← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

غيرها. وعند هؤلاء مقصود الشَّرائع تعديل النفوس بالأخلاق التي [ب ٧٨ ب] تُعِدُّها لإدراك العلوم. وأمَّا الأخبار فعقلاؤهم ورؤوسهم يعلمون قطعًا أن الرُّسل إنَّما أرادت إفهام الخَلْق ظواهرها وما دلَّت عليه، لكن لا حقيقة لها في نفس الأمر، والرسل كانت تعلم ذلك، لكن خيَّلوا إلى النَّاس ما ينتفعون به، ويكونون به أدعى إلى الانقياد، ولم يكن ذلك إلَّا بإظهار ما لا حقيقة له. وذلك سائغٌ للمصلحة، إذ كان فهمُ الجمهور عندهم للحقائق في نفس الأمر يُوجِب انحلالهم وانهماكهم في الشَّهوات. وطائفة منهم تزعم أن الرُّسل إنَّما قصدت إفهام تلك التأويلات، لكن أهل الظَّاهر غَلُظَ حجابهم، وكَثُفَت أفهامُهم عن إدراكها، فوقعوا بسبب قصور أفهامهم في العناء والمشقَّة وتَحمُّل أعباء التَّكاليف. وهؤلاء وضعوا لهم قانونًا في تأويل الأمر والنَّهي والخبر، كما وضعت الجهميَّة والقَدَرية لهم قانونًا في تأويل آيات الصِّفات وأخبارها، [واتفقت] (١) الطَّائفتان على تقديم ما ظنُّوه من العقليات على نصوص الوحي، وأنها لا يُستفاد منها علمٌ أصلًا. ولا يُعرف أحدٌ من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب وَضَعَ هذا الطَّاغوت وقرَّره وشيَّد بُنيانَه وأَحكَمَه مثله، بل المعتزلة والأشعرية والشِّيعة والخوارج وغيرهم يقولون بفساد هذا القانون، وإن اليقين يُستفاد من كلام الله ورسوله، وإن كان بعض هذه الطَّوائف يوافقون صاحب هذا القانون في بعض المواضع، فلم يقل أحدٌ منهم قطُّ إنه لا يحصل اليقين من كلام الله ورسوله البتَّةَ.

стр. 422

فصل الطريق الثَّاني في إبطال هذا الأصل أن يُقال: من المعلوم أن دلالة الأدلة اللفظية لا تختصُّ بالقرآن والسُّنَّة؛ بل جميع بني آدم يَدُلُّ بعضُهم بعضًا بالأدلة اللفظية. والإنسان حيوانٌ ناطقٌ، فالنطق ذاتيٌّ له، وهو مدنيٌّ بالطبع، لا يُمكن أن يعيش وَحْدَه كما يعيش الوحش، بل لا يمكنه أن يعيش إلَّا مع بني جِنْسه؛ فلا بد أن يَعرِف بعضُهم مراد بعضٍ ليحصل التَّعاون. فعلَّمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضًا مراده بالألفاظ، كما قال تعالى: ﴿اِلرَّحْمَنُ عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ (١) خَلَقَ اَلْإِنسَانَ عَلَّمَهُ اُلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وقال: ﴿عَلَّمَ اَلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]. فكانت حكمة ذلك التَّعليم تعريف مراد المتكلِّم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطالٌ لحكمة الله، وإفسادٌ لمصالح بني آدم، وسَلْبُ الإنسان خاصيَّتَه التي ميَّزه بها على سائر الحيوان. وهذه [ب ٧٩ أ] الطريق يُستدلُّ بها من وجوهٍ: أحدها: أن هذا المقصود ضروريٌّ في حياة بني آدم، فلا بد من وجوده، فلو لم تُفِدِ الأدلة اللفظية العلمَ بمراد المتكلِّم لم يعش بنو آدم، واللازم مُنتَفٍ، فالملزوم مثله. الثَّاني: أنَّا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يَعرِف بعضهم مراد بعضٍ بلفظه، ويقطع به، ويتيقَّنه. فقول القائل: «الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقين» قدحٌ في العلوم الضَّرورية التي اشترك النَّاس في العلم بها. الثَّالث: أن معرفة النَّاس مراد المتكلِّم منهم بكلامه أعظمُ من معرفتهم

стр. 423

عامَّة العلوم العقلية، فمعرفتهم مراد المتكلم لهم بكلامه أتمُّ وأقوى من معرفتهم بتلك القوانين التي وضعها أربابها للقدح في إفادة الخطاب لليقين. الرَّابع: أنَّ الطِّفل أولَ ما يميِّز يَعرِف مراد مَن يُرَبِّيه بلفظه قبل أن يُعرِّفه شيئًا من العلوم الضرورية، فلا أقدمَ عنده ولا أسبقَ من تيقُّنه لمراد مَن يخاطبه بلفظه، فالعلم بذلك مقدَّمٌ على سائر العلوم الضَّرورية. فمَن جعل العقليات تُفيد اليقين، والسَّمعيات لا تُفيد معرفة مراد المتكلِّم؛ فقد قَلَبَ الحقائق، وناقَضَ الفطرة، وعَكَسَ الواقع. الخامس: أن كلَّ إنسانٍ يَدُلُّ غيره بالأدلة اللفظية على ما يعرفه، ويعرف مراد غيره بالأدلة اللفظية، وأمَّا الاستدلال بالعقليات الكُليَّة فلا يعرفه إلَّا بعضُ النَّاس، وما يعرفه كلُّ أحدٍ ويتيقَّنه فهو أظهر ممَّا لا يعرفه إلَّا بعض النَّاس. السَّادس: أن التَّعريف بالأدلة اللفظية أصل للتَّعريف بالأدلة العقلية، فمَن لم يكن له سبيلٌ إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيلٌ إلى العلم بمدلول تلك. بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبقُ، فإنه يُوجد في أول تمييز الإنسان. وحينئذٍ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدحٌ في حصول العلم بمدلول العقلية، بل هي أصل العلم بها، فإذا بَطَلَ الأصل بطل فرعه، يوضِّحه: الوجه السَّابع: وهو أن الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاجٌ إلى معرفة مراد المخبِر به الذَّاكر (١) له لِمَن يخاطبه، فإذا لم يحصل له علمٌ

стр. 424

بمراده من الدَّليل فكيف يحصل له علم بالمدلول؟! الوجه الثَّامن: أن تعليم الأدلة اللفظية يُحسنه كلُّ أحدٍ، فما من أحدٍ إلَّا ويمكنه أن يُعرِّف غيرَه لغتَه، ويُعرِّفَه ما يَعرِفُه بالأدلة اللفظية. وأمَّا تعليم الدَّلالة العقلية فلا يُحسنه كلُّ أحدٍ. الوجه التَّاسع: أن الله سبحانه هدى البهائم والطَّير أن يُعرِّف بعضها بعضًا مرادها بأصواتها، كما يُشاهد [ب ٧٩ ب] في أجناس الحيوان والطيور، فالديك يُصوِّت فيَعرِف الدجاجُ مراده، والفرس يَصهَل فيَعرِف الخيلُ مراده، والكلب يَنبَح فتعرف الكلاب مراده، والهرُّ تَمُوءُ (١) فتَعرِف أولادها مرادها، والدجاجة تُعرِّف أفراخها مرادها بصوتها. وهذا من تمام عناية الخالق سبحانه بخَلْقه وهدايته العامة؛ كما قال موسى: ﴿رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (١) اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَاَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، فكيف لا يعلم الآدميون مراد بعضهم من بعضٍ بألفاظهم وخطابهم ولا يَجزِمون به؟! الوجه العاشر: أن أبلد النَّاس وأبعدَهم فهمًا يَعلَم مراد أكثر مَن يخاطبه بالكلام الرَّكيك العادِم للبلاغة والفصاحة، فكيف لا يعلم أذكى النَّاس وأصحُّهم أذهانًا وأفهامًا مرادَ المتكلِّم بأفصح الكلام وأَبيَنِه وأَدَلِّه على المراد، ويحصل لهم اليقين بالعلم بمراده، وهل ذلك إلَّا من أَمحَلِ المُحال؟! الوجه الحادي عشر: أن هذا يستلزم الطَّعنَ والقدح في بيان المتكلِّم

