← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

مما عداه، وكذلك ذهب ابن حبيب إلى أن تؤدي من البر مدين لهذه الأحاديث كقول أهل العراق والحجة عليهم ما ذكرنا. فصل: [٣] وجعلها الرسول ﷺ على الحر والعبد والصغير والكبير من حاضر وباد وغيره من المسلمين. [فصل ٤ - في وجوبها على الفقراء] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويؤدي زكاة الفطر من يحل له أخذها، قال أبو محمد: واختلف قول مالك فيه. قال ابن حبيب: وإن أعطي منها قدر قوته يوم الفطر فليس عليه أن يخرجه، وإن كان فيه فضل عن قوت يومه ذلك فليخرج من ذلك الفضل، وإن لم يدخل عليه شيء إلا في غد يوم الفطر فلا شيء عليه، لأن يوم الفطر قد زال، وليس من أهلها.

стр. 1577

وقال ابن وهب عن مالك في المجموعة: إن كان له قوت شهر أو خمسة عشر يومًا فهي عليه. ومن المدونة قال مالك: ويؤديها المحتاج إن وجدها، فإن لم يجد ووجد من يسلفه فليستلف ويؤدي، قال ابن القاسم: فإن لم يجد من يسلفه ولم يكن عنده شيء حتى مضي لذلك أعوم ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين. وقال ابن المواز: ليس عليه أن يتسلف. قال مالك: وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين. م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين تأخير زكاة الفطر وتأخير الأضحية حتى ذهبت أيامها، وذلك كله حق في المال؟ فقال: الأجماع أن لا يضحي بعد انقضاء أيام النحر، والقرب إنما تكون حسب ما رتبته الشريعة، وأما زكاة الفطر فإنها تجب بحلول يوم الفطر أو ليلته، كوجوب زكاة الأموال بحلول الحول، فإن أخرها ضمنها؛ لأن الصدقة تنفع المساكين متى تصدق بها عليهم. م ولقوله : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فخض الأيام المعلومات بها فلا ذبح في غيرها، ولا حق فيها

стр. 1578

للمساكين فيصل إليهم نفعها متى أخرجت، وزكاة الفطر مخصوص بها المساكين كزكاة الأموال، فمتي أخرجت إليهم نفعتهم، وقد اختلف قول مالك هل هي داخلة في قوله تعالي: (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) فقياسها على زكاة الأموال أولى. [فصل ٥ - في وقت إخراجها] قال ابن القاسم: واستحب مالك أن تؤدي زكاة الفطر بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلي. م: لقوله الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى). يريد به: من أخرج زكاة الفطر ثم غدي ذاكرًا لله إلى المصلي فصلي. قال ابن المواز: وروي أشهب أن النبي ﷺ : أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلي، وقال ﵊: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وذلك ليأكل منها

стр. 1579

الفقراء قبل غدوهم، كما استحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه. ومن المدونة قال مالك: وإن أداها بعد الصلاة فواسع. م: لأنه يغنيهم عن الطلب في ذلك اليوم. قال ابن القاسم: فإن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين فلا بأس به، وكان ابن عمر يبعث بها إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين وثلاثة. وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيومين لم تجزه، وإنما كان ابن عمر يبعث، بها قبل ذلك بيومين يدفعها لمن يلي الصدقة فيخرجها يوم الفطر. م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما أراد بإخراجها قبل الفطر بيومين أي: يدفعها لمن يلي الصدقة كفعل ابن عمر، ومن حمل قوله على ظاهره لزمه أن يقول: يجزئه إخراجها من أول الشهر، وذلك لا يجوز، لأنه أخرجها قبل وجوبها.

стр. 1580

[فصل -٦ المسافر يخرج صدقة الفطر عن نفسه حيث كان] ومن المدونة قال مالك ويؤديها المسافر حيث هو، وإن أداها عنه أهله ببلده أجزأه. [فصل ٧ - زكاة الفكر تلزم الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين] قال مالك: ويؤديها الرجل عن كل من يحكم عليه بنفقته من الأحرار والعبيد من المسلمين خلافًا لداود في قوله: لا تلزمه إلا عن نفسه. ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون".

стр. 1581

ومن المدونة قال مالك: إلا المكاتب فإن نفقته، على نفسه، وعلى السيد زكاة الفطر عنه. قال ابن المواز: لأن المكاتب عبد له خارجه بشيء معلوم جعله عليه، وعلى أن عليه نفقة نفسه، وكان ذلك كله مالاً لسيدة قبل أن يشترطه. م: يريد: فسيده المنفق عليه إذا شرط عليه أن ينفق من مال هو له، إذا العبد وماله لسيده، وكما لو خارج عبداً له بشيء يؤديه كل شهر أو كل سنة، وعلى أن علي العبد نفقة نفسه، فإن السيد يؤدي عنه زكاة الفطر. قال ابن حبيب: ولم يختلف/ في ذلك عنه أهل المدينة. م: وقال أهل العراق: يؤديها المكاتب عن نفسه كالنفقة، وقال عبد الوهاب: وفي المكاتب روايتان: فإذا قلنا إنها تلزم السيد فللرق، وإذا قلنا لا تلزمه فلأنها تابعة

