← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

[ق ٩١ ب] وقوله: ﴿اَللَّهُ اُلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ وَسَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ يُفَصِّلُ اُلْأيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهْوَ اَلَّذِي مَدَّ اَلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ اِلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اِلَّيْلَ اَلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي اِلْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي اِلْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤]. وقوله: ﴿إِنَّ فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ لَأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٢) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٣) وَاَخْتِلَافِ اِلَّيْلِ وَاَلنَّهارِ وَمَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ اَلسَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ اِلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ اِلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) تِلْكَ آيَاتُ اُللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اَللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢ - ٥]. وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ وَاَخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ (٢١) * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَاَلنَّهارِ وَاَبْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ اُلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنزِلُ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ اِلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ اَلسَّمَاءُ وَاَلْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ اَلْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ١٩ - ٢٤].

стр. 877

وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ اَلْعَزِيزُ اُلْعَلِيمُ (٨) اُلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اُلْأَرْضَ مِهَادًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٩) وَاَلَّذِي نَزَّلَ مِنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٠) * وَاَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ اَلْفُلْكِ وَاَلْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١١) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٢) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ٨ - ١٣]. وقوله: ﴿قُلِ اِلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ اِلَّذِينَ اَصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٦١) أَمَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ اَلسَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَالَاهٌ مَّعَ اَللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٢) أَمَّن جَعَلَ اَلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَالَاهٌ مَّعَ اَللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦٣) أَمَّن يُجِيبُ اُلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ اُلسُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ اَلْأَرْضِ أَالَاهٌ مَّعَ اَللَّهِ قَلِيلًا مَّا يَذَّكَّرُونَ (٦٤) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ اِلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ اُلرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَالَاهٌ مَّعَ اَللَّهِ تَعَالَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٥) أَمَّن يَبْدَأُ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ اَلسَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ أَالَاهٌ مَّعَ اَللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦١ - ٦٦]. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اُللَّهُ اُلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اِلَّيْلَ اَلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَاَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ وَاَلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ اُلْخَلْقُ وَاَلْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ اُلْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٣].

стр. 878

وقوله: ﴿وَهْوَ اَلَّذِي يُرْسِلُ اُلرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّت سَّحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيْتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ اِلْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ اِلثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ اُلْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اُلْأَرْضُ اُلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٢) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ اَلْعُيُونِ (٣٣) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٤) سُبْحَانَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ اُلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٥) وَآيَةٌ لَّهُمُ اُلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ اُلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (٣٦) وَاَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ اُلْعَزِيزِ اِلْعَلِيمِ (٣٧) وَاَلْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَاَلْعُرْجُونِ اِلْقَدِيمِ (٣٨) لَا اَلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ وَلَا اَلَّيْلُ سَابِقُ اُلنَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٩) وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي اِلْفُلْكِ اِلْمَشْحُونِ (٤٠) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤١) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (٤٢) إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس: ٣٢ - ٤٣]. وقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ اِلْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ اِلصُّلْبِ وَاَلتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]. وقوله: ﴿فَلْيَنظُرِ اِلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) إِنَّا صَبَبْنَا اَلْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا اَلْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١]. [ق ٩٢ أ] وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ اِلْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اَلَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا اَلنَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنزَلْنَا مِنَ اَلْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦].

стр. 879

إلى أضعاف أضعاف ذلك، كما ذكر في سورة ق والذاريات والطور والرحمن والمرسلات وسورة إبراهيم والحجر والنحل، فتأمل أدلة سورة النحل من أولها إلى قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اَلْبَلَاغُ اُلْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ اُلْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٢ - ٨٣]. وما ذكر في سورة لقمان والسجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى اَلْإِنسَانِ﴾ وآخر الغاشية وسورة البلد والشمس وضحاها، وما ذكر في سورة الأنعام وسورة الصافات وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والفرقان من الأدلة التي هي للبصائر كالشمس للأبصار، فأبى المتكلمون إلَّا دليل الجواهر والأعراض والحركة والسكون والاجتماع والافتراق. ولعمر الله لم يزل إيمان الخلق صحيحًا حتى حدثت هذه الأدلة المبتدعة (١) الباطلة، فأوقعت الأمة في العناء الطويل، وفرقت الكلمة، وعارضت بين العقل والوحي، وألقت بينهم العداوة والتباغض والتلاعن، حتى استحل بعضهم من بعضٍ ما لم يستحل مثلها المحاربون للإسلام وأهله، وحتى فُتح على النصوص باب التحريف والتأويل، ورُميت بأنها أدلة لفظية لا تُفيد اليقين، وساءت ظنون أتباع هؤلاء بوحي ربِّ العالمين، وهذا كله ببركة هذه الطريق المخالفة للسمع والعقل. فالله سبحانه نَهَجَ لعباده الطريق الموصلة إلى معرفته والإقرار بأسمائه وصفاته وأفعاله، فأعرض عنها هؤلاء واشتقوا طريقًا موصلة إلى تعطيل الخالق، ونفي أسمائه وصفاته وأفعاله، وقالوا للناس: لا يتم إيمانكم

стр. 880

ومعرفتكم بالصانع إلَّا بهذه الطريق. فلمَّا سلكها من سلكها أدَّت به إلى ما [آخره] (١) الحيرة والشك والتأويل والتجهيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (٢). الوجه السابع والعشرون بعد المائة: أن هذه المعارضة بين الوحي والعقل نتيجة جهلين عظيمين: جهل بالوحي، وجهل بالعقل. أمَّا الجهل بالوحي، فإن المعارض لم يفهم مضمونه وما دلَّ عليه، بل فهم منه خلاف الحقِّ الذي دلَّ عليه وأُريد به، ثم عارض ما دلَّ عليه بالرأي والمعقول. ونحن ننزل معه درجة، ونُبيِّن أن المعقول الذي ذكره لا يصلح لمعارضة المعنى الباطل الذي فهمه من الوحي، فضلًا عن المعنى الصحيح الذي دلَّ عليه الوحي، فإنه يستحيل أن يُعارَض معارضةً صحيحة البتة، بل هو الحق الذي ليس بعده إلَّا الضلال. والله تعالى هو الحق، وكلامه حقٌّ، ورسوله حقٌّ، ودينه حقٌّ، ووحيه حقٌّ. وما خالف ذلك فهو الباطل المحض الذي لا يقوم على صحته (٣) دليلٌ، بل الأدلة الصحيحة التي تنتهي مقدماتها إلى الضروريات تدل على بطلانه. وأمَّا الجهل بالعقل فإنه لا يُتصور أن يعارض العقل الصحيح الوحي أبدًا، ولكن الجاهل يظنُّ أن تلك الشُّبهة عقليةٌ، وهي جهلية خيالية من جنس شبه السوفسطائية.