стр. 425

وفصاحته، أو في فهم السَّامع وذهنه، أو فيهما معًا؛ فإن عَدَمَ العلم بمراده إن كان لتقصيرٍ في بيانه كان ذلك قدحًا فيه، وإن كان لقصور فَهْم السَّامع كان كذلك. فإذا كان المتكلم تامَّ البيان والمخاطب تامَّ الفهم فكيف يَتخلَّف العلم عنه بمراده! الوجه الثَّاني عشر: أنه إذا كان التفاهُم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلًا للحيوانات، فما الظنُّ بأشرف أنواعها وهو الإنسان، فما الظنُّ بأشرف هذا النَّوع، وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح، فما الظنُّ بالأنبياء المخصوصين من العلم والبيان والإفهام بما ليس مثله لسواهم، فما الظنُّ بأفضل الأنبياء وأعلمهم وأكملهم بيانًا، وأتمِّهم فصاحةً، وأَقدَرِهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يَزيد عليه ولا يَنقص عنه ولا يُوهِم غيرَه، وأَحرَصِهم على تعليم الأُمة وتفهيمهم؟! وأصحابه أَكمَل الأُمم عقلًا وفهمًا وفصاحةً وحرصًا على فَهْم مراده، فكيف لا يكونون قد تيقَّنوا مراده بألفاظه، وكيف لا يكون التَّابعون لهم بإحسانٍ قد تيقَّنوا مرادهم ممَّا بلَّغوهم إيَّاه عن نبيهم، ونقلوه إليهم؟! الوجه الثَّالث عشر: أنَّا نعلم بالضَّرورة أن شيوخنا الذين كانوا يخاطبوننا كانوا يُعرِّفونا مرادهم بألفاظهم، وقد عَرَفنا مرادهم يقينًا، وهكذا نحن فيمن نعلمه ونخاطبه، وهم كانوا أفضل منَّا وأكمل علمًا وتعليمًا، ومَن قبلَهم كانوا أفضل منهم وأكمل علمًا [ب ٨٠ أ] وتعليمًا، ومَن قبلَهم كذلك، وهلم جرًّا إلى أوائل هذه الأُمة؛ فكيف يكون هؤلاء كلُّهم لم يعلموا مراد الله ورسوله من كلامه، ولا حصل لهم يقينٌ بمعرفة مراده من ألفاظه؟! ومَن تدبَّر هذا أو تَصوَّره تبيَّن له أن قول القائل: «الأدلة اللفظية التي جاء

стр. 426

بها الرَّسول لا تفيدنا علمًا ولا يقينًا» من أعظم أنواع السَّفسطة، وأكثر أسباب الزَّندقة، وأنَّ هؤلاء شرٌّ من اللاأدرية (١)، وشرٌّ من الباطنية. الوجه الرَّابع عشر: أن دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلِّم أقوى من دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثَّابتة ـ كما تقدَّم تقريره (٢) ـ فكيف بدلالة المقدِّمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حقٌّ وباطلٌ، وليس مع أصحابها إلَّا إحسان الظنِّ بمَن قالها، فإذا طُولِبوا بالبرهان على صحَّتها قالوا: هكذا قال العقلاء، وهذا أَمْرٌ قد صَقَلَتْه أذهانهم، وقَبِلَته عقولهم. فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدِّمات على الحقائق تفاوتٌ عظيمٌ، فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك، وهل هذا إلَّا قَلْبٌ للفِطَر وتعكيسٌ للأذهان؟! الوجه الخامس عشر: أن دلالة قول الرَّسول على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما، فكيف تكون شبهاتهم تُفيد اليقين، وكلام الله ورسوله لا يُفيد اليقين؟! الوجه السَّادس عشر: أنك إذا تأمَّلْت العقليات التي زعموا أنها تُفيد اليقين وقدَّموها على كلام الله ورسوله وجدتها مخالفةً لصريح المعقول، وقد اعترفوا أنها مخالفةٌ لظاهر المنقول، وهذا لا يُعرف إلَّا بالامتحان. كحُكْم عقولهم بأن العَرَض لا يبقى زمانينِ، وأن الأجسام كلَّها متماثلة،

стр. 427

فجِسْم النَّار مساوٍ لجسم الماء (١) في الحقيقة، وإنما اختلفا بالأعراض، وجسم البول مساوٍ لجسم المِسْك بالحقيقة، وإنما اختلفا في أعراضهما. وحُكْم عقولهم بأن الواحد لا يصدر عنه إلَّا واحد، وأن ذلك المصدر لا يُسمَّى باسمٍ، ولا يوصف بصفةٍ، ولا له ماهية غير الوجود المطلق؛ ثم الذي صدر عنه إن وجب أن يكون كذلك كان مصدره أيضًا كذلك، ولم يكن بالعالم تكثُّر (٢)، وإن كان فيه نوع تكثُّر فقد صدر عنه أكثر من واحدٍ. ومثل حُكمِهم بأن العاقل والمعقول والعقل شيءٌ واحدٌ، فالمبدأ الأول عاقل ومعقول وعَقْل. ومثل حُكمِهم بأن في الخارج كلياتٍ لا تتقيَّد بقيدٍ، ولا تَتشخَّص بتشخيصٍ، ولا تتعيَّن بتعيينٍ، [ب ٨٠ ب] وليست داخلةَ العالم ولا خارجَه، وأنها جزءٌ من هذه المعينات. ومثل حُكمِهم بأن ذات الرَّبِّ تعالى مع كونها خارجة الذِّهن فليست خارجة العالم ولا داخلة فيه، ولا متصلة به، ولا منفصلة عنه، ولا حالَّة فيه، ولا مُباينة له. ومثل حُكمِهم بأن الرَّبَّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل في الأزل، وحصول المقدور فيه محالٌ، ثم انتقل الفعل من الإحالة الذَّاتية إلى الإمكان الذَّاتي، فلا يُحدَّد (٣) بسببٍ أصلًا، وحَدَثَ من غير تجدُّد أمرٍ يقتضي حدوثه،

стр. 428

بل حال الفاعل قبله ومعه وبعده واحدة. ومثل حُكمِهم بأن كلامه معنًى واحدٌ، لا ينقسم ولا يتجزَّأ، ولا له بعض ولا كلٌّ، وأن الأمر هو عين النَّهي، وهما عين الخبر والاستخبار، فالكل حقيقةٌ واحدةٌ. وأن الحواسَّ والإدراكات يصحُّ تعلُّقها بكل موجودٍ، فتُؤكل الأصوات وتُشمُّ وتُذاقُ، وتُسمَع الرَّوائح والطُّعوم. إلى أضعاف أضعاف ذلك من خواصِّ علومهم التي جعلوها قواطعَ عقلية تُفيد اليقين، وكلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تُفيد اليقين. فقد تبيَّن أنَّ ما نفى عنه هؤلاء اليقين من أعظم ما يُفيد اليقين، وما أثبتوا له اليقين أبعدُ شيءٍ عن اليقين. الوجه السَّابع عشر: أن هذا من أنواع السَّفسطة، بل هو شر أنواعها، فإن أنواعها ثلاثة: أحدها: التجاهل، وهو لا أدري، وأصحابه يُسمَّوْن اللاأدرية. الثَّاني: النَّفي والجحود. الثَّالث: قلب الحقائق، وهو جعل الموجود معدومًا، والمعدوم موجودًا؛ إمَّا في نفس الأمر، وإمَّا بحسب الاعتقاد. والذي يدَّعي قلب الحقائق في نفس الأمر أشد سفسطةً ممَّن يدَّعي أنها تَبَعٌ لاعتقاد الإنسان فيها، فإذا جُعلت الأدلة العقلية ـ التي هي من جنس ما تقدَّمَ وغيره ـ تُفيد اليقين بمدلولاتها الخارجية، والأدلة اللفظية التي أعلاها كلام الله ورسوله لا تُفيد اليقين، كان ذلك من أعظم أنواع السفسطة، وأكثر

стр. 429

أسباب الزَّندقة. فإن قلت: فهُم لم يجعلوا كل دليلٍ عقليٍّ يفيد اليقين، بل ما كانت مقدماته يقينية وتأليفه صحيحًا، يوضحه: الوجه الثَّامن عشر: أن قول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين؛ إمَّا أن يُريد به نَفْيَ العموم، أو عمومَ النَّفي، فإن أراد نَفْيَ العموم لم يُفِدْه شيئًا، فإنَّ عاقلًا لا يدَّعي أن كلَّ دليلٍ لفظيٍّ يفيد اليقين حتى يَنصِبَ معه الخلاف ويحتجَّ عليه. وإن أراد به عموم النَّفي كان هذا مكابرةً للعيان، وبَهْتًا ومجاهرةً بالكذب [ب ٨١ أ] والباطل. الوجه التَّاسع عشر: أنَّا نعلم بالاضطرار أن مصنِّفي العلوم على اختلاف أنواعها عَلِم النَّاس مرادهم من ألفاظهم علمًا يقينًا، وإنما يقع الشك في قليلٍ من كلامهم، ويَقِلُّ ذلك ويَكثُرُ بحسَب القابل، وقوة إدراكه، وجودة تصوُّره، وإِلْفه لكلامهم وغرائبه منه؛ ومعلوم قطعًا أنَّ عِلْمَ الرَّسول بما يقوله وحرصَه على إفهامه وتعليمه وشدَّة بيانه له، وحرصَ أُمَّته على فهمه= أعظمُ من حرص هؤلاء المصنِّفين ومَن يتعلم منهم، فإذا حصل لأولئك اليقين بمعرفة مراد أرباب التَّصانيف، فحصولُ اليقين لأهل العلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله أولى وأحرى. وليس الكلام في هذا المقام في تثبيت نبوته؛ بل الكلام مع مَن يُقرُّ بنبوته ويشك في معرفة مراده بألفاظه، فيقال: لا ريبَ عند كل مؤمنٍ بالله ورسوله أنه كان أعلم الخلق بما يُخبر به وما يأمر به، فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن الله واليوم الآخر، وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده، وأنه كان أفصح

