← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

البَتِّيِّ وسَوَّار (١) بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فجَرَوْا على تلك الطريقة من أَخْذ كل واحدٍ منهم عن التابعين من أهل بلده وتابعيهم (٢) عن الصحابة فيما كان عندهم، وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم، وهو موجود عند غيرهم، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها. وكل من ذكرنا مأجورٌ على ما أصاب فيه أجرين، ومأجورٌ فيما خفي عنه ولم يبلغه أجرًا واحدًا، قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ٢٠]. وقد يَبلُغ الرجلَ ممَّن ذكرنا نصَّان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما بضربٍ من الترجيحات، ويميل غيره إلى النصِّ الآخر ـ الذي تركه ـ بضربٍ آخر من الترجيحات، كما روى (٣) عثمان بن عفان في الجمع بين الأختين: «أحلتهما آية، وحرمتهما آية» (٤). وكما مال ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملةً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقال: «لا أعلم شركًا أعظم من قول المرأة: إن عيسى ربها» (٥). وغلَّبَ ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى. ومثل هذا كثير.

стр. 352

فعلى هذه الوجوه تَرَكَ بعض العلماء ما تركوا (١) من الحديث ومن الآيات، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم، فأخذ هؤلاء ما ترك أولئك، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء، لا (٢) قصدًا إلى خلاف النصوص، ولا تركًا لطاعتها؛ ولكن لأحد الأعذار التي ذَكَرْنا، إمَّا من نسيان، وإمَّا أنها لم تبلغهم، وإمَّا لتأويلٍ (٣) ما، وإمَّا لأخذٍ (٤) بخبرٍ ضعيفٍ لم يَعلَم الآخذُ به ضَعْفَ رواته، وعَلِمَه غيره، فأخذ بخبرٍ آخر أصحَّ منه، أو بظاهر آية. وقد يتنبَّه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنًى ويَلُوح منه حُكْمٌ بدليل ما، ويغيب عن غيره. وقد كَثُرت الرِّحَل إلى الآفاق، وتداخل الناس، وانتدب أقوام لجَمْع حديث النبي ﷺ وضمِّه وتقييده، ووصل من البلاد البعيدة إلى من لم يكن عنده، وقامت الحجة على من بلغه شيءٌ منه، وجُمعت الأحاديث المبيِّنة (٥) لصحة أحد (٦) التأويلات المتأوَّلة في الحديث، وعُرف الصحيح من السقيم، وزُيف (٧) الاجتهاد المؤدِّي إلى خلاف كلام رسول الله ﷺ وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمَّن خالف ما بلغه من السُّنن ببلوغها إليه وقيام الحجة بها

стр. 353

عليه، ولم يبق إلَّا العناد والتقليد. وعلى هذه الطريقة كان الصحابة ﵃ وكثيرٌ من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبًا للسُّنن، والتزامًا لها. وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديثٍ واحدٍ إلى عقبة بن عامر (١)، ورحل علقمة والأسود إلى عائشة وابن (٢) عمر (٣)، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام (٤)، وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة (٥): اكتب إليَّ بما (٦) سمعته من رسول الله ﷺ (٧). ومثل هذا كثير». انتهى كلامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٨): جماع الأعذار في ترك من ترك من الأئمة حديثًا ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. الثالث: اعتقاده (٩) أن ذلك الحكم منسوخ.

стр. 354

وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة: السبب الأول: ألَّا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلَّف أن يكون عالمًا بموجَبه، فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو حديث آخر، أو بموجب قياس أو استصحاب، فقد يوافق الحديث المتروك تارةً، ويخالفه أخرى. وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحدٍ من الأئمة. واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين (١) هم أعلم الأمة بأمور رسول الله ﷺ وسُننه وأحواله، خصوصًا (٢) الصدِّيق الذي لم يكن يفارقه حَضَرًا ولا سفرًا (٣)، وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يَسمُر عنده بالليل، وكان ﷺ كثيرًا ما يقول: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٤)» (٥). ثم مع ذلك الاختصاص خفي عن أبي بكر ميراث الجدة، وكان عِلْمُه عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة (٦) وعمران بن حصين (٧)، وليس

стр. 355

هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر، ولا قريبًا منه في العلم. وخفي على عمر سُنة الاستئذان (١)، وتوريث المرأة من دِيَة زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي ـ أميرٌ لرسول الله ﷺ على بعض البوادي ـ «أن رسول الله ﷺ وَرَّث امرأة أشيم الضبابي [ق ٣٢ أ] من دِيَة زوجها» (٢). فترك رأيه لذلك، وقال: لو لم نسمع (٣) هذا لقضينا بخلافه. وخفي عليه حكم المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٤).

стр. 356

وخفي عليه أمر (١) الطاعون حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» (٢). وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي شكَّ في صلاته، فلم يكن قد بَلَغَتْه السُّنَّة في ذلك حتى حدَّثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه يطرح الشكَّ، ويبني على ما استيقن (٣). وكان مرةً في السفر فهاجت ريحٌ، فجعل يقول: من يحدثنا عن الريح؟ قال أبو هريرة: فبلغني ذلك وأنا في أُخريات الناس، فحثثت راحلتي حتى أدركته، فحدثته بما أمر به النبي ﷺ عند هبوب الريح (٤). فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلَّغه إياها مَنْ عُمَر أعلمُ منه بكثيرٍ.

