← Фикх малики

Фикх малики · id 18607

الجامع لمسائل المدونة

ابن يونس الصقلي

Полный текст (9 651 стр.). Показаны 9626–9651 · переход к 9631.

стр. 9626

ولا يحسن بالملك أن يحسن من دونه؛ فإنه أقل في ذلك من المسوقة غدرا التي إنما يحسد من فوقها وكل لا عذر له. ولا يلومن الوالي على الذلة من ليس بمتهم عنده في الحرض على رضاه إلا يوم أدب وتقويم. ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدا، فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب استراح الوالي وكفى حاجته. لا يلزمن الوالي سوء الظن وليجعل لحسن الظن عنده نصيبا يروح به عن قلبه. لا يضيفن الوالي التثبت عندما يقول وعندما يعطي وعندما يعمل، فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، والإقدام على العمل بعد الأناءة فيه أخدم من الإمساك عنه بعد

стр. 9627

الإقدام عليه، وكل الناس محتاج إلى التثبت وأحوجهم إليه الملوك الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع وليس عليهم محتسب. وجميع ما يحتاج إليه من أمر الدنيا رأيان:- رأي يقوم به سلطانه ورأي يزينه في الناس، ورأي التقوية أخطهما بالتبرئة. [فصل ٢ - في آداب مصاحبة السلطان] وإن ابتليت بصحبة السلطان فعليك المواظبة في غير طول المعاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس غفلة ولا تهاونا. وإذا جعلك أخا فاجعله سيدا وإن زاد فزده، وإذا نزلت من الوالي منزلة الثقة فاجزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن له من الدعاء في كل كلمة؛ فإن ذلك

стр. 9628

شبيه بالوحشة إلا إن كلمته على رؤوس الناس فلا تألوا عما عظمته به ووقرته. وإن ابتليت بصحبة الوالي لا يريد صلاح رعيته فاعلم أنك ابتليت بخصلتين ليس فيهما خيار:- إما الميل مع الوالي على الرعية فذلك هلاك الدين. وإما الميل مع الرعية على الوالي فذلك هلاك الدنيا، فلا خيار لك إلا الموت أو الهرب. واعلم أنه لا ينبغي لك وإن كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحباله إلا المحافظة عليه حتى تجد إلى الفراق الجميل سبيلا. ولا يكون طلبك ما قبل الوالي بالمسألة ولا تستبطئه ولو أبطأ، ولكن اطلب ما قبله فالاستحقاق له؛ فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له. لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقا؛ فإنك تعد عليه ثقلا، وإن استطعت أن تنسى

стр. 9629

حقك وبلاءك فافعل، وليكن ما تذكره به من ذلك تجريدك له النصيحة والاجتهاد، ولا يزال ينظر منك في أحد يذكره أو لا. واعلم أن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وإن أرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة إلا عمن رضوا عنه. وإن ذكرت عند السلطان بسوء فلا ترين السلطان ولا غيره منك لذلك اختلاطا، ولا يقعن ذلك في نفسك موقع ما يكربك؛ فإنه إن وقع ذلك منك أدخل عليك أمورا مشتبهة بالريبة بما قال فيك الغائب، فإن اضطرك الأمر إلى الجواب فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحلم والوقار والحجة ولا تشك أن العلو والعلية للحلم. لا تعدن شتم الوالي شتما ولا إغلاظه إغلاظا؛ فإن ريح القوة قد يبسط اللسان بالغلظة في غير سخط. ولا تأمن جانب المسخوط عليه والظنين عند السلطان.

стр. 9630

ولا يجمعك وإياه منزل ولا مجلس، ولا تظهر له عذرا، ولا تثني عليه خيرا عند أحد من الناس فإن استيقن الوالي مباعدتك إياه وبان لك ما ترجو من الوالي يئس له فتضع عذره عند الوالي، واعمل في الرضى عنه في رفق ولطف. ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن شيء من خدمته، ولا تدع في ذلك أن تقدم إليه في حال رضاه وطيب نفسه القول في استعفائه من الأعمال التي يكرهها ذو المروءة والدين من الناس. إذا أصبت الجاه عند السلطان فلا يحدثن لك ذلك تغيرا ولا تكبرا على أحد من أهله ولا أعوانه ولا الاستغناء عنهم؛ فإنك لا تدري متى تكون أدنى هفوة فتذل لهم، وفي تلون الحال ما فيه. إذا سأل الوالي غيرك فلا تكن أنت المجيب، فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسئول والسائل، وما أنت قاتل [إن] قال لك السائل: ما إياك سألت؟ أو قال لك المسئول: دونك فأجب، وإذا لم يقصد السائل بالمسألة رجلا

