← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شَمِّرْ ذيولَك كَيْ ترى سنن الهدى ... في طَيِّ زُبْرِ "إغاثة اللهفانِ" للعالم العلَم الإمام الحنبلي ... نَجْلِ ابن قيِّمٍ العليِّ الشانِ جادَ الرضا والرَّوحُ مُلْحَدَ قبرِه ... ومراقدَ الأعلامِ والأعيانِ" وتحته أبيات أخرى لغيره: من رامَ كشفَ وساوس الشيطانِ ... يلزمْ كتاب "إغاثة اللهفانِ" دَعْ عنك قول الزُّور والبهتانِ ... والزمْ قصدتُكَ شرعةَ الإيمان واعلم بأن العالم العلَم الذي ... قرَّضته في ذروة العرفانِ وهو الغنيُّ بفضله وبجدِّه ... عن قولِ ذي ضِغْنٍ وذي بهتانِ و ...... والتحذلقُ شُنعةٌ ... والفضل يعرفه ذوو العرفانِ واعلم بأن المصطفى كنز الهدى ... قد قال قولًا ظاهر البرهانِ من كان ذا وجهين من كل الورى ... فمقامه يا صاحِ في النيرانِ و"إغاثة اللهفان" بحرٌ زاخرٌ ... مشحونْ بالياقوتِ والمرجانِ و ........................ لآلئٌ ... كالشهب ثقّب عن حَشَى الشيطانِ فهو النهاية عند أرباب الذكا ... وخلاصة البرهان للأذهان وتحته مقطوعة في المنجيات السبع، وأخرى في الطب، وثالثة في تعليم ضربَ زيدٌ عمرًا عند النحويين، ورابعة في الصداع، ولا حاجة هنا إلى إثباتها. وفي هذه النسخة سقط في مواضع، وهي تشبه نسخة (ظ). ٦) نسخة لاله لي [١٣٣٦] (=ت) هذه النسخة في مجلد ضخم لم ترقَّم أوراقه، في كل صفحة منها ٢٥

стр. 37

سطرًا، وهي بخط نسخي جيد، كتبت سنة ١٠٩١، كما جاء في آخرها: "وكان الفراغ من كتابته يوم السبت في الضحى في ... شهر شعبان سنة إحدى وتسعين وألف من الهجرة النبوية، على يد أضعف العباد وأفقرهم إلى رحمة ربِّه الجواد: أحمد بن محمد الحافظ بن سليمان بن محمد المصري، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه، آمين. والحمد لله على التمام ... في البدء والأوسط والختامِ" وفي أول النسخة وآخرها ختم وقف الغازي السلطان سليم خان بن مصطفى خان من سلاطين الدولة العثمانية. ويوجد على صفحة الغلاف ختم مكتبة لاله لي بتركيا، وذكر اسم المؤلف دون عنوان الكتاب. وهذه النسخة تشبه نسخة (ظ) في مجملها، وفيها تحريفات وأخطاء في مواضع أشرنا إلى بعضها في الهوامش دون استقصاء. ٧) نسخة المحمودية [١٦٩٢] (= ح) توجد هذه النسخة في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة ضمن مجموعة المكتبة المحمودية، وعدد أوراقها ١٧٦ ورقة، وفي كل صفحة منها ٣٣ سطرًا، وقد كتبت بخط نسخي دقيق. وجاء في آخرها بخط الناسخ الذي لم يذكر اسمه: "بعناية سيدي السيد الجليل العلامة عماد الإسلام أمتع الله بحياته: يحيى بن أحمد بن الحسين الشامي حفظه الله تعالى وحماه، وبلَّغه المأمول بمعانيه والعمل بما فيه، إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله على خير خلقه وآله وسلم. وافق الفراغ من تمامه ضحى يوم الجمعة ليلة ثاني شهر جمادى الأولى أحد شهور عام سبعة وخمسين ومئة وألف ١١٥٧".

стр. 38

وعلى صفحة غلافها ذكر عنوان الكتاب واسم المؤلف: وتحته: "الحمد لله، في ملك الفقير إلى الله سبحانه محمد يوسف الصنعاني، عافاه الله تعالى، آمين" وتحته عبارة مشطوب عليها: "ثم انتقل إلى ملك الفقير إلى الله تعالى ... "، ومكان النقط اسم المالك الذي طمس اسمه. وعليها خط آخر شُطب عليه: "الحمد لله. مما استكتبه لنفسه أفقر العباد وأحوجهم إلى المسامحة في يوم المعاد يحيى بن أحمد بن الحسين الشامي، وفقهم الله تعالى لما يُرضيه". وهذا يوكِّد ما ذكره الناسخ في آخر النسخة، كما سبق. وتحته: "الحمد لله، ثم صار مِلْك الفقير إلى الله ... ". واسم المالك مطموس. وكتب أحدهم تحته: "شرعنا في مقابلة هذا الكتاب في أواخر شهر محرم ... "، في مكان النقط طمس. وتحته تملُّك آخر، ونصُّه: "صار مِلْك الفقير إلى الله الحاج رزق بن أحمد البابلي بتاريخ شهر ربيع ١١٧٣". وكُتب تحته: "ثم صار إليَّ عاريةً من الوالد رزق بن أحمد البابلي عافاه الله ... ". وطُمس اسم الكاتب. وتحته: "الحمد لله رب العالمين، مَنَّ به ذو المنِّ سبحانه على عبده الفقير إلى رحمته .... لطف الله بهم آمين". وهنا أيضًا سُوِّد اسم الكاتب بالحبر. وفي وسط صفحة الغلاف كتبت تلك الأبيات الثمانية في مدح الكتاب، التي أُثبتت على نسخة الأصل، وسبق ذكرها فيما مضى. وهذه النسخة أيضًا تشبه نسخة (ظ)، وفيها أخطاء وتحريفات في مواضع كثيرة، وقد صحح بعضها في هوامش النسخة.