стр. 881

فالحاصل أنه إن عارض ما فهمه من النصِّ بما هو الباطل كان جاهلًا بالوحي ومدلوله، وإن عارض مدلوله وحقيقته التي دلَّ عليها فهو جاهلٌ بالعقل، فلا يُتصور أن يجتمع لهذا المعارض علمٌ بالوحي والعقل أصلًا، بل إمَّا أن يكون جاهلًا بهما ـ وهو الأغلب على هؤلاء ـ أو بأحدهما. ولسنا ندفع معرفتهم ببعض العقليات المشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس وعُبَّاد الأصنام، بل ولا ندفع تبريزهم فيها وحذقهم بها، وإنما نُبيِّن بالبراهين الواضحة أنهم من أجهل الناس بالعقليات المتعلقة بأسماء الربِّ وصفاته وأفعاله، كما هم جهالٌ بوحيه وبما جاءت به رسله. وقد نفى الله سبحانه السمع والعقل عمَّن أعرض عن رسله، فكيف بمن عارض ما جاؤوا به؟! وأخبر سبحانه أنه لا بد أن يظهر لهم في معادهم أنهم لم يكونوا من أهل السمع ولا من أهل العقل (١). الوجه الثامن والعشرون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين ـ كما تقدم ـ هم صنفان: ملاحدة دهرية، ومعطلة جهمية. والملاحدة الدَّهرية أصل معارضتهم تكذيب الرُّسل والطعن فيما جاؤوا به، فهم خصوم الرُّسل في الأصل. وهؤلاء الجهمية المعطلة قولهم مأخوذٌ من قول [ق ٩٢ ب] أولئك بعينه، وطريقتهم مشتقة من طريقتهم. بل كلماتهم واحدة، ولكن أولئك سلكوا المعارضة بين العقل ونفس الرِّسالة، وهؤلاء سلكوا المعارضة بين العقل وبين أشرف ما جاءت به الرُّسل، وأفضله وأجلِّه.

стр. 882

فتأمَّل موافقة الجهمية لفرعون ـ خصم موسى وعدوه ـ فإنه أنكر الصانع، وهؤلاء وافقوه على إنكار صفاته، وأقروا بصانعٍ لا صفة له، ولا فعل. ولهذا قال بعض الأئمة: كان فرعون أعقل من هؤلاء، فإنهم اشتركوا في مخالفة صريح العقل، وتناقضت الجهمية، فقالوا: هو صانع للعالم من غير صنعٍ يقوم به، ولا وصف، ولا مباينة للعالم، ولا دخول فيه. وجحد فرعون أن يكون الله فوق سماواته على عرشه، وكذَّب موسى في ذلك، ووافقته الجهمية على هذا النفي. وبهذا احتج عليهم الأشعري في كتبه كلها (١) والقاضي أبو بكر (٢) وأبو عمر بن عبد البر (٣)، وجمهور أئمة السُّنَّة (٤). وأنكر فرعون أن يكون الله كلَّم موسى، ووافقه الجهمية على ذلك. وأنكر أعداء الرُّسل من المشركين عُبَّاد الأصنام والكواكب والفلاسفة وغيرهم معاد الأبدان، وخراب العالم، وحقيقة الجنة والنار. ووافقهم ابن سينا وأتباعه على ذلك. وأخذ الجهمية بعض هذا الإنكار فقالوا: تفنى الجنة

стр. 883

والنار. وهذا قول شيخهم جهم. وكلهم أنكروا أشرف ما في الجنة، وأجلَّ نعيمها، وأفضله على الإطلاق ـ الذي ما طابت الجنة إلَّا به ـ وهو النظر إلى وجه الربِّ ﵎ من فوقهم، وسماع كلامه، وتسليمه عليهم، وخطابه لهم، بل هذا حقيقة الجنة، ورأس نعيمها؛ فنفوه وكذبوا به، وأثبتوا أكلًا وشربًا وجماعًا، ثم قالوا بنفاده وانقطاعه. وهذا باب إذا تتبعه (١) من يعلم ما عند القوم وما جاءت به الرُّسل ويعتبر هذا بهذا يجد أقوالهم مشتقة من أقوال أعداء الرسل. فَإِلَّا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ … أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا (٢) الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: أن الكلام في الدِّين نوعان: أمرٌ وخبرٌ، فما عارض الأمر كان من باب الهوى الذي يأمر به الشيطان (٣) والنفس، وما عارض الخبر كان من باب الظنِّ والخرص الذي هو أكذب الحديث. وهؤلاء لا تجدهم إلَّا وقد جمعوا بين الأمرين، فهم في الإرادات تابعون لأهوائهم، وفي الاعتقادات تابعون لظنونهم. قال الله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُ وَلَقَد جَّاءَهُم مِّن رَّبِّهِمِ اِلْهُدى﴾ [النجم: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿كَاَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاَسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاَسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اَسْتَمْتَعَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم

стр. 884

بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. فالاستمتاع بالخَلَاق (١) اتباع الهوى والشهوات، والخوض اتباع الباطل والشبهات. وقد نزَّه سبحانه رسوله عن طريقة هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى﴾ [النجم: ١ - ٢]. فنزَّهه عن الضلال الذي هو نقيض الهُدى، وعن الغي الذي هو نقيض الرُّشد. وقال النبي ﷺ في خلفائه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» (٢). والمقصود أن ما ناقض خبر الرسل كان كذبًا وضلالًا [وقولًا] (٣) على الله غير الحقِّ. وقد نهى الله سبحانه أن يقال عليه غير الحقِّ، وأخذ الميثاق على اتباع الرُّسل بذلك، فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ اُلْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وقال: ﴿يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧٠]. وأخبر سبحانه أنه لا بد

стр. 885

أن ينال المفترين غضبٌ من ربهم وذلةٌ في الحياة الدُّنيا (١)، وأعظَمُ الافتراء: الفريةُ عليه سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله. وقد ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب (٢) أهل الافتراء ولا يُهدى كيدهم (٣)، وأنه يسحتهم بعذابه، أي: يستأصلهم (٤). قال تعالى إخبارًا عن كليمه موسى أنه قال لرؤوس المعطلة وأئمتهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ اِفْتَرى﴾ [طه: ٦٠]. وهذه الأصول التي عارضوا بها الكتاب والسُّنَّة تشتمل على الكذب والفرية في مسائلها ودلائلها، كأصول الملاحدة من الفلاسفة والدهرية النافين لما أخبر الله به من أصول الإيمان الخمس، وأصول الجهمية المناقضة لما أخبر به من أسمائه وصفاته وأفعاله، وأصول القدرية المعارضة لما أخبر به من عموم قدرته ومشيئته، وأصول الملاحدة الاتحادية التي رفعت العقل والنقل والحسَّ، وأبطلت الخلق والأمر والنبوة والرسالة والثواب والعقاب. وأصول هؤلاء كلهم أصول الزندقة والاتحاد المناقضة للعقل والدِّين. الوجه الثلاثون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين [ق ٩٣ أ] لا يتم لهم ما ادعوه من المعارضة إلَّا بأربعة أمور يستلزمها قولهم: لبس الحق بالباطل