стр. 357

ومواضع أُخر لم يَبلُغه ما فيها من السُّنَّة؛ فقضى (١) وأفتى بغيرها، كما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها (٢)، وقد كان عند أبي موسى (٣) وابن عباس (٤) ـ وهما دونه في العلم ـ أن النبي ﷺ قال: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ». فبلغت هذه السُّنَّة معاويةَ في إمارته، فقضى بها، ولم يجد المسلمون بُدًّا من اتِّباع ذلك (٥). وكان عمر ينهى المُحْرم عن التَّطيُّب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي الجمرة (٦)، هو وابنه عبد الله (٧) وغيرهما من أهل العلم، ولم

стр. 358

يبلغهم حديثُ عائشة ﵂: «طَيَّبْتُ رسول الله ﷺ لحُرْمه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (١). وكان أمر (٢) لابس الخُفِّ أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت (٣)، واتَّبعه على ذلك طائفة من السَّلف، ولم يبلغهم أحاديث التوقيت التي صَحَّتْ عند مَنْ عُمَر أعلمُ منه. وكذلك عثمان لم يكن عنده علمٌ بأن المتوفى (٤) عنها زوجها (٥) تعتدُّ في منزل الموت حتى حدَّثته الفريعة بنت مالك ـ أخت أبي سعيد الخدريِّ ـ بقصتها لمَّا تُوفي زوجها، وأن النبي ﷺ قال لها: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». فأخذ به عثمان، وترك فتواه (٦). وأُهدي له مرَّةً صيدٌ ـ صِيدَ لأجله ـ وهو محرمٌ، فهَمَّ بأكله حتى أخبره علي ﵁ بأن النبي ﷺ ردَّ لحمًا أُهدي له وهو محرمٌ (٧).

стр. 359

وأفتى علي (١) وابن عباس (٢) وغيرهما أن المتوفى عنها إذا كانت حاملًا تعتدُّ أقصى الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم (٣) سُنة رسول الله ﷺ في سُبيعة الأسلمية أن رسول الله ﷺ أفتاها حين وضعت حملها بأنها قد حلَّت للأزواج (٤). وأفتى هو (٥) وزيد بن ثابت (٦) وابن عمر وغيرهم بأن المفوِّضة إذا

стр. 360

مات عنها زوجها فلا مهر لها، ولم يكن بلغتهم سُنة رسول الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت واشق (١). وهذا بابٌ واسعٌ. وأمَّا المنقول فيه عمَّن بعد الصحابة والتابعين فأكثر من أن يُحصى. فإذا خفي على أَعْلَمِ الأُمَّة وأفقهها بعضُ السُّنَّة؛ فما الظنُّ بمَن بعدهم، فمن اعتقد أن كل حديثٍ صحيحٍ قد بلغ كلَّ فردٍ فردٍ من الأئمة أو إمامًا معيَّنًا فقد أخطأ خطأً فاحشًا. قال أبو عمر: «وليس أحدٌ بعد رسول الله ﷺ إلَّا وقد خفيت عليه بعض سُنة رسول الله ﷺ من الصحابة فمَن بعدهم» (٢). وصدق أبو عمر ﵁؛ فإن (٣) مجموع سُنة رسول الله ﷺ من أقواله وأفعاله وإقراره لا يُوجد عند رجلٍ واحدٍ أبدًا، ولو كان أَعلَمَ أهل الأرض. فإن قيل: فالسُّنَّة قد دُونت وجُمعت وضُبطت، وصار ما تفرَّق منها عند الفئة الكثيرة مجموعًا عند واحدٍ. قيل: هذه الدَّواوين المشهورة في السُّنن إنما جُمعت بعد انقراض عصر الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يُدَّعى انحصار سُنة رسول الله ﷺ

стр. 361

في دواوين معينة. ثم لو فُرض انحصار السُّنَّة في هذه الدَّواوين فليس كل ما فيها يعلمه العالم، ولا يكاد يحصل ذلك لأحدٍ أبدًا، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط علمًا بما فيها. بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسُّنَّة من المتأخرين بكثيرٍ؛ لأن كثيرًا ممَّا بلغهم وصحَّ عندهم قد لا يبلغنا إلَّا عن مجهولٍ، أو بإسنادٍ منقطعٍ، أو لا يبلغنا بالكلية، وكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. فصل (١) السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه (٢) لم يثبت عنده ؛ إمَّا لأن محدِّثه أو من فوقه مجهول عنده، أو سيئ الحفظ، أو مُتَّهَمٌ، أو لم يبلغه مسندًا بل منقطعًا، أو لم يضبط له لفظ الحديث، ويكون ذلك الحديث بعينه قد رواه الثقات لغيره بإسنادٍ صحيحٍ متصلٍ بأن يعلم غيره عدالة ذلك المجهول، أو يرويه له ثقةٌ غيره، ويتصل له من غير تلك الجهة المنقطعة، ويضبطه له من لم يضبطه للآخر، أو يقع له من الشواهد والمتابعات ما لم يقع لغيره، فيكون الحديث حجةً على من بلغه من هذا الوجه، وليس بحجة (٣) على من بلغه من الوجه الأول. ولهذا علَّق كثيرٌ من الأئمة القول بموجَب الحديث على صحته فيقول: قولي فيها [ق ٣٢ ب] كَيْتَ وكيت، وقد روي فيها حديثٌ بخلافه، فإن صحَّ فهو قولي. وأمثلة هذا كثيرة جدًّا.

