← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومن العجب اعتراف أرباب هذا القانون بهذا، وجوابهم عنه بجواب أهل الإلحاد، وهو أن المخاطبين لم يكونوا يفهمون الحقائق، فضُربت لهم الأمثال من غير أن يكون المخبَر ثابتًا في نفس الأمر، فراجِعْ كُتُبَ القوم تجِدْ ذلك فيها. الوجه الرَّابع والستون: أن أصحاب هذا القانون في قولٍ مختلفٍ، يُؤفك عنه من أُفك! فتارةً يقولون: نحن نعلم انتفاء الظَّاهر قطعًا، وأنه غير المراد، وإن كُنَّا لا نعلم عين المراد. وتارةً يقولون: بل الرَّسول خاطَبَ الخلق خطابًا جمهوريًّا يوافق ما عندهم وما أَلِفُوه، ولو خاطبهم بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يتكلم ولا يُكلِّم، ولا يُرى عيانًا، ولا يُشار إليه= لقالوا هذه صفات معدومٍ لا موجود، فوقعوا في التعطيل، فكان الأصلح أن يأتي بألفاظ دالة على ما يناسب ما نحلوه وأَلِفُوه، فيخلصهم من التعطيل. فكيف يُجمَع هذا القولُ وقولهم: إن الظَّاهر غير مراد؟ فإن كان قد أراد منهم الظَّاهر بطل قولهم: إن الظَّاهر غير مراد. وإن أراد منهم التأويل يبطل قولهم (١): إنه قَصَدَ خِطابَهم بما يُخيل إليهم ويتمكنون معه من إثبات الصَّانع، ويتخلصون به من التعطيل. فأيُّ تناقضٍ أشدُّ من هذا؟! فإن أراد الظَّاهر فقد أراد عندكم إفهام الباطل الذي دلَّ عليه لفظه، وإن لم يُرد الظَّاهر بل أراد منهم التأويل لم يحصل الغرض الذي ذكرتموه ولم يَخلُصوا (٢) من التعطيل، وهذا لا حيلة لكم في دَفْعه.

стр. 527

فهما طريقتان باطلتان مضادتان لقَصْد الرسالة. هؤلاء يقولون: أراد منهم أن يَتخيَّلوا ما ينفعهم، وإن لم يكن حقًّا في نفس الأمر. وأصحاب التأويل يقولون: أراد منهم ضدَّ ذلك المعنى الذي دلَّ عليه كلامه ونصُّه. وتارةً يقولون: أراد منهم تأويل النصوص. وتارةً يقولون: أراد منهم (١) تفويضها. وقد نزَّه الله رسوله عن أن يريد المعاني الباطلة، أو يُقَصِّر في بيان ما أراده، فإن الأول كَذِبٌ وتدليسٌ وتلبيسٌ، والثانيَ تقصيرٌ في البيان. وإذا كان الرسول منزهًا عن هذا وهذا فالربُّ تعالى أولى بتنزيهه عن الأمرين. وقد قام الدليل القطعي على تنزيه الله ورسوله عن ذلك، فلا يقدح فيه بالشُّبه الخيالية الفاسدة. الوجه الخامس والستون: أن الله سبحانه قسم الأدلة السمعية إلى قسمين: مُحكَم ومتشابِه، وجعل المُحكَم أصلًا للمتشابه وأُمًّا له يُردُّ إليه، فما (٢) خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يُردُّ إلى المحكم. وقد اتفق المسلمون على هذا، وأن المحكم هو الأصل والمتشابه مردودٌ إليه. وأصحاب هذا القانون جعلوا الأصل المحكم ما يدَّعونه من العقليات وجعلوا القرآن كله مردودًا إليه، فما (٣) خالفه فهو متشابه، وما (٤) وافقه فهو المحكم، ولم يَبْقَ عند أهل القانون في القرآن محكمٌ يُردُّ إليه المتشابه،

стр. 528

ولا هو أمُّ الكتاب وأصله. الوجه السَّادس والستون: أنه على قول أرباب القانون لا سبيل لأحدٍ أن يعرف أن شيئًا من القرآن محكمٌ؛ فإن ذلك إنما يُعرف إذا حصل اليقين بانتفاء (١) المعارض العقلي، وهذا النفي غير معلومٍ؛ إذ غاية ما يمكن انتفاء العلم بالمعارض، لا العلم بانتفائه. فإن قلتم: نحن نقول: إن صرف اللفظ عن ظاهره وإخراجه عن كونه محكمًا لا يجوز إلَّا عند قيام الدليل العقلي القطعي على أن ظاهره محالٌ ممتنعٌ. قيل: وأنتم تقولون مع ذلك: إن حمله على ظاهره لا يجب إلَّا إذا قام الدليل العقلي على أن ظاهره حقٌّ، فما لم يُعَضِّدْه دليلٌ عقليٌّ لم يُجزَمْ بثبوته. فالمعتمَد إذًا عندكم في النفي والإثبات على الدليل العقلي، والقرآن عديم التَّأثير، لا يُجزم بنفي ما نفاه، ولا بإثبات ما أثبته. وهذا قول مَن لم يُؤمن بما أنزل الله من الكتاب، ولا بما أُرسِل به الرسول. الوجه السَّابع والستون: أن أصحاب القانون لا يمكنهم إنكار أن الأدلة اللفظية تُفيد ظنًّا غالبًا، وإن لم تُفدهم يقينًا، وما عندهم ممَّا يُسمونه أدلة عقلية على نفي ما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة من الصِّفات، إنما هي أقوالٌ باطلةٌ، لا تُفيد عند (٢) التحقيق، لا علمًا ولا ظنًّا، بل جهلًا مركبًا يظن صاحبها [ق ٤٢ أ] أن معه علمًا، وإنما معه الجهل المركب، فهي في العلوم كأعمال مَن