стр. 886

[وكتمان الحقِّ، والتكذيب به، والتصديق بالباطل] (١) فهذه أربعة (٢) مقامات تتضمنها أصولهم، بل هذه الأربعة هي قواعدهم التي يبنون عليها. أمَّا لبس الحق بالباطل، فأنتم تُسمُّون ما أثبته الله لنفسه من الصِّفات والكلام والعلو والاستواء «تركيبًا وتجسيمًا وتشبيهًا» وتُسمُّون عرشه «حيزًا» واستواءه عليه «تحيزًا»، وتُسمُّون صفاته «أعراضًا» وتنزهونه عنها، وأفعاله «حوادث» وتنفونها عنه، وحكمته «أغراضًا» وتُبطلونها، ووجهه الكريم ويديه «جوارح» وتُنكرونها. ويُسمُّون نفيهم وتعطيلهم تنزيهًا وتقديسًا وتوحيدًا، فيلتبس الحق بالباطل على من لم يعرف مرادهم من هذا التنزيه والتوحيد والتقديس، ولا من ذلك التجسيم والتشبيه والتمثيل. فإذا وقعوا في هذا اللبس والتلبيس ترتب عليه ضرورة كتمان الحقِّ، والتكذيب به، والتصديق بالباطل. ولهذا جعل سبحانه كل اثنين من هذه الأربعة فريقين. أمَّا الأولان فقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا اُلْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا اُلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤١]. وقد اختُلف في قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ هل هو منصوبٌ أو مجزومٌ؟ على قولين مبنيين على الواو، هل هي واو عطف، أو واو صرف (٣).

стр. 887

فمن جعلها واو عطف قال: النهي تعلق بكل واحد من الأمرين على انفراده، ولو كانت واو صرف لكان المنهي عنه جمعهما لا إفرادهما. ومن جعلها (١) واو صرف قال: لبس الحق بالباطل مستلزمٌ لكتمانه، كما يكتم الحق من لبسه بما يستره ويغشيه، فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالنهي عن أحدهما نهي عن الآخر بطريق اللزوم. ففي كون الواو واو جمع إفادة هذا المعنى، وأن كتمان الحق ملازم للبسه بالباطل لا ينفك عنه ولا يمكن إيقاع أحدهما إلَّا بالآخر، وهذا شأن كل متلازمين. وهذا القول أميز من الأول وأعرب. وأما القرينان الآخران فقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. وقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ (٢) عَلَى اَللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذ جَّاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣١]. وهذان أيضًا متلازمان، فكل من صدَّق بالباطل كذَّب بضده وهو الحق. وإذا عرف هذا فما أثبته الله لنفسه من صفاته وكلامه وتكليمه واستوائه على عرشه وعلوه على خلقه هو الحق عقلًا وسمعًا، وما خالفه هو الباطل، والله سبحانه قد فصَّل لنا هذا من هذا، ولم يدعه ملتبسًا (٣) ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٣].

стр. 888

فلبس النُّفاة المعطلة هذا بهذا، فاضطرهم اللبس إلى كتمان الحق والتكذيب به والتصديق بضده، وإذا أردت معرفة هذا فامتحنه في مسائلهم ودلائلهم وكلماتهم المجملة الألفاظ المشتبهة المعاني. وبالله التوفيق. يوضحه: الوجه الحادي والثلاثون بعد المائة: أنه ما من حقٍّ وباطلٍ إلَّا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، ولو في أصل الوجود، أو في أصل الإخبار، أو في مجرد المعلومية، بأن يكون هذا معلومًا مذكورًا، وهذا معلومًا مذكورًا، ولكل واحدٍ منهما خصائص يتميز بها عن الآخر. فأحظى الناس بالحقِّ وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة، ويلغي القدر المشترك، فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به. وأبعدهم عن الحقِّ والهُدى من عكس هذا السير، وسلك ضدَّ هذه الطريق، فألغى الخصائص الفارقة، وأخذ القدر المشترك، وحكم به على القدر الفارق. وأضَلُّ منه مَن أخذ خصائص كل من النوعين، فأعطاها للنوع الآخر. فهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شُعب ضلالهم وباطلهم. مثال ذلك: أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاؤوا به من الحق لمَّا أرادوا تلبيس الحق الذي جاؤوا به بالباطل، أخذوا بينه وبين الباطل قدرًا مشتركًا، ثم ألغوا القدر الفارق، وما اختص به أحد النوعين، فقالوا: هذا

стр. 889

الرسول شاعرٌ وكاهنٌ ومجنونٌ وطالب مُلكٍ ورياسةٍ وصيت في العالم. فأخذوا قدرًا مشتركًا بين الشِّعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحُسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس، فقالوا: هو شاعرٌ، وهذا شعرٌ. وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحًا. وقالوا: هو كاهنٌ. لأن الكاهن كان عندهم معروفًا بالإخبار عن الأمور [ق ٩٣ ب] الغائبة التي لا يُخبر بها غيره، وكذلك هذا المدَّعي لذلك مثله (١). وقالوا: مجنونٌ. لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس. وقالوا: ساحرٌ. لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون، ويُحبب تارةً، ويُنفر أخرى. ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة ـ وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد ـ ففكر وقدَّر، ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحرٌ؛ لأنه يُفرِّق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك؛ فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفُرقة بينهما والعداوة. وكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين. أخذوا قدرًا مشتركًا بينهما وهو جنس الإخبار عمَّا أخبر عنه الأولون. وهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت. والمقصود أن كل مبطلٍ فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس (٢) ما يدعو إليه خصائص الحقَّ، .....................................

стр. 890

وما ينفر (١) عنه خصائص الباطل. وهذا شأن الساحر بكلامه يخرج الحقَّ في صورة الباطل فيُنفر عنه، والباطل في صورة الحقِّ فيُرغب فيه. إذا عُرف هذا فهؤلاء أخذوا قدرًا مشتركًا بين ما أثبته الله لنفسه من الصِّفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك، وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الربِّ سبحانه، ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها، ثم جعلوا حكمها حكم خصائص المخلوقين، فأخطؤوا من أربعة أوجه. مثاله: أنهم أخذوا قدرًا مشتركًا بين اليد القديمة والحادثة، ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة، ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد، ثم جعلوا خصائص إحداهما هي خصائص الأخرى، واعتبر هذا منهم في كل صفةٍ يريدون نفيها. يوضحه: الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة: أنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميِّز، وميزت هذا من هذا صحَّ نظرك ومناظرتك، وزال عنك اللبس والتلبيس. وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي، فهذه اللوازم يجب إثباتها، ولا يصح نفيها؛ إذ نفيها ملزومٌ لنفي (٢) الصفة. مثاله: الفعل والإدراك للحياة، فإن كل حيٍّ فعالٌ مدركٌ، وإدراك المسموعات بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة العلم والتمييز لهذه الصِّفات. فهذه اللوازم يمتنع (٣) رفعها

стр. 891

عن الصفة فإنها ذاتية لها، ولا يرتفع إلَّا برفع الصفة، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلُّق، فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثةٍ، متعلقة بكل معلومٍ على التفصيل. وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن، مخلوقة غير صالحة للعموم، مفارقة له، فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم. واجعل هذا التفصيل ميزانًا لك في جميع الصِّفات والأفعال، واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل، وفي بطلان النفي والتعطيل. واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث، فهذا اللازم حقٌّ لا يجوز نفيه، ويلزمها كون السافل حاويًا (١) للأعلى، محيطًا به حاملًا له والأعلى مفتقر إليه، وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها، بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى الأسفل (٢)، ولا يحويه الأسفل، ولا يحيط به، ولا يحمله كالسماء مع الأرض. فالربُّ تعالى أجل شأنًا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله للسافل، وفقر السافل إليه، وغناه سبحانه عنه، وإحاطته (٣) به. فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.