стр. 9631

[صفحةٌ مكررةٌ في أصل الكتاب المطبوع]

стр. 9632

واحدًا وعم بالمسألة الجماعة فلا تبادرن بالجواب ولا تواتين الكلام فإن ذلك شين وتكلف وخفة، فإنك إذا سبقت القوم إلى الجواب صاروا لجوابك خصمانا فتعقبوه بالعيب والطعن، وإذا حبست جوابك اعترضت أقاويلهم وتدبرتها ثم هيأت من تفكرك ومحاسن ما سمعت جوابا حسنا مرضيا ثم استدبرت به أقاويلهم حين يصغى إليك بالأسماع ويهدأ عنك الخصوم. وإذا فاتك الجواب فلا تحزن على فواته؛ فإن صيانة القول خير من سوء صنعه في غير موضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب فرصتها خير من مائة كلمة في غير فرصتها مع أن كلام العجلة والبدار موكل بالزلل وسوء التقدير وإن ظن صاحبه أنه أحكم وأتقن. إذا كلمك الوالي فأصغ لكلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر إلى غيره، ولا أطرافك بعمل، ولا قلبك بحديث نفس، واحذر هذه الخصلة من نفسك وتعاهدها

стр. 9633

جهدك. وارفق بنظرائك من وزراء السلطان واتخذهم إخوانك لا أعداء ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها والعمل يؤمرون به؛ فإنما أنت في ذلك أحد رجلين:- إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فيسدوا ذلك ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت مجمل. وإما ألا يكون عندك فما أنت مصيب من موافقتك إياهم، وليتك لهم أفضل مما أنت مدرك بالمنابذة والمنافسة. لا تجزبن على مخالفة أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك وبمعرفتهم بفضل رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلاؤه، فإذا حضروا السلطان لم يرد أحد منهم أن يقر له، ولا أن يكون له عليهم في الرأي والعلم فضل، واجترؤا عليه بالخلاف والنقض، فإن ناقضتهم صار أحدهم وليس بواحد في كل حين سامعا فقها ولا قاضيا عدلا، وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول.

стр. 9634

إذا أصبت عند السلطان لطف منزلة لغناء تجده عندك أو هوى يكون منه فيك فلا تطمح كل الطماح ولا تزين لك نفسك المزايلة عن أهل بعثه وسره؛ فإن ذلك سفه. إياك أن تشكو إلى وزير السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له فإنك لا تريد أن تبغضهم لهواه وتقربهم منه بتزينك ذلك له والميل عليه معه. واعلم أن الرجل ذا الجاه عند السلطان والخاصة به لا محالة أن يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الأمور، وإدناء من لا يجب إدناؤه، وإقصى من لا يجب إقصاؤه، فإذا آثر ما يكره يغير له وجهه ورأيه وكلامه حتى يبدو ذلك للسلطان وغيره فتفسد بذلك منزلته ومروته، واحتمال من خالفك من رأي السلطان أوجب؛ فإنه إنما كان سلطانا لتتبعه في رأيه وأمره، وليس بأن يكلفه اتباعك وتغضب من مخالفته إياك. لا تكن صحبتك للسلاطين إلا بعد رياضة نفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفوك، وتقدير الأمور على أهوائهم، وألا تكتمهم سرك، ولا تستطلعهم ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه من الناس كلهم، وعلى الاجتهاد في

стр. 9635

رضاهم والتلطف بحاجتهم والتصديق لمقالتهم والتزيين لرأيهم، وقلة الامتعاض مما فعلوا إذا شاؤوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا حسنوا. وأكثر النشر لمحاسنهم وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لما قاربوا وإن كان بعيدا، والمباعدة لما باعدوا وإن كان قريبا، والاهتمام بأمورهم وإن لم يهتموا به، والحفظ له وإن ضيعوه، والذكر له وإن نسوه، والتخفيف عنهم من مؤنتك، والاحتمال لهم كل مؤنة. [فصل ٣ - في صحبة الأصدقاء] ابذل لصديقك دمك ومالك، ولعارفك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد إلا أن يضطر إلا بدل العرض لوال أو والد، فأما الولد ومن سواه فلا. إن سمعت من صاحبك رأيا أو كلاما حسنا فانسبه إليه، واعلم أن انتحال ذلك لنفسك مفسدة لصاحبك وعار عليك، فإذا بلغ ذلك بك أن

стр. 9636

تشير برأي رجل أو تتكلم بكلامه حيث يسمع فهذا من سوء الأدب الفاشي بين الناس، ومن تمام حسن الخلق والأدب أن تسخو نفسك لأخيك عما انتحل من كلامك ورأيك، وتوفي عليه رأيه وكلامه وتؤيده مع ذلك بما استطعت. وإياك أن يكون من خلقك أن تبدأ حديثا ثم تقطعه ندامة على ابتدائك به فإن رجوعك عنه سخف وعي. احذر كلامك وعقلك إلا عند إصابة الموضع فإن أخطأك ذلك أدخلت الهجنة على عقلك وقولك. ولا يغضبك إذا رأيت صديقك مع عدوك فقد يكفيك شره أو يستر عورتك منه.