стр. 529

خالَفَ الرُّسُل في الأعمال: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٨]. فهذا مثل أعمال هؤلاء، وعلوم أولئك. ولا ريب أن الظن المستفاد من الأدلة السمعية خيرٌ من هذا الجهل المركب، إلَّا أن يقول أرباب القانون: إن الأدلة اللفظية لا يستفاد منها علمٌ ولا ظنٌّ البتةَ. ولا يبتعد هذا من قولهم، وهم يقولون: إن ظاهرها باطلٌ وتشبيهٌ وتجسيمٌ. وإذا انتهى الأمر إلى هنا انتقلنا إلى إثبات أن محمدًّا رسول الله؛ فإن زاعم ذلك غير مقرٍّ برسالته (١) في نفس الأمر، كما تقدَّم (٢)، والله أعلم. الوجه الثَّامن والستون: أن هذا يتضمن القدح في أعظم آيات الربِّ الدَّالة على ربوبيته وحكمته، وجحد ما هو من أعظم نِعَمه على عباده. أمَّا الأول فلأن الله سبحانه جعل من آيات ربوبيته الهداية العامة لخلقه، كما قال: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (١) اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَاَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] وقال فرعون لموسى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٨) قَالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٨ - ٤٩]. فهَدَى كلَّ نَفْسٍ لجَلْب ما يُصلِحها وينفعها، ودَفْع ما يَضُرُّها ويُفسِدها، وخصَّ النوع الإنساني بأنواع أُخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق بها لهداية غيره. ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة، وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره، وذلك إنما هو بصفة النُّطْق التي هي أظهر ما في الإنسان، ولذلك شبَّه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال: ﴿فَوَرَبِّ اِلسَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ إِنَّهُ

стр. 530

لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. وأمَّا أن ذلك من أعظم نِعَم الله على عباده؛ فلأن الإنسان إنما يُميَّز عن سائر الحيوان بكمال هذه القوة وتمامها فيه، واقتداره منها على ما لم يقتدر عليه الحيوانات العُجْم. ولذلك عدَّد ذلك مِن نعمه على عباده في جملة ما أنعم به عليهم، فقال: ﴿اِلرَّحْمَنُ عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ (١) خَلَقَ اَلْإِنسَانَ عَلَّمَهُ اُلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وقال: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ (٣) اُلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ اَلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [اقرأ: ٣ - ٥] وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ اُلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. فإنكارُ حصول العلم واليقين من كلام المتكلم قدحٌ في أعظم آيات الله، وجحدٌ لما هو من أعظم نِعَمه. وكنَّا نظن أن قائل ذلك أراد أن بعض الأدلة اللفظية لا تفيد العلم واليقين حتى رأيناه قد صرَّح بأن شيئًا منها لا يُفيد اليقين البتةَ، ولا قَدْحَ في آياته ولا جَحْدَ لنِعَمه أبلغ من ذلك. الوجه التَّاسع والستون: أن هذا القول الذي قاله أصحاب القانون لم يُعرف عن طائفةٍ من طوائف بني آدم، لا طوائف المسلمين ولا اليهود ولا النصارى ولا أحد من أهل الملل (١)، ولا طوائف الأطِبَّاء ولا النُّحاة ولا أهل اللغة ولا أهل المعاني والبيان ولا غيرهم قبل هؤلاء. وذلك لظهور العلم بفساده، فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق، فإن بني آدم يتخاطبون ويكلِّم بعضهم بعضًا مخاطبةً ومكاتبةً، وقد أنطق الله سبحانه

стр. 531

بعض الجمادات وبعض أنواع الحيوانات بمثل نُطق بني آدم، فلم يَستَرِبْ سامع ذلك النطقِ في حصول العلم واليقين به؛ بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية. فقالت النملة لأُمة النمل: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فلم يشكَّ النمل ولا سليمان في مرادها وفهموه يقينًا، ولما علم سليمان مرادها يقينًا تبسَّم ضاحكًا منه، وخاطَبَ الهدهدَ وخاطبه الهدهدُ، فحصل للهدهد العلم اليقينيُّ بمراد سليمان من كلامه، وحصل لسليمان ذلك من كلام الهدهد، وذهب الهدهد بكتاب (١) سليمان لَمَّا حصل له اليقين من كلامه، وأرسل سليمان الهدهد والكتاب وفَعَلَ ما حكى الله لمَّا حصل له اليقين بمراد الهدهد من كلامه. وأنطق سبحانه الجبال بالتسبيح مع داود، وعلَّم سليمان مَنطِقَ الطير، وأسمع الصَّحابةَ تسبيح الطعام مع رسول الله ﷺ (٢)، وأسمع رسوله تسليم (٣) الحَجَر عليه (٤). أفيقول مؤمنٌ أو عاقلٌ: إن اليقين لم يكن يحصل للسامع بشيءٍ من مدلول هذا الكلام؟! فعُلِمَ أن هذا القول في غاية السفسطة وجَحْد الحقائق وقلبها وإفساد العقول والفطر.

стр. 532

الوجه السبعون: أن حاصل كلام أرباب القانون يدور على ثلاث مقدِّمات: الأولى: أن العلم بمراد المتكلم موقوفٌ على حصول العلم بما يدل على مراده. الثَّانية: أنه لا سبيل إلى العلم بمراده إلَّا بانتفاء هذه الأمور العشرة. الثَّالثة: [ق ٤٢ ب] أنه لا سبيل إلى العلم بانتفائها. فهذه ثلاث مقدمات، الأولى منها صادقة، والأُخريان (١) كاذبتان. أمَّا المقدمة الأولى فصحيحةٌ، والعلم بمراد المتكلم كثيرًا ما يكون علمًا اضطراريًّا، كالعلم بمخبر الأخبار المتواترة، فإن الإنسان إذا سمع مخبرًا يُخبر بأمرٍ حصل عنده ظنٌّ، ثم يقوى بالمخبر الآخر حتى يصير علمًا ضروريًّا، فكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداءً بالضرورة وقد يظنُّه، ثم يتكرر كلام المتكلم أو يتكرر سماعه له ولِما يدل على مراده، فيصير علمه بمراده ضروريًّا. وقد يكون الكلام بالمراد استدلالًا نظريًّا، وحينئذٍ فقد يتوقَّف على مقدِّمة واحدة، وقد يتوقف على مقدمتين أو أكثر بحسَب حاجة السَّامع وما عنده من القوة القريبة والبعيدة، وسرعة إدراكه وبطئه، وقلة تحصيله وكثرته، وحضور ذهنه وغيبته، وكمال بيان المتكلم وضعفه. فدعوى المدَّعي أن كل استدلالٍ بدليلٍ لفظيٍّ فإنه يتوقَّف على عشر مقدمات= فهذا باطلٌ قطعًا.