стр. 892

وأصحاب التلبيس واللبس لا يُميِّزون هذا التمييز، ولا يُفصِّلون هذا التفصيل. ولو ميَّزوا وفصَّلوا لهُدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل الصريح للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل، وضلوا عن سواء السبيل. الوجه الثالث والثلاثون بعد المائة: أن الأصل الذي قادهم إلى النفي والتعطيل واعتقاد المعارضة بين العقل والوحي أصلٌ واحدٌ، هو منشأ ضلال بني آدم، وهو الفرار من تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته، وقيام الأمور المتجددة به. وهذا لا محذور فيه، وهو الحق [ق ٩٤ أ] الذي لا يثبت كونه سبحانه ربًّا وإلهًا وخالقًا إلَّا به، ونفيه جحدٌ للصانع بالكلية وإنكارٌ له. وهذا القدر لازمٌ لجميع طوائف أهل الأرض على اختلاف مللهم ونحلهم (١)، حتى لمن جحد الصانع بالكلية وأنكره رأسًا؛ فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك، وإن قام عنده ألف شبهةٍ أو أكثر على خلافه. أمَّا من أقر بالصانع فإنه مضطرٌّ إلى أن يُقرَّ بكونه حيًّا عالمًا قادرًا مريدًا حليمًا فعالًا، ومع إقراره بهذا فقد اضطر إلى القول بتعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه وأفعاله، فلو تكثرت بعدُ ما تكثرت لم يلزم من تكثرها وتعددها محذورٌ بوجهٍ من الوجوه. وإن قال: أنا أنفيها جملةً، ولا أثبت تعددها بوجه. قيل (٢) له: فهل تثبته موجودًا أم لا؟

стр. 893

فإن قال: أثبته موجودًا. قيل له: فهو هذه الموجودات أم غيرها؟ فإن قال: غيرها. قيل له: فهل هو خالقها أم لا؟ فإن قال: هو خالقها. قيل له: فهل هو قادرٌ عليها عالمٌ بها مريدٌ لها أم لا؟ فإن قال: نعم هو كذلك. اضطر إلى تكثر صفاته وتعددها. وإن نفى ذلك كان جاحدًا للصانع بالكلية، نافيًا له، فيستدل عليه بما يستدل على الزنادقة الدهرية المنكرين لربهم تعالى، ويقال له ما قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اِللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٣]. وهل يستدل عليه بدليلٍ هو أظهر للعقول من إقرارها به وبربوبيته. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ … إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ (١) وإن قال: أنا أثبته موجودًا، واجب الوجود، لا صفة له. قيل له: بل زعمت أنه معدومٌ (٢) ممتنع الوجود، وكل موجودٍ محققٍ أو مقدرٍ (٣) أكمل منه على هذا التقدير، فضُلَّال اليهود والنصارى وعُبَّاد

стр. 894

الأصنام أعرف به منك، وأقرب إلى الحق والصواب منك. وأمَّا فرارك من قيام الأمور المتجددة به ففررت من أمرٍ لا يثبت كونه إلهًا وربًّا وخالقًا إلَّا به، ولا يتقدر كونه صانعًا لهذا العالم مع نفيه أبدًا. وهو لازم لجميع طوائف (١) أهل الأرض على اختلافهم حتى للفلاسفة الذين هم أبعد الخلق من إثبات الصِّفات والأفعال، هو لازم لهم لزومًا لا انفكاك لهم عنه. ولهذا قال بعض عقلاء الفلاسفة: «إنه لا يتقرَّر كونه ربًّا للعالمين إلَّا بإثبات ذلك». ثم قال: «والإجلال من هذا الإجلال واجبٌ، والتنزيه من هذا التنزيه متعينٌ» (٢). قال بعض أهل العلم: «وهذه المسألة يقوم عليها قريب (٣) من ألف دليلٍ عقليٍّ وسمعيٍّ، والكتب الإلهية والنصوص النبوية ناطقةٌ بذلك، وإنكاره إنكارٌ لما عُلم بالضرورة من دين الرُّسل أنهم جاؤوا به» (٤). ونحن نقول: إن كل سورةٍ من سور القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة، وفيها أنواع من الأدلة عليها، فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليلٍ. فأول سورةٍ من القرآن تدل عليها من وجوهٍ كثيرةٍ، وهي سورة أم الكتاب. فإن قوله: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يدل عليها، فإنه سبحانه يُحمد على أفعاله،

стр. 895

كما حمد نفسه عليها في كتابه، وحمده عليها رسله وملائكته والمؤمنون من عباده، فمن لا فعل له البتة كيف يُحمد (١) على ذلك، فالأفعال هي المقتضية للحمد. ولهذا تجده مقرونًا بها كقوله: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٢] ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ اِلْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. الثاني: قوله: ﴿رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه فيه، وتدبيره له، ونفاذ أمره كل وقتٍ فيه، وكونه معه كل ساعةٍ في شأنٍ، يخلق ويرزق، ويُميت ويُحيي، ويخفض ويرفع، ويُعطي ويمنع، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويُصرف الأمور بمشيئته (٢) وإرادته، وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه. الثالث: قوله: ﴿اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ وهو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم يكن راحمًا له قبل ذلك. الرابع: قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ﴾ والملك هو المتصرف فيما هو مَلِكٌ عليه ومالكٌ له، و من لا له تصرف ولا يقوم به فعلٌ البتةَ لا يُعقل له ثبوت مُلكٍ ولا مِلكٍ. الخامس: قوله: ﴿اُهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ﴾ فهذا سؤالٌ لفعلٍ يفعله بهم، لم يكن موجودًا قبل ذلك، وهو الهداية التي هي فعله، فيترتب عليها الاهتداء، الذي هو مطاوع، وهو فعلهم.

стр. 896

السادس: قوله: ﴿صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونعمته عليهم (١) وفعله القائم به، وهو الإنعام، فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة. السابع: قوله: ﴿غَيْرِ اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم الذين غضب الله عليهم بعدما أوجدهم وقام بهم سبب الغضب؛ إذ (٢) الغضب على المعدوم محالٌ. وقد ثبت (٣) عن النبي [ق ٩٤ ب] ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَ: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. فإِذَا قَالَ ﴿اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾. يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ﴾. قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قَالَ اللَّهُ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي [وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ] (٤). فَإِذَا قَالَ: ﴿اُهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٥). فهذه أدلة من الفاتحة وحدها. فتأمل أدلة الكتاب العزيز بعدُ على هذا الأصل تجدها فوق عدِّ العادِّين، وإحصاء المُحصين، حتى إنك تجد في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨١] ففي هذه الآية عدة أدلةٍ: أحدها: قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر المكوَّن، بل يعقبه.