стр. 1582

للنفقة، وإشارته إلى الروايتين لأصحابنا. [فصل ٨ - في زكاة الفطر عن العبد المعتقد بعضه] ومن المدونة قال مالك: ومن له نصف عبد وباقية حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن نصفه، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه؛ لأنه لا زكاة عليه في ماله. قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وهو القياس، وأما الاستحسان وهو أحب إلي أن يؤدي السيد عن جميعه صدقة الفطر تامة. وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وكذلك في كتاب ابن سحنون، ورواه عن مالك، قال: لأنه وارثه وهو حابسه عن أحكام الحرية ولم يعرف سحنون هذه الرواية وقال مثل ما في المدونة. وقال ابن حبيب عن أشهب: يؤدي من له فيه الرق بقدر ملكه ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وهو القياس، ويقول عبد الملك أقول استحسانًا.

стр. 1583

م: فوجه أن السيد يؤدي عن نصفه ولا شيء علي العبد فلأن أحكام الرق أغلب عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه، ويؤدي السيد بقدر ملكه فيه، كما يلزمه أداء الجميع في ملك جميعه، ونصفها إذ كان بينه وبين غيره، وكما لو كان هذا العبد بينه وبين عبد غيره للزم السيد الحر الأداء عن نصفه، ولم يلزم العبد أن يؤدي عن حصته شيئًا، فكذلك هذا. ووجه القول بأن السيد يؤدي جميع الزكاة عنه: لأنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق، ولأنه وارثه. ووجه القول بأن علي العبد بقدر ما فيه من الحرية: اعتباراً بالعبد بين الشريكين، ولأنهما يتقاسمان في الخدمة والمنافع، فكذلك هذا في الفطرة، ولأن الفطرة تابعة للنفقة، ونفقته بينهما، فكذلك الفطرة. م: وبالأول أقول. [فصل ٩ - في زكاة الفطر عن العبد بين شريكين] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان عبد بين رجلي أدي كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدسه وبقيته للآخر فسدس الزكاة على الذي له سدسه وخمسة أسداسها على شريكه. وقاله عبد الملك في كتاب ابن سحنون، وروي عن مالك خلافه أن على كل

стр. 1584

واحد عنه زكاة كاملة، ولم يعرفها سحنون. م: وقال أبو حنيفة: لا شيء على ساداته. ودليلنا قوله ﷺ : "صدقة الفطر على كل حر وعبد" فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون"، ولأنه حق يتبع النفقة فكانت عليهم كالنفقة. قال ابن المواز عن عبد الملك: ولو كان العبد بين حر وعبد فإن على الحر نصف زكاته فقط، قال عنه ابن حبيب: وقاله مالك. [فصل ١٠ - في زكاة الفطر عند العبد الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: والفطرة على الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر على صاحب الرقبة إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلاً أمدًا فصدقه الفطر عنه على سيده الذي أخدمه. وقال عنه ابن المواز: إن ذلك على المخدم كالنفقة في الوجهين جميعًا. قال: وقال أشهب: ليس على المخدم شيء، وهي على مالك رقبته في الوجهين

стр. 1585

جميعًا كقول ابن القاسم في المدونة، قال أشهب: وليس للمخدم في الرقبة حق وهو مثل من أجر عبده وشرط على من أستأجره نفقته فإن زكاة الفطر عنه على سيدة، لأن المستأجر والمخدم لا يملكون منه إلا خدمة أفعن الخدمة يزكون؟ قال ابن المواز: ويقول أشهب أقول؛ لأنه بمنزله من أخدم عبده شهرًا بطعامه، أو قاطع عبده في الشهر على أن عليه طعامه، وقال ابن عبد الحكم بقول ابن القاسم، واحتجا بخادم الزوجة أن فطرتها على الزوج/ الذي عليه نفقتها ولا شيء على مالكه رقبتها). وليس في ذلك حجة؛ لأن خادم الزوجة إنما يؤديها عن الزوجة لوجوب نفقتها، إذا لو لم يكن لها خادم لكلف الزوج أن يخدمها خادمًا وينفق عليها ويزكي عنها؛ لأن ذلك من مؤن الزوجة ويجبر الزوج عليها، ولو قالت الزوجة: أنا أنفق على نفسي وخادمي وأبي ذلك الزوج وقال: أنا أنفق كان ذلك له، ولو تزوجها على ذلك ما جاز، ولو أبي صاحب رقبة المخدم أن ينفق إلا هو ويمنع المخدم من النفقة كان ذلك للسيد مثل الإجارة سواء، ولو أخدمه على أن لا نفقة للمخدم كان ذلك للسيد، فهذا فرق ما بينهما. [فصل ١١ - زكاة الفطر عند العبد الأعمي والمجنون والأبق] وم المدونة: قال مالك: ومن له عبد أعمي أو مجنون أو مجذوم فليؤد عنه زكاة

