← Фикх малики

Фикх малики · id 18609

شرح الرسالة

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (831 стр.). Показаны 806–831 · переход к 811.

стр. 806

ورواه أبو بكر بن الجهم حدثنا أحمد بن الهيثم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله ببن عبيد عن عبد الرحمن بن أبى عمار عن جابر أن النبي ﷺ -سئل عن الضبع فقال: "هي صيد، وجعل فيها كبشًا". ففي هذا الخبر أدلة: أحدهما: أن النبي ﷺ -أوجب فيها كبشًا، ومخالفنا يقول: الواجب فيها القيمة لا الكبش. وهذا خلاف للخبر من وجهين: أحدهما: أنه إيجاب لما لم يوجبه. والآخر: إسقاط ما أوجبه. والثاني: أنه جعل الواجب فيها كبشًا، سواء كان بقدر قيمتها أو أقل أو أكثر. ومخالفنا يقول: تجب تارة كبشًا وتارة جملاً وتارة كبشان؛ على حسب اختلاف القيمة. والثالث: أنه أوجب فيها جزاء مقدرا؛ فدل ذلك على سقوط التقويم؛ لأن ما يدخله التقويم لا يجوز أن يجعل المبدل منه أصلاً في الشرع؛ لأن القيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات؛ كقيم المتلفات وأرش الجنايات. فلما قدر الموجب بأنه كبش علم بذلك سقوط اعتبار التقويم. والرابع: أنه لما خص الكبش بكونه جزاء للضبع من شائر الحيوان وغيره.

стр. 807

دل ذلك على أن هو المقصود، ولا اعتبار بالقيمة؛ لأنه لو كان التقويم هو المعتبر لم يفرق الحكم بين الكبش وغيره من الحيوانات المتملك من جنسه وغير جنسه. ويدل أيضًا على ما قلناه إجماع الصحابة ﵃؛ لأنه مروى عن عمر، عثمان، وعلى ﵄، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، ومعاوية، وعائشة ﵃، ولا مخالف لهم نعرفه؛ فروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن عمر قضى، وعثمان، وعليا، وزيدا، وابن عباس، ومعاوية في النعامة ببدنة من الإبل. وروى سماك عن عكرمة أن عليا -رضوان الله عليه -حكم في الضبع كبشًا. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: في الضبع كبش. وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن رباح مولى عبد الله ابن الزبير أنهم أصابوا ضباعًا وهم محرمون فسألوا ابن عمر فقال: اذبحوا كبشًا. وروى مغيرة عن إبراهيم أن عمر، وعبد الله ﵄ -حكما في الظبي بشاة. وروى مجاهد أن ابن مسعود حكم في اليرببوع جفر أو جفرة.

стр. 808

[والجفر: الذي يشتد ويأكل من صغار كل شيء]. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في النعامة بدنة، وفي البقرة بقرة، وفي الوعل بقرة، وفي البغل والأروى والآيل: كبش كبش. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكونوا حكموا بذلك على طريق القيمة. قيل له: لا يجوز ذلك لأمور. أحدهما: أن النقل ورد عنهم بإيجاب هذه الأشياء، ولم يرد بإيجاب القيمة. والثاني: أن القيمة في غالب الحال تختلف باختلاف البلدان والأوقات. والحكم ورد بذلك في أوقات مختلفة ومواضع متفرقة يبعد أن تتفق القيمة في جميعها في العادة والغالب. وإذا صح ذلك ثبت أنهم حكموا ببدل مقدر، لا على وجه القيمة فإن قيل: لما لم يجد بين الضبع والكبش شبهًا علمنا أن ذلك كان على طريق القيمة. قيل له: ليس المراعى الشبه في كل شيء، وإنما المراعى شبه في الخلق، ولولا أن الأمر على ذلك لم يتكلف إيصاله إلى الكعبة هديًا، وفي إيجابهم لذلك دلالة في فساد ما قالوه. ومن جهة الاعتبار أن الصيد مما يضمن بالإتلاف، ووجدنا الأصول [ق/ ١٨٠] مبينة على أن ما يضمن