стр. 430

الأُمَّة، وأقدرهم على البيان وكشف المعاني؛ فإنه عربيٌّ والعربُ أفصح الأُمم، وقرشيٌّ وقريشٌ أفصح العرب، وهو في نفسه كان أفصحَ قريش على الإطلاق، وقد أَقَرَّ له أعداؤه بذلك، ولهذا قال: «أَنَا أَفْصَحُ العَرَبِ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ» (١). وقد تكلَّم النَّاس في فصاحة الحاضرة والبادية، وفي شعر الحاضرة والبادية، ورُجِّحَ هؤلاء من وجهٍ، وهؤلاء من وجهٍ، ورسول الله ﷺ جمع الله له كمال فصاحة البادية والحاضرة، ومَن تدبَّر كلامه الذي تكلَّم به، والقرآن الذي بلَّغه عن الله وأخبر أن الله تكلَّم به؛ وَجَدَ التفاضُل بين كلامه هو ﵇ وكلام غيره من البشر؛ ثُمَّ من المعلوم بالاضطرار مِن حاله أنه كان أحرص النَّاس على هُدى أُمته وتعليمهم والبيان لهم، فاجتمع في حقِّه كمالُ القدرة، وكمال الدَّاعي، وكمال العلم. فهو أعلم النَّاس بما يدعو إليه، وأقدرهم على أسباب الدعوة، وأعظمهم رغبةً، وأتمُّهم نصيحةً. فإذا كان مَن هو دونه بمراتب لا تُحصى في كل صفةٍ من هذه الصِّفات قد بيَّن مراده بلفظه؛ كان هو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أحقَّ وأولى من كل وجهٍ أن يكون قد استولى على الأمد الأقصى من البيان. فمَن قال: إن اليقين لا يحصل بألفاظه ولا يُستفاد العلم من كلماته؛ كان

стр. 431

قَدحُه في بيانه أعظمَ مِن قدحه في مراد سائر العلماء المصنِّفين، ومِن قدحٍ في [ب ٨٠ ب] حصول العلم واليقين بمرادها، وإلَّا كان قدحه في مراد عامة الآدميين أقربَ، وقَدحُه في معرفته مراد البهائم بلغاتها أقربَ، ومَن كان قوله مستلزمًا لهذه اللوازم كان قوله من أفسد أقوال بني آدم، وكان قوله قدحًا في العقليات والشرعيات والضَّروريات. الوجه العشرون: أنه من المعلوم أن الصَّحابة سمعوا القرآن والسُّنَّة من النبي ﷺ وقرؤوه، وأقرؤوه مَن بعدهم، وتكلَّم العلماء في معانيه وتفسيره، ومعاني الحديث وتفسيره، وما يتعلَّق بالأحكام وما لا يتعلَّق بها، وهم مُجمِعون على غالب معاني القرآن والحديث، ولم يتنازعوا إلَّا في قليلٍ من كثيرٍ، لا سيما القرون (١) الأُوَل، فإن النِّزاع بينهم كان قليلًا جدًّا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، وكان النِّزاع (٢) في التَّابعين أكثر. وكلما تأخَّر الزَّمان كثُر النِّزاع، وحدث من الاختلاف بين المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم. فإن القرآن تضمَّن الأمر بأوامرَ ظاهرةٍ وباطنةٍ، والنَّهيَ عن مناهٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ، ورسول الله ﷺ بيَّن مقادير الصَّلوات ومواقيتها وصفاتها، والزَّكوات ونُصبها ومقاديرها، وكذلك سائر العبادات، وعامَّةُ هذه الأمور نقلتها الأُمَّة نقلًا عامًّا متواترًا خَلَفًا عن سَلَفٍ، وحصل العلم الضَّروري للخلق (٣) بذلك، كما حصل لهم العلم الضروري بأنه بلَّغهم ألفاظها، وأنه قاتل المشركين وأهل الكتاب، وأنه بُعِثَ بمكة، وهاجَرَ إلى المدينة، وأنه دعا الأُمَّة إلى أن

стр. 432

شهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وأخبرهم أنَّ هذا القرآن كلام الله الذي تكلَّم به، لا كلامه، ولا كلام مخلوقٍ، وأنه ليس قول البشر، وأنه أَعلَمَهم أن ربَّه فوق سماواته على عرشه، وأن الملَك نزل من عنده إليه، ثم يَعرُج إلى ربِّه، وأن ربَّه يسمع ويرى، ويتكلَّم ويُنادي، ويُحِبُّ ويُبغِض، ويرضى ويَغضَب، وأن له يدَيْن ووجهًا، وأنه يعلم السِّرَّ وأخفى، فلا يخفى عليه خافيةٌ في السَّماء ولا في الأرض، وأنه يُقيمهم من قبورهم أحياءً بعدما مزَّقهم البِلَى إلى دار النَّعيم أو إلى الجحيم، فالعلم الضَّروري بأنه جاء بذلك وأراده كالعلم الضَّروري بوجوده ومبعثه ومخرجه وقتاله لمَن خالفه، فالقَدْح فيما أَخبر به من ذلك وأنه لا يُفيد اليقين كالقدح في مُخْبَر الأخبار المتواترة وأنه لا يُفيد اليقين. الوجه الحادي والعشرون: أن كل صِنْفٍ من أصناف العلماء تكفَّلوا بعلمٍ من العلوم المنقولة عن الرَّسول، متَّفقون على أكثر علمهم مسائله ودلائله. فالفقهاء [ب ٨٢ أ] متَّفقون على غالب الشَّريعة عامِّها وخاصِّها، وهم متفقون على أكثر خاصِّها الذي لا يَعرِفه العامَّة، وإذا كانوا قد عرفوا مراده بهذا فكيف لا يعرفون مراده بالذي هو أظهر وأشهر وأكثر نصوصًا وأعظم بيانًا؟! والمفسِّرون فسَّروا القرآن، واتفقوا على المراد منه في غالب القرآن، ونزاعهم في القليل من ذلك، وأكثره عند التحقيق ليس نزاعًا في نفس الأمر؛ بل هو اختلاف في التَّعبير، واختلاف تمثيلٍ وتنويعٍ، لا اختلافُ تناقضٍ ولا تضادٍّ.

стр. 433

وأهل الحديث متَّفقون على أحاديث الصَّحيحين، وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدًّا، وهم متَّفقون على لفظها ومعناها، كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه، وهذا ممَّا ينفرد به (١) بعلمه الخاصة، وهم القليل من النَّاس، وهم مع ذلك يعلمون بالاضطرار بطلانَ تأويل القرآن والحديث بما يتأوَّله به الفلاسفة والقرامطة والجهمية، ويعلمون أنه خلاف مراد الرَّسول بالضَّرورة، فكيف ما اشتركت الأُمَّة عامَّتُها وخاصَّتُها في نقله قرنًا بعد قرنٍ، فكيف لا يعرفون مراد الرَّسول منه يقينًا؟! فإن الأُمَّة كلها تَنقُل عمَّن قبلها، ومَن قبلها عمَّن قبلها، حتى ينتهي الأمر إلى الرَّسول: أن الله يرى ويسمع، ويتكلَّم ويعلم، وأنه فوق السَّماوات السَّبع على العرش، وأنه يُرى يوم القيامة جهرةً؛ وعِلْمُ الأُمة بمراد الرَّسول من ذلك فوق عِلْمِهم بمراده من أحاديث الشُّفعة والرِّبا والحيض والفرائض ونحوها، فكيف يُقال: حصل لهم اليقين بمراده من ذلك دون هذا، وهل هذا إلَّا من أقبح المكابرة؟! الوجه الثَّاني والعشرون: أن يُقال: من المعلوم بالضَّرورة أن المخاطبِين أوَّلًا بالقرآن والسُّنَّة لم يتوقف حصول اليقين لهم بمراده على تلك المقدِّمات العشرة التي ذكروها، ولا على شيءٍ منها. أمَّا عصمة رواة اللغة فإنهم خُوطبوا شِفاهًا، فلم يحتاجوا إلى واسطةٍ في نقل الكلام، فضلًا عن واسطة في نقل اللغة، ولا إلى قاعدةٍ يَنفُون بها نفيَ احتمالِ اللفظ لغير المعنى الذي قصده المتكلِّم، فإنهم عَلِموا مراده بالضَّرورة، وإذا كانوا عالِمين بمراده

стр. 434

بالضَّرورة مع علمهم بصدقه امتنع عندهم أن يكون في نفس الأمر معارِضٌ يُنافي مراده. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ من كبار التَّابعين: «حدَّثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن ـ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهم ـ أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النَّبي ﷺ عشر آيات لم [ب ٨٢ ب] يتجاوزوها حتى يتعلَّموا ما فيها من العلم، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا» (١). وكان يَمكُث أحدُهم في السُّورة مدَّةً حتى يَتعلَّمها، وقد أقام ابن عمر على تعلُّم سورة البقرة ثمانيَ سنين (٢)، وقال أنس: «كان الرَّجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيُننا» (٣). ولم يتوقف معرفة مراد الله ورسوله من كلامه عندهم على شيءٍ من تلك الأمور العشرة، ولا تابعي التَّابعين، ولا أئمة الفقه المتبوعين، ولا أئمة الحديث، ولا أئمة التفسير، حتى نبغت قُلْف الأذهان (٤) عُجْم القلوب فزعموا أنهم لا يحصل اليقين بمراده إلَّا بعد هذه الأمور، ثم قالوا: ولا سبيل

