← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فأقتدي بك! قال: يا ابن أخي، إني أبيت وما بنفسي غل لأحد من المسلمين. فقلت: بهذا أدركت الفضل. وجاء عن نبينا ﷺ عن الله ﵎: (من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي، فليطلب ربًا سواي)، فدل هذا كله على غلظ أمر الحسد مما يكره منه ويذم. وأما الغل فإن الله فيما ينعم به على أهل الجنة ينزع الغل من صدورهم، فقال: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل، إخوانًا على سرر متقابلين﴾ فلما كان ذلك مباينًا أخلاق الجنة، ولم يكن في الجنة إلا ما يرضي ويحمد، علمنا أنه مكروه مذموم وللحسد منزلتان. أخفها أن يكره النعمة بمكان أخيه ويغتم منها ويتمنى زوالها عنه. وأغلظها أن يتمنى ذلك الذي يراه عند أخيه لنفسه، وهما جميعًا مذمومان، وقد نص الله تعالى على هذا الوجه الآخر، فقال: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾. فنهى عن هذا. كما ذم الأول ولا نهي عما فيه خبر. فصح أنهما جميعًا مذمومان. فأما إذا تمنى مثل ما لأخيه فهو غائظ وليس بحاسد. وقد تقدم ذكره. فإن سأل سائل عن مسلم كان في قلبه غل على كافر من وجه سوى الكفر، فأسلم الكافر فحزن المسلم لذلك ونسي أن كان لمسلم، وود لو عاد فكفر، أيكفر المسلم بذلك أم لا؟ قيل له: لا يكفر بذلك لأن استقباحه الكفر هو الذي يحمله على أن يتمنى له. واستحسانه للإسلام هو الذي يحمله على أن يكرهه له، وإنما يكون تمنى الكفر كفرًا إذا كان على وجه الاستحسان له. ألا ترى أن موسى نبي الله صلوات الله عليه دعا على فرعون فقال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾.

стр. 1192

فتمنى أن لا يؤمن فرعون وآله حتى يروا العذاب الأليم. وزاد على التمني إن دعا الله تعالى جده بذلك فلم يضره ذلك شيئًا ولا عاتبه الله تعالى فلا زجره عنه. فدل ذلك على صحة ما أميلناه في هذا الباب. وإن سأل عمن تمنى أن لو كان نبيًا ما كان حكمه؟ قيل له، أما إن تمنى أنه لو كان في ذلك الوقت نبيًا لكان هو ذلك النبي فإن هذا لا يضره. وهكذا لو تمنى إن كان الله تعالى قدر أن يكون من جملة أنبيائه، ولو تمنى رجل في زمن نبي من الأنبياء أن لو كان هو النبي دون الذي هو نبي بالحقيقة، كفر. وهذا سوء رأي منه في ذلك النبي. وإن تمنى في زمان نبينا ﷺ وبعده إن لو كان نبيًا كما ذكرت. ووجه آخر وهو أنه يتمنى إن لم يكن النبي ﷺ شرف ختم النبوة وهذا كفر. فإن قال قائل: قد كتبتم بابًا في أن من الإيمان أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، فانتظم هذا أن لا يحسده، ولا ينطوي على غل له. فما معنى إفراد باب آخر لترك الحسد والغل؟ فالجواب: إن ذلك الباب إنما هو في أن يحب المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير فيسعى له فيه ليحصله لمن أراد ذلك منه، واستسعاه فيه، ولا يسعى في خلافة عليه ويكره له ما يكره فيه لنفسه من الشر، فيسعى له في دفعه عنه لمن أراد ذلك منه، وأظهر له الرغبة فيه، ولا يسعى في خلافه عليه. وهذا الباب مقصود على التمني دون الفعل، وهذا فرق ما بين الناس. وأما ما جاء عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله علمًا وهو يعلمه الناس، ورجل أتاه الله مالًا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار). فيحتمل أن يكون المراد به الغيظة، فسماه حسدًا لأنه يقرب منه، وإن لم يكن به. وذاك أن الحاسد يتمنى أن يكون له ما هو للمحسود، والغائظ يتمنى أن يكون له مثله فسمى أحدهما باسم الآخر تشبهًا وتوسعًا. ولا ينبغي أن يتهاجر مسلمان. فقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1193

أنه قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، يصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام). وقال ﷺ : (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر فيهما لمن لا يشرك بالله شيئًا إلا المهتجرين يقال: ردا هذين حتى يصطلحا). معنى هذا أن من لا يكن مشركًا فقدمنا له المغفرة ما لم يكن متهاجرًا لأخيه المسلم، فإنه إذا كان كذلك لم تنله المغفرة، وإن لم يكن مشركًا، وليس المعنى أنه لا يبقى أحد دون المشركين ويغفر له كل اثنين وخميس. أما وجه الحديث ما يثبت به، والله أعلم.

стр. 1194

الرابع والأربعون من شعب الإيمان وهو باب في تحريم أعراض الناس وما يلزم من تحريم الرتع منها قال الله : ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾. وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فتوعد الوعيد الغليظ على قذف المحصنات وحكم على القاذف برد شهادته على التأييد إلا أن يتوب، والجلد وشبه بالفسق تشديدًا عليه وتهجينًا لما كان منه. ولم يجعل للزوج مخرجًا من عذاب القذف إلا بإيجاب اللعن على نفسه، إن كان كاذبًا في قوله: كما لم يجعل للمرأة مخرجًا من عذاب الزنا إلا بإيجاب الغضب على نفسها إن كان صادقًا في قوله. فدل ذلك على غلظ الذنب في قذف المحصنات، ووجوب التورع عنه والاحتراز من تبعاته والله أعلم. والفرق الرابع من الزوجين في اللعن والغضب، وإنما هو التغليظ على المرأة فإن كانت توجب الغضب على نفسها بأن يكون الزوج صادقًا عليها، وذلك أن تكون زنت. والرجل يوجب اللعن على نفسه بأن يكون كاذبًا في قذفه، وذلك أن تكون المرأة لم تزن. ولا شك

стр. 1195

أن الزنا أغلظ من القذف. فالزنا يدل ذلك على أن الغضب أعلى رتبة من اللعن، فلذلك وضع في موضع التبرؤ من الزنا، واللعن في موضع التبرؤ من القذف. والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما يراد به تمام مؤاخذته وعقوبته، حتى لا يبقى شيء مما يستحق المذنب إلا وينزله به، وليس يراد به ما يراد بغضب المخلوق ولو أراد أن يغيظه ويغيره عما كان عليه إلى حال قلق وضجر، وشيء من هذا غير جائز على الله تعالى، ولا لائق به بغضبه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أغلظ من اللعن، لأن اللعن الطرد، والطرد لا يتحقق مع الإيمان، وإنما يكون من وجه دون وجه، وفي شيء دون شيء فلم يكن القطع بأنه أغلظ من الغضب. فإن قيل: بل اللعن أشد من الغضب، لأن الله تعالى هو القائل: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾. فلما ثنى باللعنة عليه، علمنا أنه لا منزلة وراء الغضب. قيل: فقد قال في الشهود ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾. ما يدل ذلك على أن الغضب منزل وراء اللعن، وإلا فليعلم أن المراد بالاثنين اجتماع الأمرين لا ترتيب أحدهما على الآخر والله أعلم. وكما لا يحل أن نقذف المحصنة البريئة، ولذلك لا ينبغي له أن يقذف غير البريئة قال ذلك يؤذيها ويهتك سترها ويعرضه أيضًا لخصومتها ومطالبتها بالحد، ولعله لا يمكنه تثبيت الزنا عليها فيجلد. وإن كان الزنا قد ثبت عليها فحدث عزر الأذى، فلا ينبغي أن يعرض نفسه للتعزيز، كما لا ينبغي أن يعرض نفسه للجلد، والله أعلم. ولا يجوز لمسلم أن يقول لمسلم يا كافر. فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما). ويحتمل أن يكون معنى ذلك أنه إن وصف ما عليه بأخوه المسلم بأنه كفر؟ فقد كفر نفسه، ولم يكن على أخيه منه شيء. وإن كان المقول له ذلك يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فقد صدق عليه وليس على القائل شيء. وبين الحالتين حالة ثالثة وهو أن يقول له: يا كافر أي يا من تبطن الكفر ولا تظهر به، ولا يكون كذلك.

стр. 1196

وهذه غير مراده بالحديث، لأن واحدًا منهما لا ينوء بالكفر في هذه الحال. ويعذر الرامي ولا يحد، وهذا إن قال له: يا لص! يا شارب الخمر، ويا كذاب، فإنه يعذر في هذا كله ولا يجد، لأن الملامسة يخفى حلالها وحرامها. فيعرض في قلب السامعين عند القذف أنه علم من المقذوف ما لم يعلمه غيره، فذاك والذي حمله على قذفه، ويتغير لأجله حال المقذوف في قلوب السامعين، فكأن القاذف أخذ شيئًا من عرض المقذوف، فلذلك اقتص منه بجلد ظهره. وأما سائر الفواحش فلا يخفها أهلها حياء منها، وإنما يخفى ما يخفى منها احترازًا وتوقيًا من تبعاتها. فمن رمى بشيء منها ولم يكن متعاطيًا له أمكن الوقوف على براءته منه باستبراء حاله، ولا يؤثر رمي من رماه به فيه ولا ينال عرضه منه بشيء، فلذلك سقط الحد عن الرامي والله أعلم. فإن قيل: إذا كانت الأعراض في التحريم كالدماء والأموال، ثم كان القصاص من الدم بالدم، ومن المال بالمال، فلم لا كان القصاص من العرض بالعرض؟ فالجواب: إن القصاص لا يتحقق في هذا الباب، فلذلك لم يشرع. وتفسيره أن الرجل إذا قال لآخر: يا زاني، فقد نال بهذا القول من عرضه شيئًا، لأن السامعين يرون أنه علم منه ما قال، فلذلك رماه به، فينحط من رتبة المقذوف وتتغير من صورته عندهم بقدر ما رفع في قلوبهم من صدق القاذف عليه. فإذا قال له المقذوف: بل أنت الزاني، لم يقع قوله هنا ذلك الموقع، لأنه يخرج الكلام مخرج المجاراة فيقع للسامعين: أن ابتداء الأول بقذفه هو الذي حملة على ما قال، لا علم كان عنده بشيء بدر من قاذفه. فلا يتغير من صورة القاذف عندهم بمجاراة المقذوف إياه ما يغير من صورة المقذوف بابتداء القاذف. فلا يكون قذفه قائلًا عن عرضه ما ناله هو بالابتداء من عرضه. ويكون كما جاء إلى قاتل أبيه وهو ميت فجز رقبته، فهو وإن فعل من جز الرقبة به فعل ما فعله هو بأبيه، فلم ينل منه ما نال هو من عرضه أولًا، فلم يكن ذلك قصاصًا والله أعلم. ولا يحصل أحد أن يعير أحدًا بذنب كان منه، وقد كان التعبير بالزنا عقوبة للزاني