стр. 809

بالإتلاف على ضربين: منه ضمان الأموال والعبيد وما جرى مجرى ذلك، وإتلاف أبدان. ثم وجدنا كل واحد من هذين تارة يضمن بالمثل وتارة بالقيمة؛ ألا ترى أن من أتلف على رجل حنطة أو عسلاً أو ما أشبه ذلك ضمنه بمثله، وكذلك العبد إذا قتل عبدًا قتل، وقد تجب فيه القيمة إذا اختار السيد. وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كذلك ضمان الصيد. ويدل عليه أيضًا: أنه حيوان يخرج في كفارة؛ فوجب ألا يكون إخراجه على القيمة. أصله: عتق الرقبة. وكذلك لا خلاف بيننا وبين أبى حنيفة أن إخراج الكبش وغيره من حائر في قتل الصيد، وإنما الاختلاف في أنه يخرج على وجه القيمة أو على وجه البدل والمثل. واستدل أصحاب أبى حنيفة بقوله تعالى ذكره: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. قالوا: والمثل على ضربين: من طريق الجنس، ومن طريقة القيمة. وقد اتفقنا على أنه لا يجب بقتل الصيد مثله من جنسه؛ فثبت أن الواجب مثله من قيمته. وهذا فاسد أجبنا عليه فيما سلف بما يغنى عن رده.

стр. 810

وقد تعلقوا بغير هذا أيضًا، وقد تقصيناه عند استدلالنا بالظاهر؛ فلا معنى لإعادته. واعتلوا بأنه حيوان مضمون لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون مضمونًا بالقيمة. أصله: ما لا مثل له في الصورة وهذا الوصف لا يؤثر في الأصل؛ لأن ما لا مثل له مضمون بالقيمة، سواء ضمن لحرمة الإحرام الإحرام أو لغيره. وإن تركوا تقييده انتقض بالآدمي؛ لأنه مضمون لغير حرمة الإحرام لا بالقيمة بل بالدية، والدية ليست [] عند بعض أصحابنا. عل أن المعنى في الأصل أنه لا مثل له في الخلقة، وليس كذلك في الفرع. قالوا أيضًا: ولأن كل عين لم تضمن بمثلها بجنسها وجب أن تضمن بقيمتها؛ اعتبارًا بالأموال. وهذا أيضًا ينتقض بقتل الآدمي خطأ؛ لأنه لا يضمن بقيمته مع العلة التي ذكروها -على ما حكيناه عن بعض أصحابنا. فإن زادوا في التعليل ذكر المال لم نسلمه في الصيد؛ لأنه ليس بمال. على أن ضمان الأموال دليلنا من الوجه الذي ذكرناه. قالوا: وأيضًا فيما قالوه بخلاف الأصول؛ لأنه يؤدى إلى أن يجب بإتلاف العين الواحدة بدلان مختلفان؛ وذلك أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لزمته قيمته لمالكه،

стр. 811

ومثله من النعم لحق الله ، وهذا خلاف الأصول؛ إتلاف عين يجب به بدلان مختلفان. وهذا السؤال غير لازم؛ لأنه يعود على مورده؛ لأنه من قول أبي حنيفة أنه يضمن ببدلين متفقين -وهو القيمة. وهذا أيضًا خلاف الأصول؛ لأنه ليس في الأصول عين واحدة يجب بإتلافها بدلان متفقان؛ فسقط هذا الإلزام. وجواب آخر: وهو أن ما قالوه إنما يمتنع إذا كان وجه الضمان واحدًا، فإذا كان من وجهين مختلفين فلا يمتنع؛ كالآدمي هو ممنوع من قتله لحرمته ولحق الله . ثم لو قتل المسلم خطأء لوجب على قاتله إذا كان مسلمًا الدية والكفارة؛ فقد ضمن ببدلين مختلفين؛ لأن جهة الضمان مختلفة؛ فكذلك في هذا الموضع. قالوا: وقد خالفتم الأصول من وجه آخر؛ وهو أنكم تقولون: إنه يضمن بمثله من غير جنسه، والأصول موضوعة على أن الضمان إما أن يكون بالقيمة أو بمثل من الجنس، فأما بمثل من غير الجنس فليس في الأصول. وهذا عندنا أصل بنفسه؛ لورود النص على ما بيناه. والذي قالوه ينكسر بقتل الآدمي؛ لأنه تجب به الدية، وهو مثل من غير الجنس. والله أعلم.