стр. 1586

الفطر ولا يعتق عليه لما أصابه من البلاء. قال: ولا يؤديها عند عبده الآبق إباق إياس فأما من يرتجيه لقربه فهي عليه عنه. [فصل ١٣ - زكاة الفطر عن رقيق التجارة وعن عبيد القراض] قال: ومن كان عنده رقيق للتجارة مسلمين فليؤد عنهم زكاة الفطر وإن لم تبلغ قيمتهم مئتي درهم. قال: ومن أخذ مالاً قراضًا فاشتري به رقيقًا فزكاة الفطر عنهم على رب المال في رأس ماله، وليس في مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض، وقال أشهب إن بيعوا فكان فيهم فضل مثل ثلث الثمن فعلي العامل سدس تلك الزكاة، وإن كان الربع فعليه الثمن إن قارضه على النصف. وقال ابن أبي زمنين: وعلى مذهب أشهب: تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلاً نظر إلى الربح فيكون ما ذكر، كذلك فسره بعض شيوخنا. م: والصواب عندي أن يؤديها رب المال، فإذا تفاصلا نظر إلى الربح، والدليل على ذلك: أن الزكاة إنما هي عن رقابهم، والرقبة فلا حق متعين للمقارض فيها، وقد لا يكون له فيها حق أبدًا، وهي اليوم لرب المال فهو الذي يؤدي عنها، وهذا أصلنا في أكثر الأحكام إنما يراعي الحكم يوم وقع لا إلى ما يكون أو لا يكون، وليس لرب المال أن ينقص من مال القراض بعد إشغاله لأمر هو لازم له على الحقيقة، وبالله التوفيق.

стр. 1587

وذهب ابن حبيب إلى أن فطرتهم كنفقتهم من جملة القراض، ورأس المال هو العدد الأول، واختار ابن المواز رواية ابن القاسم وقوله: إن فطرتهم على رب المال، قال: لأنه شيء ليس على المال وجب، وقد لزم ذلك قبل أن يجب للعامل شيء، وما يأخذه العامل كالإجازة وتلزمه زكاته في نضوضه وبعد أن يصير له بعد الحول، ألا تراه لو كان العامل لا يدير ورب المال يدير أن رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي كل عام، ولا يزكي العامل إلا ما ينويه بعد المفاصلة لعام واحد، وكذلك في زكاة رقاب غنم القراض على رواية ابن القاسم، وهذا كله نقل أبي محمد. وقد تقدمت الحجة في زكاة ماشية القراض. [فصل ١٣ - زكاة الفطر عن العبد الجاني والمغصوب والمرهون] ومن المدونة: ومن جنى عبده جناية عمد فيها نفسه فحل عليه الفطر قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده. قال ابن القصار في العبد المغصوب إن كان يئس منه فهو كالعبد الآبق. قال مالك: ومن رهن عبده فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.

стр. 1588

[فصل ١٤ - في وقت وجوب زكاة الفطر] قال ابن حبيب: اختلف عن مالك متى حد وجوب الفطرة، فروى أشهب عن مالك: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال. م: وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة. قال ابن حبيب: وروى ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك أن حد ذلك طلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قالوا، وبه أقول. م: وذكر عبد الوهاب هاتين الروايتين عن مالك، قال: وقال جماعة من أصحابنا تجب بطلوع الشمس. م: فوجه قوله بغروب الشمس: ما روى أنه ﷺ : ((فرض زكاة الفطر من رمضان""، فأضاف الفطر إلى رمضان، وحقيقته: بغروب الشمس؛ ولأن من ولد بعد غروب الشمس لم يدرك شيئاً من رمضان، فلم يلزم إخراج الفطرة عنه كمن ولد بعد الفجر. ووجه قوله: أنها تجب بطلوع الفجر: ما روي أنه ﷺ : ((فرض زكاة الفطر من رمضان))، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر؛ ولأنه حق في مال

стр. 1589

يخرج يوم العيد على طريق المواساة فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر، أصله الأضحية. ووجه قول من قال: إنها تجب بطلوع الشمس: فلأنه نسك مضاف إلى العيد، فكان وقته صلاة العيد، كالأضحية. وفائدة هذا الخلاف/ فيمن اشترى عبداً، أو ولد له ولد، أو تزوج امرأة قبل غروب الشمس، أو بعده، أو باع العيد، أو طلق الزوجة، أو مات الولد في ذلك: فإن قلنا: إن الزكاة تجب بغروب الشمس، فلا تجب عليه فيهم زكاة إلا إذا كانوا عنده قبل الغروب؛ لأن وقت الوجوب صادفتهم في ملكه، وكذلك إن بقوا في ملكه إلى طلوع الشمس، فتتفق الأقوال: أن عليه زكاتهم، وإن باع أو طلق أو مات الولد بعد الغروب وقبل الفجر فلا شيء عليه في قول من أوجبها بطلوع الفجر أو الشمس، وإن كان ذلك بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس لم تجب عليه على قول من يقول تجب بطلوع الشمس، وإنما يراعى أن يصادفهم الوقت وهم في ملكه. [فصل ١٥ - في العبد يباع يوم الفطر على من تجب زكاته؟] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً يوم الفطر أدى عنه المشتري زكاة الفطر، ثم رجع مالك فقال: بل يؤديها عنه البائع؛ لأن الزكاة وجبت عليه فيه قبل بيعه، قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلىّ. قال ابن المواز: وإن باعه قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فالفطرة عنه على المشتري، وإن باعه بعد غروب الشمس فيستحب للبائع إخراجها عنه، وهي لازمة للمشتري، وقد استحب أشهب فيمن اشتراه يوم الفطر أن يؤدي عنه، وأما البائع