стр. 1197

قبل أن ينزل الحد، فلما نزل الحد رفع، وأما التعبير بعد التوبة فلم يكن مباحًا قط. قال الله : ﴿واللذان بأتيانها منكم فأذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما إن الله كان توابًا رحيمًا﴾. ولا أن يعيره بحسب مذموم ولا بحرفة دنية ولا بشيء يثقل عليه إذا سمعه، فإن إيذاء المؤمن في الجملة حرام. قال الله : ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾. والحسب المذموم ليس من اكتساب المعير به والحرمة، وإن كانت لنسبه فليس بمكسب محرم. فالتعير بكل واحد منهما بل لإيذاء المحظور المحرم. ويحتمل أن يكون معنى قوله ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ أي من غير أن يكتسبوا، سواء بمكان المؤذي ولا الحرفة الدنية إساءة من المعير بهما، إذ المعير بمكان ذلك من الإيذاء الذي وصفه الله بأنه بهتان وإثم. وأيضًا فإن التثويب وإبداء ما يثقل على القلب من أحوال البغضاء والتقاطع، والمؤمنون يتوصون في أنفسهم بالتآلف والتعاطف وأن يكونوا إخوة في أعدائهم يدًا واحدة، ويصلوا الصلوات جماعة، فما دعا إلى التقاطع والتباين فهو مخالف للدين فلا يحل ولا يتبع بحال وبالله التوفيق. ومر بهذا الباب قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾. فاشتملت هذه الآيات على تحريم الاستهزاء والسخرية وتحريم اللمز وهو الغيب والرفعة، ومعنى ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾: لا يلمز بعضكم بعضًا كما قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضًا وتحريم التنابز بالألقاب هو أن يدع الواحد أن يدعو صاحبه

стр. 1198

باسمه الذي سماه به أبوه ويضع له لقبًا يريد أن يسبه به ويستذله، فيدعوه به. ثم قال: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ فأبان أن فعل هذه المحظورات فسوق بعد الإيمان. والإيمان يوجب مواصلة أنداده على اعتراض على الموجود منه بما لا يليق به. ثم قال: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. أي الظالمون أنفسهم يسوقها إلى النار والعذاب الأليم، ثم قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم﴾. فأبان أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه ولمزه ونهره والسخر به والهزؤ به، ونهى عنه وأخبر أنه إثم. ونهى عن التجسس وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف له. فإن ذلك إذا بلغه شيئًا وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه، ولأن تتبع هذه الأمور كالاطلاع على ما وراء الباب والستر، وإذا كان ذلك حرامًا كان التتبع من غير الاطلاع مثله. ولأن البيوت أكناف الناس وحصونهم فمن يتبع عوراتهم ويجس أحوالهم في خلواتهم كان كمن أتاهم من مأمنهم وأفسد عليهم إحرازهم، وكل ذلك حرام ممنوع. ثم نهى عن الغيبة، فقال: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ أي لا يذكره هو غائب عنه فلو كان حاضرًا فسمعه لسب عليه. وشبه الاغتياب بأكل لحم الميت لأن الميت لا يشعر بأن يؤكل لحمه، كما لا يشعر الغائب بأن يثلب عرضه. وقال النبي ﷺ (ما صام من صلى يأكل لحوم الناس) فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم. فمن ينقص مسلمًا ويثلب عرضه فهو يأكل لحمه حيًا. ومن اغتابه فهو يأكل لحمه ميتًا. ونهى النبي ﷺ عن الغيبة فقيل: (يا رسول الله، أرأيت إن كدته بما فيه، قال: إنك إن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته) فأبان إن الغيبة المحترمة هو أن

стр. 1199

يذكره بما يكون فيه، فأما ذكره بما ليس فيه فهو من الزور والبهتان وليس من الغيبة في شيء والله أعلم. ولا ينبغي لمسلم أن يصاخب مسلمًا ولا أن يغلظ له قولًا، ولا أن يتعرض لمسًا، أنه وقد مضى ما يتصل بهذه المعاني في أبواب متفرقة من هذا الكتاب. وفي ذلك عناية وكفاية إن شاء الله. ولا ينبغي لمسلم أن يبهت مسلمًا. قال ابن عمر ﵁: من بهت مؤمنًا أو مؤمنة بما لا يعلم حبسه الله في ردهة الجبال يوم القيامة حتى يجد مخرجًا مما قال، وعن ابن المسيب ﵁ قال: إن من أولى الرياء الاستطالة في عرض المسلم. وقال رسول الله ﷺ : (رحم الله من كف لسانه عن أعراض المسلمين إلا بأحسن ما يقدر عليه، فإنه لا تحل شفاعتي لطعان ولا لعان).

стр. 1200

الخامس والأربعون من شعب الإيمان وهو باب في إخلاص العمل قال الله : ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ وقال: ﴿من يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وماله في الآخرة من نصيب﴾ وقال: ﴿وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. وقال: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (الذي يقول إنما أردت أن يقال: فلان كذا فعل، قيل: ذلك اذهبوا به إلى النار). وقد ثبت بالقرآن والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله، فإنه إذا لم يعمل بمجرد التقرب به إليه، وابتغاء رضوانه حبط ولم يستوجب ثوابًا، إلا إن لذلك تفصيلًا، وهو أن العمل إن كان من جملة الفرائض اللازمة، فمن أداه وأراد به الفرض غير أنه أداه بنية الفرض ليقول للناس: أنه يقول لكذا لا تطلبًا لرضوان الله واتقاء لسخطه، سقط عنه الفرض ولم يؤاخذ في الآخرة، ولم يعاقب به مما يعاقب به التارك، ولكنه يستوجب ثوابًا. إنما ثوابه ثواب الناس عليه في الدنيا ومدحهم إياه بما فعل. وإن كان العمل من باب التطوع ففضله يريد به وجوه الناس دون وجه الله تعالى، فإن أمره يحبط ولا يحصل من عمله شيء يكون له كما حصل الأول على سقوط الغرض

стр. 1201

عنه، ثم يعاقبهما على أنهما عملا لا لوجه الله تعالى، وباعا ثواب الله تعالى بمحمدة الناس، يحتمل وجهين. أحدهما أن يقال أن الذي جاء به الحديث من قول الله تعالى، فقد قيل ذلك اذهبوا به إلى النار، أخبار بأن المرائي يعاقب على عدوله عن قصد وجه الله تعالى إلى وجه الناس ومعنى هذا أنه استخف حق الله تعالى واستهان نعمته، فلم يجز أن يقصر ذلك من مقدار ذنب غيره، والذنوب كلها موجبة العقاب، وكذلك هذا، أو الوجه الآخر أنه لا يعاقب، ولا يثاب. ومعنى الحديث أن هذه الأعمال التي يتراءى بما لا يعمل فينتقل بها في ميزانية وترجح بها كفة الطاعات كفة المعاصي، لا أنه يعاقب على الرياء بالنار، وإنما عقوبة الرياء إحباط العمل فقط، ووجه هذا أنه عمل ما عمل عبادة لله ، إلا أنه زاد بعمله حمد الناس فإذا أحيل عليه، فقد جوزي بصنيعه، وليس له وراء ذلك ذنب يستوجب عقابًا، لأن جميع عمله شيئان: أحدهما: فعل لم يخل من أن يكون فعله عبادة لله تعالى لأنه لو أراد عبادة غيره به لكفر. والآخر: فصده أن يمدحه الناس بفعله لا أن يثاب عليه. فأما الأول فليس بذنب. وأما الثاني فهو الذنب. فإذا لم يتب ويصر على قول الناس فقد جوزي فثبت أن ذلك يصادق أمره والله أعلم. فإن قيل: أرأيت أن رأى وأراد أن يمدحه الناس فلم يشتغل به الناس ولم يمدحوه ولم يثنوا عليه ولم يعلموا أخيرًا عمل أم شرًا؟ قيل: لا يؤجر لأنه لم يرد بما عمل وجه الله تعالى. فإن كان الناس لم يقولوا فيه ما أراد، فإنما هو رجل خسر الدنيا والآخرة فشبه أن يكون من عذاب الآخرة أبعد، لأن حزب الله تعالى هم النابين عنه حتى لم ينل منهم ما أراد من جملة العقوبة. فإذا جاز أن يكون ثناؤهم عليه لو أثنوا على جميع جزائه، جاز أن يكون قول ثنائهم ومدحهم إياه جميع عقوبته والله أعلم. ومما جاء في ذم المراءاة بالخير، وشيطان الشر قوله ﷺ : (مثل المؤمن كالبيت

стр. 1202

الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مزينًا، ومثل الفاجر كالقبر المشرف المفضض يعجب من رآه، وجوفه ممتلئ نتنًا). ومما جاء في فضل الإخلاص العمل لله، قال رسول الله ﷺ : (من زار أخاه لله لا لغيره والتمس وجه الله وما عند الله، وكل الله به سبعين ملكًا ينادونه من خلفه حتى يرجع إلى بيته إلا طلبت وطابت له الجنة). ومما جاء في ذم الرياء والشهرة واستحباب الجمول، إن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل ﵁ يبكي عند قبر رسول الله ﷺ . فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال شيء سمعت من رسول الله ﷺ صاحب هذا القبر. قال: وما هو؟ قال: سمعته يقول: (إن يسير الرياء شرك، وإن من عادي أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله لا يحب الأبرار الأخفياء الأتقياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة).