стр. 812

فصل فأما الدلالة على وجوب التحكيم فقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، ولا خلاف في ذلك. ووجب أن يعلما أن الواجب عليه بقتل الصيد إن كان مما له مثل من النعم ثلاثة أشياء: إما مثله من النعم، وهو جزاء. أو إطعام: وهو قيمة الصيد المتلف طعام. أو الصيام بدل كل مد يومًا. وإنه خير في ذلك. ثم ينظر فما اختار أن يحكما به عليه حكما بذلك الذي يختاره. وإن كان مما لا مثل له حكما عليه بقيمته. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن كفارة الصيد على التخيير دون الترتيب. وحكي بعض أهل الخلاف عن ابن عباس، وابن سيرين أنها على الترتيب دون التخيير، وأن من قدر على المثل لم يجز له العدول إلى الإطعام أو الصيام. وحكي أبو ثور أن هذا مذهب الشافعي في القديم، وأصحابه ينكرونه. والدليل على أنها على التخيير دون الترتيب قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو

стр. 813

عدل ذلك صيامًا﴾، و (أو) موضوعة للتخيير إذا وردت في أمر أو إباحة في جنس؛ كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. وقوله تعالى ذكره في النهي: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ أي: لا تطع هذا الضرب. وإذا صح ذلك ثبت أنها في هذا الموضع للتخيير؛ كقول القائل: أعط زيدًا ثوبا أو درهمًا أو عبدًا. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون قوله : ﴿أو كفورًا﴾ عائدًا على الصيد الذي لا مثل له، أو يكون قوله تعالى ذكره: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ من الصيد الذي له مثل. قيل له: أنكرنا ذلك؛ لأنه خلاف الظاهر فلا نصير إليه إلا بدليل. وأيضًا فإن الصيغة في هذا الموضع كهى في قوله في فدية الأذى ﴿ففدية من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾، فلما كانت هنالك للتخيير كذلك هاهنا. [ق/ ١٨١] أو يجمع بينهما من جهة المعنى فنقول: لأنه حق وجب بإتلاف كان ممنوعًا منه لحرمة الإحرام؛ فوجب أن يكون على التخيير. أصله: كفارة الأذى. واستدل لمن ذهب إلى أنها على الترتيب بأن يقال: لأنها كفارة لنقص

стр. 814

تعلق بالإحرام؛ فأشبهت كفارة التمتع والقران. ولأنه تكفير وتعلق بإتلاف نفس؛ فأشبهت كفارة قتل الآدمى. فالجواب: أن القياس الأول يبطل بفدية الأذى، والثاني يدفع النص على أن اللفظ ورد به مرتبًا؛ فوجب ترتيبه على أنها مغلظة، وليس كذلك جزاء الصيد. والله أعلم. فصل ويلزم التحكيم في كل قتل، وفيما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم. وهو قول أبى حنيفة. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك إلى ما حكمت به الصحابة، ولا يحتاج إلى التحكم. واستدل عنه بقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾، وعدالة الصحابة متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها؛ فكان الرجوع إلى من تحققت عدالته أولى. ودليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ فشرط حكم العدلين على كل قاتل لصيد. ولأن كل صيد لزم بقتله الجزاء فلابد من التحكيم فيه. أصله: ما لم