стр. 533

وأبطلُ منه دعواه أن كل مقدمةٍ فهي ظنية، فإن عامة المقدمات التي يتوقَّف عليها فَهْم مراد المتكلم قطعية في الغالب. وأبطلُ من ذلك دعواه أنه لا يُعلَم المراد إلَّا بعد العلم بانتفاء الدليل الدَّالِّ على نقيضه، فإن هذا باطلٌ قطعًا؛ إذ من المعلوم أن العلم بثبوت أحد الضدين ينفي العلم بثبوت الضد الآخر، فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال يناقضه. وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي، فإنه إذا علم المراد علم قطعًا أنه لا ينفيه دليلٌ آخر لا عقلي ولا سمعي؛ لأن ذلك نقيضٌ له، وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه. وحينئذٍ فينقلب هذا القانون عليهم بأن نقول: العلم بمدلول كلام الله ورسوله علمٌ يقينيٌّ قطعيٌّ لا يحتمل النقيض، فنحن نستدلُّ على بطلان كل ما يخالفه ويناقضه بثبوت العلم به، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الضد الآخر، وحينئذٍ فيُقطع ببطلان كل شُبهةٍ عقليةٍ تناقِضُ مدلول كلام الله ورسوله، وإن لم يُنظَر فيها على التفصيل. وهذا الأصل العظيم أصحُّ من قانونهم، وأقرب إلى العقل والإيمان وتصديق الرُّسل، وإقرار كلام الله ورسوله على حقيقته، وما يظهر منه. يُوضِّحه: الوجه الحادي والسبعون: وهو أن أرباب هذا القانون الذي منعهم استفادة اليقين من كلام الله ورسوله مضطربون في العقل الذي يعارض النقل أشد اضطراب. فالفلاسفة ـ مع شدة اعتنائهم بالمعقولات ـ أشدُّ النَّاس اضطرابًا في هذا الباب من طوائف أهل الملل، ومن أراد معرفة ذلك فلْيقِف على مقالاتهم في

стр. 534

كتب أهل المقالات، كـ «المقالات الكبير» للأشعري و «الآراء والديانات» للنَّوبَخْتِي وغير ذلك. وأمَّا المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب في العالم. فتأمَّلِ اختلاف فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام ومقالاتهم المذكورة في كتب المقالات، وقد ذكرها أبو الحسن الأشعري في كتاب «مقالات المصلين» وغيره ممَّن صنَّف في المقالات، وكلٌّ منهم يدَّعي أن صريح العقل معه، وأن مخالِفَه قد خرج عن صريح العقل، فنحن نصدِّق جميعهم، ونُبطِل عقل (١) كل فرقةٍ بعقل الفرقة الأخرى، ثم نقول للجميع: بعقل مَن منكم يُوزن كلام الله ورسوله، وأي عقولكم تُجعل معيارًا له فما وافقه قُبل وأُقر على ظاهره، وما خالفه رُدَّ أو أُوِّل أو فُوِّض؟! وأي عقولكم هو إحدى المقدمات العشر التي تتوقف إفادة كلام الله ورسوله لليقين على العلم بعدم معارضته له، أعقل أرسطو (٢) وشيعته، أم عقل (٣) أفلاطون وشيعته، أم فيثاغورس، ...................................

стр. 535

أم بندقليس (١)، أم سقراط، أم ثامسطيوس (٢)، أم الإسكندر بن فيلبس (٣). أم عقل الفارابي، [أم ابن سينا، أم محمد بن زكريا، أم ثابت بن قُرَّة] (٤)، أم عقل جهم بن صفوان، أم عقل النظَّام (٥)، ......................

стр. 536

أم عقل العلَّاف (١)، أم عقل الجُبَّائييْنِ (٢)، أم عقل بِشْر المَرِيسِي، أم عقل الإسكافي (٣)، أم عقل حسين النَّجار (٤)، ...................................

стр. 537

أم أبي يعقوب الشحَّام (١)، أم أبي الحسين الخياط (٢)، أم أبي القاسم البلخي (٣)، أم ثُمامة بن أشرس (٤)، .........................................

стр. 538

أم جعفر بن مُبَشِّر (١)، أم جعفر بن حرب (٢)، أم أبي الحسين الصَّالحي (٣)، أم أبي الحسين البصري (٤)، ................................................

стр. 539

أم أبي معاذ التُّومَني (١)، أم مُعمَّر بن عباد (٢)، أم هشام الفُوَطي (٣)، أم عَبَّاد بن سليمان (٤)؟!

стр. 540

أم تَرْضَوْن بعقول المتأخرين الذين هذَّبوا العقليات، ومحضوا (١) زُبدَتها، واختاروا لنفوسهم، ولم يَرضَوْا بعقول سائر مَن تَقدَّمهم؟! فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر الرَّازي، فبأي معقولاته تَزِنُون نصوص الوحي؟ وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه أشد الاضطراب، فلا يَثبُت على قولٍ (٢)، فعيِّنوا لنا عقلًا واحدًا من معقولاته ثبت عليه، ثم اجعلوه ميزانًا. أم ترضون بعقل نَصِير الشِّرك والكفر والإلحاد الطوسي (٣)؟! فإن له عقلًا آخر خالَفَ فيه [ق ٤٣ أ] سلفه من الملحدين، ولم يُوافق فيه أتباع الرُّسل.

стр. 541

أم ترضون عقول القرامطة (١) والباطنية (٢) والإسماعيلية (٣)، أم عقول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (٤)؟ فكل هؤلاء وأضعافهم وأضعاف أضعافهم يدَّعي أن المعقول الصريح معه، وأن مخالفيه خرجوا عن صريح المعقول، وهذه عقولهم تنادي عليهم في كتبهم وكتب النَّاقلين عنهم، ولولا الإطالة لعرضناها على السَّامع عقلًا عقلًا، وقد عرضها المُعتَنُون بذِكْر المقالات. فاجمعوها إن استطعتم، أو خذوا منها عقلًا واجعلوه ميزانًا لنصوص

стр. 542

الوحي وما جاءت به الرسل وعيارًا على ذلك، ثم اعْذِروا بعدُ مَن قدَّم كتاب الله وسُنة رسوله ـ الذي يسمونه الأدلة اللفظية ـ على هذه العقول المضطربة المتناقضة بشهادة أهلها وشهادة أنصار الله ورسوله عليها، وقال: إن كتاب الله ورسوله يُفيد العلم واليقين، وهذه العقول المضطربة المتناقضة إنما تُفيد الشك (١) والحيرة والريب والجهل المركب؛ فإذا تعارض النقل وهذه العقول أُخذ بالنقل الصريح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطَّت حيث حطَّها الله وحطَّ أصحابها، والله المستعان. الوجه الثَّاني والسبعون: أن الله سبحانه دعا إلى تدبُّر كتابه وتعقُّله وتفهُّمه، وذمَّ الذين لا يفهمونه ولا يعقلونه، وأَسجَلَ عليهم بالكفر والنفاق، فقال عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاَتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ اُلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] وقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ اَلْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٧]. فالقائل: «إن كتاب الله وسُنة رسوله لا يُستفاد منهما يقينٌ» من جنس هؤلاء لا فرق بينهم وبينه. وأمَّا من يستفيد منهما (٢) العلم واليقين فهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. وهؤلاء يرونه