стр. 897

الثاني: قوله: ﴿إِذَا (١) أَرَادَ شَيْئًا﴾ و «إذا» تُخلص الفعل للاستقبال. الثالث: قوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ﴾ و «أن» تخلص المضارع للاستقبال. الرابع: ﴿أَن يَقُولَ﴾ فعل مضارع إمَّا للحال وإمَّا للاستقبال. الخامس: قوله: ﴿كُن﴾ وهما حرفان، سبق أحدهما الآخر، ويتعقبه الثاني. السادس: قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ والفاء للتعقيب، يدل على أنه يكون عَقِيب قوله له ﴿كُن﴾ سواء، لا يتأخر عنه. السابع: أن قوله: ﴿كُن﴾ تكوين قائم به سبحانه والكون قد تعقبه ولم يتراخ (٢) عنه. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فهو سبحانه إنما كلَّمه ذلك الوقت. وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم: ٥١] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ [القصص: ٦٢] وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢١] فالنداء إنما حصل ذلك الوقت. وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اُللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٠٨] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء: ١٦] ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿يُرِيدُ اُللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿يُرِيدُ اُللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ﴿وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ

стр. 898

عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اَسْتُضْعِفُوا فِي اِلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَىمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اُلْوَارِثِينَ (٤) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اِلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٤ - ٥] ﴿وَاَللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَّ وَهْوَ يَهْدِي اِلسَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ﴿قَد سَّمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اَللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرى﴾ [طه: ٤٥] ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٤] ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهذا عند النُّفاة لا حقيقة له، بل الشؤون للمفعولات، وأمَّا هو فله شأنٌ واحدٌ قديمٌ. فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعاف (١) أضعافها ممَّا يشهد بها صريح العقل ويشهد ببطلان ما خالفها. فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصِّفات وتعدد الأسماء هو الذي أفسد العقل والنقل، وفتح باب المعارضة بينهما. وتفصيل أدلة هذه المسألة وبيان بطلان الشُّبه المعارضة لها يستدعي مجلدًا كبيرًا، ولعلنا إن ساعد القدر أن نكتبه. والله المستعان. الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة: أن من أئمة هؤلاء المعارضين من يقول: إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الربِّ عن النقائص، ولم يقم على ذلك دليلٌ عقليٌّ أصلًا. كما صرَّح به الرازي (٢) وتلقاه عن الجويني وأمثاله، قالوا: «وإنما نفينا النقائص عنه بالإجماع» (٣).

стр. 899

وقد قدح الرازي وغيره من النُّفاة في دلالة الإجماع، وبيَّنوا أنها ظنية لا قطعية، فالقوم ليسوا قاطعين بتنزيه الله عن النقائص، بل غاية ما عندهم في ذلك الظن. فيا للعقلاء ويا لأولي الألباب! كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات كماله، ونعوت جلاله، وعلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلمه بالقرآن حقيقة، وتكليمه لموسى حقيقة بكلامه القائم به، ورؤية المؤمنين له بأبصارهم عيانًا من فوقهم في الجنة حتى يُدَّعى أن الأدلة السمعية الدالة على ذلك قد عارضها صريح العقل؛ وأما تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليلٌ عقليٌّ، ولكن علمناه بالإجماع، وقد قلتم دلالته ظنية؟! فوالله لو قال المُشبِّه المُجسِّم ـ بزعمكم ـ ما قال ما رضي لنفسه بهذا، ولكان ربُّ العالمين وقيوم السماوات والأرض أكبر في صدره وأجلَّ في قلبه من ألَّا يكون في عقله دليلٌ يُنزِّهه عن النقائص. ولعل جاهلًا أن يقول: إنَّا قلنا عليهم ما لم يقولوا، أو استجزنا ما يستجيزونه هم من حكاية مذاهب الناس عنهم بما (١) يعتقدونه هم لازمًا (٢) لأقوالهم، فيكذبون عليهم كذبًا صريحًا، يقولون (٣): مذهب الحنابلة: أن الله يجوز أن يتكلم بشيءٍ ولا يعني به شيئًا، ومذهبهم أن الله لا يجوز أن يُرى، وأمثال ذلك ممَّا هو كذبٌ صريحٌ وفريةٌ، مستندهم [ق ٩٥ أ] فيها ما فهموه من

стр. 900

لازم قولهم. فنحن لا نستجيز ذلك على أحدٍ من الناس، ولكن هذه كتب القوم فراجعها، ولا تُقلِّد الحاكي عنهم. ويكفيك من فساد عقلٍ يُعارض (١) الوحي أنه لم يقم عنده دليلٌ عقليٌّ يُنزِّه ربَّه وخالقه عن العيوب والنقائص، فلقد كشف لك صاحب هذا العقل عن حقيقة معقوله، وأقر على نفسه وعقله أنه أقل وأحقر شأنًا أن يُعارض الوحي ونصوص الأنبياء ثم يتقدم عليها، وبالله التوفيق. الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة: أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم: لا يمكنكم (٢) تنزيه الربِّ سبحانه عن النقائص والعيوب إلَّا أن تتحيزوا إلى أهل السُّنَّة، وتصيروا أضيافًا لهم، وتستضيئوا بنورهم، وإلَّا فلن يمكنكم على أصولكم تنزيه الربِّ عن العيوب البتة. فإنكم نزهتموه عن صفات كماله، وزعمتم أنها تستلزم التجسيم، وهو يستلزم الحدوث، فبذلك نفيتم صفاته وأفعاله. فلمَّا قال لكم أهل الإثبات: نفيكم لهذه الصِّفات يستلزم ثبوت ضدها له وهو نقصٌ وهو محالٌ على من له الكمال كله، أجبتموه بأن هذا إنما يلزم في القابل للشيء وضدِّه، وأما الربُّ سبحانه فإنه لا يقبل هذه الصِّفات ولا أضدادها، فلا يلزم من سلبها (٣) عنه ثبوت أضدادها له، كما لا يلزم من سلب الكلام والسمع والبصر والحياة عن الحجر وصفه بالخرس والطرش والعمى والموت. فقال لكم أهل الإثبات: لو جعلتموه قابلًا لصفات الكمال وسلبتموها

стр. 901

عنه لكان أكمل ممَّن لا يقبل صفات الكمال البتة، فالأعمى والأخرس والأصم والعاجز أكمل من الحجر والتراب. فنزلتم درجة أخرى وشبهتموه بأنقص الناقصات وهو ما لا يقبل الكمال بوجهٍ. فلو أثبتم له صفات الكمال كلها على وجه التشبيه والتمثيل بخلقه لكان خيرًا من تشبيهكم (١) له بأنقص الناقصات من الجمادات التي لا تقبل الكمال. فإن الحيوان الذي يقبل أن يتعاقب عليه العدم والملكة، فيكون تارةً سميعًا وتارةً أصمَّ، أكمل من الجماد الذي لا يقبل هذا ولا هذا، بل الحيوان الموصوف بهذه النقائص مع إمكان اتصافه بهذا الكمال أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك. فإذا قلتم: إن الربَّ لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال، مع أن المتصف بالنقائص يمكنه الاتصاف بها، جعلتموه أنقص من الحيوانات، وكان من وصفه بهذه النقائص خيرًا منكم، وهم يشنعون بما يحكى عن ضُلَّال اليهود والنصارى أن الله ندم على الطوفان حتى عضَّ إصبعه، وجرى الدم، وبكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، وأمثال ذلك. وهؤلاء مع كفرهم وضلالهم أحسن قولًا فيه ممَّن يقول: إنه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال. بل من جعله يأكل ويشرب وينام ويألم خيرٌ ممَّن جعله بمنزلة الأحجار والجامدات التي لا تقبل هذه الصِّفات. فالمشبهة المحضة خير منكم وأحسن قولًا في ربهم وخالقهم. وأمَّا خصومكم من أهل السُّنَّة والحديث فهم لا يقولون بتشبيهكم،