стр. 1203

السادس الأربعون من شعب الإيمان وهو باب في السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة وهو ما يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن). وعنه ﷺ أنه كان يقول: (اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا) ومعنى هذا- والله أعلم- إن من عمل حسنة فسر أن وفقه الله تعالى لها ويسرها له حتى حصلت في ميزانه، فجلس كما يجلس الهناء فرحًا مسرورًا بما يرجوه من رحمة الله وفضله. أو عمل سيئة فساءه أن خلاه الله تعالى ونفسه حتى عمل بما سوأه له الشيطان، وجلس كما يجلس المصاب مهمومًا كئيبًا حياء من الله تعالى وخوفًا من مؤاخذته، فذاك دليل على صدق إيمانه وخلوص اعتقاده، فإن الثقة بالوعد والوعيد لا تكون إلا من قوة التصديق بالله ورسوله. وقد جاء هذا التفسير عن النبي ﷺ بلفظ موجز (إن المؤمن إذا عمل حسنة رجا ثوابها، وإذا عمل سيئة خاف عقابها). فأما من سرته حسنة من حيث يثني عليه وتذكر عنه، فقد جاء عن النبي ﷺ أن رجلًا قال له: يا رسول الله، إني أعمل العمل أسر به فإذا اطلعت عليه سرني، فقال: (لك أجران. أجر السر وأجر العلانية). وجاء في حديث آخر أنه قيل لرسول الله ﷺ : أحدنا يعمل العمل، فإذا اطلع عليه سره. فقال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن). وروى عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: معناه. فإذا اطلع عليه سرني ليقتدي بي ويعمل مثل عملي. ليس أنه سره أن يذكره ويثني عليه، وإنما هو كقوله ﷺ : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل

стр. 1204

بها). وكما روي أن رجلًا قام من الليل، رآه جار له، فقام يصلي فغفر للأول. يعني أن الثاني لما أخذ عنه وتابعه. وهذا محتمل ويحتمل غيره، وهو أنه إذا عمل خيرًا سره أن يذكر به فيكون محمودًا في الناس لا مذمومًا. ولا حمدًا أبلغ من أن يقال: أنه قوام بحمد ربه، وليس هذا من المراءاة في شيء. إنما المراءاة أن يعمل الخير لا يريد به وجه الله تعالى ولا يبتغي به مرضاته ولا ثوابه، إنما يريد أن يقول الناس هذا رجل خير. فأما أن يعمل لله تعالى على الحقيقة ويسره أن يعلم الناس منه من عمل الله تعالى، فإن مدحوه مدحوه، وصلاحه لعبادة الله لا بغير ذلك، مما يمدح به الناس. ويثني عليه به بعضهم على بعض من أمور الدنيا، فليس هذا من الرياء في شيء. ألا ترى أن الله ذم قومًا فقال: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾. فدل على أن من أحب أن يمدح بما فعل فلا ذم عليه. فكيف يذم من أراد أن تكون إضافته أن الله تعالى لا إلى غيره كما جعل همه مقصورًا على عبادته دون غيرها. إنما المذموم من يعمل ما أمر أن يبتغي به وجهه مريدًا به وجه غيره. والفرق بينهما ظاهر لمن أنصف. واحتج ذلك القائل بأن الحديث جاء بكراهية أن يذكر الرجل في وجهه. وروي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يثني على آخر فقال: (قطعت ظهره، لوسعها ما أفلح). فيقال له هذا أن يثني عليه في وجهه فيمتلئ منه عجبًا ومدحًا يقول في نفسح أنا الممدوح بكذا وكذا ويستثني لذلك غيره، وما قلناه غير هذا، وهو أن يسمع الرجل يضاف إلى مولاه بالطاعة وحسن العبادة، فيسره إن شاء الله تعالى أنزله منزلة الكرامة من نفسه، وجمع له بين الحسنيين أحدهما أن وفقه لعبادته. والآخر أن جعله إذا مدح مدح باسمه، وأضيف إلى ما يكون مرجعه إليه من عبادته، ولم يجعله يمدح ما يمدح به أبناء الدنيا وأهلها ولولا أن هذا هكذا، لما كان ذلك (عاجل بشرى المؤمن). كما قال النبي ﷺ .

стр. 1205

السابع والأربعون من شعب الإيمان وهو باب في معالجة كل ذنب بالتوبة منه قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا على ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ وقال ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾. وقال بعد كبائر ذكرها: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا، إلا من تاب وعمل صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا﴾. وقال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾. وقال: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾. وقال: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾ إلى قوله ﴿أليمًا﴾. وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ إلى قوله ﴿منتظرون﴾. وكما أنزل الله على عهد رسول الله ﷺ : ﴿وانذر عشيرتك الأقربين﴾. قال: (يا معشر قريش استروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم شيئًا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، شئت لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمة محمد رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت، لا أغني

стр. 1206

عنك من الله شيئًا) وقال: (إني أستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم أكتر من سبعين مرة). وقال النبي ﷺ : (الندم توبة) وقال: (كفارة الذنب الندامة). وقال: (إن الله يحب المفتتن التواب) ومعنى هذا أنه يحب الذي كلما وقع في فتنة عاجلها بالتوبة. وقال: (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) وقال ﷺ : (أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) وقال خبيب: قلت يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب، فقال: (تب كلما أذنبت) قلت: (أعود إلى الذنب قال: وعد إلى التوبة. قلت: أعود. قال أوعد إلى التوبة. قلت: إذا تكثر يا رسول الله. قال: (عفو الله أكثر من ذنوبك يا خبيب). وقال ابن المسيب في قول الله ﴿فإنه كان للأوابين غفورًا﴾. قال الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في حديث الإفك (إن كنت ألممت بذنب فتوبي، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب تاب الله عليه). وقال عمر ﵁ في قوله ﴿توبة نصوحًا﴾. أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه. ومعناه. يعزم على أن لا يعود إليه لأن التوبة لو كان ترك العود لكان استقرارها بالموت. وذلك لا معنى له. فثبت بالكتاب والسنة وجوب التوبة إلى الله تعالى على كل مذنب، وإسراع التوبة والإنابة إليه، وأن الله يقبل التوبة عن عبده ولا يردها عليه. وظهر وقت التوبة الذي هو لكل

стр. 1207

واحد من الناس في خاصته والوقت الذي هو للجمهور. وسنتكلم على جميع ذلك بالشرح والإيضاح إن شاء الله. وأما التوبة فهي الرجعة. ومعنى تاب إلى الله أي رجع إلى الله، كأن المذنب ذاهب أو ابق من الله تعالى لمفارقته طاعته ومخالفته أمره، فإذا نزع مما هو فيه وعاد إلى الطاعة كان كالعبد يرجع إلى سيده، فنزل نزوعه وعودته إلى الطاعة رجعة، وعبر عنها بالتوبة وحد التوبة القطع للمعصية في الحال إن كانت دائمة، والندم على ما سلف منها والعزم على ترك العود إليها تعبدًا لله تعالى وتقربًا بذلك إليه، وإن لم تكن المعصية دائمة فالندم على ما مضى والعزم على ترك العود، وهاتان الخصلتان متفق عليهما. ثم ينظر في الذنب الذي تكون التوبة منه، فإن كان ذلك ترك صلاة. فإن التوبة لا تصح منها تنضم إلى التوبة والندم قضاء ما فات منها. وهكذا إن كان ترك الصوم أو تفريط في الزكاة إن كان ذلك قتل نفس بغير حق، فإن تمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبًا به. فإن عفى عنه بمال وكان واجدًا له فإن يؤدي ما عليه. قال الله ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. وإن كان قذفًا يوجب الحد فبدل ظهر الحد إن كان مطلوبًا به فإن عفا عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بإخلاص، وإن كان ذلك حدًا من حدود الله تعالى، فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نص الله تعالى على سقوط الحدود من المحاربين إذا ماتوا قبل القدرة عليهم. وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا ماتوا بعد القدرة عليهم. ولعل وجه ذلك أنهم متهمون بالكذب والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام. أو أنهم إنما يندمون في مثل تلك الحال على ما فعلوا إلا لسوء الصنع، ولكن لأنه قدر عليهم فصاروا الغرض أن يثكل بهم، وإذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة. والظاهر أن استبصارهم بسوء صنعهم هو الذي يدينهم. وأما الشراب والسراق والزناء إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم وقعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن وقعوا إليه، فقالوا: أثبنا، لم ينزلوا، وهم في هذه

стр. 1208

الحالة كالمحاربين إذا علقوا وإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا بأداء الواجب عينًا كان أو دينًا، ما دام مقدورًا، فإن لم يكن مقدورًا عليه، فالعزم على أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه. وإن كان أضر بواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أتى، وإن يزيد ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له. فإذا عفا فقد سقط الذنب عنه استجدى له وسأله ذلك بلسانه فهو آثم لتوبته، وإن قيض من يسأله ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه، عرف بعينه أو لم يعرفه فذلك صحيح، وإنما قلنا يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له لأن أخوة يوسف ﷺ كانوا أضروا بأبيهم إسرائيل ﵇، فلما جاءوه بآيتين. ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ فدل ذلك على أن الاحتياط في الجمع بين عفو المظلوم واستغفاره والله أعلم. وقد كان لأمرهم وجه آخر. وهو أن أباهم كان نبي الله فيهم، ومن حق النبي إذا كان بين ظهران قوم أن تكون توبتهم عنده، وأن يستغفر لهم مع ذلك، فيتأكد استغفارهم لأنفسهم باستغفاره لهم وتكون مسألتهم إياه ذلك من تمام استغفاره، لأن فرعهم إليه إيمان بالله تعالى، وتعظيمهم له تعظيم لله ، والتأييد به فضل خوف ورهبة من الله تعالى. فإذا انضمت هذه الأسباب كانت الإجابة أرجأ وأقرب. وقد قال الله : ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾. واستقصى من ظلم نفسه، وهو يمكنه لقاء النبي ﷺ ، والاستظهار بدعوته فلا يحبه، فيتوب عنده ويسأله الاستغفار له وذلك من الوجوه التي ذكرنا وهو أن في الفرع إلى النبي ﷺ فضل الرهبة من الله، والإشفاق من الذنب وكلما كان المستغفر أخوف من الله تعالى كان أخلق أن يغفر ذنبه وتجاب دعوته والله أعلم. وإن أساء رجل إلى رجل بأن نزعه بغير حق، أو غمة أو لطمة أو صفعة بغير حق أو ضربه بسوطه فآلمه ثم جاءه مستعفيًا نادمًا على ما كان منه عازمًا على أن لا يعود، فلم