стр. 815

يضمن فيه حكومة. فأما قولهم أن عدالة الصحابة ﵃ متحققة، وعدالة غيرهم مشكوك فيها: فلا معنى له؛ لأنا لسنا نقول: إنه يحكم عليه لجواز أن يحكم عليه في النعامة بغير البدنة، وإنما ذلك عبادة عندنا. والله أعلم. فصل فأما قوله: إن محله منى إن وقف به بعرفة، وإلا فبمكة؛ فلما قدمناه أن المنحر في الحج منى وفي العمرة مكة. والأصل أن ذلك يكون بمكة، إلا إنها نزهت عن ذلك في أيام الحج؛ لكثرة الدماء فيها؛ فجعل الذبح بمنى. وقوله: إن وقف به بعرفة؛ فلما ذكرناه من قبل أنه لا ينحر بمنى إلا ما وقف به بعرفة، فإن لم يقف به بعرفة نحر بمكة؛ لأن النحر لا يكون في الحج والعمرة إلا بمنى أو بمكة. فإذا لم يوجد فيه شرط الذبح بمنى كان بمكة. وقوله: يدخل به من الحل؛ لأنه هدى، وقد بينا أن الهدى لا يجوز إلا أن يجمع فيه بين الحل والحرم. فصل فإما قوله أنه إن اختار التكفير بالإطعام قوم الصيد بالطعام لا المثل؛

стр. 816

فلأنه الله تعالى قال: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾، وظاهر ذلك يقتضى أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولا الصيد هو المتلف دون المثل؛ فوجب أن يكون هو المقدم؛ اعتبارًا بسائر المتلفات. ولأن الإطعام بدل عن نفس المتلف؛ فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره. أصله: المثل من النعم. ولأنه طعام أخرج في جزاء الصيد؛ فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد. دليله: كفارة ما لا مثل له من النعم. ومخالفنا في هذه المسألة الشافعي، لأنه يقول: يقوم المثل لا الصيد. وقد استدل عنه بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ على القراءة بالخفض؛ وذلك يفيد أن الكفارة بالإطعام جزاء لمثل الصيد المتلف. وإذا ثبت ذلك صح أن المعتبر بقيمة المثل لا بقيمة الصيد نفسه. والجواب: أنه لا دلالة في هذا؛ لأنه فسر الجزاء بأنه هدى يبلغ به

стр. 817

الكعبة، ثم قال مستأنفًا: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾؛ فسقط ما قالوه. قالوا: ولأنه لما وجب اعتبار الصيام بالإطعام الذي هو بدل؛ كذلك يجب اعتبار الطعام بالمثل. فالجواب: أنه إنما اعتبرنا الصيام بالإطعام؛ لأنا أقمنا مقام كل مد يومًا، فدعت الضرورة إلى أن نعتبر بما يقدر بالأمداد، والصيد لا يمكن أن يقدر أمداد، ولا أن يجزأ الصوم على عدد أجزائه، ولم تدعنا ضرورة مثل هذه في الإطعام؛ فلم يجب أن يكون كالصيام. فصل وإذا ثبت أنه يقوم الصيد لا المثل؛ فالمختار أن يقوم الصيد نفسه بالطعام، وإن تقوم بالدراهم ثم قوم بالطعام جاز. والاختيار الأول، وإنما قلنا ذلك لما بيناه أن الإطعام بدل عن الصيد؛ فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القمة. هذا هو المختار، فإن لم يفعل ذلك جاز على ما بيناه. فصل وإذا اختار الصيام صام عن كل مد يومًا، وبه قال الشافعي.

стр. 818

وقال أبو حنيفة: يصوم بدل كل مدين يومًا. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الصوم المبدل عن الإطعام في العبادات فد أقيم في الشرع عن كل مد يومًا؛ بدلالة أن النبي ﷺ -جعل في كفارة الفطر في رمضان إطعام ستين مسكينًا أو صيام شهرين متتابعين. وفدية الأذى مخصوصة بأن جعل فيها مكان كل أربعة أمداد يومًا. وهذا غير معتبر في هذا الموضع باتفاقنا. فلم يبق إلا ما قلناه. فإن قيل: ففي كفارة الظهار قد جعل بدل كل مدين يومًا فهلا اعتبرتموه بالظهار؟. قيل له: اعتباره بما قلنا أولى؛ لأنه صيام وجب لحرمة عبادة، وليس كذلك كفارة الظهار. على أن كفارة الظهار مغلظة؛ بدلالة أنه اعتبر فيها الترتيب، وليس كذلك كفارة الصيد؛ لأنها مخففة؛ بدلالة سقوط الترتيب فيها؛ فكانت بكفارة الصيام أشبه. والله أعلم. فصل فأما قوله: أن يصوم لكسر مد يومًا كاملاً؛ فلأنه لا يخلو من ثلاثة أمور:

стр. 819

إما أن يصوم يومًا كاملاً: فهو ما قلناه. أو أن يصوم بحسابه من اليوم: فذلك باطل؛ لأن الصوم لا يتبعض في اليوم. أو أن لا يصوم أصلاً: وذلك غير جائر؛ لأن عليه أن يصوم بدلاً عن جملة [ق/ ١٨٢] الإطعام. والله أعلم. مسألة قال ﵀: "والعمرة سنة مؤكدة؛ مرة في العمر". قال القاضي ﵁: هذا قولنا وقول أبى حنيفة، وقال الشافعي: هي فرض كالحج، وإليه ذهب أبو بكر بن الجهم. والدلالة على صحة قولنا ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ -عن الحج أفريضة هو؟ قال: "نعم". قيل: والعمرة؟ قال: "لا، وأن تعتمر خير لك". فنص على كون العمرة غير فريضة، وفرق بينهما وبين الحج، ونفى

стр. 820

وجوبها نفيًا مطلقًا؛ فدل ذلك على ما قلناه. فإن قيل: رواى هذا الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. قيل له: لم نقل فيه أكثر من أنه مدلس، وهذا لا يسقط حديثه؛ لأن الأعمش وغيره من كبار أصحاب الحديث يدلسون ومع ذلك فلا يترك حديثهم. فإن قيل: يحتمل أن يكون نفى وجوب العمرة. قيل له: إن السؤال صدر عن العمرة على حد ما صدر عن الحج، فلما بطل أن يحمل السؤال على ذلك؛ فكذلك في العمرة. على أن هذا ترك للظاهر؛ فلا يصادر إليه إلا بدليل. فإن قيل: يحتمل أن يكون السائل سأل عن حال نفسه، وكان قد اعتمر. قيل له: الظاهر غير هذا؛ لأن السؤال صدر مطلقًا، وكذلك الجواب؛ فلا يجب تقييدهما والاقتصار بهما على صفة دون صفة إلا بدليل. فإن قيل: يدل على ذلك قوله ﷺ : "ولأن تعتمر خير لك"، فلو كان السؤال عنه وعن غيره لكان يقول: ولأن تعتمروا خير لكم. قيل له: التعلق بهذا ضرب من الانقطاع والعجز؛ لأن النبي ﷺ -وفي الجواب حقه، وإنما قصد بهذا القول الإبانة عن فضيلة النافلة أنها وإن لم تكن فرضًا حتمًا ففعلها خير من تركها.

стр. 821

ولا فرق بين أن يخاطب بذلك من سأله مفردًا وبين أن -يجمعه وغيره في الخطاب. فما في هذا مما يدل على أنه علم من حاله أنه كان قد اعتمر لولا النحر. ودليل آخر: وهو ما روى يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن أبى الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله العمرة كفريضة الحج؟ قال: "لا، ولكن تعتمر خير لك". اعترض أبو بكر بن الجهم عن هذا الحديث بثلاثة أشياء: أحددهما: أن قال: أما يحيى بن أيوب فغيره أثبت منه، وعبيد الله بن عمر فليس محله محل أخيه. وهذا الجنس من اعتراضات أصحاب الحديث، وأما الفقهاء فلا يرتفعون به. وإن جاز أن يقع الترجيح به في بعض المواضع فيقال: ليست من شرط قبول نقل الراوي أن يكون أحفظ أهل عصره وأثبتهم، ولا يجوز سقوط عدالته ورد حديثه لكون غيره أضبط منه وأثبت؛ فبطل ما ظننته معترضًا على الخبر. ثم قال: قد روينا عن جابر نحوه من الضعيف، وروى عن إبراهيم بن حماد عن الفضل بن العباس الرازي عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن جابر ﵀ -أن النبي ﷺ -قال: "الحج والعمرة فريضتان