стр. 902

ولا بتشبيه إخوانكم، وإن كان تشبيهكم شرًّا من تشبيههم؛ وإنما يصفون الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، ويثبتون أفعاله حقيقة لا مجازًا، كما يثبتون ذاته وصفاته، ولا يُشبِّهون الله بخلقه، ولا يمثلونه بهم. والله سبحانه أجلُّ في صدورهم، وأعظم في قلوبهم من أن يُشبِّهوه بخلقه، أو ينفوا عنه صفات كماله وأفعاله فيشبهونه بالجامدات العادمة للكمال وقبوله. يوضحه: الوجه السادس والثلاثون بعد المائة: وهو أن الله سبحانه عاب آلهة المشركين بنفس ما وصفتم الإله الحقَّ سبحانه به (١)، فعابها بأنها لا تتكلم ولا تكلم عابديها، وقلتم: إن هذا من خصائص الربوبية. وعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر، وقلتم: إن إثبات السمع والبصر للربِّ يقتضي التشبيه والتجسيم. وعابها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تهدي السبيل، فنفى عنها هذه الأفعال، وقلتم: ليس للقديم فعلٌ يقوم به البتة، فإنه لو قامت به الأفعال لكان محلًا للحوادث. وعابها بأنها لا يد لها تبطش بها، ولا رجل تمشي بها، ولا عين تبصر بها، وقلتم بأن الرب سبحانه كذلك، فإنا لو وصفناه بذلك وصفناه بالجوارح والأبعاض. وجميع (٢) ما عابها به إنما هو نفيٌ وسلبٌ، لم (٣) يعبها بصفة ثبوتية

стр. 903

البتة، وعندكم أعظم التنزيه السلب والنفي الذي هو جماع ما عاب به آلهة المشركين. الوجه السابع والثلاثون بعد المائة: أن الطوائف كلها اتفقت على إثبات موجود واجب بنفسه، قديم أزلي، لا يجوز عليه العدم، [ق ٩٥ ب] ثم تنازعوا فيما يجب له ويمتنع عليه تنازعًا لا يحصيه إلَّا رب العباد، ولم تختلف مقالات أهل الأرض في شيءٍ كاختلافهم في ربِّهم تعالى. وأحدث الأمم عهدًا هذه الأمة، وهذه مقالاتهم قد فاقت الحصر، وقد حكى منها أهل المقالات ما بلغهم، وأعظم من استوعبها الأشعري في «مقالاته». وقد حَدَثَ بعده مقالات لم يحكها، ولم يودعها كتابه. وكلٌّ يدَّعي أن العقل دلَّه على تلك المقالة وصحتها، وإذا جاء السمع بخلافها لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت الأربع. ومقالة النُّفاة المعطلة شرُّ مقالات أهل الأرض على الإطلاق، وأشدها مناقضة للمعقول والمنقول، فإنهم يصفونه بصفات المعدوم الصِّرْف، بل بصفات الممتنع الوجود، يعني: بصفات المعدوم. والممتنع ما يُخبر به عنه ويحكم به عليه، وإلا فليس هناك صفة ولا موصوف. فيقولون: ليس هو فوق خلقه، ولا هو مستوٍ على عرشه، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا مباينًا له، ولا محايثًا، ولا مجاورًا، ولا فوق ولا تحت، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا ينزل من عنده، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله إليه ودنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ولا يقرب منه شيءٌ، ولا يقرب من شيءٍ، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام،

стр. 904

ولا يجيء للفصل بين عباده، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا يُشار إليه بالأصابع، ولا يمكن رؤيته البتة، ولا قال ولا يقول، ولا يكلم ولا يتكلم، ولا نادى ولا ينادي، ولا له علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ولا وجه ولا يد ولا عين ولا إصبع. وغلاتهم يقولون: لا يُسمَّى حيًّا عالمًا قادرًا إلَّا بطريق المجاز. ويقولون: لو أثبتنا هذه الصِّفات لزم أن يكون جسمًا، والجسم مركب، والمركب ممكن، والممكن محدث؛ فإثبات هذه الصِّفات تنافي قدمه ووجوب وجوده. وأمَّا أهل الإثبات فيقولون: الموصوف بهذه الصِّفات السلبية، المنفي عنه الصِّفات الثبوتية لا يكون إلَّا ممتنعًا، والامتناع ينافي الوجود فضلًا عن وجوبه، والذين وصفوه بهذه السلوب وصفوه بما لا يتصف به إلَّا ما يمتنع وجوده، ومن وصف ما يجب وجوده بما يمتنع وجوده فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود. ويقولون للمعطلة النفاة: أنتم فررتم من وصفه بما يستلزم الإنكار بزعمكم، فوصفتموه بما يستلزم الامتناع من وصفه، ومن وصفه (١) بما يستلزم الحدوث على ظنكم، فوصفتموه بما يستلزم العدم. والأجسام الجامدة خير من المسلوب عنه هذه الصِّفات، فضلًا عن الأجسام الحية الناقصة، فضلًا عن الأجسام الحية الكاملة. قالوا: ومن المعلوم أنه إذا دار الأمر بين وجود حيٍّ كاملٍ وبين معدومٍ أو ممتنعٍ كان الموجود خيرًا من المعدوم. يوضحه:

стр. 905

الوجه الثامن والثلاثون بعد المائة: أن اللوازم التي تلزم المعطلة النُّفاة شرٌّ من اللوازم التي تلزم المشبهة المحضة، دع المثبتة لحقائق الأسماء والصفات المنزهين الله عن شبه المخلوقات، فإنهم يلزمهم عشرة لوازم: أحدها: جحد الصانع ونفيه. الثاني: سلب كماله عنه. الثالث: وصفه بالنقائص والعيوب. الرابع: تشبيهه بالجمادات الناقصة. الخامس: تشبيهه بالمعدومات، بل بالممتنعات. السادس: الطعن فيما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله. السابع: القدح في علم الرسول أو بيانه أو نصحه، أو الجميع. الثامن: إفساد الفِطَر والعقول وتغييرها عمَّا فُطرت عليه كإفساد الشياطين لها بالشرك واتباع الغي. التاسع: إلقاء العداوة بين الوحي والعقل، ودعوى تناقضهما وتعارضهما. العاشر: القدح في شهادة العقل؛ فإنهم إذا جوَّزوا معارضته ومناقضته لكلام الله ورسوله فقد قدحوا فيه أعظم القدح، وجرحوه أبين الجرح، ويكفي في جرحه (١) والطعن (٢) في شهادته إقرارهم بأنه مضادٌّ مناقضٌ لما