стр. 1209

يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه سقط الذنب عنه. وهكذا إن كان شأنه بشتم لا حد فيه. وإذا صارت إلى الرجل أموال الناس بظلم وهو لا يعرف أصحابها، فإن لم يخلطها بماله فلا يحل له أن ينتفع بها، وإن كان يرجو أن يعرف أصحابها فيردها عليهم فله أن يمسكها لأجلهم، وعليه أن يسأل عنهم، ويأتي في ذلك ما يقدر عليه. وإن كان لا يرجو أن يعرف أصحابها سأل الإمام أن يأذن له في الانتفاع بها. وإن دفعها إلى الإمام جاز وقبل تصرفها في وجوه البر، فيكون ثوابها لأهلها. وأما إذا خلطها بماله فإنه إن كان مثل ماله ولم يتهيأ تمييزه عنه فله ماله ولأصحاب الأموال أموالهم وهم شركاؤه فيه وهو شريكهم، ولا يحل له أن يتصرف في جميعه. وتصرفه في قدر ماله من الجميع جاز. وإن سأل الإمام أن يقاسمه عنهم فيأخذ نصيبه ثم يتصرف فيه، فذلك أولى وأحوط والله أعلم. ثم يعمل بأموال غيره ما ذكرت في الفصل الذي قبل هذا، والكلام بعد هذا في أعيان مسائل الجنايات والغصوب. وأنواع التعدي فصل في هذا الباب، لأن الغرض بيان حكم التوبة لإتيان الجناية. وعلم الجنايات موجود في كتب الأحكام فكل ما يثبت له حكم الخيانة بالتوبة منه، لا يصح إلا بالتعقبة على أثره إن كانت ممكنة، وما لم يمكن فسخه واتباعه بصده فمجرد الندم عليه والعزم على ترك العود عليه توبة منه. هذا جملة القول في الباب. وإن كانت على واحد ذنوب كثيرة من أجناس مختلفة، وتاب من أحدها صحت توبته منه، ولا يمنع إصداره على غيره من الاعتداد بتوبته منه والله أعلم. وإذا تاب العبد فليس بواجب على الله أن يقبل توبته ولكنه لما أخبر عن نفسه أن يقبل التوبة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده، علمنا أنه لا يرد التوبة الصحيحة على صاحبها ولو لم يكن أخبر عن نفسه بما قلنا لم يستحل أن يرد التوبة فلا يقبلها. فقبوله إذًا لها فضل وليس شيء من الأشياء بواجب عليه، وبالله التوفيق. ذكر الخلاف في ما ذكرنا. زعم زاعم أن من غصب مالًا من مسلم ثم بدا له أن يتوب، والمال قائم في يده، عليه أن يرد المال المغصوب إلى ماله، ولكن نفس الرد ليس بتوبة، إنما التوبة الندم والعزم على

стр. 1210

ترك العود، غير أنه إذا كان متمسكًا بالمال دل به، على أنه ليس بنادم، فاحتاج إلى الرد ليصح ندمه وعزمه على ترك العود، لأن نفس الرد من التوبة، فيقال له. ما الفضل بينك وبين من قال لك. أن التوبة هي رد المغصوب إلى مالكه؟ ولكنه يحتاج مع ذلك إلى الندم والعزم على ترك العود لتصير سببًا لرد المال إلى صاحبه، فإن الندم إذا لم يقع، والعزم على ترك العود في المستقبل صار سببًا للرد، فالرد هو التوبة. والحاجة إلى هذين لتيسير الرد لا أنهما توبة. وإذا كان القولان يقعان موقعًا واحدًا ولم يكن إلى طرحهما والخروج منها سبيل، وكان الجمع بينهما ممكنًا. وجب الجمع، وأن يقال كل ذلك توبة. يقال له: زعمت أن الندم هو التوبة، وأن رد المال إذا لم يقع لم تصدق التوبة ولم تتحقق، فاحتيج إلى رد المال لتحقيق الندم لأن الرد نفسه من التوبة، وليس هذا كما قلت. لأنه قد يندم على غصب المال، ويصر مع ذلك على حبسه لئلا يستضعف، أو لئلا يطمع واحدًا آخر في استرجاع ماله منه. ومن الموجود في العادات أن يقول القائل: ما كان ينبغي لي مفارقة بلدي وإتيان هذا البلد، وإذ قد أتيت فليس إلا الصبر. ويقول: ما كان فلان أهلًا لما أعطيته، وما كان ينبغي لي أن أعطيه. وإذا قد كان من ذلك فليس إلا الاحتمال والتجاوز. وقد يقول: الجيش إذا لاقى العدو، وما كان ينبغي لنا أن نخاطر ونلقى العدو في هذه العدة اليسيرة. وإذ قد فعلنا فلا وجه للفرار وليس إلا الثبات. وقد يقول الآبق. ما كان ينبغي لي أن أفارق سيدي وإذ قد فعلت فلا وجه للرجوع إليه وليس إلا البعد منه. فإذا كان هذا وأمثاله من عاقبة الناس وقولهم. فلم قلت: إن الرد ما لم يقع من الغاصب والندم غير حادث. وما أنكرت من الإصرار قد يجامع الندم كما جامعه فيما ذكرناه وعارضنا كبه. وما أنكرت أن الندم إنما يقع على ابتداء الجناية ولا سبيل إلى تدارك الابتداء، وإنما يقطع قطع دوامها، وصار الذي يرفع بالندم غير ما وقع إليه الندم. وإذا كان غيره أمكن أن يقاربه فبطل، فذلك إن رد المغصوب يحتاج إليه لتحقيق الندم وليس بنفسه توبة وثبت أن الندم قد يتحقق من غير رد المغصوب.

стр. 1211

ويقال له: ما أنكرت أن يرد المغصوب إنما يحتاج إليه لفسخ الجناية القائمة في الحال وفي الحيلولة بين المالك ولملكه بغيًا وعدوا فهو من المغاصب بمنزل الإسلام من المرتد. ومعلوم أن المرتد إنما يكون تائبًا إذا ندم على ردته فأسلم وعزم على أن لا يعود، وإن إسلامه توبته. ولا يصح أن يقال أن ندمه هو التوبة. والإسلام يحتاج إليه ليصير سببًا لإسلامه. كذلك رد المغصوب هو التوبة والندم يحتاج إليه ليصير سببًا لرد المال إلى مالكه والله أعلم. واحتج هذا الزاعم لقوله. بأن التوبة قد تصح عن كثير من الذنوب التي ليس يحتاج فيها إلى رد شيء، فعلمنا أن التوبة هي الندم والعزم على ترك العود. فيقال: قد أنبأنا الله أن التوبة من الشرك هو الإسلام فإنه قال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فمعلوم أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا تكون إلا بعد الإسلام. فصح أن معنى قوله ﴿فإن تابوا﴾ أي فإن أسلموا. وقال ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. والانتهاء عن الكفر لا يقع بالندم عليه وإنما يقع بالإسلام. فصح أن توبة الكافر إسلامه ثم لم يجز أن يقال أن إسلامه ليس من صلب توبته، لأن كثيرًا من الذنوب يتاب منها من غير أن يحتاج في التوبة منها إلى عقد الإسلام، فما أنكرت أن كثيرًا من الذنوب وإن كان يتاب منها من غير أن يحتاج فيها إلى دفع مال فذلك لا يدل على أن التوبة إذا كانت من الغصب لم يكن رد المال من أصل التوبة والله أعلم. ويقال له: أرأيت الواحد إذا هم بغصب مال رجل فغصبه، أهو مذنب بهمه أو لغصبه أو بهما؟ فإن قال: بهما. قيل: فما أنكرت أنه إذا ندم وهم بالرد، فرد كان بإتيانهما كما كان في الابتداء مذنبًا بهما، ولو وجب أن يكون تائبًا بالندم، فالرد جميعًا، لأن من الناس من تصح توبته من غير أن يكون معها رد مال، لوجب أن لا يكون الابتداء مذنبًا بما لهم والأخذ جميعًا. لأن من المذنبين من يكون منه الذنب، ويكتب عليه من غير

стр. 1212

أن يكون منه أخذ مال، وإذا لم يحدث عن هذا أن لا يكون الأخذ من صلب ذنبه إذا وقع منه الأخذ بغير حق لم يجب عما ذكرت أن لا يكون الأخذ من صلب ذنبه إذا وقع منه الأخذ بغير حق لم يجب عما ذكرت أن لا يكون الرد من صلبه توبته إذا رد على المالك مالهم الذي أخذه منه. فإن قال: لو كان الرد من التوبة لوجب إذا عجز عن الرد أن لا تصح توبته. قيل: ما الفصل بينك وبين من قال. لو كان الرد محتاجًا إليه لتحقيق الندم لوجب أن لا يصح ندم العاجز عن الرد، لأنه لا يمكنه تحقيق ندمه للرد. فإن قال: إن الندم يتحقق من غير رد إذا كان هناك عجز عنه، وإنما لا يتحقق إذا كان الرد متمكنًا. فأما إذا لم يكن وصار معجوزًا عنه، فالندم وحده توبة. ويقال له: ما أنكرت أن الندم إذا قارن سقوط فرض الرد عنه. كان توبة. فإن كان المال في يد الغاصب فندمه مع الرد توبة لأنه إذا رد سقط الفرض. وإن كان المال واهيًا والغاصب معدمًا فندمه مع الرد توبة، لأنه إذا رد يقارن سقوط فرض الرد عنه فلذلك صحت توبته لا كما ظننت. مسألة: وزعم أن التائب ينبغي أن يكون ممكنًا من فعل ما يتوب منه، وإن كان عاجزًا عنه فليس ذلك توبة. فيقال له: قال النبي ﷺ . (الندم توبة). والندم يصح من العاجز عما أحدثه في حال القدرة، فلم لا قلت: أن توبته صحيحة. ويقال له: إن هذا المذهب يناقض مذهبك في المسألة الأولى لأنك إن عممت أن الندم هو التوبة، ورد المال محتاج إليه لتحقيق الندم لا لأنه بنفسه من التوبة، والذي يليق بها إن من عجز عن الغضب فأمكن أن يتحقق منه الندم على ما مضى، فإنه إذا ندم كان ندمه توبة. فإن قال: أن العاجز لا يصح منه العزم على ترك العود.