стр. 822

واجبتان". واعلم أنه ليس في طريق هذا الحديث ضعف على طريقة الفقهاء؛ لأن عطاء عن جابر لا ارتياب به، وابن لهيعة رجل مشهور بالنقل وقد نقل عنه الثقات والأثبات، وإن غمز عليه بعضهم فلا يلتفت إلى مجرد غمزه، ولم يصح ما حكى أنه اضطرب حفظه آخر عمره. ومن بعده إلى أبى بكر بن الجهم ثقات. ولكنه سلك في تضعيفه النحو الذي بيناه. ونحن نحمله على أنهما واجبان على الداخل فيهما؛ بدلالة خبرنا. ثم قال: الإسناد الصحيح عن جاب حدثناه أبو قلابة حدثنا الأنصاري ... إلى أن ذكر عن ابن الزبير عن جابر قال: ليس من مسلم إلا وعليه حجة وعمرة من استطاع إليه سبيلا. فكيف يزعم أن العمرة واجبة ويدع ما رواه عن النبي ﷺ ؟ هذا بعيد. فيقال له: ليس من شرط صحة الحديث أن يصير الراوي إلى موجبه؛ أنه قد يتركه؛ لأنه لا دليل عنده فيه، ولأن غيره عارضه أو نسخه، أو لغير ذلك.

стр. 823

على أن جابر لم يبين هل هي على كل مسلم من طريق السنة أو الحتم، وإن كان وجوبها عن طريق الفرض أظهر فتحتمل السنة أيضًا. ودليل آخر: وهو ما روى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهاد، والعمرة تطوع". رواه طلحة بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع النبي ﷺ -يقول: "الحج جهاد، والعمرة تطوع". فنص على أنها تطوع؛ فانتفى وجوبها. ودليل آخر: وهو ما روى مكحول عن أبى أمامة عن النبي ﷺ -قال: "من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة تامة". وروى القاسم عن أبى أمامة عن النبي ﷺ -قال: "من مشى إلى مكتوبة متطهرًا فأجره أجر الحاج، ومن مشى إلى تسبيح الضح فأجره كأجر المعتمر".

стр. 824

فنبه على أن العمرة نفل حيث شبهها بالنفل، وشبه الحجج لما كان فرضًا بصلاة الفرض. ومن طريق الاعتبار: لأنه نسك ليس له وقت معين؛ فوجب ألا يكون فرضًا. أصله: طواف القدوم. فإن قيل: قولنا: نسلك عبارة عن جملة أفعال الحج. والطواف. فلا يقال: إنه نسك. قيل له: قد ينطلق اسم النسك على جملة الحج وعلى أبعاضه؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ يريد: متعبداتكم وأفعال حجكم؛ فسماه مناسك؛ فثبت أن كل فعل منه منسك. واستدلال أصحابنا بأن قالوا: إنا وجدنا عبادات الأبدان التي هي فرائض على الأعيان تتعلق بأوقات معلومة لاسيما ما تعلق منها بمكان. وذلك كالصلاة [ق/ ١٨٣] والصيام والحج، فلو كانت العمرة من قبيلها لتعلقت بوقت معلوم، فلما لم تتعلق بذلك بل كانت جائزة في كل الأوقات لحقت بالنفل الذي لا يتعلق بوقت معلوم وإنما هو على حسب ما يختار المتنفل أن يوقعه في أي وقت شاء. ولا يلزم عليه الإيمان؛ لأن وقت وجوبه معلوم وهو البلوغ. ولأنه لا يتعلق بمكان مخصوص، وإنما ذكرنا ما يتعلق بمكان. واستدلوا أيضًا أن اسم الحج يقع عليها؛ لأنه سميت في الشرع الحجة الصغرى.

