث: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهْوَ اَلسَّمِيعُ اُلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٩]. فنفى سبحانه المماثلةَ عن هذا المثل الأعلى، وهو ما في قلوب أهل سماواته وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وذاته. فهذا المثل الأعلى هو الذي آمَنَ (١) به المؤمنون، وأَنِسَ به العارفون، وقامت شواهدُه في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية، المقبولة بالبراهين العقلية، فاتفق على الشهادة بثبوته العقلُ والسمعُ والفطرة. فإذا قال المثبت: يا الله، قام بقلبه ربًّا قيُّومًا قائمًا (٢) بنفسه، مستويًا على عرشه، مُكلَّمًا مُتكلِّمًا سامعًا رائيًا (٣) قديرًا مريدًا فعَّالًا لما يشاء، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائجَ السائلين، ويُفرِّج عن (٤) المكروبين، تُرضيه الطاعات،

стр. 280

وتُغضبه المعاصي، تَعرُجُ الملائكةُ بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده. وإذا شئتَ زيادةَ تعريفٍ بهذا المثل الأعلى فقدِّر (١) قُوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحدٍ منهم، ثم كان جميعهم على قوة ذلك الواحد، فإذا نسبتَ قوته إلى قوة الربِّ ﵎ لم تجد لها نسبة وإيَّاها البتةَ، كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد. فإذا قدرتَ علوم الخلائق اجتمعت لرجلٍ واحدٍ، ثم قدرتَ جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى عِلمه تعالى كنقرة عصفورٍ من بحرٍ. وإذا قدرتَ حِكمة جميع المخلوقين على هذا التقدير لم يكن لها نسبة إلى حِكمته. وكذلك إذا قدَّرتَ كل جمالٍ في الوجود اجتمع لشخصٍ [ق ٢٣ ب] واحدٍ، ثم كان الخَلْق كلهم بذلك الجمال كان نسبته إلى جمال الربِّ تعالى وجلاله دون نسبة السِّراج الضعيف إلى (٢) جرم الشمس. وقد نبَّهنا الله سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي اِلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَاَلْبَحْرَ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اُللَّهِ إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٦]. فقدِّرِ البحر المحيط بالعالَم مِدادًا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مِدادٌ تُكتب (٣) به كلماتُ الله، نفدت البحارُ، وفنيت الأقلامُ ـ التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من حين خُلِقت إلى آخِر الدنيا ـ ولم تنفد كلمات الله. وقد أخبر النبي ﷺ : «أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ

стр. 281

بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَالْكُرْسِيَّ فِي (١) الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ (٢) فَلَاةٍ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ يَرَى مَا عِبَادُهُ عَلَيْهِ» (٣). فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدِّقين العارفين به سبحانه من المثل الأعلى، فعرفوه به، وعبدوه به، وسألوه به (٤) فأحبوه وخافوه ورجَوْه، وتوكلوا عليه، وأنابوا إليه، واطمأنوا بذِكره، وأَنِسُوا بحبه بواسطة هذا التعريف. فلم يصعب عليهم بعد ذلك فَهمُ (٥) استوائه على عرشه، وسائرِ ما وصف به نفسَه من صفات كماله (٦)؛ إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظيرَ لذلك ولا مثلَ له، ولم يخطر بقلوبهم مماثلتُه لشيءٍ من المخلوقات. وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله «أَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ

стр. 282

وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ» (١). «وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفِّهِ تَعَالَى كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ (٢)» (٣). «وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ» (٤). فأيُّ أيدٍ للخلق وأي إصبع تُشبه (٥) هذه اليدَ وهذه الإصبعَ حتى يكون إثباتها تشبيهًا وتمثيلًا. فقاتَلَ اللهُ أصحابَ التحريف والتأويل، وأصحابَ التخييل، وأصحاب التجهيل (٦)، وأصحاب التشبيه والتمثيل. ماذا حُرِمُوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية، وماذا تعوضوا به من زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار! فما أشبَهَهم بمن كان غذاؤهم المَنَّ والسَّلْوى بلا تعبٍ ولا كُلْفةٍ، فآثَروا عليه الفُومَ (٧) والعدس والبصل، وقد جرت عادةُ الله سبحانه أن يُذِلَّ مَن آثَرَ الأدنى على الأعلى، ويجعله عبرةً للعقلاء. فأوَّلُ هذا الصنف إبليسُ ترَكَ السجود لآدم كِبرًا؛ فابتلاه الله بالقيادة