стр. 435

إلى العلم بانتفائه؛ إذ غاية ما يقدر بعد البحث والطلب التَّام عدم العلم بها، ولا يلزم من عدم العلم عدم المعلوم، فلا سبيل لنا إلى العلم بمراد الرَّسول البتَّةَ، وطلبت نفوسهم ما يحصل له به العلم، فعادوا إلى العقول، فوجدوها قد تصادمت فيما تقضي به من جائزٍ على الله وواجبٍ ومستحيلٍ أعظمَ تصادُم، فخرجوا عن السَّمع الصَّحيح، ولم يظفروا بدلالة العقل الصريح، ففاتهم العقل والسَّمع جميعًا. الوجه الثَّالث والعشرون: أن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة يرجع إلى حرفٍ واحدٍ، وهو احتمال اللفظ لمعنًى آخر غير ما يظهر من الكلام، فإنه لا يُنازِع عاقلٌ أن غالب ألفاظ النُّصوص لها ظواهر هي موضوعةٌ لها ومفهومةٌ عند الإطلاق منها، لكن النِّزاع أن اعتقاد ذلك المعنى يقينيٌّ، لا يُحتمل غيرُه، أو ظنِّيٌّ يُحتمل غيرُه؛ فالمدار كلُّه على احتمال إرادته ﷺ معنًى آخر غير الظَّاهر، وعدم ذلك الاحتمال. ومعلوم أن الطُّرق التي يُعلم بها انتفاء إرادته معنى يناقض ذلك المعنى طُرقٌ كثيرةٌ لا يَحتاج شيءٌ منها إلى ما ذكروه، بل قد يعلم السَّامع انتفاءَ معنًى يُناقض المعنى الذي ذَكَره المتكلِّم ضرورةً، وتارةً يغلب على ظنِّه غلبةً قريبةً (١) من الضَّرورة، وتارةً يحصل له ذلك ظنًّا، وتارةً لا يفهم مراده، وتارةً يشتبه عليه المراد بغيره. وهذا القطع والظنُّ والشكُّ له أسبابٌ غير الأمور التي ذكروها، فقد يكون سبب الاحتمال كون السَّامع لم يألف ذلك اللفظ في لغة قومه، أو أن له

стр. 436

في لغتهم معنًى غير معناه في لغة المتكلِّم، أو أن اللفظ قد اقترنت به قرينةٌ يقطع السَّامع معها بالمراد فخَفِيَت عليه أو ذَهَلَ عنها، ولو نُبِّه عليها لتنبَّه، كما اقترن بلفظ المفاداة في آية الخُلْع تَقَدُّمُ طلقتين وتأخُّر طلقة ثالثة، ووقع بين الطلقتين [ب ٨٣ أ] والطلقة الثَّالثة (١)، ففَهِمَ جمهور الصَّحابة منه أنه غير محسوبٍ من الثلاث، واحتج بذلك ابن عباسٍ (٢) وغيره (٣). وقد تكون القرينة منفصلة في كلامٍ آخر، بحيث يجزم السَّامع بالمراد من مجموع الكلام، فيخفى أحدهما على السَّامع، أو لا يَتفطَّن له فلا يعرف المراد، فهذا قد يقع لأعلم النَّاس بخطابه ﷺ ، وهو من لوازم الطبيعة الإنسانية، ولكنه قليلٌ جدًّا، بالإضافة إلى ما تيقَّنوه من مراده، لا نسبةَ له إليه، فلا يجوز أن يُدَّعى لأجله أن كلام الله ورسوله لا يُفيد اليقين بمرادٍ،

стр. 437

ولا سبيل لنا إلى اقتباس العلم واليقين منه. الوجه الرَّابع والعشرون: أن قول القائل: «الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلَّا عند [تيقُّن] (١) أمورٍ عشرة» نفيٌ عامٌّ، وقضيةٌ سالبةٌ كليةٌ، فإنْ أراد قائلها أن أحدًا من النَّاس لا يعلم مراد متكلِّمٍ ما يقينًا إلَّا عند هذه الأمور العشرة؛ فكَذِبٌ ظاهرٌ. وإن أراد به أنه لا يعلم أحدٌ المراد بألفاظ القرآن والسُّنَّة إلَّا عند هذه الأمور ففِرْيةٌ ظاهرةٌ أيضًا؛ فإن الصَّحابة كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم، والتَّابعون (٢) كلهم، وأئمة الفقه كلهم، وأئمة التَّفسير كلهم، لم يتوقَّفْ عِلمُهم بمراد الرَّسول على هذه الأمور؛ بل لم تخطر ببالهم، ولم يذكرها أحدٌ منهم في كلامه. وإن أراد أن مَن بعد الصَّحابة لا يَعرِف مراد الرَّسول إلَّا بهذه الأمور العشرة فكَذِبٌ أيضًا، فإن التَّابعين ومَن بعدهم جازمون متيقِّنون لمراده أعظم يقينٍ، بل نحن ـ ونسبتنا إليهم أقلُّ نسبةٍ ـ متيقِّنون لمراد الله ورسوله (٣) من كلامه يقينًا لا ريبَ فيه، وجازمون به جزمًا لا شكَّ فيه، ومَن قبلَنا كان أعلمَ منَّا وأعظمَ جزمًا، ومَن قبلَهم كان كذلك، فكيف يستحلُّ الرَّجُل أن يحكم حُكمًا عامًّا كليًّا أن أحدًا لم يحصل له اليقين من كلام الله ورسوله؟! وإن أراد به أنها لا تُفيد اليقين في شيءٍ وتفيده في شيءٍ آخر؛ قيل له: هذا لا يُفيدك شيئًا حتى تُبيِّن أن محلَّ النِّزاع بينك وبين أهل السُّنَّة وأنصار الله ورسوله من النَّوع الذي لا يُفيد اليقين، فهم يزعمون أن استفادتهم اليقينَ منه

стр. 438

أعظمُ من استفادتهم اليقين من كلام كل متكلِّمٍ، وليس لك أن تحكم عليهم بأنهم لم يستفيدوا منه اليقين، فإن غاية ما عندك أنك أنت فاقد اليقين، لم تظفر ببرده، ولم تَفُز به، فكيف ساغ لك أن تحكم على غيرك بهذا؟! فإن أردت بذلك أنِّي أنا لا أستفيد اليقين من هذه الأدلة إلَّا بعد هذه الأمور العشرة فعَلِمت أن غيري كذلك؛ قيل له: هذا من أبطل الباطل عند كل عاقلٍ؛ [ب ٨٣ ب] فإنه من المعلوم بالضَّرورة أن الشَّيء الواحد يكون مجهولًا عند رجلٍ أو طائفةٍ، ومعلومًا عند آخر، وضروريًّا عند شخصٍ ونظريًّا عند آخر، فالاشتراك في المعلومات والضَّروريات غير واجبٍ ولا واقعٍ، والواقع خلافه، فالصَّحابة كانوا يعلمون من أحوال النَّبي ﷺ بالاضطرار ما لم يعلمه غيرهم، وكان أبو بكر يعلم من حال رسول الله ﷺ وكلامه يقينًا ما لا يعلمه غيره، ولا يفهمه، كما قال أبو سعيدٍ الخدريُّ: «وكان أبو بكر أَعلَمَنا به» (١). وكان التَّابعون يعلمون من أحوال الصَّحابة بالاضطرار ما لا يعلمه غيرهم. والفقهاء وأهل الحديث يعلمون بالاضطرار أن النَّبي ﷺ سجد سجدتي السَّهو في الصَّلاة، وقضى بالشُّفعة، وجعل الدِّية على العاقلة، وأخبر أن الله يَنزل إلى سماء الدنيا كلَّ ليلةٍ، وأنه يُرى بالأبصار جَهْرةً يوم القيامة، وأنه يُدخِل النَّار قومًا من أهل التَّوحيد، ثم يُخرِجهم بالشَّفاعة، وأنه أخبر بخروج الدَّجَّال، ونزول المسيح من السَّماء، وطلوع الشَّمس من مغربها، وغير ذلك ممَّا يَجهله كثيرٌ من النَّاس، ومَن أقرَّ به فهو عنده ظنِّيٌّ، وأهل الحديث جازمون به، متيقِّنون