стр. 543

غير مفيدٍ لليقين. وقد كشف سبحانه حال الفريقين بقوله: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا اُلْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ٢١] وقال: ﴿* مَثَلُ اُلْفَرِيقَيْنِ كَاَلْأَعْمَى وَاَلْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَاَلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]. الوجه الثَّالث والسبعون: أن أدلة القرآن والسُّنَّة ـ التي يُسمِّيها هؤلاء الأدلة اللفظية ـ نوعان: أحدهما: يدل بمجرد الخبر. والثَّاني: يدل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي. والقرآن مملوءٌ من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدَّالة عليه وعلى ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته. فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول، وهو مجرد الخبر، فلم يتجرد إخباره سبحانه عن آيات تدلُّ على صدقها، بل قد بيَّن لعباده في كتابه من البراهين الدَّالة على صدقه وصدق رسوله ما فيه شفاءٌ وهدًى وكفايةٌ. فقول القائل: «إن تلك الأدلة لا تُفيد اليقين» إن أراد به النوع المتضمن لذكر الأدلة العقلية العيانية؛ فهذا من أعظم البَهت والوقاحة والمكابرة، فإن آيات الله التي جعلها أدلةً وحُجَجًا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله إن لم تُفد (١) يقينًا لم يُفد دليلٌ بمدلولٍ أبدًا. وإن أراد به النوع الأول الدَّال بمجرد الخبر فقد أقام (٢) الله سبحانه

стр. 544

الأدلة القطعية والبراهين اليقينية على ثبوته، فلم يُحِلْ عبادَه فيه على خبرٍ مجردٍ لا يستفيدون ثبوته إلَّا من الخبر نفسه دون الدليل الدال ِّعلى صدق الخبر. وهذا غير الدليل العامِّ الدالِّ على صدقه فيما أخبر به، بل هو الأدلة المتعددة الدَّالة على التوحيد وإثبات الصِّفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان. فلا تجد كتابًا قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن. فأدلته لفظية عقلية، فإن لم يفد اليقين: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [الجاثية: ٥]. فصل فهذا الطَّاغوت الأول وهو قولهم: إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين. فإن قيل: فقد دلَّ القرآن على أن فيه محكمًا ومتشابهًا، ومعلوم أن المتشابه هو الذي يشبته (٢) المراد به بغيره، وهو آيات الصِّفات، فلو أفادت اليقين لم تكن متشابهة. قيل: هذا السؤال مبنيٌّ على ثلاث مقدِّماتٍ: أحدها: أن القرآن متضمن للمتشابه. الثانية: أن المتشابه هو آيات الصِّفات. الثالثة: أن المتشابه لا يمكن حصول العلم واليقين بمعناه.

стр. 545

وسنفرد الكلام على هذا بفصلٍ مستقلٍّ (١) بعد كسر الطواغيت الأربعة التي نصبوها لهدم معاقل (٢) الدِّين، ونبيِّن معنى [ق ٤٣ ب] المحكم بمعناه، ونبيِّن أن آيات الصِّفات محكمةٌ فإنها من أبين الكتاب إحكامًا، وأن ما تضمنته من الإحكام أعظم ممَّا تضمنه ما عداها، بعون الله وتوفيقه. * * * * *

стр. 546

فصل (١) في الطَّاغوت الثَّاني وهو قولهم: إن تعارَضَ العقل والنقل وجب تقديم العقل ؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدَّمنا عليه النقل لبطل العقل، وهو أصل النقل، فلزم بطلان النقل، فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل، فتعيَّن القسم الرَّابع، وهو تقديم العقل. فهذا الطَّاغوت أخو ذلك القانون، فهو مبنيٌّ على ثلاث مقدمات: الأولى: ثبوت التعارُض بين العقل والنقل. الثَّانية: انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذُكرت فيه. الثَّالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت الرَّابع. وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مَزِيدَ عليه، وبَيَّنَ بطلانَ هذه الشُّبهة وكَسَّرَ هذا الطَّاغوت في كتابه الكبير (٢). ونحن نشير إلى كلماتٍ يسيرةٍ هي قطرة من بحره تتضمن (٣) كسره ودحضه، وذلك يظهر من وجوهٍ: الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يُقال: إذا تعارَضَ دليلان سمعيَّان أو عقليان (٤) أو سمعيٌّ وعقليٌّ فإمَّا أن

стр. 547

يكونا (١) قطعيَّيْن، وإمَّا أن يكونا ظنِّييْن، وإمَّا أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا. فأمَّا القطعيان فلا (٢) يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارَضا لَزِمَ الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشكُّ فيه أحدٌ من العقلاء. وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعيِّ، سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا. وإن كانا جميعًا ظنييْن صرنا إلى الترجيح، ووجب تقديم الرَّاجح منهما، سمعيًّا كان أو عقليًّا. فهذا تقسيمٌ واضحٌ (٣) متفَقٌ على مضمونه بين العقلاء. فأمَّا إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقًا فخطأٌ واضحٌ، معلوم الفساد عند العقلاء. الوجه الثَّاني: أن قوله: «إذا تعارض العقل والنقل» فإمَّا أن يريد (٤) به القطعيين فلا نُسلِّم إمكان التعارض، وإمَّا أن يريد به الظنييْن فالتقديم للراجح مطلقًا، وإمَّا أن يريد ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي (٥) هو المقدَّم مطلقًا، فإذا قُدِّرَ أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي، لا لأنه عقلي. فعُلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأٌ، وأن جعْل جهة