стр. 825

وإذا صح ذلك فالذي يدل على سقوط وجوبها ما روى أن الأقرع بن حابس قال للنبي ﷺ : يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ فقال ﷺ : "بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع"؛ فأخبر أنه مرة واحدة؛ فانتفى بذلك ما زاد عليه العمرة وغيرها؛ لأنه نفى بذلك وجوب ما زاد على الحجة الواحدة، والسؤال صدر عن جنس الحج؛ فثبت بذلك ما قلناه. واستدل من خالفنا بأشياء منها: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. قالوا: إن التعلق من هذه الآية من وجوه أحدهما: أنه روى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: "وأقيموا الحج والعمرة لله"، وهذه القراءة وإن كانت شاذة فإنها تجرى مجرى خبر الواحد؛ فأقل ما يجب أن تكون بمنزلة أن يروى ابن مسعود عن النبي ﷺ -أنه قال: "وأقيموا الحج والعمرة لله". وقوله: (أقيموا): أمر؛ فهو على الوجوب. فالجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن كل قراءة تخالف المصحف المجمع عليه وما أشهر عن الأئمة فلا يعتد لها، ولا يلتفت إليها، ولا يثبت حكم بها، سيما وما روى عن ابن مسعود وأبى مما يخالف المصحف مما لا يعتد به جميعًا.

стр. 826

وإذا كان الأمر على هذا وجب إطراحها جملة، وألا تنزل منزلة الخبر الواحد ولا غيره. وإنما يعتد بخبر الواحد إذا ورد مفردًا لا في حكم يقابله إجماع، أو بغير قراءة ثابتة في المصحف المجمع عليه؛ فسقط ما قالوه. قالوا: والوجه الآخر أنه تعالى قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، واسم الإتمام ينطلق على الابتداء بالشيء وعلى إتمام ما دخل فيه. فأما دخوله للبناء على ما دخل فيه فإنه بين مستغن عن إقامة دليل عليه. وأما ما وردوه في الابتداء فبدلالة قوله : ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ قيل: فأتى بهن. وقول على بن أبى طالب ﵁: إتمامهما: أن تحرم من دويرة أهلك. وإذا كان كذلك كان الأمر عامًا في الابتداء والبناء. قالوا: على أنه لو ثبت أن الحقيقة في الإتمام البناء لم يمتنع أن يراد بهذه الدلالة الابتداء؛ بدليل وهو ما روى عن عمر وعلى ﵄ -أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك. والصحابي إذا فسر شيئًا من القرآن لم يخل أن يكون فسره من طريق اللغة أو التوقف، فإن كان من حيث اللغة فقد ثبت ما قلناه. وإن لم يكن من اللغة كان من التوفيق فكأن النبي ﷺ -قال: ابتدؤوا

стр. 827

الحج والعمرة؛ وذلك يقتضى وجوبهما. فالجواب أن حقيقة الإتمام في اللغة هو البناء على ما فعل بعضه. فإذا استعمل بمعنى الابتداء كان ذلك مجازًا واتساعًا، والمجاز يحتاج إلى دليل، وما أوردوه من قول الصحابة ﵃ لا يوجب كونه حقيقة فيه، لأنه إذا ثبت كونه حقيقة فيما ذكرناه امتنع كونه حقيقة فيما ذكروه. على أنا لو سلمنا أنه حقيقة لكان الظاهر هو البناء. فأما الابتداء فلا يعقل من ظاهره، وقد صاروا إلى أنه معقول بالدليل، وهو ما روى عن الصحابة ﵃. وليس ذلك بدليل؛ لأنه ليس كلامًا يقوله الصحابي في تفسير القرآن لا يكون إلا لغة وتوفيقًا، بل يقوله لأنه يرى الحكم بالقراءتين، والدليل على غير ذلك. وقد روى عن بعضهم أن ذلك في البناء دون الابتداء، وقاله مجاهد وغيره. والوجه الآخر: أنا لو سلمنا أن الإتمام هو الإتمام هو البناء لو يمنع ما قلناه؛ لأن ذلك لا يوصل إليه إلا بالابتداء؛ فوجب أن يكون الابتداء واجبًا؛ لأنه مما لا يتم الأمر إلا به، وبذلك احتج ابن عباس في وجوب العمرة. والجواب: أن موجب هذا الاستدلال يقتضى أن الابتداء غير مقصود با وجوب، وأنه إنما يراد لغيره لا لنفسه. وهو الإتمام؛ لأن هذا سبيل كل ما ورد من هذا الباب إذا لم ينص عن النبي بل فهم الأمر به من الأمر بغيره؛