стр. 439

له كتيقُّنِهم أنه بُعث من مكة، وهاجَرَ إلى المدينة، ومات بها. وأهل المغازي والسِّيَر والحديث يعلمون بالاضطرار أن غزوة بدر كانت قبل أُحُدٍ، وأن أُحُدًا قبل الخندق، والخندق قبل الحديبية، والحديبية قبل خيبر، وخيبر قبل فتح مكة، وفتح مكة قبل حُنين، وحُنين قبل الطَّائف، والطَّائف قبل تبوك، وتبوك آخر الغزوات، ولم يكن فيها قتالٌ؛ وكان الغزو فيها للنصارى أهل الكتاب، وفي خيبر لليهود، وفي بدرٍ وأُحدٍ للمشركين؛ وأنه أَوقَعَ باليهود أربع مرَّات: ببني قينُقاع وكانت بعد بدرٍ، وبالنَّضير، وكانت بعد أُحدٍ، وبقُريظة وكانت بعد الخندق، وبأهل خيبر وكانت بعد الحديبية. وأكثر النَّاس ـ بل كثيرٌ من العلماء والفقهاء ـ لا يعلمون هذا التَّفصيل. وكذلك العلماء بالتَّفسير والحديث يعلمون بالاضطرار أن سورة البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة والأنفال وبراءة مدنياتٌ نَزَلْنَ بعد الهجرة، وسورة الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف والنَّحل مكياتٌ نَزَلْنَ قبل الهجرة، وأكثر النَّاس لا يعلمون ذلك ضرورةً ولا نظرًا. فليس المعلوم من أقوال الرَّسول وسيرته ومراده بكلامه أمرًا مشتركًا بين جميع النَّاس ولا بين المسلمين [ب ٨٤ أ] ولا بين العلماء، وإذا لم يكن هذا أمرًا مضبوطًا لا من العالم ولا في العلوم أمكن في كثيرٍ من مراد الرَّسول بالاضطرار [أن تكون نظريةً عند قومٍ] (١)، ضروريةً عند آخرين، وغير معلومةٍ البتَّةَ عند آخرين. وإن قال: أردت أن الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقين عند من لا يعرف

стр. 440

مدلولها إلَّا بهذه المقدِّمات. قيل له: فهذا لا فائدة فيه، فكأنك قلت: من لم يعرف مراد المتكلِّم إلَّا بمقدِّمةٍ ظنيةٍ كان استدلاله بكلامه ظنيًّا، وذلك من باب تحصيل الحاصل. وكذلك من لم يعرف الدَّليل العقلي إلَّا بمقدِّمةٍ ظنيةٍ كان استدلاله به ظنِّيًّا. وأيضًا فإنه إذا كان هذا مرادك فكيف تحكم حكمًا عامًّا كُليًّا أن الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقين. فبَطَلَ حُكم هذه القضية الكاذبة: أن الأدلة اللفظية لا تُفيد اليقين على كل تقديرٍ، ولله الحمد. يوضِّحه: الوجه الخامس والعشرون: أن الذين لم يحصل لهم اليقين بالأدلة العقلية أضعاف أضعاف الذين حصل لهم اليقين بالأدلة السَّمعية، والشُّكوك القادحة في العقليات أقوى وأكثر بكثيرٍ من الشُّكوك القادحة في السَّمعيات. فأهل العلم والكتاب والسُّنَّة متيقِّنون لمراد الله ورسوله، جازمون به، معتقدون لموجبه اعتقادًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ ولا شبهةٌ. وأمَّا المتكلمون الذين عَدَلوا عن الاستدلال بالأدلة السَّمعية إلى الأدلة العقلية في المسائل الكبار كمسألة حدوث العالم، ومسألة ما هي الحوادث، ومسألة تماثل الأجسام، وبقاء الأعراض، ومسألة وجود الشيء هل هو زائد على ماهيته أو هو نفس ماهيته، ومسألة المعدوم هل هو شيءٌ أم لا، ومسألة المصحِّح للتأثير هل هو الحدوث أو الإمكان، وهل يمكن أن يكون الممكن قديمًا أم لا، ومسألة الجوهر الفرد، وهل الأجسام مركبة منه أم لا، ومسألة الكلام وحقيقته، وأضعاف ذلك من المسائل التي عوَّلوا فيها على مجرَّد عقلٍ= أفضلُهم أشدُّهم حَيْرةً وتناقضًا واضطرابًا فيها، لا يَثبُت له فيها قولٌ،

стр. 441

بل تارةً يقول بالقول ويجزم به، وتارةً يقول بضِدِّه ويجزم به، وتارةً يَحار ويقف ويتعارض عنده الأدلة العقلية! وأهل الكلام والفلسفة أشدُّ اختلافًا وتنازُعًا بينهم فيها من جميع أرباب العلوم على الإطلاق. ولهذا كلما كان الرجل منهم أفضل كان إقراره بالجهل والحَيْرة على نفسه أعظم، كما قال بعض العارفين (١): أكثر النَّاس شكًّا عند الموت أهل الكلام. وقال أفضل المتأخرين (٢) [ب ٨٤ ب] من هؤلاء لتلاميذه عند الموت: «أشهدكم أني أموت وما عَرَفت مسألةً واحدةً إلَّا مسألة افتقار الممكن إلى واجب «. ثم قال: «والافتقار أمرٌ عدميٌّ فها أنا ذا أموت وما عَرَفت شيئًا». وقال ابن الجويني (٣) عند موته: «لقد خُضت البحر الخضمَّ، وخَلَّيْت أهل الإسلام وعلومهم، وما أدري على ماذا أموت، أُشهدكم أني أموت على عقيدة أُمي». وقال آخر في خطبة كتابه في الكلام (٤): لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِم

стр. 442

وقال الرَّازي في كتابه «أقسام اللذات» (١) وقد ذكر أنواعها، وأن أشرفها لذة العلم والمعرفة، وأشرفَ العلم: العلم الإلهي لشرف معلومه وشدة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: «العلم بالذَّات وعليه عُقدة، وهي أن الوجود هل هو الماهية أو زائد عليها؟ والعلم بالصفات، وعليه عقدة، وهي أن الصِّفات هل هي أمور وجودية زائدة على ذات الموصوف أم ليست بزائدة على الذَّات؟ والعلم بالأفعال وعليه عقدة، وهي هل الفعل مقارنٌ للفاعل أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومَن الذي وصل إلى هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب؟». ثم أنشد (٢): نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا … رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ لقد تأمَّلْت الطُّرُق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تَشفي عليلًا، ولا تُروي غليلًا، ورأيت أقرب الطُّرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأ في النَّفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٠٧]. ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي».

стр. 443

فليتأمَّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العِبَر، فإنه لم يأتِ في المتأخِّرين مَن حصَّل من العلوم العقلية ما حصَّله، ووقف على نهايات أقدام العُقلاء، وغايات مباحث الفُضلاء، وضرب بعضَها ببعضٍ ومَخَضها أشدَّ المخض، فما رآها تَشفي علَّةَ داء الجهالة، ولا تُروي غُلَّةَ ظمأ الشَّوق والطلب، وأنها لم تَحُلَّ عنه عُقدةً واحدةً من هذه العُقَد الثَّلاث التي عَقَدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة [ب ٨٥ أ] ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله. وصَدَقَ والله، فإنه شاكٌّ في ذات ربِّ العالمين: هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها، أم ماهيَّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عُقدتها. وشاكٌّ في صفاته: هل هي أمور وجودية، أم نِسَبٌ إضافية عدمية؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عُقدتها. وشاكٌّ في أفعاله: هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تَزَلْ معه، أم الفعل متأخر عنه تأخُّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عقدتها. فتنظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين، وفي كتبه الفلسفية قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهما حائرًا، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد؛ فإنه مع بَحْثِه ونظره وتصدِّيه للرد على الرَّازي حتى يقول في قصيدةٍ له (١):

стр. 444

وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـ … لَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحِبُّهُ وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍ … وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا … سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شِرْبُهُ أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُ … وَتَمْوِيهَهُ في الدِّينِ إِذْ جَلَّ خَطْبُهُ يعترف بأن المعقولات لم تُعطِه إلَّا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقينٍ ولا عِلْمٍ، حيث يقول (١): فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ … ضَاعَ دَهْرِي (٢) وَانْقَضَى عُمُرِي سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا … رَبِحَتْ إلَّا أَذَى السَّفَرِ (٣) قَاتَلَ اللهُ الْأُلَى زَعَمُوا … أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ (٤) كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا … خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَر وقال بعض الطَّالبين من المتأخرين، وقد سافر في طلب ربِّه على هذه الطَّريق فلم يزدد إلَّا حَيْرةً وبُعدًا من مطلبه، حتى قيَّض الله له مَن أخذ بيده، وسلك به على الطَّريق الَّتي سَلَكَ عليها الرُّسُل وأتباعُهم، فجعل يهتف

стр. 445

بصوته لأصحابه: هَلُمُّوا، فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياحُ، ولم تُزِلْها الأهوية. ثم قال (١): وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامٍ مِنَ الدُّجَى … نَسِيرُ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي /وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْ … دَلِيلٌ لَنَا نَرْجُو الْخَلَاصَ مِنَ الْقَفْرِ ظِمَاءً إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَا … وَقَدْ قَطَعَ الْأَعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِي … سَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ فَقُلْتُ لِصَحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَى … فَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ … فَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَا … وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْر فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سَيْرِهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين، ومن الحَيْرة والشكِّ؛ فمَن الذي شكا من القرآن والسُّنَّة والأدلة اللفظية هذه الشكاية، ومَن الذي ذَكَرَ أنها حيَّرَتْه ولم تَهْدِه؟ أوَلَيس بها هدى الله أنبياءه ورُسلَه وخيرَ خَلْقه؟ قال تعالى لأكمل خَلْقه وأوفرهم عقلًا: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّيَ﴾ [سبأ: ٥٠]. فهذا أكمل الخَلْق عقلًا ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يُخبِر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوِّكون المتحيِّرون يقولون: إنها لا تُفيد يقينًا ولا عِلْمًا ولا هُدًى. وهذا موضع المَثَل المشهور: «رمتني بدائها وانسلَّتْ» (٢).