стр. 548

الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التَّأخير والاطِّراح كونه نقليًّا خطأ. الوجه الثَّالث: أنَّا لا نُسلِّم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة، إذ من الممكن أن يُقال: يُقدَّم العقلي تارةً، والسمعي تارةً، فأيهما كان قطعيًّا قُدِّم. فدعواه أنه لا بد من تقديم العقل مطلقًا أو السمع مطلقًا أو اعتبار الدليلين معًا أو إلغائهما معًا دعوى كاذبة، بل هاهنا قسمٌ غير هذه الأقسام وهو الحقُّ، وهو ما ذكرناه. الوجه الرَّابع: قوله: «إنْ قدَّمنا النقل لَزِمَ الطعن» فحاصله ممنوعٌ، فإن قوله: «العقل أصل (١) النقل» إمَّا أن يريد به أنه أصلٌ في ثبوته في نفس الأمر، أو أصلٌ في علمنا بصحَّته. فالأول لا يقوله عاقلٌ، فإن ما هو ثابتٌ في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به؛ فعدم عِلْمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصَّادق المصدوق هو ثابتٌ في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدَّقه النَّاس أو لم يصدِّقوه، كما أنه رسول الله حقًّا وإن كذَّبه مَن كذَّبه، كما أن وجود الربِّ تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حقٌّ، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فلا يتوقَّف ذلك على وجودنا (٢)، فضلًا عن علومنا وعقولنا. فالشرع المنزَّل من عند الله مستغنٍ في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه، وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإذا علم العقل ذلك حصل له كمالٌ لم يكن قبل ذلك، وإذا فقده (٣) كان ناقصًا جاهلًا. وأمَّا إن أراد أن العقل أصلٌ في معرفتنا بالسمع ودليلٌ على صِحَّته، وهذا

стр. 549

هو مراده. فيقال له: أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا، أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة؟ فالأول: لم تُرِدْه، وتمتنع إرادته؛ لأن تلك الغريزة ليست علمًا يمكن معارضته للنقل، وإن كانت شرطًا في كل علمٍ عقليٍّ أو سمعيٍّ، وما كان شرطًا في الشيء امتنع أن يكون منافيًا له. وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة (١) بالعقل، قيل لك: ليس كل ما يُعرف بالعقل يكون أصلًا للسمع ودليلًا على صحَّته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تُحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يُعلم صدق [ق ٤٤ أ] الرَّسول من العقليات، وليس كل العلوم العقلية يُعلم بها صدق الرَّسول، بل ذلك يُعلم بالآيات والبراهين الدَّالة على صدقه. فعُلم أن جميع المعقولات ليس أصلًا للنقل، لا بمعنى توقُّف (٢) العلم بالسمع عليها، ولا بمعنى توقُّف ثبوته في نفس الأمر عليها، لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات كالأشعري ـ في أحد قولَيْه ـ وأكثر أصحابه يقولون: إن العلم بصدق الرَّسول (٣) عند ظهور المعجزات الحادثة ـ [التي] (٤) تجري [مَجرى] (٥) تصديقه (٦) ...................................................

стр. 550

بالقول (١) ـ [عِلْمٌ] (٢) ضروريٌّ (٣). فحينئذٍ ما (٤) يتوقف عليه العلم بصدق الرَّسول من العلم العقلي سهلٌ يسيرٌ، مع أن العلم بصدقه له طرقٌ كثيرةٌ متنوعةٌ. وحينئذٍ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحًا في أصل السمع، وهذا ـ بحمد الله ـ بيِّنٌ واضحٌ. وليس القدح في بعض العقليات قدحًا في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحًا في جميعها. فلا يلزم من صحة المعقولات التي يبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فلا يلزم من تقديم السمع على ما يُقال: إنه معقولٌ في الجملة القدحُ في أصله. الوجه الخامس: أن يُقال: العقل إمَّا أن يكون عالمًا بصدق الرَّسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإمَّا ألَّا يكون عالمًا بذلك. وإن لم يكن عالمًا امتنع التعارُض عنه لأن المعقول إن كان معلومًا له لم يتعارَض معلومٌ ومجهولٌ، وإن لم يكن معلومًا لم يتعارض مجهولان. وإن كان عالمًا بصدق الرَّسول امتنع ألَّا يعلم ثبوت ما أَخبَر به في نفس الأمر، إذا علم أنه أَخبَر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن (٥) يكون عالمًا بثبوت مخبره. وإن كان كذلك استحال أن يقع عنده دليلٌ يعارض ما أخبر به، ويكون ذلك المعارض

стр. 551

واجب التقديم؛ إذ مضمون ذلك أن يُقال: لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به؛ لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أن المخبر صادقٌ، وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا الخبر؛ لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه. فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور. فإذا قيل لي: لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه، كان كما لو قيل: كذِّبْه لئلا يلزم تكذيبه. فهكذا حال من أمر النَّاس ألَّا يُصدِّقوا الرَّسول فيما علموا أنه أخبر به بعد علمهم أنه رسول؛ لئلا يُفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه. يوضحه: الوجه السَّادس: وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور، فيكون واقعًا في المنهي عنه، سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركًا للمأمور به، سواء أطاع أو عصى، ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطَّاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية. والمنهي عنه على (١) هذا التقدير هو التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذٍ فلا يجوز النهي عنه، سواء كان محذورًا أو لم يكن، فإنه إن لم يكن محذورًا لم يَجُز أن ينهى عنه، وإن كان محذورًا فلا بد منه على التقديرين، فلا فائدة في النهي عنه. الوجه السَّابع: أنه إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان أمرًا له بما يناقض ما علم به صدقه، وكان أمرًا له بما يُوجب ألا يثق بشيءٍ من خبره ؛ فإنه متى جوَّز كذبه أو غلطه في خبرٍ جوَّز ذلك في غيره، ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرَّسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله سبحانه وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم؛

стр. 552

لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أنواع: نوع يجب ردُّه وتكذيبه، ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته، ونوع يُقَرُّ. وليس لهم في ذلك أصلٌ يرجعون إليه، بل هذا يقول: ما أَثبَتَه عقلُك فأَثْبِتْه، وما نفاه عقلك فانْفِه. وهذا يقول: ما أَثبَتَه كشفُك فأَثْبِتْه، وما لا فلا. ووجود الرَّسول عندهم كعدمه في المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية، بل على قولهم وأصولهم وجوده أضرُّ من عدمه؛ لأنهم لم يستفيدوا من جهته علمًا بهذا الشأن، واحتاجوا إلى دفع ما جاء به، إمَّا بتكذيبٍ، وإمَّا بتأويلٍ، وإمَّا بإعراضٍ وتفويضٍ. فإن قيل: لا يمكن أن يُعلم أنه أخبر بما ينافي العقل؛ فإنه منزَّهٌ عن ذلك، وهو ممتنعٌ عليه. قيل: هذا إقرارٌ باستحالة معارضة العقل للسمع، واستحالة المسألة، وعُلم أن جميع أخباره لا يناقض العقل فيها شيءٌ. فَغَدَا النَّقْلُ سَالِمًا مِنْ مُنَافٍ … وَاسْتَرَحْنَا مِنَ الصُّدَاعِ جَمِيعَا (١) فإن قيل: بل المعارضة ثابتةٌ بين العقل وبين ما يُفهِمه ظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به الرَّسول، فالمعارضة ثابتةٌ بين العقل وبين ما يظهر أنه دليلٌ وليس بدليلٍ، أو (٢) يكون دليلًا ظنيًّا لتطرُّق الظنِّ إلى بعض مقدماته إسنادًا أو متنًا.