стр. 1213

قيل: إن كان لا يصح منه العزم على ترك العود فهو غير محتاج إلى هذا العزم لأن هذا العزم محتاج إليه لئلا يكون منه الفعل، فإذا وقع العجز عن الفعل فقد استغنى عن العزم، وكان الندم وحده التوبة. فإن قال: ينبغي أن يكون عنده الفعل منه لتركه إياه مختارًا فيكون بذلك معتدًا. قيل له: أرأيت إن كان قادرًا على الفعل فندم على ما سلف منه وعزم على أن يعود، إلا أنه حدث له العجز متمكنًا، أيكون عدم الفعل منه طاعة، أو يتبين بحدوث العجز في الحال إن عزمه على ترك العود كان باطلًا. فإن قال: يكون طاعة لأنه عزم على ترك العود وهو قادر، فصح العزم وكان ما حدث من العجز بعده غير معتد به. قيل له: فما أنكرت أنه إذا ندم على ما مضى، فصح الندم منه أن يتقلب بذلك المعجوز عنه من الفعل مقدورًا عليه في الحكم، فيصير عدم الفعل منه كأنما وجد منه تعبدًا، كما انقلب المعجوز عنه مقدورًا عليه في الحجم فإذا عزم على ترك العود وهو قادر فتبعه العجز بلا فضل واستمد به فإنه ليس من الأمرين فرقان يعقل. ويقال له: أرأيت العاجز عن المعصية إذا كان يضمر أنه لو وجد سبيلًا إليها لعصى إما أن يكون مذمومًا على ذلك. فإذا قال: بلى. قيل له: فلم لا قلت أنه إذا أضمر أنه لو كان قادرًا على المعصية ولم يعص كان محمودًا، وإذا كان كذلك فالعاجز عن الفعل إذا ندم على ما مضى وأضمر أن عجزه لو زال، أو لم يكن له بعد إلى ما كان منه، كان ذلك توبة، وإن كان عاجزًا عن الفعل. ويقال له: أليس الإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد وإقرار اللسان، فإن عجز عن الإقرار باللسان لم يكن ذلك عجز عن الإيمان، وكان الاعتقاد كافيًا. فما أنكرت أن التوبة وإن كانت صحتها بالندم، والعزم على ترك العود، فإن العزم على ترك العود وإن ارتفع بحدوث العجز عن الفعل لم تصر التوبة معجوزًا عنها، ولكن الندم يكتفي به عن غيره ويقال له: ألست تزعم أن رد المظلمة ليست تبق به، ولكنه يحتاج إليها لتحقيق

стр. 1214

الندم. ولو أن المالك وجد ماله فأخذه لم يغن ذلك الغاصب من التوبة لأن فسقه لا يرتفع بأخذ المالك مال نفسه، فقد صارت التوبة واجبة، ولا يقدر الغاصب منها إلا على الندم والعزم على ترك العود ثم الندم يصح، وإن كان الغاصب عاجزًا عن تقريره وتحقيقه يرد المال إذا المالك قد وصل إلى ماله ما لا يفعل كان منه فما أنكرت أن العاجز عن الفعل تصح توبته وعزمه على ترك العود، وإن لم يمكنه تحقيق هذا العزم لما حدث من العجز عن الفعل. ولم لا سويت بين العجز عن مقدر الندم، وبين العجز عن مقرر العزم على ترك العود. إن التوبة فرض من فرائض الله تعالى على عباده، وما من عبادة تنقسم إلى أركان إلا والعجز عن أحدها لا يسقط المقدور عليه منها وذلك المقدور إذا أثابه أجرًا وقامت تلك العبادة ألا ترى أن الصلاة أعمال وأنها إذا وقع العجز عنه قامت الصلاة قائمًا وراءها فلم لا قلت إن التوبة إن كانت تنقسم إلى ندم وعزم على ترك العود، فإن العزم على ترك العود إن بطل العجز عن العود، فذلك لا يمنع من أن تفهم التوبة بالندم وحده وبالله التوفيق. مسألة: وزعم أن من كانت له ذنوب فتاب من أحدها لم تصح توبته حتى يتوب منها كلها، واعتل بأن التوبة من الذنب إنما تصح إذا كانت، لأنه ذنب أو لأنه معصية. فأما التوبة منه، لا لأنه معصية لا تصح وإن كانت التوبة إنما تصح إذا كانت، لأن ما يتوب منه معصية فهو إذا كان مقيمًا على معصية أخرى لم تكن بينهما وبين الذي يتوب منها فرق فيكون كمن تاب عن معصية هو مقيم عليها فلا تصح توبته. ألا ترى أنه لو تاب من غصب المال وهو متمسك به لا يرده لم يكن تائبًا. فكذلك إذا تاب عن الغصب وهو مقيم عن القتل أو القذف أو الشرك خمرًا أو عقوق الوالدين لم يكن تائبًا لأن الغرض من التوبة الردع عن المعصية وهذه كلها معاصي. فيقال له: ما تقول في رجل زنى وشرب الخمر فجلد حد الزنا. أيكون ذلك حدًا مع بقاء حد الشرب عليه، فلا بد من نعم فيقال له: أليس إذا جلد على حد الزنا لأنه وقع منه معصية، لا لأنه هتك حرمة زوج المرأة أو ابنها أو عمها أو بناتها وغيرها فلا بد من بلى فيقال له: أرأيت لو قل قائل: أنه إذا كان يجلد على الزنا لأجل أنه معصية، فإن ذلك لا يقع موقع الحد ما دام عليه حد معصية أخرى. وتكون إقامة أحد الحدين عليه

стр. 1215

وترك الآخر كإقامة بعض الحد الواحد عليه وترك البعض، فإذا كنت قائلًا له: فإن قال: أقول له: إن الحد لم يجب على الزاني لأنه عصى فقط، ولكنه لوجود معصية مخصوصة منه قبل وكذلك الغاصب ليس ذنبه أنه أعصى فقط، إذ لو كان هذا هكذا لكانت الذنوب كلها راجعة إلى حد واحد. وإنما ذنبه أنه إذا عصى معصية مخصوصة وسقط حد الآخرين فما أنكرت أن التوبة تصح من إحدى كبيرين مع الأضرار على الآخرين، لأن كل واحد منهما معصية مخصوصة، فجاز أن يبقى حد بهما، ويسقط الآخر بالتوبة منها. فإن قال: أرأيت إن كانت عليه كبيرتان من جنس واحد. قيل: أما إذا اعتدلنا فقد يجوز أن يقال: لا يمكن التمييز بينهما من التوبة ليس من الوجه الذي قلت، ولكن لأن التوبة إنما تكون بالارتداع عن الخطية في الحال والندم على ما سلف منها، وترك العزم على العود إليها. فإذا كانت على الرجل خطيئتان من جنس واحد لم يصح منه أن يعزم على ترك العود إلى إحداهما، لأنه إنما ينبغي أن يترك العود إلى مثلها فأما ما مضى منه فلا يتركه العود إليه أبدًا. وإذا كان كذلك فهو إذا لم يتب من الأخرى وهي مثلها صار بالإصدار عليها، كالعائد إلى مثل الذي يريد التوبة منها. فصح أن التوبة من إحداهما لا تتحقق ولا تبالي حتى تكون منهما جميعًا. وليس الجنسان هكذا، لأن الارتداع عن إحداهما على الدوام مع إصابة الآخر ممكن، فكذلك تصح التوبة من إحداهما مع الإصرار على الأخرى. ومما يبين هذا أن الراشين أو الشاربين يدخل حد أحدهما في حد الأخرى، فلا يمكن أن يحد على إحداهما من حيث لا يصير محدودًا على الأخرى. فكذلك لا يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى وأما الخطيئتان إذا اختلف جنسهما، فإنه قد يكون محدودًا على إحداهما من حيث لا يكون محدودًا على الأخرى. فكذلك قد يكون تائبًا من إحداهما غير تائب من الأخرى. والله أعلم. مسألة: وزعم أن المطبوع على قلبه قد يتوب، وتكون توبته صحيحة، واعتل بأنه لم يمكن وجود التوبة منه لم يؤمر بها. فيقال له: ما أنكرت أن المطبوع على قلبه لا يتوب من الذنب الذي طبع على قلبه لأجله. فأما من الذنب الذي لم يكن الطبع على القلب لأجله فقد يجوز أن يتوب، وقد

стр. 1216

يجوز أن يكون مطبوعًا على قلبه من ذنب غير مطبوع من ذنب، وهذا من المسلمين. فأما الكافر يطبع على قلبه فلم يسلم أبدًا. وأما المسلم فقد يختلف الطبع على قلبه كما وصفت، فقد يقع ذلك في الصلاة بتركها، فلا يعود ذلك إلى فعل أبدًا، ولكنه إن كان مع ذلك شاربًا أو سارقًا يتوب منهما، وإن كان في السرقة أو الشرب لم يتركهما أبدًا. وإن كان مع ذلك تاركًا للصلاة تاب منه فصلى، لأن الطبع على القلب عقوبة. وقد يجوز أن يعاقب الله تعالى العبد على ذنب، ويعفو له عن ذنب. والدليل على من طبع على قلبه في شيء لم ينزع عنه، هو أن الطبع على القلب ليس إلا الحيلولة بينه وبين أنصار الصواب والميل إليه، وهو إذا لم ينصر الصواب ولم ينتبه لدواعيه، ولم يمل إليه لم يقبله ولم يوجد منه. قال الله : ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ فما يئس نبيه ﷺ من إيمانهم، ثم أشار إلى سبب ذلك وعلته فقال: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾. فأخبر أنه حال بينهم وبين الدواعي إلى الإيمان أن يخلص إلى قلوبهم وحال بين قلوبهم وبين أبصارهم ما في الإيمان من الصواب. فدل ذلك على أن الكافر المطبوع على قلبه يستحيل وجود الإيمان منه، فقال: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون﴾. فأجيبوا أن المطبوع عليه غافل، ووجود الفعل الذي شرطه الاختيار عن الغافل غير ممكن. وقال: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله والله على علم، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾ فأبان أنه لا هداية له بعد وجود الختم من الله على حواسه، ومكان غفله، فكل ذلك يدل على أنه لا يمكن وجود التوبة منه عما هو مطبوع على قلبه فيه. وقال: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ فأخبر أن المطبوع على قلبه لا يؤمن. فإن قال: فقد قال الله : ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ فدل ذلك على أن من الكفار المطبوع على قلوبهم من قد يؤمن.