стр. 446

الوجه السَّادس والعشرون: أن ألفاظ القرآن والسُّنَّة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلَّا معنًى واحدًا، وظواهرُ تحتمل غير معناها احتمالًا بعيدًا مرجوحًا، وألفاظ تحتاج إلى بيانٍ، فهي بدون البيان عُرضة الاحتمال. فأمَّا القسم الأول: فهو يُفيد اليقين بمدلوله قطعًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٣]. فلَفْظ الأَلْف لا يَحتمل غير مسمَّاه، وكذلك لفظ الخمسين، وكذلك لفظ نوحٍ، ولفظ قومه، وكقوله: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي اِلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٢] وعامَّة ألفاظ القرآن من هذا الضَّرْب. هذا شأن مفرداته، وأمَّا تركيبه [ب ٨٦ أ] فجاء على أصحِّ وجوه التَّركيب، وأبعدِها من اللبس، وأشدِّها مطابقةً للمعنى. فمفرداته نصوصٌ أو كالنُّصوص في مسمَّاها، وتراكيبه صريحة في المعنى الذي قُصِدَ بها، والمخاطبون به تلك اللغة سجيَّتهم وطبيعتهم غير متكلَّفةٍ لهم، فهم يعلمون بالاضطرار مراده منها. والقسم الثَّاني: ظواهر قد تحتمل غير معانيها الظَّاهرة منها، ولكن قد اطَّرَدَتْ في موارد استعمالها على معنًى واحدٍ، فجرت مَجرى النُّصوص التي لا تحتمل غير مسمَّاها.

стр. 447

والقسمان يُفيدان اليقين والقطع بمراد المتكلِّم. وأمَّا القسم الثَّالث: إذا أُحْسِنَ ردُّه إلى القسمين قبله عُرف مراد المتكلِّم منه. فالأول يُفيد اليقين بنفسه، والثَّاني يُفيده باطِّراده في موارد استعماله، والثَّالث يفيده إحسان ردِّه إلى القسمين قبله. وهذا ظاهر جدًّا لمن له عنايةٌ بالقرآن وألفاظه ومعانيه، واقتباس المعارف واليقين منه. فاستفادته اليقين من أدلته أعظم من استفادة كل طالب علمٍ اليقينَ من موادِّ عِلْمِه وبراهينه. الوجه السَّابع والعشرون: أن الذي حال بين هؤلاء وبين استفادتهم (١) اليقينَ من كلام الله ورسوله أن كثيرًا من ألفاظ القرآن والسُّنَّة قد صار لها معانٍ، اصطلح عليها النُّظار والمتكلِّمون وغيرهم، وأُلِفَ ذلك الاصطلاح، وجرى عليه النَّشءُ، وصار هو المقصودَ بالتَّخاطب، وإليه التَّحاكم، فصار كثيرٌ من النَّاس لا يعرف سواه. فلمَّا أرادوا أن يُطابقوا بين معاني ألفاظ القرآن وبين تلك المعاني التي اصطلحوا عليها أَعجَزَهم ذلك، فمرةً قالوا: ألفاظ القرآن مجازٌ، ومرةً طلبوا لها وجوهَ التأويل، ومرةً قالوا: لا تُفيد اليقين، ومرةً جعلوها وقفًا تُتلى في الصَّلاة، ويُتبرَّك بقراءتها، ولا يُتحاكم إليها. مثال ذلك: لفظ الجسم في القرآن هو البدن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]. وهم اصطلحوا على تسمية كل قائمٍ بنفسه جسمًا، مرئيًّا كان أو غير مرئيٍّ، وسَمَّوا الموصوف بالصِّفات جسمًا، وسَمَّوْا مَن له وجهٌ ويدانِ جسمًا، ثم نَفَوا الجسم عن (٢) الصَّانع،

стр. 448

وأوهموا أنهم ينفون معناه لغةً، وقَصْدُهم نَفْيُ معناه اصطلاحًا، فسَمَّوْه بخلاف اسمه في اللغة، ونَفَوْا به ما أثبته الرَّبُّ لنفسه من صفات الكمال. وكذلك سَمَّوْا صفاته [ب ٨٦ ب] أعراضًا، ثم نَفَوْا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، لا بالمعنى الذي وُضِعَتْ له ألفاظ الأعراض في اللغة. وكذلك سَمَّوْا أفعاله حوادثَ، ثم نَفَوْها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة، فإن النَّبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» (١). وقال: «إِيَّاكُمْ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ» (٢). وقال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (٣). فإذا قالوا: لا تَحِلُّه الحوادث. أوهموا النَّاس هذه الحوادث، ومرادهم أنه لا يتكلَّم ولا يُكلِّم، ولا يرى ولا يَسمع، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويًا، ولا ينزل كل ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا، ولا يُنادِي عبادَه يوم القيامة، ولا يشاء مشيئةً، إلى أمثال ذلك. وكذلك لفظ الاستواء حقيقةٌ في العلوِّ، ثم حَدَثَ له معنى الاستيلاء في قول الشَّاعر إن كان قاله (٤):

стр. 449

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق فهذا شِعرٌ مُوَلَّدٌ حَدَثَ بعد كتاب الله، ولم يكن معروفًا قبل نزول القرآن، ولا في عصر من أُنزِل عليه القرآن، فحملوا لفظ القرآن على الشِّعر المولَّد الحادث بعد نزوله، ولم يكن من لغة مَن نزل القرآن عليه. وكذلك لفظ المحلِّل والمحلَّل له، فإنه في لغة مَن تكلَّم به ولغة أصحابه هو محلِّل النِّكاح، الذي يُريد أن يتزوج المرأة ليُحلَّها لِمُطَلِّقها. وفي اصطلاح بعض الفقهاء هو الذي يُحَلِّل مُوَلِّيَتَه لغيره بلا مهرٍ، أو الذي يَشترط التَّحليل لفظًا في صُلب العقد. وكذلك لفظ الخمر في لغة مَن تكلَّم به وصرَّح بتحريمه: كلُّ مُسكرٍ. فاصطلح بعض الفقهاء على تخصيص بعض أنواع الأشربة المسكرة باسم الخمر، ثم حملوا النُّصوص على تلك المعاني التي اصطلحوا عليها. وكذلك لفظ الجار في لغته ﷺ هو الجار المعروف، فإذا اصْطُلح على تسمية الشَّريك جارًا قياسًا على تسمية الزوجة جارًا في قول الشَّاعر (١):

стр. 450

أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ ثم حُمل لفظ الشَّارع على المعنى الاصطلاحي لم يَجُزْ ذلك. ومِن هذا لفظ التركيب، فإنه في لغة القرآن تركيب الشَّيء في غيره، كقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، ثم اصطلح عليه بعض النَّاس، وجعل كل ما تميَّز منه شيءٌ عن شيءٍ مركبًا، وإن كان حقيقته واحدة. فالعرب إنما تُطلِق لفظ التركيب والمركَّب في نحو تركيب الدَّواء، وتركيب الخشبة على الجدار، وتركيب المادة في صورة من الصُّوَر، ولا يُسمَّى الهواء مركبًا ولا النَّار ولا الماء ولا التراب، وإنما المركَّب عندهم ما رُكِّب فيه شيءٌ على شيءٍ. خالف المتأخرون [ب ٨٧ أ] الاصطلاح الحادث، ثم نَفَوْا مُسمَّاه الاصطلاحيَّ عن الرَّبِّ سبحانه، ورأوُا الأدلة اللفظية من القرآن والسُّنَّة لا تساعدهم على ذلك فقالوا: لا تفيد اليقين. الوجه الثَّامن والعشرون: أن هؤلاء القائلين: «إن كلام الله ورسوله لا يُستفاد منه علمٌ ولا يقينٌ» إمَّا أن يريدوا (١) به نفي اليقين في باب الأسماء والصِّفات فقط دون باب المعاد والأمر والنَّهي، أو في باب الصِّفات وباب المعاد فقط دون الأمر، أو في الجميع. فإن أراد الأول ـ وهو مُراد الجهمية ـ قيل له: فما جوابك للفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان؟ حيث احتجَجْت عليهم بأنَّا نعلم بالضَّرورة أن الرُّسل جاؤوا به، فردُّه عليهم تكذيبٌ لهم. فقالوا: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين.