стр. 553

قيل: وهذا [ق ٤٤ ب] يرفع صورة المسألة ويُحيلها بالكلية، وتصير صورتها هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليلٍ صحيحٍ وجب تقديم العقلي. وهذا كلامٌ لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليلٍ. ثم يُقال: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليلٍ في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته جهلٌ، أو بما يظن أنه دليلٌ وليس بدليلٍ= فإن كان السمعي في نفس الأمر كذلك ـ لكونه خبرًا مكذوبًا، أو صحيحًا وليس فيه ما يدل على معارضة العقل (١) بوجهٍ ـ وأثبتُّم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه، وكُنَّا أسعد (٢) بذلك منكم؛ فإنَّا أشدُّ نفيًا للأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ، وأشدُّ إبطالًا لما تحمله من المعاني الباطلة وأولى بذلك منكم. وإن كان الدليل السمعي صحيحًا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد لم يكن ما عارضه من العقليات إلَّا خيالات فاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأمَّلها العاقل حقَّ التَّامل ومشى إلى آخرها وجدها مخالفة لصريح المعقول. وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقليٍّ خالَفَ دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة. وحينئذٍ فإذا عارض هذا المسمَّى دليلًا عقليًّا للسمع وجب اطِّراحه لفساده وبطلانه. ولبيان العلم ببطلانه طريقان: كلي وجزئي.

стр. 554

أمَّا الكلي فنقطع بأن كل دليلٍ عقليٍّ خالف السمعي الصريح الصحيح فهو باطلٌ في نفسه، مخالفٌ للعقل قبل أن ينظر في مقدماته. وأمَّا الجزئي فإنك إذا تأمَّلت جميع ما يدعوك به معارض السمع وجدته ينتهي إلى مقدماتٍ باطلةٍ بصريح العقل، لكن تَلَقَّاها مُعْوِرٌ عن مُعْوِرٍ (١)، فظنوها عقليات، وهي في التحقيق جهلٌ مركبٌ. وحينئذٍ فالواجب تقديم الدليل السمعي للعلم بصحته، وما عارضه فإمَّا معلوم البطلان، وإمَّا غير معلوم الصحة، وذلك أحسن أحواله. الوجه الثَّامن: أنه إذا اعتُقد في الدليل السمعي أنه ليس بدليلٍ في نفس الأمر بل اعتقاد دلالته على مخالف ما زعمتوه من العقل جهلٌ؛ أمكن أتباع الرسل المصدِّقين بما جاؤوا (٢) به أن يعتقدوا في أدلتكم العقلية أنها ليست بأدلةٍ في نفس الأمر، وأن اعتقاد دلالتها جهلٌ، ويرمون أدلتكم بما رميتم به الأدلة السمعية، ثم الترجيح من جانبهم من وجوهٍ متعددةٍ. وكانوا في هذا الرمي أحسن حالًا منكم وأعذر، فإن معهم من البراهين الدَّالة على صحة ما

стр. 555

أخبر به السمع إجمالًا وتفصيلًا من المعقول أصح ممَّا (١) معكم، ولا تذكرون معقولًا يعارض ما ورد به الوحي إلَّا ومعهم معقولٌ أصح منه يُصدِّقه ويُؤيِّده. الوجه التَّاسع: أن يُقال: لو قُدِّر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع؛ لأن العقل قد صدَّق الشرع، ومِن ضرورة تصديقه له قبول خبره، والشرع لم يُصدِّق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصِدْق الشرع موقوفٌ على كل ما يخبر به العقل. ومعلوم أن هذا المسلك إذا سُلك أصح من مسلكهم، كما قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يُعرفك صدق الرَّسول ومعاني كلامه، ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر: العقل سلطانٌ ولَّى الرَّسول ثم عزل نفسه. لأن (٢) العقل دلَّ على أن الرَّسول يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولأن العقل يدل على صدق الرَّسول دلالةً عامةً مطلقةً، ولا يدل على صدق قضايا نفسه دلالةً عامةً؛ ولأن العقل يغلط كما يغلط الحسُّ، وأكثر من غلطه بكثيرٍ، فإذا كان حكم الحسِّ من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض، فما الظن بالعقل؟! الوجه العاشر: أن العقل مع الوحي كالعامِّي المقلِّد مع المفتي العالم، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة لا تُحصى، فإن المقلِّد يمكنه أن يصير عالمًا، ولا يمكن للعالم أن يصير نبيًّا رسولًا. فإذا عرف المقلِّد عين المفتي ودلَّ

стр. 556

غيره عليه أنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدالُّ والمفتي فإن المستفتي (١) يجب عليه قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّه (٢) وعرَّفه بالمفتي. فلو قال له الدَّالُّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأنِّي أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمتَ قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فلزم القدح في فرعه. فيقول له المستفتي: أنت لمَّا شهدت بأنه مفتٍ، ودللت على ذلك شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعيَّن لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي ـ الذي هو أعلم منك ـ لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ. وأنت إذا علمت أنه مفتٍ باجتهادٍ واستدلالٍ، ثم خالفته باجتهادٍ واستدلالٍ، كنت مخطئًا في الاجتهاد والاستدلال الذي خالفت به مَن يجب عليك تقليدُه واتِّباعُ قوله، وإن أصبت في الاجتهاد [ق ٤٥ أ] والاستدلال الذي به علمت أنه مفتٍ مجتهدٌ يجب عليك تقليده. هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرَّسول معصومٌ في خبره عن الله، لا يجوز عليه الخطأ. الوجه الحادي عشر: أن الدليل الدَّال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله لا يجب أن يكون أصلًا له، بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على قوله يلزم إبطاله، وهذا لا يقوله من يدري ما يقول. غاية ما يُقال: إن العلم بالدليل أصل للعلم بالمدلول، فإذا حصل العلم