стр. 1590

فذلك عليه واجب، بمنزلة المال يزكيه ربه عند حوله ثم يبتاع به سلعة قد حال على ثمنها أحوال عند صاحبها فإن البائع يزكي ذلك المال بعينة ثانية مكانه. [فصل ١٦ - في زكاة الفطر عن العبد يشترى بالخيار، وعن الأمة تباع على المواضعة] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً على أن البائع والمبتاع فيه بالخيار ثلاثة أيام، أو باع أمة على المواضعة فغشيهم الفطر قبل زوال أيام الخيار والإستبراء فنفقتهم وزكاة الفطر عنهم على البائع، وسواء رد العبد مبتاعة بالخيار أم لا لأن ضمانهما من البائع حتى يخرج العبد من الخيار، والأمة من الإستبراء. [فصل ١٧ - العبد المشترى بيعاً فاسداً فطرته على مشتريه] قال: ومن اشترى عبداً بيعاً فاسداً فجاءه الفطر وهو عنده فنفقته وزكاة الفطر عنه على المشتري، رده يوم الفطر أو بعده، لأنه ضمانه كان منه حتى يرده. [فصل ١٨ - العبد الموروث فطرته على وارثه] قال: ومن ورث عبداً فلم يقبضه حتى مضى يوم الفطر فنفقته وزكاة الفطر عنه على الذي ورثه، ولو كانوا فيه أشراكاً فعلى كل واحد منهم بقدر حصته.

стр. 1591

[فصل ١٩ - في حد وجوب الفطرة على من لم يكن من أهلها مثل النصراني يسلم، والحمل يولد] قال مالك: ومن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أحببت له أن يؤدي زكاة الفطر، والأضحية أبين عليه في الوجوب. م: لأن إسلامه بعد وقت الفطر كإسلامه في باقي الفطر والأضحية هي ثلاثة أيام فقد أسلم ووقتها قائم فوجبت عليه. قال ابن حبيب: وأجمعوا عن مالك أنه إن أسلم قبل الفجر أنها واجبة عليه وهي بعد الفجر مستحبة. م: كيف يكون هذا إجماعاً من مالك ومن يقول بقوله تجب بغروب الشمس لا يوجبها عليه لأنها وجبت وهو غير مسلم. قال: وقال أشهب: إذا لم يسلم قبل الفطر بيوم وليلة حتى يلزمه صوم يوم منه فليست عليه بواجبة. قال ابن حبيب: وهذا شاذ، ولو وجبت بالصوم لسقطت عن المولود، وإنما تجب بإدراك حلول اليوم الذي فرضت فيه، وقال أشهب في كتاب محمد: وقد سئل مالك عن الذي يُسلم يوم الفطر فقال: إنما تجب الزكاة على من صام رمضان ولا أرى هذا صام شيئاً منه، فروجع في ذلك فقال: إن فعل فحسن، وما أرى ذلك عليه واجباً.

стр. 1592

م: وبه قال أشهب. ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليله الفطر حياً أو يومه فيؤدى عنه. قال ابن حبيب: ولم يختلفوا عن مالك فيمن ولد قبل الفجر أو بعده أنها على الأب، وقال ابن الماجشون: هو فيه بعد الفجر مستحب، وقاله أشهب. ومن المدونة قال مالك: ومن أراد أن يعق عن ولد له بعد انشقاق الفجر لم يحتسب بذلك اليوم وحسب سبعة أيام سواه ثم يعق عنه يوم السابع ضحى وهو سنة الضحايا والعقائق والنسك، وإن ولد قبل الفجر احتسب بذلك اليوم. وهذا في كتاب الضحايا مستوعب. قال ابن القاسم ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطر عنه من مماليك وأولاد صغار وزوجة وأبوين لم يزلها موته، وقاله مالك إذا ماتوا بعد انشقاق الفجر. م: وهذا من قول ابن القاسم في قوتهم ليلة الفطر يدل أنها واجبة بغروب الشمس، وكذلك قوله فيمن مات ليلة الفطر وأوصى بزكاة الفطر عنه أنها من رأس ماله، وهو خلاف ما روى عنه ابن حبيب من أنها واجبة بطلوع الفجر، فاعرفه.