стр. 451

فإن قلت: الفرق بيننا وبينهم أن آيات الصِّفات وأخبارها قد عارضتها قواطع عقلية تنفيها، بخلاف نصوص المعاد. قيل: أمَّا أهل القرآن والسُّنَّة فيجيبونك بأن تلك المعارضات هذيانات لا حقيقة لها، وشبهات خيالية: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٨]. وأمَّا أشباهك من الفلاسفة فيقولون: ونصوص المعاد قد عارضها قواطعُ عقلية بنفيها. فإن قلت: بل هذه شبهاتٌ باطلةٌ ومقدِّماتٌ كاذبةٌ. قيل: صدقت، والشُّبهات التي تُعارِض نصوص الصِّفات أَبطَلُ، والمقدمات التي تخالفها أَكذَبُ بكثيرٍ، فإنَّ الشُّبهات العقلية المعارضة لنصوص الأنبياء ليس لها حدٌّ تقف عليه؛ بل قد عارض أرباب المعقول الفاسد جميع ما جاؤوا به من أوَّله إلى آخره بعقولهم، ومعارضة المشركين لما دعت إليه الرسل من التوحيد بشُبُهاتهم من جنس معارضة الدهرية لما أخبروا به من المعاد بشبهاتهم، فهَلُمُّوا نَضَعِ الشبهات جميعها في الميزان، ونحُكَّها على المحكِّ يتبين أنها زَغَلٌ وزَيْفٌ كلُّها. وإن زعمت أنها لا تفيد اليقين لا في باب الخبر عن الله وصفاته، ولا في باب المعاد واليوم الآخر، ولا في باب الأمر والنهي، فقد انسلختَ من العقل والإيمان انسلاخَ الحيَّة من قشرها، وجاهرتَ بالقدح في النبوات والشرائع. وكنت في العقل الصحيح أشدَّ قدحًا، فإنه ليس في [ب ٨٧ ب] المعقول شيءٌ

стр. 452

أصحَّ ممَّا جاءت به الرسل عن الله. وقد تقدَّم تقرير هذا، والمؤمنون يعرفونه جملةً، والرَّاسخون في العلم يعرفونه تفصيلًا. الوجه التَّاسع والعشرون: أن دعوى المدَّعي أن كلام الله ورسوله لا يُستفاد منه يقينٌ ولا علمٌ، إمَّا أن يدعيه حيث لا يعارض العقلُ السمعَ بل يوافقه، أو حيث يعارضه في زعمه، أو حيث لا يعارضه ولا يوافقه ؛ فإن ما جاء به الشرع عند هؤلاء ثلاثة أقسام: أحدها: ما يخالف ظاهرُه صريحَ العقل. والثَّاني: ما يوافق العقل. والثَّالث: ما لا يُحِيلُه العقل ولا يقتضيه. فقول القائل: إن كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين؛ يُقال له: لا يفيد في شيءٍ من هذه الأقسام الثلاثة عندك، أو في الأول منها خاصةً، أو فيه وفي الثَّالث. فإن كان مراده النفي في جميع الأقسام كان ذلك عنادًا ظاهرًا وإلحادًا في كلام الله ورسوله. وإن كان مراده أنه لا يفيده فيما يخالف صريح العقل ـ وهو الذي يريده هؤلاء ـ قيل له: هذا الفرض وإن اعتقدته واقعًا فهو محالٌ، فلا يعارض السمع الصحيح الصريح إلَّا معقولٌ فاسدٌ، تنتهي مقدماته إلى المكابرة أو التقليد أو التلبيس والإجمال. وقد تدبَّر أنصار الله ورسوله وسُنته هذا فما وجدوا ـ بحمد الله ـ العقلَ الصريح يفارق النقل الصحيح أصلًا، بل هو خادمه وصاحبه والشَّاهد له، وما وجدوا العقل المعارض له إلَّا من أفسد العقول وأسخفها وأشدها منافاةً لصريح العقل وصحيحه.

стр. 453

ولولا الإطالة لذكرنا ذلك على التفصيل، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى اليسير منه (١). ويجب على المسلم الذي لله ولكتابه وقارٌ وعظمةٌ في قلبه أن يعتقد هذا، وإن لم يظهر له تفصيله، فإذا ظهر له تفصيله كان نورًا على نور؛ فإن الله سبحانه أقام الحجَّة على الخَلْق بكتابه ورسوله، فلا يمكن أن يكون فيهما ما يَظهر منه خلاف الحق، ولا ما يُخالف العقل، ولا يمكن أن يُحيل الرَّسول النَّاس في الهدى والعلم وصفاته وأفعاله على ما يناقض كلامه من عقلياتهم. وهذا واضح ولله الحمد. الوجه الثلاثون: أن قول القائل: «الأدلة اللفظية موقوفةٌ على هذه المقدمات»؛ أتريدُ به أن كلَّ دليلٍ منها يقف على مجموع [ب ٨٨ أ] الأمور العشرة، أم تريد به أن جنسها يقف على جنس هذه العشرة؟! فإن أردت الأول فهو مكابرةٌ ظاهرةٌ يَرُدُّها الواقع، فإن جمهور النَّاس يعلم مدلول الكلام من غير أن تخطر هذه العشرة أو شيءٌ منها بباله. وإن أردت الثَّاني فالأدلة العقلية تتوقَّف على ما به مقدمة أو أكثر بهذا الاعتبار، فإنه [ما] (٢) من مسألةٍ عقليةٍ إلَّا وهي متوقفة على مقدِّمات غير المقدِّمات التي يتوقَّف عليها مسألةٌ أخرى؛ فما يتوقف عليه دلالة الدليل لا ضابِطَ له، وإنما هو أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ. الوجه الحادي والثلاثون: أن حكمك بتوقف دلالة الدليل على معرفة الإعراب والتصريف خطأٌ ظاهرٌ، فإن مَن عَرَف أن لله الأسماء الحسنى

стр. 454

كالرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن، وأن الاسم يَدُلُّ على المسمَّى في لغة العرب؛ لم يتوقف في العلم بدلالة هذه الأسماء على الربِّ سبحانه على معرفته بأن الاسم مشتقٌّ من السمو أو من السِّمة، والاختلاف بين البصريين والكوفيين في ذلك، ومعرفة أرجح القولَيْنِ؛ فإن جماهير أهل الأرض يعرفون أن الله اسم لذات الخالق فاطر السماوات والأرض، ولا يعرفون تصريف الاسم واشتقاقَه. وأمَّا الإعراب فهؤلاء العامة يجزمون ويتيقَّنون مراد مُكلِّمهم بكلامه، ولا يتوقف ذلك على معرفتهم بوجوه الإعراب. فإن قلت: إنما كلامنا في كلام العرب الفُصحاء الذين يتوقَّف فَهْمُ معاني كلامهم على الإعراب. قيل: ما يتوقف عليه فَهْمُ كلامهم من الإعراب سجيَّة وطبيعة لهم، وأمَّا مَن بعدهم فقد نُقِلَ إلينا ذلك نقلًا متواترًا عنهم، كما نُقِلَ إلينا معاني مفردات ألفاظهم. الوجه الثَّاني والثلاثون: قولك: «إن ذلك يتوقف على نفي التخصيص والإضمار»؛ فهذا لا يُحتاج إليه في فَهْم معاني الألفاظ المفردة، فإنها تدلُّ على مُسمَّاها دلالةَ سائر الألفاظ على معانيها، كدلالة الأعلام ولفظ العدد وأسماء الأزمنة والأمكنة والأجناس على موضوعاتها. واحتمال كون اللفظ العامِّ خاصًّا كاحتمال كون اللفظ الذي له حقيقة مستعملًا في غير حقيقته، وهذا منفيٌّ بالأصل، ولا يُحتاج في فَهْمِ ما هو جارٍ على أصله إلى أن يُعلم انتفاء الدليل الذي يُخرجه عن أصله، وإلَّا لم يفهم مدلول لفظ أبدًا لجواز أن يكون خرج عن أصل موضوعه بنَقْلٍ أو مجازٍ أو

стр. 455

غير ذلك. ولو ساغ ذلك لم يكن [ب ٨٨ ب] أحدٌ يحتجُّ بدليلٍ شرعيٍّ لجواز أن يكون منسوخًا وهو لا يعلم ناسخه، ولم يشهد أحدٌ لأحدٍ بمِلْك لجواز أن يكون خرج عن مِلْكه ببيعٍ أو تبرُّعٍ، ولم يشهد أحدٌ لأحد بزوجيةِ امرأةٍ ولا رِقِّ عبدٍ لجواز أن يكون طلَّق وأعتق. وفتح باب التجويزات لا آخِرَ له، ولا ثقةَ معه البتَّةَ. وهذا الباب قد دخل منه على الإسلام دَخَلٌ (١) عظيمٌ وخَطْبٌ جسيمٌ، وأهل الباطل على اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلَّقون (٢) به، ولا تزال تَعمِد كلُّ طائفةٍ منهم إلى آيةٍ من كتاب الله فيقودها (٣) إلى مذهبه الذي يدعو إليه، ويدَّعي أن لها دلالةً خاصةً عليه، وكذلك يفعل في كثيرٍ من الأخبار التي يَجُرُّها إلى معتقده. وليست المحنة التي عرضت في هذا الباب مقصورة على أهل الإسلام فقط، بل هي مشترِكة بين جميع أهل الأديان والمِلَل. ومَن أعطى التَّأمُّل حقَّه وجد أكثر ما ادَّعاه أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها، وفتح أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها، وتغليب الخصوص على العموم، وادِّعائهم أن الأغلب في ألفاظ العموم إنما هو الخصوص دون العموم ذَهابًا منهم في ذلك إلى أن البيان الشَّافي إنما هو في المعنى الخاص دون العام، وأنه المتيقَّن من اللفظ، فإن ظَفَرَ به وإلَّا قال:

стр. 456

المراد خاصٌّ محتملٌ (١)، فتُعطَّل دلالة اللفظ العام الكلي بهذه الطريق، كما تُعطَّل دلالة اللفظ على حقيقته باحتمال إرادة المجاز والاستعارة، ودلالة أوامر الله ورسوله على وجوب الامتثال باحتمال إرادة الاستحباب ومطلق الرجحان، ودلالة نواهيه على التحريم باحتمال دلالتها على مجرَّد الكراهة وترك الأَوْلى، ودلالة النصِّ الصريح الذي لا يحتمل غير معناه باحتمال كونه منسوخًا. فقد أَعَدَّ لكل دليلٍ قانونًا يدفع به دلالته، فإن كان خبر واحدٍ قال: يحتمل أن يكون راويه كَذَبَ أو أَخطَأَ. فإن أعجزه القدح في راويه لشُهرَته بالصدق والعدالة قال: لعله رواه بالمعنى الذي فَهِمَه وهو غير فقيه، فإذا عارضه القياس كان المصير إليه أَوْلى، كما قال هؤلاء: إذا عارض النص العقل كان المصير إليه أولى. فإن غُلب وأمكنه ادِّعاء انعقاد الإجماع على خلافه عارضه بالإجماع، فإن غُلب عن ذلك عارضه باحتمال النَّسْخ، فإن غُلب عارض [ب ٨٩ أ] دلالته بالاحتمالات وأنواع التأويلات. فلله ما لَقِيَتِ النصوص من هذه الفِرَق وأرباب التأويلات والمتعصبين لمذاهبهم! وإلى مُنْزلها الشِّكاية، وبه المستعان، وعليه التُّكْلان. الوجه الثَّالث والثلاثون: أن القدح في دلالة العام باحتمال الخصوص وفي الحقيقة باحتمال المجاز والنقل والاشتراك وسائر ما ذُكر؛ يُبطِل حُجَجَ الله على خَلْقه بآياته، ويُبطِل أوامره ونواهيَه، وفائدة أخباره. ونحن نبيِّن ذلك بحمد الله بيانًا شافيًا، ونقدِّم قبل بيانه مقدمة بين يديه، وهي ذِكْر الوجوه التي تنقسم إليها معاني ألفاظ القرآن، وهي عشرة أقسام:

стр. 457

القسم الأول: تعريفه سبحانه نفسه لعباده بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وأنه واحدٌ لا شريك له، وما يتبع ذلك. القسم الثَّاني: ما استَشهد به على ذلك من آيات قدرته وآثار حكمته فيما خَلَقَ وذَرَأ في العالم الأعلى والأسفل من أنواع بريَّته وأصناف خليقته، محتجًّا به على من أَلحَدَ في أسمائه وتوحيده وعَطَّلَه عن صفات كماله وعن أفعاله، وكذلك البراهين العقلية التي أقامها على ذلك والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية التي تقدمت الإشارة إلى الشيء اليسير منها (١). القسم الثَّالث: ما اشتمل عليه بَدْء الخلق وإنشاؤه ومادَّته، وابتداعه له وسَبْق بعضه على بعضٍ، وعدد أيام التخليق، وخَلْق آدم، وإسجاد الملائكة، وشأن إبليس وتمرُّده وعصيانه، وما يتبع ذلك. القسم الرَّابع: ذِكْر المعاد والنشأة الأخرى، وكيفيته، وصورته، وإحالة الخَلْق فيه من حالٍ إلى حالٍ، وإعادتهم خَلْقًا جديدًا. القسم الخامس: ذِكْر أحوالهم في معادهم، وانقسامهم إلى شقيٍّ وسعيدٍ، ومسرورٍ بمَنقَلَبه ومثبورٍ (٢) به، وما يتبع ذلك. القسم السَّادس: ذِكْر القرون الماضية والأُمم الخالية وما جرى عليهم، وذِكْر أحوالهم مع أنبيائهم، وما نزل بأهل العناد والتكذيب منهم من المَثُلات، وما حلَّ بهم من العقوبات؛ ليكون ما جرت عليه أحوال الماضين

стр. 458

عبرةً للمعاندين فيحذروا سلوك سبيلهم في التكذيب والعصيان. القسم السَّابع: الأمثال التي ضربها لهم، والمواعظ التي وعظهم بها، يُنبِّههم بها على قَدْر الدنيا وقِصَر مُدَّتها وآفاتها؛ ليزهدوا فيها ويتركوا الإخلاد إليها، ويَرغَبوا فيما أَعَدَّ لهم في الآخرة من نعيمها المقيم وخيرها الدَّائم. القسم الثَّامن: ما تضمنه من الأمر والنهي والتحليل والتحريم، [ب ٨٩ ب] وبيان ما فيه طاعته ومعصيته، وما يُحِبُّه من الأعمال والأقوال والأخلاق، وما يكرهه ويُبغِضه منها، وما يُقرِّب إليه ويُدني من ثوابه، وما يُبعِد منه ويُدني من عقابه. وقَسَّمَ هذا القسم إلى فروض فرضها، وحدود حَدَّها، وزواجر زَجَرَ عنها، وأخلاق وشِيَم رغَّب فيها. القسم التَّاسع: ما عرَّفهم إياه من شأن عدوهم ومداخله عليهم ومكايده لهم وما يريده بهم، وعرَّفهم إيَّاه من طريق التحصُّن منه والاحتراز من بلوغ كيده منهم، وما يتداركون به ما أُصيبوا به في معركة الحرب بينهم وبينه، وما يتبع ذلك. القسم العاشر: ما يختص بالسفير بينه وبين عباده من أوامره ونواهيه، وما اختصه به من الإباحة والتحريم، وذِكْر حقوقه على أُمته، وما يتعلق بذلك. فهذه عشرة أقسام عليها مدار القرآن. وإذا تأمَّلْت الألفاظ المتضمِّنة لها وجدتَها ثلاثة أنواع: أحدها: ألفاظٌ في غاية العموم، فدعوى التخصيص فيها يُبطِل مقصودَها وفائدة الخطاب بها.

стр. 459

الثَّاني: ألفاظ في غاية الخصوص، فدعوى العموم فيها لا سبيل إليه. الثَّالث: ألفاظ متوسِّطة بين العموم والخصوص. فالنوع الأول كقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨١] و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٨] و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿* يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ أَنتُمُ اُلْفُقَرَاءُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] و ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢٠] و ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ اُتَّقُوا رَبَّكُمُ اُلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] وأمثال ذلك. والنوع الثَّاني كقوله: ﴿* يَاأَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٩] وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ﴿وَاَمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ اَلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ اِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والنوع الثَّالث كقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٧] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] و ﴿يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] و ﴿يَاعِبَادِي اِلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠] ونحو ذلك ممَّا يَخُصُّ طائفة من النَّاس دون طائفة. وهذا النوع وإن كان متوسِّطًا بين الأول والثَّاني فهو عامٌّ فيما قصد به ودلَّ عليه. وغالب هذا النوع أو جميعُه قد عُلِّقت الأحكام فيه بالصفات المقتضية لتلك الأحكام، فصار عمومه لِمَا تحته من جهتين: من جهة اللفظ والمعنى. فتخصيصُه ببعض نوعه إبطالٌ لما قُصِدَ به، وإبطال دلالته؛ إذ الوقف فيها لاحتمال إرادة الخصوص به أشد إبطالًا وعودًا على مقصود المتكلم به

стр. 460

بالإبطال. فادَّعى قومٌ من أهل التأويل [ب ٩٠ أ] في كثيرٍ من عمومات هذا النوع التخصيص، وذلك في باب الوعد والوعيد وفي باب القضاء والقدر. أمَّا باب الوعيد فإنه لمَّا احتَجَّ عليهم الوعيدية بقوله: ﴿* وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٢] وبقوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وأمثال ذلك لجؤوا إلى دعوى الخصوص، وقالوا: هذا في طائفةٍ معيَّنةٍ. ولجؤوا إلى هذا القانون وقالوا: الدليل اللفظي العامُّ مبنيٌّ على مقدِّمات، منها عدم التخصيص، وانتفاؤه غير معلومٍ. وأمَّا باب القدر فإن أهل الإثبات لمَّا احتجوا على القدرية بقوله: ﴿اِللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٨] وقوله: ﴿وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٢] ونحوه ادَّعَوْا تخصيصه. وأكثر طوائف أهل الباطل ادِّعاءً لتخصيص العمومات هم الرَّافضة، فقلَّ أن تَجِدَ في القرآن والسُّنَّة لفظًا عامًّا في الثناء على الصَّحابة إلَّا قالوا: هذا في عليٍّ وأهل البيت. وهكذا تجد كل أصحاب مذهبٍ من المذاهب إذا ورد عليهم عامٌّ يخالف مذهبهم ادَّعَوْا تخصيصه، وقالوا: أكثر عمومات القرآن مخصوصة. وليس ذلك بصحيحٍ، بل أكثرها محفوظةٌ باقيةٌ على عمومها. فعليك بحِفْظ العموم، فإنه يُخلِّصك من أقوالٍ كثيرةٍ باطلةٍ قد وقع فيها مُدَّعُو الخصوص بغير برهانٍ من الله، وأخطؤوا من جهة اللفظ والمعنى. أمَّا من جهة اللفظ فلأنك تجد النصوص التي اشتملت على وعيد أهل الكبائر مثلًا في جيمع آيات القرآن خارجة بألفاظها مَخرَج العموم المؤكد
следующие страницы →