стр. 9637

تحفظ في كلامك ومجلسك من التطول على الأصحاب، وطب نفسا عن كثير مما يفرض لك فيه صواب القول والرأي إلا بظن أصحابك أنه إنما بك التفضل عليهم. وإذا أقبل عليك مقبل بوجهه فأنعم الإقبال عليه. ولا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك، فإنك في ذلك بين فضيحتين:- إما أن ينازعونك فيما ادعيت فيحجم منك على الجهالة والصلب، وإما أن تخلوا الأمر في يديك فينكشف منك التضييع والعجز. واستحي كل الحياء أن تخبر صاحبك أنك عالم وأنه جاهل مصرحا أو معرضا، واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس، ولا يخيفن عليك أن حرص الرجل على إظهار ذلك منه، وقلة وقره في ذلك من البخل، وأن من خير الأعوان على ذلك الكرم والسخاء.

стр. 9638

وإن أردت أن تلبس ثوب الجمال بحلية المروءة عند العامة وتسلك الجد الذي لا خيار فيه ولا عثار فكن عالما كجاهل وناطقا كعيي، فأما العلم فيرشدك وأما قلة الكلام فينفي الحسد عنك، وأما المنطق فإنك إذا احتجت إليه فستبلغ حاجتك، وأما الصمت فإنه سيكسبك المحبة والوقار. إذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته ويخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيها ولا تفتخر عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك علمته؛ فإن في ذلك قلة حزم وسوء أدب وعجب. ليعرف إخوانك والعامة أنك إلى أن تفعل ما تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل؛ فإن فضل القول على الفعل عار، وفضل الفعل على القول مكرمة، وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك أو أخبرت به صاحبك من منزلة عندك أن

стр. 9639

يتحقق بعض ما في نفسك لإعداد بعض الفعل على القول لتسلم بذلك من تقصير إذا كان منك في الفعل، وقل ما تكون إلا مقصرا. احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضى؛ وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة وتغلبه بالحكمة، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاض وإنما هو رضاه وحكمه، فاجعل غاية ما بينك وبين من تواخي ومواصلة من تواصل الصبر، ووطن نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، فإن ظهر لك منه ما تكره منه فالبسه؛ فإنه ليس كالمرأة التي تطلقها متى شئت، ولكنه عرضك ومروءتك ومروءة الرجل إخوانه وعرضه أخدانه، فإن علم الناس أنك قطعت رجل من إخوانك وإن كنت معذورا دل ذلك عند كثير منهم منزلة الحناقة للإخاء، وإن أنت مع ذلك صبرت على مضاربته وهو غير راض أدى ذلك إلى العيب والنقيصة، فالإرشاد إلى الارتياد والتلبث والتثبت في حال امرء من ترتاد لإخائك، فإن كان من إخوان

стр. 9640

الدين فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير، ولا مفسد نافع؛ فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون إخاؤه صادقا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف به إذا أظهر الكذب على اللسان، وإن الشرير يكسبك الأعداء فما حاجتك إلى صداقة تكسبك العداوة، وإن تقربك إليهم يكسبك الصديق السوء، وسوء الأصدقاء أضر من الأعداء، فإنك إن وصلت الصديق السوء أعيتك جرائره وإن قطعته شانك اسم القطيعة.

стр. 9641

ولا تعتذرن إلا إلى لمن يحب أن يجد لك عذرا، ولا تستعين إلا بمن يحب أن يظفر لك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يعد حديثك مغنما ما لم يغلبك أضراره. وإذا غرست من المعروف غرسا أو أنفقت عليه نفقة فلا تضن بالنفقة فيما غرست فتذهب النفقة ضياعا. إذا اعتذر إليك معتذر فتلقه بوجه مشرق وبشر طلق إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة. واعلم أن إخوان الصدق خير من مكاسب زينة الدنيا في الرخاء وهم عدة في الشدة ومعونة على حسن المعاش والمعاد، ولا تفرطن في اكتسابهم، واتبع الموصلات والأسباب إليهم.