стр. 1217

قال: ليس للاستثناء من المطبوع على قلوبهم، إنما هو من جماعة اليهود الذين ابتدأت القصة بذكرهم. فقال: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، ثم حكى عنهم بعض المواثيق وقتل الأنبياء ﵈ ثم قالوا: ﴿قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. أي إلا قليلا منهم فإنه لم يطبع على قلوبهم، فالاستثناء من هنالك لا من نفي للإيمان، وإن كان من نفي للإيمان، فقد خالفه هذا المنهج لأنه يخبر أن يؤمنوا جميعًا، وإن كانوا مطبوعًا على قلوبهم، وقد أخبر الله تعالى بزعمه أنه لا يؤمن منهم إلا قليل ينفك من مخالفة الله تعالى في خبرهم. فأما قول: هذا الزاعم أن التوبة لو لم يجز وجودها من المطبوع على قلبه لما جاز أن يؤمر بها. فالجواب: أن الكفار الذين أخبر عنهم الله تعالى قطعًا بأنهم لا يؤمنون أكان الأمر بالإيمان زائلًا عنهم فلا يستطيع أن يقول: نعم، فيقال له: فإن جاز أن يكون من بين الله تعالى لنبيه ﷺ على أنه لا يؤمن مأمورًا بالإيمان، لم لا جاز أن يكون كل مطبوع على قلبه مأمورًا بالإيمان أو بالتوبة؟ وإن كان لا يمكن وجود واحد منهما. وقد أخبر أنه أوحى إلى نوح النبي ﷺ . ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾ ولذلك عرفهم. ولا يجوز أن يقال: إن الأمر بالإيمان زال عنهم. فما أنكرت أن كل مطبوع على قلبه فالأمر بالتوبة قائم عليه، وأن كلًا لا تؤخذ منه التوبة أبدًا وبالله التوفيق. مسألة: وزعم أن العبد إذا تاب، واجب على الله أن يقبل توبته واعتذر بأن رجلًا لو أساء على آخر ثم اعتذر إليه لم يذمه بعد ذلك كما كان يذمه من قبل. فلما نتج الذم مع الاعتذار علمنا أن التوبة من الله مسقطه لعقاب الذنب الذي كانت التوبة منه. فيقال له: أن الله تعالى ليس يحب أمر آمر ولا نهي ناه فليلزمه شيء أو يجب عليه

стр. 1218

شيء فكان صواب العبارة إذًا أن يقول: أن العبد إذا تاب قبل الله توبته ولم يردها عليه لأنه أخبر عن نفسه بأنه يقبل التوبة عن عباده. وأخبر عنه بذلك نبيه ﷺ . (من تاب تاب الله عليه). ولا يجوز أن يقع في خبره عن نفسه، ولا في خبر نبيه ﷺ عنه خلف. فإن احتج بقول الله ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾. أو بقوله: ﴿كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾. قيل له: معنى ذلك أنه لما قضى ذلك وأخبر به فهو يفعله ولا يخلف وعده لأن الكذب غير جائز عليه، فهذا معنى الاثنين لا سواه. فأما قوله: إن من أساء إلى آخر ثم اعتذر إليه لم يذمه بعد ذلك، فهو إحالة منه على العادة، والعادة في ذلك مختلفة، لأن من الناس من يلين قلبه للمعتذر فيقبل عذره في أول وهلة، ومنهم من يزداد غيظًا به، فلا يقدر على قبول عذره. وقد يخف الذنب فيمكن قبول العذر عن الذنب أول ما يعتذر. وقد يغلظ الذنب فلا يمكن الإصغاء إلى المعتذر فضلًا عن قبول عذر. ألا ترى أن رجلًا لو قتل ابن رجل أو أباه، أو أحرق داره، أو أخرب ببنائه، ثم جاء يعتذر إليه لم يلزمه أن يقبل عذره، فلا هو إن لم يصغ إليه، ولم يقبل عذره، يكون عند الناس مذمومًا. وإذا كان كذلك، فمعلوم أن حق الله تعالى ألزم من كل حق، وانتهاك حرمته أعظم من كل ذنب. فكيف يجوز أن يقال: ليس على الله أن يقبل توبته إلا أن أخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك، فهو إحسان منه وفضل ليس بفعل واحد والله أعلم. ويقال له: المسيء إذا اعتذر إلى من أساء إليه أيكون عذره غير ما يقصد بإساءته إليه أو مثله. فلا بد من أن يقول: لا هو عين ولا مثل، ولكنه إحسان في الجملة يريد أن يجعله عوضًا من الإساءة المتقدمة، فيقال له: أرأيت رجلًا أتلف لرجل عشرة دراهم ثم جاءه بعوض يساوي عشرة أو لا بسواها، وسأله أن يقبل منه ويرضى به. أيلزمه ذلك؟ فإذا قال: لا قيل: فما أنكرت أنه إذا لطمه أو صفعه أو سبه أو شتمه أو سعى

стр. 1219

به إلى سلطان فحبس وضرب وأخذ منه مال، ثم جاءه يعتذر إليه لم يلزمه أن تقع منه المعذرة فيقبلها ويرضى عنه بها، وإن كان الاعتذار منه أمرًا مستحبًا يستحق أن يمدح لأجله. وإذا كان هذا هكذا، وقد جعلت قبول الرب توبة العبد، وإذا تاب فليس قبول الثناء إليه مغفرة السيء وحمده إياه عليها، فما أنكرت أنه ليس بواجب على الرب أن يقبل توبة العبد إذا لم يكن لديه غير الحق الذي آجل به أن جنى ما جنى ولا قبله. وإذا كان كذلك صح أن قبول التوبة بفضل وامتنان وليس بواجب والله أعلم. مسألة: وزعم أن الجنايات التي أخبر الله تعالى إنصاف المظلوم فيها إلى الآخرة إن عفا عنها أهلها المصابون بها، لم يسقط عن الجناية، لأنه ليس للمظلومين عنها حق واجب في الحال. إنما يجب بعد النظر إلى الآخرة، ولا يصح العفو عما لم يجب. قال: وليس كالدين المؤجل لأنه واجب فإنما أخر قبضه بالشرط. ويقال له: ما أنكرت أن المجني عليه ثبت له حق بوقوع الحماية عليه، أما عاجلا وأما آجلًا. فإن كان آجلًا فموصول إليه هو المتأخر، وإلا فالوجوب حاصل وحكم الله يوم القيامة إنما يحتاج لتعيين الواجب وإثابته فأما نفس الموجوب فهو حاصل لأن الموجوب حكم وعبادة ومحل العبادات الدار الدنيا. فلو خلا الفعل من اعتقاد وواجب لم يتوهم أن يحدث له يوم القيامة تبعة قد خلا منها عند وقوعها في الدنيا. فصح أن حقًا قد وجب للمجني عليه. فإن عفا فقد عفا عن وجب لا كما قدر به والله أعلم. مسألة: وزعم أن من وقعت بيده أموال حرام، ولم يعرف أربابها، أنه يمسكها حولًا. فإن ظهرت فيه أربابها دفعها إليهم، وإلا تصدق بها كما يقول في اللقطة. وهذا الحال، لأن العرف في اللقطة أنها تطلب وتنشد فكذلك كلف الملتقط أن يعرف حتى إذا عرف هذا أنشد ذلك، ظهر بها صاحب اللقطة، فعاد ماله إليه. وأما الأموال المأخوذة من الناس ظلمًا، فإنها إذا صارت إلى يدي رجل وأنها لا تنشد، فكذلك من وقعت ييده لا يعرفها. ألا ترى أن من غصب من رجل مالًا ثم نسي صاحبه لم يعرفه، لأن صاحبه لا ينشده، فكذلك هذا. وإذا بطل التعريف بطل انتظار الحول، لأن

стр. 1220

الحول مدة التعريف، فإذا بطل التعريف لم يثبت حكم الحول، وكان الحكم أنه ما دام بأصل ظهور ملاكها أمسكها، فإن أيس من ذلك صرفها في بعض أبواب البر، وإن دفعها إلى الإمام وأعلمه حالها ليقبضها الإمام عن أهلها. وإن سأل الإمام أن يأذن له في الانتفاع بها دينًا عليه لأهلها جاز على النظر لهم. والله أعلم. فصل ثم أن وقعت التوبة لكل واحد من أحد المذنبين ما لم يظهر له أمر من أمور الآخرة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المصادفة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار. وعسى أن يعاين فيه الملك. ولعل من بلغ أمره أن يغرغر بروحه لم يفعل تلك الحال يومه. أو لم يتمكن منها، فكان هذا القول إشارة إلى أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما دام يتوب، وهو ما لم يغرغر بروحه يمكنك أن يتوب، وإن تاب قبل توبه. وقد يجوز أن يجد وقت التوبة بما هو ليس من هذا واشتبه بقول الله : ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن﴾. وهو أن يقول: أن التوبة تقبل ما لم تبطل الدواعي التي تكون للأحياء إلى ضروب المعاصي. فإذا بطلت تلك الدواعي بسقوط القوى وبطلان الشهوات والاستسلام للمات، فقد انقضى وقت التوبة، وليس في هذا ما ينهض للزاعم المتفوض مقالاته دلالة على قوله أن يشرط التوبة، أن يكون التائب متمسكًا من الفعل لأن توبة من حضره الموت لا ترد، لأنه قد عجز عن الفعل. ولكن لأن الدواعي إلى الفعل قد انقطعت فلم يحتج إلى أن تسكن لك الدواعي بالبقاء على التوبة. وأما الحي الذي عجز المعاصي بما يحول دونها، فلا يخلو من أن يعرض لد الدواعي إليه إلا أنه يعجز عن إجابتها فإذا قابل تلك الدواعي بأن الله تعالى قد حذر ما يدعو إليه فلا سبيل إليه، ولو كان ممكنًا ولم يتضجر منها ولم يقلق ولم يقل في نفسه، لولا العجز لكنت تأمرني كان ذلك مستدعيًا للتوبة. وأما من انقطعت