стр. 362

فصل السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهادٍ قد خالفه فيه غيره، فقد يعتقد أحد المجتهدين ضَعْفَ رجلٍ، ويعتقد الآخَرُ ثقتَه وقُوَّتَه، وقد يكون الصواب مع المضعِّف (١) لاطلاعه على سببٍ خَفِيَ على الموثِّق. وقد يكون الصواب (٢) مع الآخر؛ لعلمه بأن ذلك السبب غير قادحٍ في روايته وعدالته؛ إمَّا لأن جنسه غير قادح، وإمَّا لأن له فيه عذرًا وتأويلًا يمنع الجرح. وقد لا يعتقد الذي بلغه الحديث أن راويه سمعه (٣) من غيره لأسباب معروفة عنده خَفِيَت على غيره (٤). وقد يكون للمحدِّث حالان: حال استقامة، وحال اضطراب، فلا (٥) يدري الرجل أن حديثه المعيَّن حدَّث به في حال الاستقامة أو في حال الاضطراب، فيتوقف فيه؛ ويعلم غيره أنه حدَّث به في حال الاستقامة فيقبله. وقد يكون المحدِّث قد نسي الحديث الذي قد (٦) حدَّث به فينكره، فيبلغ المجتهد إنكاره له، فلا يعمل به؛ ويرى غيره أن نسيانه له لا يقدح في صحة الحديث ووجوب العمل به.

стр. 363

وأيضًا فكثيرٌ من (١) الحجازيين لا يحتجُّ بحديث عراقيٍّ ولا شاميٍّ إن لم يكن له أصل بالحجاز، حتى قال بعض من يذهب هذا المذهب: «نزِّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم» (٢). وقيل لبعض من كان يذهب إلى هذا المذهب: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ قال: إن لم يكن له أصلٌ بالحجاز فلا (٣). وكان الشافعي يرى هذا المذهب أولًا، ثم رجع عنه، وقال للإمام أحمد: «يا أبا عبد الله إذا صح الحديث فأَعْلِمْني حتى أذهب إليه، شاميًّا كان أو عراقيًّا» (٤). ولم يقل: أو حجازيًّا؛ لأنه لم يكن يشك هو ولا غيره في أحاديث (٥) أهل الحجاز.

стр. 364

وأكثر أهل العلم على خلاف هذا المذهب، وأن الحديث إذا صحَّ وجب العمل به من أي مِصْرٍ من الأمصار كان مَخرَجُه، وعلى هذا إجماع أهل الحديث قاطبة. فصل السبب الرابع: اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيهًا إذا خالف ما رواه القياس، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان ممَّا تعُمُّ به البلوى، واشتراط بعضهم ألَّا يكون الحديث قد تضمن زيادة على نصِّ القرآن؛ لئلَّا يلزم منه (١) نسخ القرآن به. وهذه مسائل معروفة. فصل السبب الخامس: أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، ونسي قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ونسي فتوى النبي ﷺ له ولعمار بالتيمم للجنابة في السفر (٢). وكذلك ما رُوي أن عليًّا ذَكَّرَ الزبيرَ يوم الجمل شيئًا عَهِدَه إليهما رسول الله ﷺ ، فذَكَّرَه فانصرف عن القتال (٣).

стр. 365

قلت (١): فيكون الناسي معذورًا بفتواه بخلاف النص، فما عُذْر الذاكر للنص إذا قلَّد الناسي، وخالف الذاكرَ والذِّكْرَ؟! فصل السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث ؛ إمَّا لكون لفظ الحديث غريبًا عنده، مثل لفظ: المزابنة (٢)، والمحاقلة (٣)، والمخابرة (٤)، والملامسة (٥)، والمنابذة (٦)، ...........................................

стр. 366

والحَصاة (١)، والغَرَر (٢)، ونحوها من الكلمات الغريبة التي يختلف العلماء في تأويلها. ومثل قوله: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٣)، فإنهم فسَّروا الإغلاق بالإكراه. قلت: هذا تفسير كثير من الحجازيين، ومنهم من فسَّره بالغضب، وهو تفسير العراقيين، ونصَّ عليه أحمد (٤) وأبو عبيد (٥) وأبو داود (٦). ومنهم من فسَّره بجمع الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ، فإنه (٧) مأخوذ من غلق

стр. 367

الباب، أي: أُغلِق عليه باب الطلاق جملةً (١). وصحَّح بعضهم هذا التفسير، وجعله أولى التفاسير (٢). وممَّن حكى الأقوالَ الثلاثة صاحبُ «مطالع الأنوار» (٣)، وصاحبُ «مشارق الأنوار» (٤). وهذا الباب يعرض منه اختلافٌ كثيرٌ، سببه أن يكون لذلك اللفظ في لغته وعُرْفه معنًى غير معناه في لغة الرسول ﷺ ، أو أعم منه أو أخص. فتَفَطَّنْ لهذا الموضع فإنه مَنشأ لغلطٍ كثيرٍ على صاحب الشرع. والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يُغلِق على صاحبه باب تصوُّره أو قصده، كالجنون والسُّكر والإكراه والغضب، كأنه لم (٥) ينفتح قلبُه لقصده، ولا وَطَرَ له فيه (٦). ومن هذا لفظ الخمر، فإنه في لغة الشارع اسم لكل مُسكِرٍ لا يختص بنوعٍ من أنواعه. وهذا المعنى مطابق (٧) لاشتقاقه، فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة دون بعض اصطلاحٌ حادثٌ [ق ٣٣ أ] حصل بحَمْل كلام الشارع

стр. 368

عليه تخصيص لِمَا قَصَدَ الشارعُ تعميمَه. ولهذا لم يختلف المخاطَبون بالقرآن أولًا ـ وهم الصحابة ـ في تحريم ذلك كله (١). فصل ومن هذا الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركًا أو مجملًا أو مترددًا بين حمله على معناه عند الإطلاق ـ وهو المسمَّى بالحقيقة ـ أو على معناه عند التقييد ـ وهو المسمَّى بالمجاز ـ كاختلافهم في المراد من القُرْء هل هو الحيض أو الأطهار، ففَهِمَتْ طائفةٌ منه الحيضَ، وأخرى الطُّهْرَ (٢). وكما فهمت طائفةٌ من الخيط الأبيض والأسود الخيطين المعروفين، وفَهِمَ غيرهم بياضَ النهار وسوادَ الليل (٣). وكما فهمت طائفةٌ من قوله في التيمم: ﴿فَاَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم

стр. 369

مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٧] المسحَ (١) إلى الآباط، ففعلوه، وفَهِمَ آخرون المسح إلى المرافق، ففعلوه (٢). وأسعد الناس بفَهْمِ الآية مَن فَهِمَ منها المسحَ إلى الكوع (٣). وهذا هو الذي فهمه رسول الله ﷺ من الآية (٤)، وهو نظير فهمه صلوات الله وسلامه عليه القطعَ من الكوع من آية السرقة (٥). وكما فهمت طائفةٌ من قوله: ﴿وَاَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ البعضَ مُقَدَّرًا أو غير مُقَدَّرٍ، وفَهِمَ آخرون مسحَ الجميع (٦). وفهمُهم مؤيدٌ بفِعْل الرسول (٧). وكما فهم بعضهم من قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اِلسُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] الثلاثة فصاعدًا؛ اعتمادًا على الحقيقة، وفهم الآخرون الاثنين فصاعدًا؛ اعتمادًا على فهم الجنس الزائد على الواحد (٨). وهؤلاء أسعدُ

стр. 370

بفَهْمِ الآية. وكما فهم الصدِّيق ومَن معه من الكلالة ـ التي يرث (١) معها الإخوة والأخوات للأب ـ عدمَ الولد وإن سَفَلَ والأبِ وإن علا (٢). وفهم آخرون منها عدمَ الأب دون مَن فوقه. والصدِّيق أسعدُ بفهم الآية، كما اتفق المسلمون على أن الكلالة في قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا اَلسُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] أنها عدم الولد وإن سَفَلَ، والأبِ وإن علا (٣). وكما فَهِمَ مَن فهم من السلف والخلف من قوله تعالى: ﴿اِلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أنه مرة بعد مرة، مثل قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وقوله في الحديث: «فلمَّا أقرَّ أربع مرات رَجَمَه رسول الله ﷺ » (٤). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ اُلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اُلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٦]. وجميع ما ذُكر فيه تعدُّد المرة فهذا سبيله، فالثلاث المجموعة بكلمةٍ واحدةٍ مرة واحدة (٥). وفهم آخرون منها

стр. 371

الجمع والإفراد، ولا يخفى أي الفهمين أولى. وكما فَهِمَ من أباح نكاح التحليل ذلك من قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وفهم المُحرِّمون المُبطِلون له بطلانه من نفس الآية من عدة أوجه: منها: قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ونكاح التحليل (١) لا يدخل في النكاح المُطلَق، كما لم يدخل فيه نكاح الشغار والمتعة، ونكاح المعتدة، ونكاح المحرمة، فإن الذي أخرج هذه الأنواع من النكاح المُطلَق المأذون فيه هو الذي أخرج نكاح التحليل منه بنصوص أكثر وأصرح من تلك النصوص. ومنها: تسميته سبحانه لهذا الثاني زوجًا. وأحكام الزوج عرفًا وشرعًا منتفية عن المحلِّل، وانتفاء الأحكام مستلزم لانتفاء الاسم شرعًا وعرفًا، وكذلك هو، فإن أهل العُرْف لا يُسمُّونه زوجًا، والشارع إنما سمَّاه «تيسًا مستعارًا» (٢). فلا يجوز تسميته زوجًا إلَّا على وجه التقييد، بأن يقال: زوج ملعون، أو زوج في نكاح تحليل، أو في نكاح باطل.

стр. 372

ومنها: أنه جعل الزوج الثاني وطلاقه بمنزلة الزوج الأول وطلاقه، فالمفهوم منها واحد (١). وغير ذلك من الوجوه التي أَفهَمَتْ منها الآية بطلانَ نكاح المحلِّل، وهي عشرة، قد ذكرناها في موضع آخر (٢)، ولا ريب أن فَهْمَ هؤلاء أولى بالصواب. ومن هذا فَهْم بعضهم إباحة العِينَة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨١] وفَهِمَ آخرون منها تحريمها وبطلانها؛ فإن لفظ التجارة: البيع المقصود الذي يَقصِد به كلُّ واحدٍ من المتعاقدينِ الربحَ أو (٣) الانتفاع، ولا يَعرِف أهل اللغة والعُرْفِ من لفظ التجارة إلَّا ذلك، ولا يَعُدُّ أحدٌ منهم قط الحيلة على الربا تجارةً، وإن كان المرابي يَعُدُّ ذلك تجارةً، كما (٤) يَعُدُّ بيع الدرهم بالدرهمين، فالعِينَة لا تُعَدُّ تجارةً لغة ولا شرعًا ولا عُرْفًا (٥). وكما فَهِمَ مَن فهم من قوله تعالى: ﴿اَلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] أنه العقد (٦)، .....................................................