стр. 906

بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. وحينئذٍ فنقول في: الوجه التاسع والثلاثين (١) بعد المائة: إنكم أسأتم القول في العقل غاية الإساءة، وقدحتم فيه أعظم القدح، فإن الله سبحانه ركب العقول (٢) في عباده ليعرفوا بها صدقه، وصدق رسله، ويعرفوه بها، ويعرفوا كماله، وصفاته وعظمته وجلاله، وربوبيته وتوحيده (٣)، وأنه الإله الحق، وما سواه باطل؛ فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول، وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون [ق ٩٦ أ] عونًا لهم على ما خُلقوا لأجله وأُعطوا العقول له. فأعظم ثمرة العقل معرفته (٤) لخالقه وفاطره، ومعرفة صفات كماله، ونعوت جلاله وأفعاله، وصدق رسله، والخضوع والذل والتعبد له. فإذا أقررتم على العقل بأنه لا يدرك ذلك ولا يُصدِّق به بل يعارضه ويُكذِّبه ويردُّه؛ فقد نسبتموه إلى أقبح الجهل، وأعظم شهادة الزُّور؛ وما كان هكذا فلا تُقبل له شهادةٌ في شيءٍ، فضلًا عن تقديم شهادته على ما شهد الله به لنفسه، وشهدت له به رسله من أولهم إلى آخرهم. وحينئذٍ فنقول في: الوجه الأربعين بعد المائة: إن الشهادة تعتمد على الشاهد وصدقه، فإنها خبرٌ، ولا بد أن يكون المخبر به عالمًا صادقًا، وقد عُلم كذب العقل المعارض لما جاءت به الرسل قطعًا وجملةً، فإنه لا يجتمع صدقه وصدق الرُّسل، ولا صحة ما أخبر به وصحة ما أخبرت به الرُّسل؛ لاستحالة الجمع

стр. 907

بين النقيضين، وحينئذٍ فيلزم من قبول شهادته تكذيب شهادة الرُّسل. هذا لو لم يُعلم كذبه فيما شهد به إلَّا بمجرد مخالفته لما شهدت به الرُّسل، فكيف إذا عُلم كذبه بشهادة عقلٍ آخر أصح منه وأزكى وأصدق؟! كيف وقد عُلم كذب العقل الشاهد بخلاف ما جاءت به الرُّسل بوجوهٍ كثيرةٍ من مناقضته واضطرابه وإثباته للشيء ثم نفيه للوازمه، ونفيه للوازمه ثم إثباته لملزوماتها، وتفريقه بين المتساويين، وجمعه بين المختلفين، فقد عُلم كذبه وجهله من هذه الوجوه الثلاثة؟! فلا يصلح أن يُستشهد به على مخالفة السمع بوجهٍ من الوجوه. يوضحه: الوجه الحادي والأربعون بعد المائة: وهو أن هؤلاء المعارضين ردُّوا حكم العقل الصريح المبني على المقدِّمات الضرورية الفطرية، ونسبوه إلى البطلان، وحينئذٍ فلا يمكنهم أن يُقيموا معقولًا صحيحًا على خلاف ما دلَّ عليه السمع البتة؛ لأن حكم العقل الذي ردُّوه وأبطلوه أظهرُ وأبين وأصدق من حكم العقل الذي قدَّموه على كلام الله ورسوله، بما لا نسبة بينهما، فصاروا في ذلك بمثابة حاكمٍ فاسقٍ ظالمٍ ردَّ شهادة العدول المبرِّزين في العدالة، وقَبِلَ شهادة المجهولين والمعروفين بالكذب والزُّور والفسق؛ ثم لم يكفه ذلك حتى عارض شهادة أولئك العدول الصادقين بشهادة هؤلاء الفسقة الكاذبين، ثم قدَّمها عليها، وطعن في أولئك العدول، فارتكب أنواعًا من الجهل والظُّلم، جمع فيها بين إبطال (١) الحقِّ، وتحقيق الباطل، وتزكية شهود الزُّور، والطعن في شهادة (٢) العدول.

стр. 908

فتوَّهوا (١) العقول الصحيحة والنصوص الصريحة وضيقوها، واستدعوا العقول الفاسدة، والأقوال الكاذبة، فولوها مكانها واستعملوها؛ كما قال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب إمام الأشعري وأصحابه في كتاب «الصفات» ـ ممَّا نقله عنه أبو بكر بن فورك ـ فقال في الكتاب المذكور في باب القول في الاستواء وهذا لفظه: «ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعًا به يُجيز السؤال بـ «أين» ويقوله، ويستصوب قول القائل: «إنه في السماء». ويشهد له بالإيمان عند ذلك (٢). وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين ـ زعموا ـ ويُحيلون القول به. ولو كان خطأ كان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها (٣): لا تقولي ذلك، [فتوهمين] (٤) أنه محدودٌ في مكانٍ دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان؛ لأنه الصواب دون ما قلتِ. كلا، لقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه أصوب الأقاويل والأمر الذي يجب به الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطقٌ به وشاهدٌ له». قال: «ولو لم يشهد بصحة (٥) مذهب الجماعة في هذا الفنِّ خاصة إلَّا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بِنية الفطرة

стр. 909

ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد، لأنك (١) لا تسأل أحدًا (٢) من الناس عنه عربيًّا ولا عجميًّا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول: أين ربك؟ إلَّا قال: «في السماء»، إن أفصح، أو أومأ بيده وأشار بطرفه إن كان لا يُفصح، لا يُشير إلى غير ذلك من أرضٍ ولا سهلٍ ولا جبلٍ. ولا رأينا أحدًا داعيًا إلَّا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يُسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يزعمون (٣) أنهم أفضل الخلق كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده [ق ٩٦ ب] وخمسون رجلًا معه؟! نعوذ بالله من الخذلان ومضلات (٤) الفتن» (٥). ثم ألزمهم ابن كُلَّاب بمذهب الدهرية الملاحدة، وأن يكونوا وهم بمنزلةٍ واحدةٍ؛ فقال في هذا الكتاب: «يقال للجهمية: أليست الدهرية كفارًا ملحدين في قولهم: إن الدهر هو واحدٌ، إلَّا أنه لا ينفك عن العالم ولا ينفك العالم عنه، ولا يباين العالم ولا يباينه، ولا يماس العالم ولا يماسه، ولا يداخل شيئًا من العالم ولا يداخله؛ لأنه واحد والعالم غير مفارق له؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: صدقتم، فلِمَ أثبتم المعبود بمعنى الدهر، وأكفرتم من قال بمثل مقالتكم؟ هل تجدون بينكم وبينه فرقًا أكثر من أن سمَّيتموه بغير ما سَمَّوْه به، وقد قلتم: إنه غير مفارق للعالم، ولا العالم