стр. 1221

الدواعي عنه وانحبست آثارها فلا يبين لتوبته أثر قط إلا بالعزم، ولا بالفعل. ولذلك لم تصح ولم تقبل منه والله أعلم. وأما قوله : ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ فليس المراد به أن التوبة إنما تقبل إذا دنا وقتها من وقت المعصية، حتى كانتا مثلًا في يوم واحد أو ليلة واحدة. وأما المعنى: ما دامت الحياة ثابتة والدواعي إلى الجنايات قائمة. وقد قال الله في القيامة: ﴿قل عسى أن يكون قريبًا﴾ فإذا كان أجل الجميع قريبًا، فكذلك أجل كل واحد قريب، وأبانه قوله ﷺ (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). وأما الأجل المضروب للجمهور، فقد وردت فيه أنه مهمة، قال الله : ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم تأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ وجاءه عن النبي ﷺ ﴿إن الله باسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وباسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها) وعنه ﷺ (أن الله فتح للتوبة بابًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) فعلم بهذا أن الآية إذا أتت لم ينفع نفسًا إيمانها حتى طلوع الشمس من مغربها. وهذا يحتمل معنيين. أحدهما أن الناس إذا أتت وجدوا الشمس طالعة من مغربها خاض إلى قلوبهم من الفزع ما يحمل معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لا ينهاهم بدنو القيامة في حال من حضرة الموت من انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم. فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت. والآخر: أن طلوع الشمس من مغربها لا يعلم إلا بخبر النبي ﷺ ، وما زال غير المسلمين

стр. 1222

مكذبين لهذا الخبر اعتمادًا على أنه مباين لصنعة الكواكب والأملاك والأفلاك غير لائق بوضعها ونظامها. فإذا شوهد ذلك عيانًا دل على صدق النبي ﷺ ضرورة، تتوفى بوقوع العلم بتوبته ضرورة، ووقوع العلم بالله تعالى ضرورة. وإذا ارتفع الامتحان ورفعت الضرورة ولم يقع الإيمان ولا التوبة موقع العبادة كما لا يقعان في عرصات القيامة موقع العبادة لهذا المعنى- والله أعلم. ثم قد روى أن الدنيا تبقى بعد طلوع الشمس من مغربها طويلًا حتى يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقل: أخبرني أهلي أني ولدت ليالي طلعت الشمس من مغربها، فيحتمل- والله أعلم- أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن أو تاب، حتى يظهر هذا الأمر العظيم. فيحدث عنده من تغيير القلوب بما يحدث. فأما إذا عادت إلى ما كانت عليه من قبل وطلعت من المشرق وغربت من المغرب، وعادت الدواعي إلى النفس، وصار النفس وصار الناس كما كانوا فمن أسلم من الكفار، أو تاب من العصاة قلبت رجعته. وأما على الوجه الآخر فينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد، له مردود ما عاش لأن علمه بالله تعالى ونبيه ﷺ وبوعده وقد صار ضرورة. فإن الموت أيام الدنيا إلى أن ينشأ الناس من هذا الأمر العظيم ما كان. ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا. فيصير الخبر عنه حاجًا، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم من ذلك الوقت أو تاب قبل عنه والله أعلم. فصل وأما ما جاء في الآية التي سبق ذكرها من قوله : ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾. فلا دليل فيه على أن قبول التوبة من العبد على الله كما قال الزاعم الذي أدحض الله حججه، لأن ذلك محال والمعنى أن التوبة الذي وعد الله قبولها، وليس بالذي يخلف وعده، فالقبول واقع منه لا محالة كما يقع

стр. 1223

الفعل الواجب من لزمه ووجب عليه. وهكذا قوله ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ أي وكان وعدًا لا يجوز أن يخلفه، أنا نجعل حسن العاقبة لأوليائنا كما قال في معنى إعادة الخلق ﴿وعدًا علينا﴾ لا لأن ذلك واجب عليه في قول أخذ. ولكن لأن إخلاف الوعد غير جائز عليه بما وعد فعله فهو فاعله لا محالة، كمن يكون عليه فعل مستحق فهو فاعله بكل حال. وهكذا من تتبعه في كلام العرب أن يتحرز فيه مثل هذا، وبالله التوفيق. ومن الناس من ذهب إلى أن الاستغفار من أركان التوبة، وإن أركانها الندم والعزم على ترك العود والاستغفار، وهذا فيمن ليس فيه رد مظلمة وتمكين من حق. ومنهم من زاد الغم بالذنب الذي منه تكون التوبة بعد الفرح به، كأن رجلًا يعادي رجلًا ويريد قتله سنين، ثم ظفر به، فقتله، وتاب مكانه. فندم على ما كان منه، قتل مؤمنًا، بغير حق في الجملة، وعزم على أن لا يعود، إلا أن قلبه فرح بأن لم يعلنه عدوه وظفر منه بمراده. قال بهذا ليس بتوبة، إنما التوبة (أن يكون مهمومًا بما جرى على يده، وهذا كما قال: إلا أن يستغنى بشرط الندم عنه، فإن الفرح بما قد كان مناقض للندم، ولا يجتمعان في قلب لوقت واحد أبدًا إلا أن يكون فرحه ينقصان خصمه عن وجه الأرض، وانقطاع عداوته عنه، لا بأن جرى على يده قتله ويشتفي بذلك منه، فإن كان إنما يفرح بانقطاع عداوته فقط، فهذا غير متناقض للتوبة، وإن كان يفرح بفعله الذي فعله مكانه، فهذا مناقض للندم، وإذا خلص الندم لم يمكن أن يكون معه هذا الفرح فذكره إذا تكلف. وأما الاستغفار فإن الله يحكي عن هود النبي ﵇ أنه قال لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾. وهذا يوهم أن يكون الجمع بين الأمرين محتاجًا إليه، وقد يوهم غيره، لأنه ميز الاستغفار عن التوبة، وقدمه في الذكر عليه. ويروى عن النبي ﷺ (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار). وجاء عنه ﷺ . (من أصاب ذنبًا فندم عليه، غفر له ذلك من قبل أن يستغفر) فهذا يدل على أن الاستغفار

стр. 1224

ليس من أركان التوبة، على المعنى، أنه يحتاج إليه مع الندم لتتم التوبة، وأما قول الله في قصة أبينا آدم صلوات الله عليه، ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ وأثابه هذا بكلمات في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ فليس فيه إلا حكاية ما كان من آدم ﵇ حين تاب عليه. لا يدل على أنه لو ندم ولم يستغفر بلسانه لم يكن تائبًا، لأنه قد قال: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾. ولا خلاف في أن من لم يقل ذلك واقتصر على أن يقول: رب اغفر لي كان كافيًا. فكذلك لو ندم ولم يستغفر بلسانه لكان كافيًا. وأيضًا فإن التوبة لما كانت من الفرائض أشبهت الصلاة والصيام ومعلوم أن من صام وصلى لم تتعلق صحتها منه وتمامها بأن يقول: اللهم تقبل مني. فكذلك صحة التوبة وتمامها لا تتعلق بأن يقول: اللهم اغفر لي. وأما إذا استغفر ولم يثبت فقد يجوز أن يغفر الله له ويسقط الذنب عنه في حكم الآخرة، ولكنه لا يدري أن الله تعالى جده أجاب دعاءه أو لم يجب، فلا يزال أحكام ذلك الذنب عنه بل يفسق ويرد بها ربه. وإن كان فيه حدًا أقيم عليه، والله أعلم. وأما إذا تاب ولم يستغفر بلسانه أسقط حكم الذنب عنه، لأن الله تعالى فرض التوبة ولا يفرضها ثم لايقبلها، وأخبر مع ذلك بأنه يقبل التوبة عن عباده، ولا يجوز عليه أن يخلف وعده. فصح أن قبول التوبة من التائب أمر تقع كناية العلم به. فيجوز بذلك أن تتبعه أحكام، ولم يخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ إن كل من دعاه وسأله المغفرة، أجاب دعاءه. ولكن شرطه في الدعاء أنه يجيبه إن شاء الله، فقال: ﴿بل إياه تدعون﴾ فكثف ما تدعون إليه إن شاء. وأبان رسوله ﷺ . إن إجابة الدعاء ليست أن يعطي الداعي غير ما سأل، لكن ذلك يكون، ويكون ليدفع عنه مكان ما سأل بلا مماطلة، ويكون أن يعوض منه الآخرة خيرًا منه. وإذا كان كذلك، لم يعلم بنفس الاستغفار أن الذنب قد سقط عن المستغفر كما يعلم بنفس التوبة أن الذنب قد سقط عن التائب، والله أعلم.

стр. 1225

الثامن والأربعون من شعب الإيمان وهو باب في القرابين والإبانة عن معناها وغرضها وجملة الهدي والأضحية والعقيقة فأما العقيقة فإنها تذكر في باب حقوق الأولاد على الوالدين. وأما الكلام في الهدي والأضحية فهو ما نذكره: قال الله : ﴿فصل لربك وانحر﴾. وقال: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم، لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. وقال: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فإلهكم إله واحد فله أسلموا﴾. وقال: ﴿لا تخلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾ وقال: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس، والشهر الحرام والهدي والقلائد﴾. وأهدي النبي صلى الله عليه وسلمعام حج سبعين بدنه، وتولى نحر عدد منها بيده، وقال: (أفضل الحج العج والثج يضحى من أمة محمد) وأمر الله خليله إبراهيم صلوات الله