стр. 373

وفَهِمَ آخرون أنه نفس الوطء (١) وفَهْمُ الأوَّلين (٢) أصوب لِخُلُوِّ الآية عن الفائدة إذا حُمل على الوطء (٣). وكما فَهِمَ أهل الحجاز من قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٥] طَرْدَه من الأرض (٤) من موضعٍ إلى موضعٍ، وفَهِمَ أهل العراق منه الحبس (٥). وبالجملة فهذا الفصل مُعتَرَك النزاع. فصل السبب السابع: أن يكون عارفًا بدلالة اللفظ وموضوعه ولكن لا يَتفطَّن لدخول هذا الفرد المعيَّن تحت اللفظ ؛ [ق ٣٣ ب] إمَّا لعدم إحاطته بحقيقة ذلك الفرد، وأنه مماثل لغيره من الأفراد الداخلة تحته، وإمَّا لعدم حضور ذلك الفرد بباله، وإمَّا لاعتقاده اختصاصَه بخصيصة تُخرِجه من اللفظ العام، وإمَّا لاعتقاده (٦) العموم فيما ليس بعامٍّ، أو الإطلاق فيما هو مقيدٌ، فيَذهَل عن المقيِّد (٧)، .............................................................

стр. 374

كما يَذهَل عن (١) المخصِّص. فصل السبب الثامن: اعتقاده أنْ لا دلالة في ذلك اللفظ على الحكم المتنازَع فيه، فها هنا أربعة أمور: أحدها: ألَّا يَعرِف مدلول اللفظ في عُرْف الشارع، فيحمله على خلاف مدلوله. الثاني: أن يكون له في عُرْف الشارع معنيان فيحمله على أحدهما، ويحمله غيره على المعنى الآخر. الثالث: أن يَفهم من العامِّ خاصًّا أو من الخاصِّ عامًّا، أو من المطلق مقيَّدًا، أو من المقيَّد مطلقًا. الرابع: أن ينفي دلالة اللفظ، وتارةً يكون مُصيبًا في نفي (٢) الدلالة (٣)، وتارةً يكون مخطئًا، فمَن نفى دلالة قوله: ﴿وَكُلُوا وَاَشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٦] على حلِّ (٤) أكل ذي الناب والمِخْلَب أصاب. ومَن نفى دلالة قوله: ﴿وَأَنكِحُوا اُلْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] على جواز نكاح الزانية أصاب.

стр. 375

ومَن نفى دلالة قوله: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٦] على الإذن في أكل ما عدا المذكور في الآية أصاب (١). ومَن نفى دلالة العام على ما عدا مَحَلِّ التخصيص غَلِطَ. ومَن نفى دلالته على ما عدا مَحَلِّ (٢) السبب غَلِطَ. ومَن نفى دلالة الأمر على الوجوب (٣) والنهي على التحريم غَلِطَ. ومِن هذا ما يعرض من الاختلاف في الأفعال المنفية بعد وجود صورتها، كقوله: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٤). و «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (٥) ...............................................

стр. 376

«وَلَا صَلَاةَ لِفَذٍّ (١) خَلْفَ الصَّفِ» (٢) ونحو ذلك. فطائفة (٣) لم تفهم المراد منه، فجعلته مُجْمَلًا، يتوقف العمل به على البيان. وطائفةٌ فهمت منه نَفْيَ الكمال المستحبِّ، وهذا ضعيف جدًّا؛ فإن النفي المطلق بعيدٌ منه. وطائفةٌ فهمت نفي الإجزاء والصحة. وفَهْم هؤلاء أقرب إلى اللغة والعُرْف والشرع. وطائفةٌ فهمت (٤) نفي المسمَّى الشرعي. وهؤلاء أَسْعَدُ الناس بفَهْم المراد. فصل هذا كله قبل الوصول إلى: السبب التاسع: وهو اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارَضَها ما هو مساوٍ لها

стр. 377

فيجب التوقف، أو ما هو (١) أقوى منها فيجب تقديمه (٢). وهذه المعارضة نوعان: معارضة في الدليل، ومعارضة في مقدمة من مقدماته. فالمعارضة في الدليل أن يعتقد أنه قد عارضه ما هو أرجح منه (٣)، فيجب عليه العمل بالراجح، وقد يكون مصيبًا في ذلك، وقد (٤) لا يكون مصيبًا. فالمصيب من اعتقد المعارضة بناسخٍ يصح فيه دلالته ومقاومته وتأخُّره (٥)، فإن انتفى بعضها كان واهمًا في اعتقاد المعارضة وإبطال النصِّ بها. وأمَّا المعارضة في المقدمة فأن يقوم عنده (٦) معارضٌ لجرِّ (٧) الدليل، مثاله: أن يعتقد تحريم المَيْسِر بالنصِّ الدالِّ على تحريمه، ويدل عنده دليل على دخول الشِّطْرَنج فيه، ثم يقوم عنده دليلٌ معارِضٌ لهذا الدليل يدل على أن الشِّطْرَنج ليس من المَيْسِر. فهاهنا أربعة أمور: أحدها: ألَّا يعتقد دلالة اللفظ على المعنى. الثاني: أن يعتقد دلالته ولكن يقوم عنده معارِضٌ للدليل. الثالث: أن يقوم عنده معارِض لمقدمة من مقدماته. الرابع: أن يتعارض عنده الدلالتان.