стр. 557

بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه في كل شيءٍ. فإذا شهد النَّاس لرجلٍ بأنه خبيرٌ بالطب أو التقويم (١) أو العيافة (٢) دونهم، ثم تنازع الشهود والمشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود له. فلو قالوا (٣): نحن شهدنا لكم وزكَّيناكم، وبشهادتنا ثبتت أهليَّتُكم، فتقديم قولكم علينا والرجوع إليكم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولكم. قالوا لهم: أنتم شهدتم بما علمتم أنَّا أهلٌ لذلك دونكم، وأن أقوالنا فيه مقبولة دون أقوالكم. فلو قدَّمنا قولكم على أقوالنا فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحًا في شهادتكم وعلمكم بأنَّا أعلم منكم. وحينئذٍ فهذا وجهٌ ثاني عشر مستقلٌّ بكسر هذا الطَّاغوت: وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع؛ لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل أو تلك التي (٤) تعلَقُ بالإصبع بالنسبة إلى البحر (٥)؛ فلو قدِّم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادته،

стр. 558

وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله. فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به. يوضحه: الوجه الثَّالث عشر: وهو أن الشرع مأخوذٌ عن الله بواسطة الرسولين المَلَكي والبشري بينه وبين عباده، مؤيَّدًا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارةً، ويستحسنه تارةً، ويجوِّزه تارةً، ويَكِعُّ (١) عن دَرَكه تارةً؛ ولا سبيل له إلى الإحاطة به، ولا بد له من التسليم والانقياد لحكمه والإذعان والقبول. وهناك يسقط «لِمَ»، ويبطل «كيف»، ويزول «هلَّا»، ويذهب «لو» و «ليت» في الريح؛ لأن هذه المواد عن الوحي محبوسة (٢)، واعتراض المعترض عليه مردودٌ، واقتراح المقترح ما يظن أنه أولى منه سَفَهٌ. وجملة الشريعة مشتملة على أعلى أنواع الحكمة علمًا وعملًا، التي لو جُمعت حِكَم جميع الأُمم ونُسبت إليها لم يكن لها إليها نسبة، وهي متضمنة لأعلى المطالب بأقرب الطرق وأتمِّ البيان، فهي متكفلةٌ بتعريف الخليقة ربَّها وفاطرها المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتعريف الطريق الموصِّل إلى رضاه وكرامته، والدَّاعي لديه، وتعريف حال السَّالكين بعد الوصول إليه. ويقابل هذه الثلاثة تعريفهم حال الدَّاعي إلى الباطل

стр. 559

والطُّرُق الموصلة إليه، وحال السَّالكين تلك الطُّرق، وإلى أين تنتهي بهم. ولهذا تقبَّلَها العقولُ الكاملة أحسن تقبُّلٍ، وقابلتها (١) بالتسليم والإذعان، واستدارت حولها بحماية حوزتها والذبِّ عن سلطانها. فبين (٢) ناصرٍ باللغة السَّائغة (٣)، وحامٍ بالعقل الصريح، وذابٍّ عنه بالبرهان (٤)، ومجاهدٍ بالسيف والرمح والسِّنان، ومتفقِّهٍ في الحلال والحرام، ومعتنٍ (٥) بتفسير القرآن، وحافظٍ لمتون السُّنَّة وأسانيدها، ومفتِّشٍ على أحوال (٦) رواتها، وناقدٍ لصحيحها من سقيمها، ومعلولها من سليمها. فهذه (٧) الشريعة ابتداؤها من الله، وانتهاؤها إليه، فمنه بدأت، وإليه تعود. ليس فيها حديث المنجم في تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك (٨) وهيآتها ومقادير الأجرام (٩)، ولا حديث التربيع والتثليث والتسديس (١٠) والمقارنة (١١).

стр. 560

ولا حديث صاحب الطبيعة النَّاظر في آثارها واشتباك الأُسْتُقُصَّات (١) وامتزاجها وقواها، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وما الفاعل منها وما المنفعل، وكم درجاتها، وإلى أين تسري قواها؟ ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومعاطفها، وما الكرة وما الدَّائرة وما الخط المستقيم والمنحني؟ ولا فيها هذيان المنطقيين وبحوثهم في النوع والجنس والفصل والخاصة والعَرَض العام والمقولات العشر (٢) والمختلطات (٣)، والموجهات (٤) الصَّادرة عن رجلٍ مشركٍ من يونان، كان يعبد الأوثان،

стр. 561

ولا يعرف الرحمن، ولا يصدق بمعاد الأبدان، ولا أن الله يرسل رسولًا بكلامه إلى نوع الإنسان، فجعَلَ هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل عقل هذا الرجل عيارًا على كتب الله المنزَّلة وما أَرسل به رسله، فما زكَّاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه بعقله قَبِلوه، وما لم يزكِّه تركوه. ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء وأتباعهم، صحيحةً لكان صاحب الشريعة يُقوِّم شريعته بها ويكملها باستعمالها، وكان الله سبحانه يُنبِّه (١) عليها، ويحضُّ على التمسُّك بها، ويتقدم إلى عباده بالتمسُّك بها وبعلمها (٢) وتعليمها، ويفرض عليهم القيام بها. فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدِّين من الفلسفة؟! وأين كلام ربِّ العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعُبَّاد الأصنام والصَّابئين؟! وأين المعقولات المؤيَّدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا، وأتباع هؤلاء ممَّن لا يُؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟! وأين العلم المأخوذ عن الوحي النَّازل من عند ربِّ العالمين إلى الشُّبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين؟! فإن أَدْلَوْا بالعقل (٣) فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء.