стр. 1593

[فصل ٢٠ - فيمن مات ليلة الفطر أو يومه وأوصى بالفطرة عنه] ومن المدونة قال: وإذا مات/ ليلة الفطر أو يومه فأوصى بالفطرة عنه كانت من [١٦٦/ أ] رأس ماله، وإن لم يوص بها أمر ورثته بها ولم يجبروا عليها كزكاة العين تحل عليه في مرضه أو يأتيه مال كان غائباً عنه يعلم يقيناً أنه لم يخرج زكاته فيأمر بإخراجها فتكون من رأس ماله. ابن المواز: وقال أشهب هي من رأس المال أوصى بها أو لم يوص. [فصل ٢١ - زكاة الفطر لا تلزم الرجل عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى] ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي الرجل زكاة الفطر عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى، ولا يؤديها إلا عن من يحكم عليه بنفقته من المسلمين خلي المكاتب. م: وقال أبو حنيفة يؤديها عن عبيده النصارى ودليلنا حديث ابن عمر: ((فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكراً وأنثى من المسلمين)) فقيده بالإسلام، وروى ابن عباس: ((فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة

стр. 1594

للصائم من اللغو والرفت ((وطعماً للمساكين)) فأخبر عن علة فرضها. ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤديها عن عبد عبده كما لا تلزمه نفقته. [فصل ٢٢ - زكاة الفطر تلزم الرجل عن نفسه وعن امرأته وعن أولاده ذكوراً وإناثاً] قال مالك: ويلزم الرجل أداؤها عن نفسه وعن الإناث من ولده حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يدعى الزوج إلى البناء فحينئذٍ تسقط عن الأب وتلزم الزوج مع النفقة، ويلزمه أداؤها عن ولده الذكور حتى يحتلموا، ومن كان من ولده له مال ورثه أو وهب له أنفق عليه منه وزكى عنه الفطر وضحى عنه منه وحاسبه إذا بلغ، وتلزم الرجل عن امرأته وإن كانت مليئة؛ لأن عليه نفقتها، خلافاً لأبي حنيفة. ودليلنا قوله ﷺ : ((أدوا عمن تمونون)).

стр. 1595

[فصل ٢٣ - زكاة الفطر تلزم الزوج عن خادم امرأته] ومن المدونة: قال مالك: ويؤديها عن خادم واحدة من خدم امرأته التي لابد منها. ومن العتبية: قال أصبغ- عن ابن القاسم-: يؤدي الرجل زكاة الفطر عن خادمين من رقيق امرأته إذا كانت بهذه المنزلة من الغنى والشرف، ولو ارتفع قدرها مثل بنت السلطان والملك العظيم والهاشميات رأيت أن يزاد في عدد الخدم لما يصلحها من الأربع والخمس، ويلزم الزوج نفقتهن وزكاتهن. [فصل ٢٤ - في إخراج زكاة الفطر عن خادم الزوجة إذا كانت صداقاً] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأة ثيباً أو بكراً في حجر أبيها على خادم بعينها ودفعها إليها فأتى الفطر وهي بيد الزوجة ثم طلقها بعد يوم الفطر قبل البناء فزكاة الفطر عن الزوجة وعن الأمة على الزوجة إن كان الزوج ممنوعاً من البناء؛ لأنه مضى يوم الفطر وهي لا، ولا نفقة لهما على الزوج، قال: فإن لم يكن ممنوعاً من البناء،

стр. 1596

قال ابن المواز: ودعوه إلى البناء فذلك عليه عنهما؛ لأن نفقتهما قد وجبت عليه. [فصل ٢٥ - في زكاة الفطر عن المطلقة طلاقاً رجعياً أو بائناً] م: ولو طلق المدخول بها طلقة رجعية لزمته النفقة عليها وأداء الفطرة عنها؛ لأن أحكام الزوجية باقية عليها، وأما لو طلقها طلاقاً بائناً وهي حامل فلا يزكي عنها للفطر وإن كانت النفقة عليه لها؛ لأن النفقة ها هنا إنما وجبت عليه للحمل لا لها. [فصل ٢٦ - من لزمته نفقة أبويه لحاجتهما أدى زكاة الفطر عنهما] ومن المدونة: قال مالك: ومن لزمته نفقة أبويه لحاجتهما لزمه أداء زكاة الفطر عنهما.

стр. 1597

قال ابن القاسم: فإذا حبس الأب عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم فعلى الأب أن ينفق على العبيد، فإذا لزمته نفقتهم لزمه أداء زكاة الفطر عنهم، ثم يكون له ذلك في مال الولد وهم العبيد؛ لأنهم أغنياء، ألا ترى أن من له من الولد عبيد فهو مال تسقط به النفقة عن أبيه؛ لأن له أن يبيع العبيد وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وعلى الولد، وأدى عنهم منه زكاة الفطر إن حمل ذلك، وإن لم يكن لهم خراج وأبى الأب أن ينفق عليهم جبره السلطان على بيعهم أو الإنفاق عليهم، لأن الأب هو الناظر لهم، وبيعه جائز عليهم، وكذلك قال مالك في السيد يأبى أن ينفق على عبده فإن السلطان يجبره على أن ينفق عليهم أو يبيع. قال ابن المواز: قال ابن القاسم في البكر لها خادم لا شيء لها غيرها فعلى الأب النفقة على الابنة خاصة، ويقال لها: إما أنفقت/ على الخادم أو بعت، وقال أشهب: لا [١٦٦/ ب] نفقة عليه لابنته؛ لأن لها خادماً ولبيعها وينفق عليها ويزكي زكاة الفطر عنها، قال ابن المواز: وإن كان الولد لابد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم

стр. 1598

ويجبر على ذلك، وإن كان للولد غنى عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكي ويكتب عليه ذلك، فإذا باع استوفى، وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب. [فصل ٢٧ - صدقة الفطر يؤديها الوصي عن اليتامى وعن رقيقهم من أموالهم] ومن المدونة قال مالك: ويؤدي الوصي صدقة الفطر عن اليتامى الذين عنده من أموالهم إن كانوا صغاراً، ويؤديها عن عبيدهم أيضاً، قال: ومن كان في حجره يتيم بغير إيصاء أحد، وله بيده مال رفع أمره إلى الإمام لينظر له، فإن لم يفعل وأنفق منه عليه وبلغ الصبي فهو مصدق في نفقة مثله في تلك السنين، ولو قال قد أديت عنهم صدقة الفطر في هذه السنين صدق كانوا في حجره أو في حجر الأم.

стр. 1599

[فصل ٢٨ - في الجنس الذي تخرج منه زكاة الفطر] قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط، قال ابن حبيب: والعلس. وذهب ابن حبيب إلى أنها تؤدى من البر مدين، وهو قول أهل العراق، وقد تقدمت الحجة عليه. قال محمد: بل تؤدى من البر صاعاً، وقد أخبرني بذلك: عبد الملك، وابن عبد الحكم، وابن بكير. ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرج أهل مصر إلا القمح؛ لأن ذلك جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فلا أرى به بأساً أن تؤدى منه، قال: وأما ما ندفع نحن بالمدينة فالتمر. قال أشهب في المجموعة: أحب إلي أن تؤدى بالبلدان من الحنطة، وبالمدينة من التمر، ولو كانوا يؤدون الحنطة كان أحب إلى ولكن لا يؤدونها بها، قال: والسلت

стр. 1600

أحب إلي من الشعير، والشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إلي من الأقط، ومن كان عيشه شيئاً من هذا فليؤد منه وغن كان غيره أفضل. وقال ابن حبيب: من قدر على أحد هذه الثلاثة: القمح، والشعير، والتمر فليخرج مما يأكل منها، فإن أكل من أفضلها وأدى من أدناها أجزأه، وكان ابن عمر يخرج تمراً، وربما شعيراً، وكان يأكل البر والتمر والشعير، وأحسب أن التمر جل قوتهم، وأما السبعة الأصناف الباقية فليخرج مما هو قوته منها، فإن أخرج من غيره لم يجزه، ومن اخرج من غير العشرة الأصناف لم يجزه، وإن كان ذلك عيشهم. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئه أن يخرج فيها دقيقاً أو سويقاً، قال ابن حبيب: إنما نهى عن إخراج الدقيق من أجل ريعه فمن أخرج منه قدر ما يزيد على

стр. 1601

كيل القمح أجزأه، وقال أصبغ في كتاب النذور، والخبز كذلك، قال: وليس غربلة القمح بواجب، وهو مستحب إلا أن يكون غلئاً. م: وليس قول ابن حبيب في الدقيق بخلاف لما في المدونة، قاله بعض علمائنا من القروينن ومن أهل بلدنا. وقال ابن الماجشون: يؤدي زكاة الفطر من الغالب من عيش بلده، قال ابن المواز: بل مما يأكل هو وعياله مما يفرض على مثله، وقاله أشهب. وفي كتاب الأبهري: وإذا كان رجل يخص نفسه بقوت أجود من غالب قوت بلده فيستحب له أن يخرج منه، فإن أخرج من الغالب أجزأه، وإن كان يأكل دون القوت الغالب كان عليه أن يخرج من الغالب إذا أمكنه، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل. ومن المدونة: قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه كره أن يخرج فيها تيناً، وأنا أرى إن فعل ذلك أنه لا يجزئه، قال ابن القاسم: وكل شيء من القطنية أو من هذه الأشياء التي ذكرنا أنها لا تجزى فإذا كان ذلك عيش قوم فلا بأس أن تؤدوا من ذلك ويجزئهم. قال في العتبية: هذا مال لا يكون عيشهم، ولو كان ذلك عيشهم رجوت أن

стр. 1602

يجزئهم، قال عن مالك في قوم ليس طعامهم إلا التين قال: لا يؤدون منه زكاة الفطر. وفي كتاب ابن المواز: وإن كان عيش قوم بعض هذه القطاني، أو التين فأخرج من ذلك زكاة الفطر فلا يجزئه. وفي كتاب ابن عبد الحكم: كل ما تجب فيه الزكاة فإنه يخرجه في زكاة الفطر إذا كان هو طعامه. ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزى/ أن يخرج مكان زكاة الفطر عيناً أو عرضاً. قال مالك: ولا يجزي أن يدفع في الفطرة ثمناً، وروى عيسى عن ابن القاسم: إن فعل أجزأه.