стр. 378

والتعارُض قد يقع في الدليلين، وقد يقع في الدلالتين (١). والفرق بينهما أن تَعارُض الدليلين يكون مع اعتقاد دلالة كل واحدٍ منهما على مطلوبه، وتَعارُض الدلالتين يقع في الدليل الواحد فيكون له وجهان، ثم قد يعتقد رجحان المعارض، فيصير إلى الراجح، وقد لا يتبين له الرجحان، فيتوقف. وقد يَترك الحديث لظنِّه انعقاد الإجماع على خلافه؛ إذ (٢) لم يبلغه الخلاف، ويكون إنما معه عدم العلم بالمخالف، لا العلم بوجود (٣) المخالف. وهذا العذر لم يكن أحدٌ من الأئمة والسلف يصير إليه، وإنما لَهِجَ به المتأخرون. وقد أنكره أشدَّ الإنكار الشافعي والإمام أحمد، وقال الشافعي: «ما لا يُعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع» (٤)، هذا لفظه (٥). وأمَّا الإمام أحمد فقال: «مَن ادَّعى الإجماع فقد كَذَبَ، وما يدريه لعل الناس اختلفوا» (٦). وقد كتبتُ نصوصه ونصوص الشافعي في غير هذا الموضع (٧). ولا خلاف بين الأئمة أنه إذا صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ لم (٨) يكن

стр. 379

عدم العلم بالقائل به مسوِّغًا لمخالفته، فإنه دليل (١) مُوجِب للاتباع (٢)، وعدم العلم بالمخالف لا يصلح أن يكون معارضًا، فلا (٣) يجوز ترك الدليل له. وإذا تأمَّلْت هذا الموضع وجدت كثيرًا من أعيان العلماء قد صاروا إلى أقوال متمسَّكُهم فيها عدمُ العلم بالمخالف، مع قيام الأدلة الظاهرة على خلاف تلك الأقوال. وعُذْرُهم ﵃ أنهم لم يمكن أحدًا منهم أن يبتدئ قولًا لم يَعلم به قائلًا، مع علمه بأن الناس قد قالوا [ق ٣٤ أ] خلافه، فيتركَّب من هذا العلم وعدم ذلك العلم الإمساك عن اتباع ذلك الدليل. وها هنا انقسم العلماء (٤) ثلاثة أقسام: فقسمٌ أخذوا بما بلغهم من أقوال أهل العلم، وقالوا: لا يجوز لنا أن نخالفهم ونقول قولًا لم نُسبَق إليه. وهؤلاء معذورون قبل وصول الخلاف إليهم. فأمَّا مَن وصل إليه الخلاف وعَلِمَ بذلك القول قائلًا فما أدري ما عذره عند الله في مخالفته صريح الدليل (٥)؟! وقسمٌ توقفوا وعلَّقوا القول، فقالوا: إن كان في المسألة إجماعٌ فهو أحق ما اتُّبِعَ، وإلا فالقول فيها كَيْتَ وكَيْتَ، وهو موجَب الدليل. ولو عَلِمَ هؤلاء قائلًا به لصرحوا بموافقته. فإذا عُلم به قائلٌ فالذي ينبغي ـ ولا يجوز غيره ـ أن يُضاف ذلك القول إليهم؛ لأنهم إنما تركوه لظنهم أنه لا قائل به، وأنه لو كان

стр. 380

به قائل لصاروا إليه. فإذا ظهر به قائل لم يَجُزْ أن يُضاف إليهم غيره إلَّا على الوجه المذكور، وهذه الطريقة أسلم. وقسمٌ ثالثٌ: اتبعوا موجَب الدليل، وصاروا إليه، ولم يُقدِّموا عليه قول مَن ليس قوله حجة، ثم انقسم هؤلاء قسمين: فطائفةٌ علمت أنه يستحيل أن تُجمِع الأُمة على خلاف هذا الدليل، وعلمت أنه لا بد أن يكون في الأُمة مَن قال بموجَبه (١)، وإن لم يبلغهم قوله، فما كل ما قاله كل واحدٍ من أهل العلم وصل إلى كل واحدٍ واحدٍ من المجتهدين، وهذا لا يدَّعيه عاقلٌ، ولا يُدَّعى في أحدٍ. وقد نصَّ الشافعي على مثل ذلك، فذكر البيهقي عنه في «المدخل» (٢) أنه قال له بعض مَن ناظره: فهل تجد لرسول الله ﷺ سُنة ثابتة متصلة خالفها الكل؟ قلت: لا (٣)، لم أجدها قط كما وجدت المُرْسَل. وطائفةٌ قالت: يجوز ألَّا يتقدم به قائلٌ، ولكن لا يلزم انعقاد الإجماع على خلافه؛ إذ لعل تلك النازلة تكون قد نزلت فأفتى فيها بعض العلماء أو كثيرٌ منهم أو أكثرهم بذلك القول، ولم يُسْتَفْتَ فيها الباقون، ولم تبلغهم، فحُفِظَ فيها قول طائفة من أهل العلم، ولم يُحفَظ لغيرهم فيها قول، والذين حُفِظَ قولُهم فيها ليسوا كلَّ الأُمة، فيَحْرُم مخالفتهم. قالوا: فنحن (٤) في مخالفتنا لمَن ليس قوله حجةً أعذرُ منكم في

стр. 381

مخالفتكم لمَن قوله حجة. فإن كنتم معذورين في مخالفة الدليل لقول مَن بلغتكم أقوالهم ـ مع أنهم ليسوا كلَّ الأُمة ـ فنحن في مخالفتهم لقيام الدليل أعذر عند الله ورسوله منكم. وهذا كما تراه لا يمكن دَفْعُه إلَّا بمكابرة أو إجماعٍ متيقَّنٍ معلومٍ لا شك فيه، وبالله التوفيق. وممَّا يوضِّح هذا أن كل مَن ترك موجَب الدليل لِظَنِّ الإجماع فإنه قد تبيَّن لغيره أنه لا إجماع في تلك المسألة، والخلاف فيها قائمٌ، ونحن نَذكُرُ من ذلك طَرَفًا يسيرًا يَستدِلُّ به العالم على ما وراءه. فمن ذلك: قول مالك: «لا أعلم أحدًا أجاز شهادة العبد» (١). وصدق ﵁، فلم يَعلم أحدًا أجازها، وعَلِمَه غيره. فأجازها علي بن أبي طالب (٢) وأنس بن مالك (٣) وشريح القاضي (٤)، حكاه الإمام أحمد وغيره، وروى أحمد (٥) عن أنس قال: «لا أعلم أحدًا ردَّ شهادة العبد».