стр. 828

كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ أن ذلك يوجب طلب ما يتخطى إلي أخذ الماء، وليس هذا سبيل الابتداء بالعمرة. على أنا نحمله على الندب بما ذكرناه. واستدلوا بما روى عن عطاء عن جابر أن رسول الله ﷺ -قال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان". وروى عن عائشة ﵁ -أنها قالت: أعلى النساء جهاد يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "نعم الحج والعمرة". وهذا مستند لما رويناه من الأخبار في سقط وجوبها. أن نحمله على الداخل فيها، والخبر الآخر على الندب؛ لأن الندب المتأكد قد يوصف بأنه على الإنسان كما يوصف الفرض بذلك، ولكن بدليل غير الظاهر. واستدلوا بما روى أبو رزين أن رجلاً سأل النبي ﷺ -فقال: إن أبى لا يستطيع الحج والعمرة. فقال: "حج عن أبيك واعتمر" وهذا السؤال لا يصح على أصلنا؛ لأن حج الإنسان عن الإنسان غير واجب ولا ثابت، وإنما هو ﴿ق/ ١٨٤] تطوع، ولا يسقط به فرض. واستدلوا بما روى أن سراقة أو الأقرع قال للنبي ﷺ : أعمرتنا هذه لعامنا أو للأبد؟.

стр. 829

فلو لم تكن واجبة لم يسأل عن تكرر وجوبها؛ لأن تكرر الوجوب فرع للوجوب. وهذا غلط من المستدل؛ لأنه ليس في الخبر أن السائل سأل عن تكرر الوجوب، وإنما سأل عن تكرر الفعل، وقد يتكرر المسنون كما يتكرر المفروض؛ فلا طائل لهم في ذلك. واستدلوا بقوله ﷺ : "الإسلام أن تحج وتعتمر". فالجواب: أن الإسلام يشتمل على المفروض والمسنون، وقد روى: "الإيمان بضع وسبعون خصلة: أعلاها الشهادة، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". قالوا: ولأنها نوه عبادة من شرطها الطواف؛ فوجب أن يكون من جنسها واجب بأصل الشرع كالحج. ولأنه أحد نسكى القران؛ فأشبه الحج. ولأن العمرة كالحج في كثر الأحكام من وجوب الإحرام، والطواف، والسعي، ومنع الصيد والطيب واللباس وغير ذلك؛ فكذلك في الوجوب. فالجواب: أن المعنى في الحج تعلقه بوقت مخصوص، وليس كذلك العمرة.

стр. 830

فإن قيل: هذا لا ينفى الوجوب؛ لأن الطواف والإحرام واجبان، وليس لهما وقت مخصوص، وكذلك الكفارت. قلنا: أما الطواف فله وقت معلوم، وهو يوم النحر؛ لأنه لو أتى به قبله لكان قد أتى به في غير وقته، وإنما جوز له تأخيره توسعة. والإحرام أيضا وقته معلوم، وهو أن يكون بعد الزوال من يوم عرفة أو قبل طلوع الفجر من ليلة النحر. هذا وقت تضييق وجوبه. فأما الكفارات فإنها من حقوق الأموال فليست مما نحن فيه. قالوا: ولأنها عبادة تجب في إفسادها الكفارة؛ فوجب أن [] فيها نفلاً وفرضًا كالصوم. فالجواب: أن وجوب الكفارة بالإفساد لا يدل على الوجوب بدلالة العمرة الثانية، والحجة الثانية، وإنما يدل على تأكد العبادة. على أن المعنى في الأصل ما قلناه من تعلقه بوقت مخصوص. والله أعلم. فأما قوله: إنها تكفى في العمر؛ فلما رويناه من سؤال السائل النبي ﷺ -أعمرتنا [] أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد". ولأن المشقة فيها كما في الحج؛ فكانت مثله [] تكررها.

стр. 831

مسألة قال ﵀: "ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن على ﵀: هذا لما روى عن النبي ﷺ -أنه كان يقوله؛ فلذلك استحببناه. * * *