стр. 9642

[فصل ٤ - في تهذيب النفس] احترس من سورة الغضب وسورة المحنة وسورة الجهل، وأعدد لك شيء من ذلك عدة تجاهد بها من الحلم والتفكر وذكر العافية وطلب الفضيلة. والصبر صبران: صبر الرجل على ما يكره، وصبره على ما يحب، واعلم أن اللئام أصبر أجساما، والكرام أصبر أنفسا وهو المحمود؛ وذلك أن يكون للنفس غلوبا وللمأمور محتملا وفي السراء مجملا ولنفسه عند الرأي والخفاء مرتبطا، وللحزم مؤثرا وللهو تاركا، وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفا، ولنفسه على مجاهدة الأهواء والشهوات موطنا. عود نفسك السخاء، واعلم أن السخاء سخاءان: سخاء نفس الرجل بما في يديه، وسخاء نفسه عما في أيدي الناس، وسخاء الرجل بما في يديه أكثرهما، وسخاء النفس عما في أيدي الناس أمحض المكارم وأنزه من الدنس، ومن جمعهما فقد استكمل الجود والكرم.

стр. 9643

حبب لنفسك العلم والزمه حتى [تألفه] ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك. ليكن ما تصرف به العذاب عن نفسك ألا تكون حسودا؛ لأن الحسد خلق لئيم. فصل [٥ - في تهذيب السلوك] وليكن ما تنظر فيه من أمور عدوك أن تعلم أنه لا ينفعك أن تخبر أنه عدوك فتزره نفسك وتؤذنه بحربك قبل الإمكان من الفرصة فتحمله على التسلح وتوقد ناره عليك، واعلم أن من أعظم خطرك أن تري عدوك أنك لا تتخذه عدوا؛ فإن ذلك عدة له وغرة به وسبيلا إلى القدرة عليه، وإن أنت قدرت واستطعت احتقار العداوة وألا تكافئ مشينا لك فقد استكملت عظيم

стр. 9644

الخطر، وإن كنت مكافئا بالعداوة والضرر فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة؛ فإن ذلك هو الظلم والعدوان. واعلم أن ليس كل العداوة والضرر يجب أن يكافأ بمثله كالخيانة والسرقة فلا تكافئ بمثل ذلك. ومن الحيلة في أمر عدوك أن تصادق وتراضي أعداءه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتلاحي والتجافي حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة، فإنه ليس رجل ذو طرف يمتنع من إخائك إذا التمست ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذي طرف فلا عذر لك. ولا تتخذن الشتم على عدوك سلاحا؛ فإنه لا يخرج في نفس ولا منزلة، ولا تدع مع السكوت عنه أخطاء معاييه ومعاثره واتباع عوراته حتى لا يخفى عليك من ذلك صغير ولا كبير من غير أن تشنع ذلك فيحذره ويستعد له، وأعون أنصارك على عدوك أن تحصي على نفسك العورات والعيوب كما تحصيها على عدوك، فإذا استحصيتها وكابد عدوك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك وخذ لنفسك بذلك صباحاً ومساء.

стр. 9645

فصل [٦ - في آداب شتى] إن استطعت أن لا تخبر بالشيء إلا وأنت مصدق له ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، ولا تقول كما يقول السفهاء: أخبر بما سمعت؛ فإن الكذب أكثر ما أنت سامع. احذر كثرة الكلام؛ فإن السكوت أزين وأجلب للمروءة وأبقى لك مهابة. واحذر المراء واعرفه واعلم أن المرائي هو الذي ينبغي أن يتعلم ولا يتعلم منه، فإن زعم أنه إنما يجادل الباطل فإنه وإن بانت حجته فإنه يخاصم إلى غير قاض، فإن استيقن ورجا من خصمه عدلا يقضي به على نفسه أصاب وجه أمره. واعلم أن فضل الفعل على القول مكرمة، وإن فضل القول على الفعل هجنة. واعلم أنك إن جاوزت الغاية في العناية صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في سبيل العلم لحقت بالجهال وإن تكلفتها في رضى الناس والخفة معهم في حوائجهم كنت المحسن المضيع. واعلم أن بعض العطية سرف وبعض البيان غنى وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون عطاؤك جورا ولا بيانك هدرا، ولا علمك وبالا، فافعل.