стр. 382

وقال: «لا أعلم أحدًا أَوْجَبَ الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة (١)» (٢). ووجوبها محفوظٌ عن أبي جعفر الباقر (٣). وقال الشافعي: «أجمعوا على أن المعتَق بعضُه لا (٤) يرث» (٥). وقد صحَّ توريثه عن عليٍّ وابن مسعودٍ (٦). وقال الشافعي (٧) وقد قيل له: فهل من مرسلٍ ما قال به أحدٌ؟ قال: نعم، أخبرنا ابن عُيينة، عن محمد بن المنكدر أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وعيالًا، وإن لأبي مالًا وعيالًا، يريد أن يأخذ مالي فيُطعِم عياله. فقال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (٨).

стр. 383

قال الشافعي (١): فقال محمد بن الحسن: أما نحن فلا نأخذ بهذا (٢)، ولكن هل من أصحابك مَن يأخذ به؟ قلت: لا (٣)؛ لأن من أخذ بهذا جعل للأب المُوسِر أن يأخذ من مال ابنه (٤). قال: أَجَلْ، ما يقول بهذا أحدٌ، فلِمَ يخالفه الناس؟ قلت: لأنه لم يَثبُت؛ فإن (٥) الله لمَّا فرض للأب ميراثه من ابنه فجعله كوارثِ غيرِه، وقد يكون أنقص حظًّا من كثيرٍ من (٦) الورثة، دلَّ ذلك على أن (٧) ابنه مالكٌ للمال دونه. وقد قال بهذا الحديث جماعةٌ من السلف (٨)، منهم شيخ الشافعي سفيان بن عيينة (٩)، وصاحبه الإمام أحمد وغيرهما (١٠)، ولم يَعلم به .......

стр. 384

الشافعي قائلًا، واعتذر عن (١) مخالفته بأنه مُرسَلٌ لم يثبت، ولم يعتذر عن مخالفته بالإجماع، وقد صحَّ اتصاله (٢). وقال الثوري فيما إذا طَلَّقَ المدخول بها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخول ثانٍ (٣) بعد الرجعة، فإن أكثر العلماء على أنها تستأنف العدة، قال سفيان: أجمع الفقهاء على هذا.

стр. 385

وسفيان من كبار (١) أئمة الإسلام، وقد حكى الإجماع على هذا. والنزاع في ذلك موجود قبله وبعده (٢)، فإن مذهب عطاء أنها تبني على ما مضى، كما لو طَلَّقها قبل الرجعة، وهو أحد قولَي الشافعي، وأحد الروايتين عن أحمد. وحُكي عن مالك قولٌ ثالث: إنه إن قصد الإضرار بها بنت، وإلَّا استأنفت. وحُكي عن داود قولٌ رابع: إنه لا عِدَّة عليها بحال. جعلها مطلقة قبل الدخول، فلا عدة عليها بالطلاق الثاني، والأول انقطعت عدته [ق ٣٤ ب] بالرجعة. والأكثرون يقولون: هي زوجةٌ مدخولٌ بها (٣). ومن ذلك: أن الليث بن سعد حكى الإجماع على (٤) أن المسافر لا يَقصُر الصلاة في أقل من يومين. هذا مع سَعة عِلْمه وفقهه وجلالة قدره، والنزاع في مسافة القصر عن الصحابة والتابعين أَشهَرُ من أن يُذكَر. ومن ذلك: ما ذكره مالك في «موطَّئه» (٥) فقال: «فمن الحجة على من قال ذلك القول ـ أي إنه لا يقضى بشاهدٍ ويمينٍ؛ لأنه ليس في القرآن ـ فيقال: أرأيت لو أن واحدًا ادعى على رجلٍ مالًا أليس يُحلَّف المطلوب ما ذلك الحق عليه، وإن حلف بَطَلَ ذلك الحق عنه، وإن نَكَلَ عن اليمين (٦) حُلِّف صاحب الحق إن حقه لَحَقٌّ، وثبت حقُّه على صاحبه». قال: «فهذا ممَّا

стр. 386

لا خلاف (١) فيه عند أحدٍ من الناس، ولا ببلدٍ من البلاد». والخلاف في القضاء بالنكول وَحْدَه دون اشتراط ردِّ اليمين أشهرُ من أن يُذكَر. وإبراهيم النخَعي لا يقول بالردِّ بحالٍ، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه لا يرون لزوم تحليف المدَّعي بحالٍ، بل يَقضُون بالنكول. وأبو ثور ذكر في المسألة قولًا ثالثًا: أنه إذا امتنع أن يحلف وسأل حَبْسَ المَدِين حبسه له. وأحمد وإن كان يُحَلِّف المدَّعي في بعض الصور كالقَسامة والقضاء بشاهدٍ ويمينٍ، فإن المشهور عنه أنه يقضي بالنكول دون الردِّ. وفي مذهب أحمد قول آخر: أنه يقضي بالرد، وهو اختيار أبي الخطاب (٢) وأبي محمد المقدسي في «العمدة» (٣). وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه من قضى بالنكول نُقِضَ (٤) حكمه (٥). ومع هذا فأبو عُبيد يحكي الإجماع على خلاف هذا، فإنه قال في كتاب «القضاء» لمَّا ذكر أحاديث القضاء: إن اليمين على المدعَى عليه. قال: وفي ذلك سُنة يُستدَلُّ عليها بالتأويل، وذلك أنه لما قضى أنه لا براءةَ للمطلوب