стр. 910

مفارق له، ولا هو داخل في العالم، ولا العالم داخل فيه، ولا مماس للعالم، ولا العالم مماس له؟ فأين تذهبون يا أولي الألباب إن كنتم تعقلون؟! مَن أولى أن يكون قد شبَّه الله بخلقه نحن أو أنتم؟ ولِمَ رجعتم على من خالفكم بالتكفير، وزعمتم أنهم قد كفروا لأنهم قالوا: واحدٌ منفردٌ بائنٌ. فلِمَ لا كنتم أولى بالكفر والتشبيه منهم إذْ (١) زعمتم مثل زعم الملحدين، وقلتم مثل مقالة الضالين، وخرجتم من توحيد ربِّ العالمين» (٢). وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: «وأخرج من العقل والخبر من قال: إنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه. لأنه نفاه نفيًا مستويًا» (٣). وألزم الجهمية في موضع آخر منه مفارقة صريح المعقول، حيث زعموا بأنه سبحانه فعل الأشياء لا بائنة عنه ولا قائمة به حالة فيه، وهذا لا يثبته عقل عاقلٍ (٤). وأخذ هذا من حُجَّة الإمام أحمد وأئمة السُّنَّة على هؤلاء المعطلة الجهمية. قال الإمام أحمد في كتابه الذي خرَّجه في «الرد على الزنادقة والجهمية» (٥)، وذكره الخلَّال في «الجامع» (٦) والقاضي أبو يعلى (٧) وسائر

стр. 911

أصحاب أحمد. قال في باب ما أنكرت الجهمية الضُلَّال أن يكون الله على العرش: «وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذبٌ على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان؛ فقل له: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكانٍ وحُشٍّ قذر رديء. فإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه ولم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع». فقد بيَّن الإمام أحمد ما هو معلومٌ بصريح العقل وبديهته من أنه لا بد إذا خلق الخلق من أن يخلقه مباينًا له أو محايثًا له، ومع المحايثة إمَّا أن يكون هو في العالم وإمَّا أن يكون العالم فيه؛ لأنه سبحانه قائم بنفسه، والقائم بنفسه إذا كان محايثًا لغيره فلا بد أن يكون أحدهما حالًّا في الآخر، بخلاف ما لا يقوم بنفسه كالصفات فإنها تكون قائمةً بغيرها، فهذا القسم لم يحتج أن يذكره لظهور فساده. وكذلك قول من يقول: لا هو مباينٌ ولا محايث لما كان [معلومًا بصريح] (١) العقل بطلانه لم يدخله في التقسيم. والمقصود أن أئمة الكلام وأئمة السُّنَّة متفقون على أن قول الجهمية مخالفٌ لصريح العقل والنقل، وفطرة الله التي فطر عليها عباده، وأنه لا يمكن أحدًا أن يقول بقولهم حتى يتوّه العقل والسمع ويفارق حكمهما.

стр. 912

الوجه الثاني والأربعون بعد المائة: أن فحول الكلام وأئمة النظر والبحث ـ الذين سبروا المقالات، وتبحروا في المعقولات ـ قد شهدوا لطريقة النُّفاة المعطلة بمناقضتها للسمع والعقل، وأن السمع والعقل إنما يقتضيان الإثبات، وعلو الربِّ على جميع المخلوقات، واستواءه على عرشه فوق سبع سماوات. قال أبو الحسن الأشعري في كتاب «الإبانة» (١) و «الموجز» (٢) و «المقالات» (٣) وهذا لفظه في كتاب «الموجز» إذ هو من أجلِّ كتبه المتوسطات: «إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستوٍ على عرشه، كما قال: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وقد قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ وَاَلْعَمَلُ اُلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اُللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وقال: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمَا إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٤] وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ اُبْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّيَ أَبْلُغُ اُلْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ اَلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] كذَّب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال : ﴿آامِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يَخْسِفَ بِكُمُ اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٧] [ق ٩٧ أ] والسماوات فوقها العرش الذي هو فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات. وليس إذا قال: ﴿آامِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ﴾ يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى

стр. 913

السماوات. ألا ترى أن الله سبحانه ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ولم يرد أن القمر ملأهن جميعًا، وأنه فيهن جميعًا؟ ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا [يحطونها] (١) إذا دعوا نحو الأرض». قال (٢): «وقال قائلون من الجهمية والمعتزلة والحرورية: إن معنى قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان. وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة». قال (٣): «ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادرٌ على كل شيءٍ، والأرض فالله قادر عليها، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا (٤) على العرش بمعنى الاستيلاء وهو سبحانه مستولٍ على الأشياء كلها؛ كان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادرٌ على الأشياء ومستولٍ عليها. وإذا كان قادرًا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحدٍ من المسلمين أن يقول: إن الله مستوٍ على الحشوش والأخلية؛ لم يجز أن يكون الاستواء على

стр. 914

العرش الاستيلاء الذي هو عامٌّ في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها». قال (١): «وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله في كل مكانٍ، فلزمهم أنه في بطن مريم والحشوش والأخلية. وهذا خلاف الدِّين، تعالى الله عن قولهم». ثم قال (٢): «ودليلٌ آخر وهو قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اُللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٤٨]. فقد خَصَّت الآية البشر دون غيرهم ممَّن ليس هو من جنس البشر، ولو كانت الآية عامَّةً للبشر وغيرهم كان أبعد من الشُّبْهة وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: وما كان لأحدٍ أن يكلمه الله إلَّا وحيًا أو من وراء حجاب، فيرتفع الشك والحيرة = من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن يكلِّمه الله إلَّا وحيًا أو من وراء حجاب، ويترك أجناسًا لم يعمهم بالآية، فدل ما ذكرنا على أنه خصَّ البشر دون غيرهم». ومقصود الأشعري بهذا الكلام أنه على قول النُّفاة لا فرق بين البشر وغيرهم، فإنه عندهم لا يحجب الله تعالى أحدًا بحجابٍ منفصلٍ عنه، بل هو محتجبٌ من جميع الخلق، بمعنى أنه لا يمكن أحدًا أن يراه، فاحتجابه عن بعضهم دون بعضٍ دليلٌ على نقيض قولهم. وذلك أن نفاة المباينة يفسرون الاحتجاب بمعنى عدم الرُّؤية، لامتناع قبول الذات لها، لا لمانعٍ منفصلٍ يمنعها من حجابٍ منفصلٍ عن المحجوب. وإذا كانت الذات غير قابلة

стр. 915

للرُّؤية بل حجابها عدم قبولها لتعلق الرُّؤية بها كان هذا الحجاب بالنسبة إلى جميع المخلوقات واحدًا، ولم يختص به البشر دون غيره. فلمَّا أخبر أنه يكلم البشر من وراء حجاب دلَّ على أنه قد يكلم غيرهم مع رفع ذلك الحجاب، كما قال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله: «إِنَّ اللهَ مَا كَلَّمَ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ فكَلَّمَهُ كِفَاحًا (١)» (٢). وكما في الحديث: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ وَلَا تُرْجُمَانُ» (٣). فلا يناقض هذا ما دلَّت عليه الآية، فإن هذا في الدنيا، وما دلت عليه السُّنَّة في دار الآخرة، وتكليم عبد الله بن حرام والد جابر كان بعد الموت، لم يكن في الدنيا. قال الأشعري (٤): «دليلٌ آخر: قال الله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلَاهُمُ اُلْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣١] وقال: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ اِلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٧]».
следующие страницы →