стр. 562

وإن أَدْلَوْا برؤسائهم وأئمَّتهم كفرعون ونمرود وبطليموس وأرسطاطاليس ومقلدتهم وأتباعهم، فلم يزل أعداء الرسل يعارضونهم بهؤلاء وأمثالهم، ويقدمون عقولهم على ما جاءوا به. ويا للَّهِ العَجَبُ! كيف يُعارَض قول الرَّسول بقول الفيلسوف، وعلى الفيلسوف أن يتبع الرُّسل، وليس على الرُّسل أن تتبع الفيلسوف، فالرَّسول مبعوثٌ، والفيلسوف مبعوثٌ إليه، والوحي حاكمٌ، والعقل محكومٌ عليه؛ ولو كان العقل يُكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غنًى، على أن منازل الخلق (١) متفاوتة في العقل أعظم تفاوت، وأبصارهم مختلفة، وليس العقل بأَسْره في واحدٍ من النَّاس أو طائفةٍ معيَّنةٍ حتى يكون تقديم عقولهم على (٢) ما جاءت به الرُّسل، بل لكل طائفةٍ معقولٌ مخالفٌ معقولَ الأخرى. فمن أظلم وأشد عداوةً للرسل ممَّن جوَّز لكل طائفةٍ من طوائف العقلاء أن يقدم عقولها على ما جاءت به الرسل؟! فإن قالوا: إنما نُقدِّم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان، على نصوص الأنبياء. فقد رَمَوُا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه، وهو أنهم جاؤوا بما يخالف العقل الصريح الذي لا يختلف فيه اثنان. هذا، وقد شهد الله ـ وكفى به شهيدًا ـ وشهد بشهادته الملائكة وأولو العلم أن طريقة الرُّسل (٣) هي الطريقة البرهانية المتضمنة للحكمة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ قَد

стр. 563

جَّاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٣] وقال: ﴿وَأَنزَلَ اَللَّهُ (١) عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٢]. فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي، النَّاطقة (٢) بالرشد، الدَّاعية إلى الخير، الواعدة بحسن المآب، المبينة لحقائق الأنباء، المعرِّفة بصفات ربِّ الأرض والسماء. وإن الطريقة (٣) التقليدية التخمينية الخَرْصية (٤) هي المأخوذة من المقدمتين والنتيجة والدعوى، التي ليس مع أصحابها إلَّا الرجوع إلى رجلٍ من يونان (٥)، كان يعبد الأوثان، ويجحد بالرحمن، فوضع بعقله قانونًا يصحح به بزعمه علوم الخلائق وعقولهم، فلم يستفد به عاقلٌ تصحيحَ مسألةٍ واحدةٍ في شيءٍ من علوم بني آدم، بل ما وُزن به علم إلَّا أفسده، وما برع فيه أحدٌ إلَّا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن الإنسان. فما استُفيد بهذا العقل العائل إلَّا تعطيل الصَّانع عن صفات كماله ونعوت جلاله وعن أفعاله، والكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ومن العجب أن هؤلاء الأوقاح جعلوا نصوص الأنبياء من باب الظنون، وهي من الوحي، وجعلوا كلمات المنطقيين وقواعد الفلاسفة والجهمية من باب اليقين، ثم عارضوا بينهما، وقدَّموا هذه على نصوص الأنبياء! فالشريعةُ

стр. 564

ظهرت من الله على لسان أكمل الخلق عقلًا، وأعظمهم معرفةً، وأتمهم يقينًا؛ وعقلياتُكم ظهرت من جهة رجالٍ فكَّروا وقدَّروا، وظنوا وخَرَصُوا، وتَعِبوا وما أَغْنَوْا، ونَصَبُوا وما أخذوا، وحاموا وما وردوا، ونسجوا فهلهلوا (١)، ومَشَطُوا ففلفلوا (٢). سافروا في دَرَك المطالب العالية على غير الطريق فما ربحوا إلَّا أذى السفر، وبحثوا في البلاد بغير دليلٍ فلم يقفوا للمطلوب على عينٍ ولا أثر. رَضُوا بالدَّعَاوَى وابْتُلُوا بِخَيَالِهِمْ … وَخَاضُوا بِحَارَ الْفِكْرِ وَالْقَوْمُ مَا ابْتَلُّوا فَهُمْ فِي السُّرَى لَمْ يَبْرَحُوا مِنْ مَكانِهِمْ … وَمَا ظَعَنُوا فِي السَّيْرِ عَنْهُ وَقَدْ كَلُّوا لَهُمْ كُلَّ وَقْتٍ حَيْرَةٌ بَعْدَ حَيْرَةٍ … وَجَهْلٌ عَلَى جَهْلٍ فَلَا بُورِكَ الْجَهْلُ (٣) الوجه الرَّابع عشر: أن الأُمة اختلفت ضروبًا من الاختلاف في الأصول والفروع، وتنازعوا فنونًا من التنازع في المشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويل والأخبار، وتفرَّقت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها، فصارت أصنافًا وفِرَقًا، كالخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة؛ فما فَزِعَت طائفة من طوائف الأمة في اختلافها إلى منطق ولا فيلسوف، ولا إلى عقل يخالف صريح النقل، ولا قالت طائفة من هذه الطوائف: عقولنا [ق ٤٦ أ]

стр. 565

مقدَّمة على ما جاء به الرَّسول. وإن أشقَوا (١) مذاهبهم بالتأويل لما (٢) جاء به، فلم تُقدِم طائفةٌ منهم على ما أقدمت عليه هذه الفرقة وقالوا: العقل أولى بالاتباع ممَّا جاء به الرَّسول، ولا قالت فرقة من هذه الفرق لأصحاب هذه المعقولات: أَعِينُونا بما عندكم، واشهدوا لنا وعلينا بما قِبَلكم؛ ولا حققت مقالتها بشهادتهم، ولا استعانت بطريقتهم، ولا وجدت عندها علمًا ومعرفةً لم تجده في كتاب ربِّها وسُنة نبيِّها. وكما لم تجد أحدًا من فِرَق هذه الأُمة يَفزَع إلى أرباب هذه العقول في شيءٍ من دينها، فكذلك كانت أُمة موسى وعيسى لم تُعَوِّل على هؤلاء في شيءٍ من أمر دينها، بل ما زال أهل الملل يُحذِّرون من هؤلاء أشد التحذير، وينفرون منهم أشد التنفير، عِلمًا بأنهم سُوس الملل وأعداء الرُّسل. وأنت إذا تأمَّلت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدتها متفقةً على تقديم الوحي على العقل، ولم يُؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها عليه هؤلاء من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي، فإن هذا أساس طريقة أعداء الرُّسل، فهم متفقون على هذا الأصل، ومنهم أُخذ وعنهم تُلقِّي، كما حكى الله سبحانه عنهم في كتابه أنهم عارضوا شرعه ودينه بآرائهم وعقولهم، ولكن الفرق بينهم وبين هؤلاء [أن] (٣) أولئك جاهَروا بتكذيب الرُّسل ومعاداتهم، وهؤلاء أقرُّوا برسالاتهم، وانتسبوا في الظاهر إليهم، ثم نقضوا ما أقرُّوا به، وقالوا: يجب تقديم عقولنا وآرائنا على ما جاءوا به. فهم أعظم ضررًا على
следующие страницы →