стр. 283

لفُسَّاق ذريته. وعُبَّادُ الأصنام لم يُقروا بنبيٍّ من البشر، ورَضُوا بآلهةٍ (١) من الحجر. والجهميةُ نزَّهوا الله عن عرشه لئلَّا يحويه مكانٌ، ثم جعلوه في الآبار والأنجاس وفي كل مكانٍ. وهكذا طوائف الباطل لم يَرضَوْا بنصوص الوحي، فابتُلوا بزُبالة أذهان المتحيرين وورثة الصابئين وأفراخ الفلاسفة الملحدين، و ﴿مَن يَهْدِ اِللَّهُ فَهْوَ اَلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. * * * * *

стр. 284

الفصل التاسع عشر في الأسباب التي تسهل على النفوس الجاهلة قبول التأويل مع مخالفته للبيان (١) الذي علَّمه الله الإنسان وفَطَره على قبوله التأويل يجري مَجرى مخالفة (٢) الطبيعة الإنسانية والفطرة التي فَطَر عليها العبد، فإنه ردُّ الفهم من جريانه مع الأمر المعتاد المألوف إلى الأمر الذي لم يُعهَد ولم يُؤلف. وما كان هذا سبيلَه فإن الطباع السليمة لا تتقاضاه بل تنفر منه وتأباه، فلذلك وضع له أربابُه أصولًا ومهَّدوا له أسبابًا تدعو إلى قبوله، وهي أنواع (٣): السبب الأول: أن يأتي به صاحبه مموَّهًا مُزخرَف الألفاظ مُلفَّق المعاني، مكسوًّا حُلَّةَ الفصاحة والعبارة الرشيقة، فتسرع العقولُ الضعيفة إلى قبوله واستحسانه، وتبادر إلى اعتقاده وتقليده. ويكون حاله في ذلك حال من يعرض سلعةً مموَّهةً مغشوشةً على من لا بصيرةَ له بباطنها وحقيقتها، فيُحسِّنها في عينه، ويُحبِّبها إلى نفسه. وهذا الذي يعتمده (٤) كلُّ مَن أراد ترويج باطلٍ؛ فإنه لا يتم له ذلك إلَّا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهلٍ بحقيقته. قال الله (٥) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ اَلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ

стр. 285

يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]، فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يُزخرفه بعضُهم لبعضٍ من القول، فيغترُّ به الأَغْمارُ (١) وضعفاء العقول، فذكر السببَ الفاعل والقابل. ثم ذكر سبحانه انفعال هذه النفوس الجاهلة عنه بصَغْوِها وميلها إليه (٢) ورضاها به؛ لِمَا كُسِيَ من الزُّخرف الذي يغرُّ السامعَ. فلمَّا أصغت إليه ورَضِيَتْه اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولًا وعملًا. فتأمَّلْ هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدْر الذي فيه بيان أصول الباطل، والتنبيه [ق ٢٤ أ] على مواقع الحذر منها وعدم الاغترار بها. وإذا تأملتَ مقالات أهل الباطل رأيتَهم قد كسَوْها من العبارات المُستحسنة، وتخيروا لها من الألفاظ الرائقة ما يُسرِع إلى قَبوله كل مَن ليس له بصيرةٌ نافذةٌ، وأكثر الخلق كذلك، حتى إن (٣) الفُجَّار (٤) ليُسمُّون أعظم أنواع الفجور بأسماء لا ينبو عنها السمع، ويميل إليها الطبع، فيُسمُّون أم الخبائث: أم الأفراح، ويُسمون اللقمة الملعونة (٥): لُقيمة الذِّكر والفكر التي تُثير (٦) العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، ويُسمُّون مجالس الفجور
следующие страницы →