стр. 1603

[فصل ٢٩ - في دفع زكاة الفطر إلى الإمام، أو تفريقها دونه، وصفة من يحل له أخذها، وهل تضمن إن تلفت] ومن المدونة: قال مالك: ويفرق كل يوم قوم زكاة الفطر في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود، ولا يدفعونها إلى الأمام إن كان لا يعدل، وإن كان عدلاً لم يسع أحداً أن يفرق شيئاً من الزكاة، وليدفعها إليه فيفرقها الإمام في مواضعها ولا يخرجها منه إلا أن لا يكون بموضعهم محتاج فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم فيفرقها هناك. قال: ولا بأس أن يعطي الرجل صدقة الفطر عنه وعن عياله لمسكين واحد، قال ابن حبيب: وليس لما يعطي منها حد، وقد روى مطرف عن مالك: أنه استحب لمن ولي تفرقة فطرته أن يعطي كل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب، وله إخراج ذلك على ما يحضره من الإجتهاد. قال في كتاب ابن المواز: ولو أعطى زكاة نفسه وحده مساكين لم يكن به بأس، وكره مالك أن يسأل المساكين في العيد في في المسجد والمصلى، قال: وقد جاء: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)).

стр. 1604

ولا يعطى منها أهل الذمة ولا العبيد. قال: ومن اخرج زكاة الفطر عند محلها فضاعت أو أهراقت فلا ضمان عليه، وكذلك زكاة العين، ولو تلف ماله وبقيت لزمه إنقاذها، ولو أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط كان ضامناً لها. تم كتاب الزكاة الثاني من الجامع مع حمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1605

كتاب الحج الأول من الجامع [الباب الأول] في فرض الحج، وعلى من يجب، ومن أخره، واستئذان الأبوين فيه، ومن أول من أقام الحج، ويوم الحج الأكبر، وأشهر الحج، وذكر البدن، والشعائر، والرفث، والفسوق، والجدال، والعمرة . [فصل ١ - دليل فرضيته] فالحج فرض على مستطيعه من الأحرار المكلفين مرة واحدة في العمر، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) قيل: معناه: من لم ير الحج واجباً.

стр. 1606

وقال ابن حبيب: هو من ترك الحج. وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، وقوله ﷺ ((بني الإسلام على خمس)) فذكر الحج، وقوله- للذي سأله عن الإسلام-: ((وحج البيت)) وقوله: ((حُجوا قبل أن لا تحجوا)) ولإجماع الأمة عليه.

стр. 1607

ولما نزلت: " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ "، قيل: يا رسول الله: كل عام؟ فقال: " الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم لوجبت". [فصل ٢ - شروط الواجب] وشروط وجوبه خمسة، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والاستطاعة. فأما العقل والبلوغ: فلقوله ﷺ : رُفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستقيظ"؛ ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصيام. وأما الحرية: فلقوله ﷺ : " أيما عبد حج فعتق فعليه الحج "، وحج ﷺ بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وقد قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾،

стр. 1608

وقال في الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، ومن لا يقدر على شيء فهو غير مستطيع، فالعبد لا يملك نفسه، فكيف يملك ما بيده؟. وأما الإسلام: فإن الكفار مخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له. وأما الإستطاعة: فلقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. واختلف في تفسير الإستطاعة، وسئل مالك عنها فقيل له: أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله: واحد قد يجد زاداً وراحلة، ولا يقدر/ على السير، وآخر يقدر أن [١٦٧/ب] يمشي راجلاً، وربّ صغير أجلد من كبير، ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. قال ابن حبيب: وروى أن الاستطاعة: مركب وزاد قال: وقاله عدد من

стр. 1609

الصحابة والتابعين، وقاله ابن أبي سلمة. قال: وذلك يرجع الى البلاغ الى مكة، ويدخل في البلاغ: الصحة، والزاد، والحمولة بشراء أو كراء لبعيد الدار الذي لا يبلغ راجلاً إلا بتعب ومشقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، وإن وجد زاداً وهو قريب الدار ليس عليه في المشي كبير مشقة فعليه الحج، وإذا كان في داره وخادمه وسلاحه وكل ما يباع عليه في دينه ما يبلغه الحج فعليه الحج.

стр. 1610

وقال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوكة. وقال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث، وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشياً أو راكباً، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾. وقال غيره: الاستطاعة: القدرة على الوصول الي البيت وفعل المناسك، فكل من أمكنه ذلك من غير تعذر أمر فهو مستطيع، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، فإذا كانت الطريق سابلة: فمن كان عادته المشي من غير حاجة الى الركوب لزمه الحج إذا وجد الزاد، وإن كان عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج وإن عُدم الزاد في الحال وجرى على عادته. وكل ذلك خلاف لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الاستطاعة: الزاد والراحلة. ودليلنا: أن الله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فكل مستطيع من غير خروج عن عادته كالواجد للراحلة.