стр. 9646

ووطن نفسك لم صحبت من الإخوان، وستبلى من أقوام بسفه وخفة فإن عارضتهم وكافيتهم بالسفه فإنك قد رضيت ما أتوا به، فاجتنب ذلك. لا تلتمس عليه صاحبك والطعن عليه في كلمة ورأي، ولا تفزعه ولا تنكته وإن وضحت حجتك واستبان رأيك فإن ذلك ضعف في العمل ولوم في الأخلاق. ولا يعجبك إكرام لدين أو مروءة فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا والدين لا يزايلك في الآخرة. واعلم أن الخير منقلبة والحرص محرمة؛ لأن من يقبل مدبرا أكثر ممن يدبر مقبلا، وأن من يطلب إليك بالإجمال والتكرم تسخو نفسك بطلبته له أكثر مما يطلبك بالقوة. إذا عرض لك أمران ولم تدر أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه؛ فإن أكثر الصواب في مخالفة الهوى. لا تجالس أحدا بغير طريقته.

стр. 9647

إياك أن تلقى الجاهل بالعلم والحليم بالسفه، والعيي بالبلاغة، فإن فعلت أضعت علمك وآذيت جليسك. وإذا عاشرت أحدا فاحذر أن يرى منك العيب لأحد من إخوانه وأخدانه؛ فإن ذلك يأخذ من القلب مأخذا. وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به نفسه. اعلم أنك ستسمع الحديث من جلسائك تمكره وتستخفه من المحدث عن نفسه أو عن غيره فلا يكن منك التسخيف ولا التكذيب في شيء مما يأتي به جليسك. اتق المزاح عند المحزون؛ فإنه يحقره، وتشكي للمكتئب؛ فإنه يألفه. اعلم أن اليقضة خوف والمودة أمن فاستكثر من المودة صامتا فإن الصمت يبيدعوها إليك، وناطق بالحسن فإن النطق بالحسن فإن النطق الحسن يزيد في ود الصديق ويسأل سخية الوعد.

стр. 9648

اعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودة إذا لم يخالط ذلك زهو ولا عجب، فإن آثرت أن يخالط ذلك شيء من الزهو والعجب كان ذلك من دواعي المقت والمشنآن. وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التفلت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول. اعلم أن المستشار ليس بكفيل؛ فإن الرأي ليس بمضمون لي هو كله عذر؛ لأن أمور الدنيا ليس شيء منها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز، فإذا أشار عليك صاحبك برأي فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل فلا تجعل ذلك عليه لوما وعذابا، فتقول: أنت فعلت هذا، أو أنت أمرتني ولولاك، فإنه كله عجز ولوم، وإن كنت أنت المشير برأيك فوافق صوابا أو خطأ فلا تمنن له ولا تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضرر،

стр. 9649

ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضرر، تقول: ألم أقل لك، ألم أفعل؛ فإن هذا مجانب لأدب الحلماء. واعلم أن من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع للحديث، فإذا أخذ في حديث تعرفه فلا تسابقه إليه وتفتحه عليه وتشاركه فيه حتى كأنك تريد أن تفصح للناس أن يعلموا أنك تعلم من ذلك مثل الذي يعلم، وما عليك أن تعنيه وتفرده به. وهذا الباب من أبواب البخل، وأبوابه كثيرة غامضة. وإن كنت في قوم ليسوا ببلغاء ولا فصحاء فدع التطاول بالبلاغة والفصاحة. وإذا تغير عليك شيء من دنياك ودعتك نفسك إلى الزهادة فيها على ما تغير عليك منها فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال؛ فإنها ليست بزهادة

стр. 9650

ولكنه ضجر عندما أعجزك منها وغضب منك عليه، فلو مضيت على رفضها أو أمسكت عن طلبها أوشكت أن ترى من نفسك الضجر والجزع أشد مما رأيت من الضجر الأول، ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك فأسرع إلى إجابتها. وإني أخبرك عن صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني وكان من عظمته في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه لا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر ما يجد، وكان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعوه إلى موته ولا يسخف له رأيا، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال عند القائلين كان متضاعفا مستضعفا، وإذا جد الجد فالليث عاديا، وكان لا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا منصفا وشهودا عدولا، وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله موجودا حتى يعلم ما اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا لمن يرجو عنده البرء، ولا يصاحب صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا، وكان لا يتبرم

стр. 9651

ولا يتسخط ولا يشتهي ولا يشتكي، ولا ينتقم من الولي، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن استطعت وما أظنك تطيق ذلك، ولكن أخذ القليل من الكثير خير من ترك الجميع. وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كمل كتاب الجامع وهو آخر الديوان بحمد الله وشكره وصلى الله على محمد رسوله وعبده وعلى آله وسلم تسليما وكان تمامه يوم السبت السابع عشر لشهر جمادى الآخرة من عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة على يدي ناسخه لنفسه ثم لمن شاء الله من بعده العبد المعترف بذنبه الراجي عفو ربه (.......) وفقه الله والسلام