стр. 1226

عليه أن يذبح ابنه، فلما هم بذلك فداه بذبح عظيم. فثبت أن التقرب بإراقة الدماء لوجه الله تعالى سنة للأنبياء صلوات الله عليهم، وأنها من جملة ما أمرنا بالاقتداء بهم فيه. ومعنى ذلك- والله أعلم- أن من حج واعتقد في حجة ما قدمنا ذكره في بابه من أنه قد انسلخ من رتبة الدنيا وشهواتها وخلفها وراء ظهره وتاب من الذنوب وطهر منها قلبه، وجاء مقتدرًا متنصلًا متثيبًا إلى ربه، أمر أن يقرن بذلك قربانًا يقربه له من بعض ما أحل له من بهيمة الأنعام، حتى إذا رمى اتبعه نحره أو ذبحه، وكان كأنه يقول: اللهم إني قد أثبت مبين التقصير بك في حقوقك، وكسب من السيئات ما كان لي إلى نحر نفسي سبيل لنحرتها عقوبة لها بما أسلفت من المعاصي، ولكنك حرمت ذلك علي وأحللت لي بهيمة الأنعام، وإني متقرب إليك بهديي هذا، فاقبله، واجعله فداء لي بمنك وطولك، كما فديت ابن خليلك إبراهيم ﵈ بالذبح العظيم، برحمتك وفضلك، واقبله مني كما قبلت من إبراهيم خليلك صلوات الله عليه، ومحمد نبيك ورسولك ﷺ . ويخطر هنا بقلبه ويعتقده، ويعلم أن هذا معنى قربانه وغرضه، وإن قال بلسانه فلا بأس، وما قتله من هذا فهو من الأضحية مثله، ليس بينهما فرق سوى أن ذلك هدي إلى البيت الحرام، وهذا ليس بهدي، وهما جميعًا سنة، وليس واحد منهما بفرض، لأن الإخلاء من التوبة يجزي عن الفدية كما يجزي عن الاستغفار، لكن الاستغفار معها من أعظم السنن. كذلك القربة والزيارة على الزائر الواحد من القربان تجري عنهما التوبة كذلك يجري عن الدم أصلا والله أعلم. ثم قد جاء عن النبي ﷺ قال: (أربع لا تجري من الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقى). وأجمع العلماء على أن العمياء لا تجري والجرباء لا تجري، والأصل إنما يقص منها شيئًا هو مأكول في نفسه، أو يؤثر في لحمه وشحمه، فينقص منها نقصانًا بينًا لم يجر معه هدي ولا أضحية. فأما نقصان المأكول فكنقص الأذن، وأما نقصان ما يؤثر في اللحم والشحم فنقص العين، وقيل إن نقس اللسان يجمع الأمرين، لأن الإنسان مأكول في نفسه، ونقصانه أو عدمه يعجز عن إحالة العلف في الفم ويضعف عن الطعم فيضر بالشحم واللحم، فلا يجوز ما لا لسان له، كما لا يجوز ما لا أذن له، ولا ما قطع من

стр. 1227

لسانه وأذنه شيء وإن كان ما نقص غير مأكول جاز معه، كالقرن والسن والواحد وما لا يضر سقوطها ولا يمنعها من استبقاء العلف والكلأ ما كان، والاليتين فإنهما إذا كانت منزوعتين جاز مع ذلك، وينبغي إذا أراد الرجل الضحية أن يستقبل بأضحيته القبلة ويكبر ويقول: بسم الله، اللهم منك وإليك، اللهم تقبل، ثم يذبح. وإن صلى على رسول الله ﷺ فذلك حسن، وحاش له من أن تنكره الصلاة عند طاعة أو قربة. فأما استقبال القبلة فإنه عمل متواتر عمل المسلمين، لأن كل عمل أمر بالتكبير عند افتتاحه، أمر باستقبال القبلة فيه قياسًا على الصلاة وتقبيل الحجر الأسود واستلامه، والرمي والأذان، هذا وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه وجه ذبيحته إلى القبلة. وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يوجه ذبيحته للقبلة ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وقال جابر ﵁ ذبح النبي ﷺ كبشين، فلما وجههما قال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين). وعنه ﷺ قال: (ضحوا وطيبوا بها نفوسكم فإنه ليس من مسلم يوجه ذبيحته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة). فأما التكبير فإنه نص القرآن، قال الله : ﴿لتكبروا الله على ما هداكم﴾. والتسمية وإن كانت وراءها عند كل ذبح ونحر، فقد قال الله في القرابين خاصة: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ وقرأ بعض السلف "صوافن" يعني قائمات. واحتج بقوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾. يعني سقطت، فلا يكون السقوط إلا عن قيام. وقرأ بعضهم "صوافي" يعني خالصات لوجه الله تعالى. والقراءة المتفق عليها "صواف" كما في المصحف. والمعنى صافات، وهي أيضًا قائمات، وقد يجوز أن يعقل وهي قائمة لئلا تنفر إذا نحرت فتلوث أنفسها أو تسقط على أحد فتهلكه، وهذا أولى.

стр. 1228

وأما أنه يقول: اللهم منك وإليك، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه ضحى بكبشين فلما وجههما قال: (إني وجهت وجهي ...) إلى آخره كما ذكرنا. ثم قال: (اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله وأكبر). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر بكبشين فأتى بهما فضحى بهما. فقال (يا عائشة، هلمي المدية، ثم قال: أشحذيها بحجر، ففعلت. فأخذها وأخذ الكبش فأضجعه وذبحه وقال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد صم ضحى به). وعن جابر ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين موجرين فاضحع أحدهما، فقال: (بسم الله منك ولك عن محمد وآل محمد. ثم أضجع الآخر فقال: (اللهم عن محمد وأمة محمد، من شهد لي بالبلاغ ولك بالتوحيد). وإذا ذبح المضحي والمهدي بنفسه فذلك أفضل، لأن النبي ﷺ كان يضحي بيده، فلما كان من حجة الوداع تولى نحو ست أو سبع بدنات بيده، فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ، ثم ولى عليًا ﵁ ما بقي منها، قبض إبراهيم إسماعيل صلوات الله عليهما بيده وأن ولي ذلك عنده جاز. ويكره ولا ينبغي لصاحب الهدي والأضحية أن يغيب عن مسكنه، وأن ولاها غيره، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة ﵍: (يا فاطمة قومي، فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطر من دمها كل ذنب عملته، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) قيل: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة، فأهل ذلك أنتم وللمسلمين عامة. قال: بلى، للمسلمين عامة. وفي رواية أخرى أنه قال لها: (يا فاطمة بنت محمد، قومي فاشهدي ضحيتك، فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب). أما إنها

стр. 1229

نجاها بدمها ولحمها سبعين ضعفًا حتى توضع في ميزانك، وينبغي لكل ذابح أن يحد الشفرة ويذبح الذبيحة، ولا ينبغي للمقرب أن يقرب إلا النفيس السوي، قال الله : ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. فقيل في تفسير التعظيم أنه استسمان الهدي واستحسانه. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن أفضل الرقاب. فقال: (أغلاهما ثمنًا وأنفسها عند أهلها). فإذا كان هذا في العتق، هكذا هو في الهدي، والأضحية مثله. وجاء عن بعض الصحابة قال: كنت سابع سبع مع رسول الله ﷺ ، فأمرنا أن يجمع كل واحد منا درهمًا، فاشترينا أضحية بسبعة دراهم، فقلنا: يا رسول الله! لقد أغلينا فيها. فقال: (بلى، أحب الضحايا إلى الله أغلاها وأسمنها). قال وأمرنا فأخذ رجل منا يدًا والآخر يدًا، والآخر رجلا والآخر رجلا، والآخر قرنًا، والآخر قرنًا وذبح الطابع وكبرنا عليه جميعًا. واختلف في الأنعام أنها أفضل أن يضحى عليها. والثابت عندنا أن الأفضل البدن، ثم البقر والغنم أدون الضحايا، لأن الله كما قال: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ كان أيسر ذلك شاة، فعلمنا أن ما عداها أرفع منها. ولأن الله ذكر بهيمة الأنعام في كتابه وخص البدن بالذكر فامتن بأنه حلها لنا لنتقرب بها إليه. فدل ذلك على أنها أغلى ما يتقرب به إليه عز اسمه، ودل على ذلك قول النبي ﷺ من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقره، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فلما كان الرواح في الساعة الأولى أفضل من الرواح في الساعة الثانية والثالثة، علمًا أن ما جعله مثلا له من تقريب بدنه أفضل من الذي جعله مثلًا لما بعده، ودل عليه أيضًا أن النبي ﷺ حكم بأن البدنة تجري عن سبعة، والشاة لا تجري إلا عن واحد، فكان المقرب ببدنه كالمقرب

стр. 1230

بسبع من الغنم، ومعلوم أن التقرب بسبع من الغنم أفضل من التقرب بشاة. فوجب أن يكون التقرب ببدنه أفضل من التقرب بشاة. وكذلك البقرة أفضل من الشاة لأنها تجري عن سبعة. وجاءت الأخبار بأن البدنة تجري عن عشرة والبقرة عن سبعة، ولكن الأخبار في سبعة أثبت. والناس على هذا دون القول الآخر. ويشبه أن يكون إلحاق البقرة في هذا بالبدنة، وإن كانت أصغر جثة منها لأنها تحمي نفسها. وهي مع ذلك كبيرة الجثة، وإن لم تكن كالبدنة، فنزلت من البدنة منزلة البدنة الصغيرة من البدنة الكبيرة، ولهذا كان حكم البقر أيضًا له حكم الإبل، فلم يكن لأحد وجد بقرة ضالة بفلاة أن يأخذها كما لا يكون له أن يأخذ بعيرًا ضالًا، وذلك لأن النبي ﷺ منع من أخذ الإبل أن قال: (ملك ولها معها سقاؤه وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر وترد السباع بقرونها، والحركة عن نفسها كما تذود الإبل بعظمها وقوتها) فلما تقاربا من هذا الوجه أجزى كل واحد منهما من سبعة. وكانت أفضل من باب التقرب إلى الله بهما من الشاة الضعيفة، التي لا فرق في حكم الضلال بينها وبين قطعة لحم تصاب والله أعلم. واحتج من ذهب إلى تقديم الشاة أن الله فدى ولد خليله ﵇ بكبش. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل ﵇، فقلت له: كيف رأيت سنتنا في أمر أضحانا هذا، فقال: قد عجب أهل السماء! واعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من المسن من المعز، لو علم الله ذبحًا أفضل من ذبح إبراهيم لأعطاه. قلت: ما كان ذبح إبراهيم؟ قال: الذي قرب ابن آدم). فالجواب: إن هذا الحديث ليس بثابت: ولو ثبت لكانت الحجة فيه، ولم يخالف. وقد يحتمل منع ذلك التأويل، وهو أن المقابلة وقعت بين الخدعة من الضأن والمسن من المعز، فكان معني لو علم الله ذبحًا أفضل من ذبح إبراهيم لأعطاه أي في الإتيان من صنف الغنم لا في أصناف النعم، كأنه أراد الخدع من الضأن أفضل مما دون الخدع من الضأن،
следующие страницы →