стр. 1611

والمعضوب: الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع ولا يلزمه أن يحج غيره من ماله، خلافاً لهما لأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل الى غيره مع العجز كالصلاة، والصيام. قال ابن وهب: سئل مالك عن الرجل يؤاجر نفسه وهو حاج أيجزي عنه حجه؟ قال: نعم. فقيل له: فمن يسأل ذاهباً وراجعاً ولا نفقة عنده؟ قال: لا بأس بذلك، وإن مات في الطريق فحسابه على الله. وقال عنه ابن القاسم: لا أدري للذين لا يجدون ما يُنفقون أن يخرجوا الى الحج والغزو ويسألون الناس وهم لا يقوون إلا بما يسألون وإني لأكره ذلك لقول الله تعالى

стр. 1612

﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [فصل ٣ - من لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال إلى السلطان الجائر، هل يسقط عنه الحج؟] قال ابن القصار: واختلف أصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال الى السلطان الجائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري: إن لم يُمكنه إلا بإخراج المال الكثير الذي يشق ويخرج عن العادة لم يلزمه، كالثمن في ماء الطهارة والثمن في رقبة الكفارة، وإن كان شيئاً قريباً، فالحج واجب عليه. فوجه القول الأول: إن رضاه بقطع الطريق عليهم ومنعهم من المرور إلا بثمن لا يؤمن منه متى بذلوا له شيئاً أن يحفز بهم ويقتلهم ويأخذ اموالهم فيصيرون قد غروا بأموالهم. ووجه القول الثاني: أنه يغلب عليه وإن رضي بالظلم ما جرى من غالب عاداته أنه لا يخفر ما عاهدهم عليه. قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأن مثل هذا لا يكاد يخفي من عادته.

стр. 1613

[فصل ٤ - المرأة لا يجب عليها الحج من المكان البعيد ماشية لخوف عجزها] وفي كتاب ابن المواز: وليس النساء في المشي كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن، إلا المكان القريب مثل أهل مكة وما حولها أو قرب منها إذا هن أطقن المشي. ومن لا يملك إلا قرية، وله ولد، قال: يبيعها ويحج ويترك ولده للصدقة. وقال فيه وفي العتبية: وكره مالك حج المرأة في البحر؛ لأنها تتكشف ولتخرج في البر وإن لم تجد ولياً، قال عنه ابن المواز: وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، ما أسمع للبحر ذكراً. وقال في المجموعة: أكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لايجدون منه بُداً.

стр. 1614

[فصل ٥ - الرجل يكون عنده ما يتزوج به، أيتزوج، أو يحج؟] ومن العتبية: قال ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل العزب يكون عنده ما يتزوج به أيتزوج أم يحج به؟ قال: بل يحج، قيل: وإن كان على أبيه دين وهو صرورة أيقضي دين أبيه أم يحج؟ قال: بل يحج. قال ابن المواز: وإن كان عليه هو دين وله به وفاء، أو كان يرجوا قضاؤه فلا بأس أن يحج، قال ابن المواز: يريد وإن لم يكن معه غير مقدار دينه فليس له أن يحج. يريد محمد: إلا أن يقضيه أو يتسع وجده. [فصل ٦ - هل الحج واجب على الفور او على التراخي؟] قال ابن حبيب: روى أن عمر قال: من اتصل وفره ثلاث سنين، ثم مات ولم يحج لم أصل عليه. وقال سحنون في الكثير المال القوي على الحج إذا طال زمانه واتصل وفره وليس له سقم ولم يحج: فهي جرحة. قيل: فهو كذلك/ من بلغ عشرين سنة الى أن بلغ ستين [١٦٨/أ] سنة؟ قال: لا شهادة له. قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: نعم، لا عذر له. [فصل ٦ - استئذان الأبوين في الحج] ابن المواز: قال مالك: ولا يحج بغير إذن الأبوين إلا حجة الفريضة، وإن قدر أن يرتاضاهما حتى يأذنا له فعل، وإن كانا إنما نذر حجة فلا يكابرهما ولينتظر إذنهما عاماً

стр. 1615

بعد عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج. ومن توجه حاجاً بغير إذن أبويه فإن أبعد وبلغ مثل المدينة فليتمادا. وقال عنه ابن نافع في المجموعة: إنه يستأذنهما في الفريضة العام والعامين فإن أبيا فليخرج. [فصل ٧ - متى فرض الحج؟] ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم قال مالك: وأول من أقام الحج بالناس أبو بكر سنة تسع. وقال غير واحد من البغداديين ومثله لاسماعيل القاضي: إنه لم يأت صريحاً أن حج أبي بكر حينئذ كان عن فرض، والظاهر أنه حج لينذر المشركين بسورة براءة أن لا يحج بعد العام مشرك، ويبعد أن يُفرض الحج فيحج أبو بكر الفرض قبل النبي ﷺ .
следующие страницы →