стр. 387

إلَّا باليمين إلى الطالب، كان فيه دليل على أن ترك أدائها إيجابٌ للدعوى (١) عليه، وتصديق لِمَا يُدَّعى. قال: وقد زعم بعض من يدَّعي النظر في الفقه أن إباء اليمين لا يُوجِب عليه حقًّا، ولكنه ـ زعم ـ يُحبَس حتى يُقِرَّ أو يَحلِف، وهذا خلاف التأويل والأخبار وإجماع العلماء. ومن ذلك: ما (٢) قاله مالك في «موطَّئه» (٣): «الأمر المجمع عليه عندنا والذي سَمِعتُ ممَّن أرضى به في القَسامة (٤)، والذي اجتمعت عليه الأُمة في القديم والحديث، أن يبدأ بيمين المدَّعين في القسامة، وأن القسامة لا تجب إلَّا بأحد أمرين: إمَّا أن يقول المقتول: دمي عند فلان، أو يأتي وُلاة الدم بلَوْثٍ (٥)، فهذا يوجب القسامة للمدَّعين للدم على مَنِ ادَّعوه عليه. قال مالك: ولا تجب القسامة إلَّا بأحد هذين الوجهين. قال مالك: وتلك السُّنَّة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي لم يَزَلْ عليه الناس أن المُبَدَّئين بالقسامة

стр. 388

أهلُ الدم الذين (١) يَدَّعونه في العمد والخطأ». قال ابن عبد البر (٢): «وقد أنكر العلماء على مالك قولَه: إن القسامة لا تجب إلَّا بقول المقتول: دمي عند فلان. أو يأتي بلَوْثٍ يَشهَدون به؛ لأن المقتول بخيبر لم يَدَّعِ على أحدٍ، ولا قال: دمي عند أحدٍ، ولا قال النبي ﷺ للأنصار: تأتون بلَوْثٍ. قالوا: وقد جعل مالكٌ سُنَّةً ما ليس له مدخل في السُّنة». وكذلك أنكروا عليه أيضًا في هذا الباب قولَه: «الأمر المُجمَع عليه عندنا أن يبدأ المدَّعون بالأيمان في القسامة». قالوا: فكيف اجتمعت الأئمة في الفقه والحديث، وابن شهاب يروي عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن رجلٍ من الأنصار «أن النبي ﷺ بدأ اليهود في الأيمان»؟! قال: وهذا الحديث وإن لم يكن من روايته عن ابن شهاب، فمن روايته عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك أن عمر بن الخطاب قال للجهني الذي ادَّعى دية وَلِيِّه على رجلٍ من بني سعد بن ليث ـ وكان أجرى فرسه فوَطِئَ على إصبع الجهني فنُزِي (٣) منها الدمُ فمات، فقال عمر للذي ادَّعى عليهم ـ: أتحلفون بالله خمسين يمينًا ما مات منها؟ فأَبَوْا وتَحرَّجوا، وقال للمدَّعين: احلفوا. فأَبَوْا، فقضى [بشَطْر الدية] (٤) على السعديينَ (٥). قالوا: فأيُّ

стр. 389

أُمةٍ اجتمعت (١) على هذا». ومن ذلك: قال الشافعي في «مختصر المُزَنيِّ» (٢) في مسألة اليمين الغموس: «ودلَّ إجماعهم على أن مَن حَلَقَ في الإحرام عمدًا أو خطأً أو قَتَلَ صيدًا عمدًا أو خطأ في الكفارة سواءٌ، وعلى أن الحالف بالله وقاتِلَ المؤمنِ عمدًا أو خطأً في الكفارة سواءٌ (٣)». فقد ذكر الإجماع على التسوية بين العامد والمخطئ في قَتْل الصيد وحَلْق الشعر، ومعلومٌ ثبوتُ النزاع في ذلك قديمًا وحديثًا. فمذهب جماعةٍ من السلف أن قاتل الصيد خطأً لا جزاء عليه، ويُروى ذلك عن ابن عباس وطاوس وسعيد بن جبير، ويُروى ذلك عن القاسم وسالم وعطاء ومجاهد، وهو قول ابن (٤) المنذر وداود وأصحابه، وقول إسحاق في الشَّعر. وهو رواية عن أحمد في الصيد، وخرَّج أصحابُه في مذهبه في الحلق والتقليم قولًا مثله. وكذلك ذكره (٥) ابن أبي هريرة (٦) قولًا للشافعي في الصيد، وذكر أبو

стр. 390

إسحاق وغيره أن له قولًا مُخرَّجًا في الحلق والتقليم في الخطأ: أنه لا كفارةَ فيه كالطِّيب واللباس. فصار في المسألة ثلاثة أقوال: الكفارة فيهما (١)، وعدم الكفارة فيهما، والكفارة [ق ٣٥ أ] في الصيد دون الحلق والتقليم (٢). ومن ذلك: (٣) ما حكاه ابن المنذر (٤) قال: «أجمع كل مَن يُحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إن دخلتِ الدار. فطلَّقها (٥) ثلاثًا ثم تزوجت بعد ما انقضت عدتها، ثم نكحها الحالف الأول، ثم دخلت الدار أنه لا يقع عليها الطلاق؛ لأن طلاق المِلْك قد (٦) انقضى». والنزاع في هذه المسألة معروفٌ، فإن هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: ألَّا توجد (٧) الصفة، فإن الصفة تعود في المشهور في مذهب أحمد، حتى إن من أصحابه مَن يقول: بعود (٨) الصفة هنا روايةً واحدةً. وهذا
следующие страницы →