стр. 39

بقية النسخ: بالإضافة إلى النسخ المذكورة سابقًا توجد نسخ خطية أخرى من الكتاب في مكتبات العالم اطلعتُ على بعضها، وفيما يلي بيان عنها: - مكتبة خدابخش خان بباتنه (الهند) [٤٠٠٣] (١٩٠ ورقة، كتبت سنة ١١٦٣). - مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض [٢ ــ بريدة] (١٩٧ ورقة كتبت سنة ١٢٠٩). - المكتبة السعودية التابعة للإفتاء بالرياض [٤١٠] (نسخة كتبت سنة ١٢٤٨). - المكتبة القادرية ببغداد [١٤٩٣] (١٩١ ورقة، كتبت سنة ١٣٠٤). - مكتبة الأوقاف ببغداد [٧٠١٦] (٤٥١ ورقة، كتبت سنة ١٣٠٥ بخط صالح بن دخيل بن جار الله في القصيم). - المكتبة السعودية التابعة للإفتاء بالرياض [٣٧٧] (نسخة كتبت سنة ١٣١٤ بخط صالح بن عبد العزيز مرشد). - مركز الملك فيصل [] (نسخة ناقصة الأول والآخر، في ٢٧٤ صفحة، بخط نجدي حديث). - الخزانة العامة بالرباط [٨٤]. - مكتبة إبراهيم أفندي بتركيا (ضمن السليمانية) [٣٧٢٠]. - المتحف البريطاني بلندن [٩٢١٩ شرقيات] (نسخة ناقصة). - مكتبة الشيخ علي بن يعقوب بحائل (نسخة في ٧٥٨ صفحة). - مكتبة جامعة همدرد بدلهي [١٦٥٥] (٤٤٢ ورقة).

стр. 40

وهناك قطع من الكتاب في المكتبات الآتية: - مكتبة محرم جلبي في مرعش [١٨٢/ي] (١٩ ورقة). - مكتبة ندوة العلماء في لكنو بالهند [٩٨٦] (٨ صفحات، بخط فارسي حديث). - تكلي أوغلو في أنتاليا [٠٧ Tekeli ٩١٣] (٢١ ورقة). هذا ما وقفتُ عليه من مخطوطات الكتاب في مكتبات العالم، وقد اكتفيتُ بسبع نسخٍ منها عند تحقيق النصّ؛ لأنها أفضل النسخ وأقدمها وأجودها، وتغني عن غيرها. * طبعاته: [قبل طباعة الكتاب قام الشيخ محمد أحسن الصديقي (ت ١٣١٢) بتلخيصه وترجمته إلى اللغة الأردية بعنوان «تهذيب الإيمان»، وطُبع في المطبع الصديقي بمدينة بريلي (الهند) سنة ١٢٨٣، في ٦٤٨ صفحة. وكانت هذه الترجمة متداولة في الهند، وكان لها أثر ملموس في أوساط الناس، فقام أحد المبتدعة وهو عبد الصمد السهسواني بالرد عليها في رسالة صغيرة بعنوان «تبعيد الشياطين بإمداد جنود الحق المبين»، طبعت في علي گره سنة ١٢٨٧. - طُبع الكتاب لأول مرَّة] [*] في المطبعة الميمنية بالقاهرة في شعبان سنة ١٣٢٠/ ١٩٠٢ م، بتصحيح محمد الزهري الغمراوي، وعدد صفحاتها ٤٢٣ صفحة، ولا ندري شيئًا عن النسخة التي كان الاعتماد عليها عند نشره. وفي هذه الطبعة سقط في مواضع بلغ أحيانًا صفحةً أو صفحتين. - ثم نشره الشيخ محمد حامد الفقي بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٥٧/ ١٩٣٩ م في جزئين، وقد اعتمد فيه على نسخة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، ووصفها بأنها نسخة خطية مصححة مقروءة _________ [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس (هكذا) في المطبوع. وتم التصويب من الأصل الوارد من «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرا

стр. 41

على علماء محققين، في غاية الضبط والدقة والتصحيح. وبقراءتها ومقابلتها على النسخة المطبوعة وجد فروقًا عظيمة جدًّا، ووجد كثيرًا من النقص كان في بعض المواضع بالصفحتين. وقد عُني الشيخ الفقي بتصحيح الكتاب ومراجعة الآيات وترقيمها وضبطها بالشكل الكامل، ومراجعة الأحاديث وتصحيح ألفاظها وتخريجها قدر الطاقة. وقد بذل جهدًا مشكورًا في الاعتناء بتحقيقه وخدمته، ويسَّر الاستفادة منه لعامة القراء والمثقفين، فجزاه الله أحسن الجزاء. ويؤخذ على طبعته أن الشيخ ﵀ كان يغيِّر ما في الأصل إذا شكَّ في كلمة أو عبارة، ويقترح بدلها ما يُؤدي إليه اجتهاده واستحسانه دون إشارة إلى ذلك، وهذا مخالف لما يتطلبه التحقيق العلمي، ثم إنه علق أحيانًا تعليقاتٍ تناقض مقصود المؤلف وتردُّ عليه بأسلوبٍ شديد، ويكون المقام في غنًى عنها. وبقي في النصّ أخطاء وتحريفات بسبب عدم عثوره على نسخ قديمة موثقة، وهو معذور في ذلك ومأجور على اجتهاده إن شاء الله. - ثم صدرت له طبعة بتحقيق: محمد سيد كيلاني، في مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٨١/ ١٩٦١ م في جزئين، وهو إعادة طبعة الفقي بشيء من التحوير في التعليقات، دون الرجوع إلى المخطوط. - ثم صدرت طبعة بمراجعة وتعليق: محمد الأنور أحمد البلتاجي، بمطابع دار التراث العربي، القاهرة سنة ١٤٠٣ في مجلدين. - وطبع بتصحيح وتعليق: محمد عفيفي من مكتبة الخاني بالرياض والمكتب الإسلامي ببيروت سنة ١٤٠٧/ ١٩٨٧ م. وقد ذكر أنه رجع إلى أربع نسخ خطية وقارن بينها. ومع ذلك ففي هذه الطبعة سقط في مواضع

стр. 42

يبلغ أحيانًا سطرًا أو أكثر، بالإضافة إلى الأخطاء والتحريفات التي وقعت فيها، والأوهام والأغلاط في التخريج والتعليق. - ونشر أيضًا بتحقيق: بشير محمد عيون، من مكتبة المؤيد بالرياض ومكتبة دار البيان بدمشق سنة ١٤١٤/ ١٩٩٣ م، في ٨٥٦ صفحة. وقد ذكر أنه اعتمد على نسخة خطية، ولكن لا يوجد فرقٌ بين هذه الطبعة وطبعة الفقي إلّا نادرًا. - وطبع بتحقيق وضبط وتخريج وتعليق: حسان عبد المنان وعصام فارس الحرستاني، من مؤسسة الرسالة، بيروت سنة ١٤١٤/ ١٩٩٤ م. وعلى هذه الطبعة مؤاخذات من جهة تخريج الأحاديث للشيخ محمد ناصر الدين الألباني نشرها بعنوان "النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة، وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة". - وطبع أيضًا بتحقيق: السيد الجميلي، من دار ابن زيدون بيروت. - ونُشِر أيضًا بتحقيق: خالد عبد اللطيف السبع العلمي، من دار الكتاب العربي، بيروت، في مجلدين. ولم يرجع إلى أي نسخة خطية، بل اعتمد على طبعات الفقي وعفيفي وبشير عيون والسيد الجميلي، وأثبت الفروق بين الطبعتين الأوليين. - وطبع بتحقيق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبي الأثري، وتخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، من دار ابن الجوزي بالدمام سنة ١٤٢١/ ٢٠٠١ م. وقد اعتمد فيها على نسخة جامعة برنستون، وقابلها على طبعة الفقي.

стр. 43

وأغلب هذه الطبعات التي صدرت بعد طبعة الفقي كانت عالةً عليها، وإن ادَّعى أصحابها أنهم رجعوا إلى النسخ الخطية، فلا خلافَ يُذكر بينها وبين طبعة الفقي، وإنما تتفاوت في التخريج والتعليق. * هذه الطبعة: اعتمدتُ في تحقيق الكتاب على أهم النسخ الخطية الموجودة منه، كما سبق وصفها، وأقدمها تلك التي كتبت في حياة المؤلف سنة ٧٣٨، وأثبتُّ النصّ الصحيح في ضوئها، وذكرتُ من الفروق بين النسخ ما يحسن ذكره، ولم أشِرْ إلى الأخطاء والتحريفات الواقعة فيها إلّا نادرًا. ثم قمتُ بضبط النصّ وشَكْل الضروري منه، ووضعه في فقرات مناسبة. ثم وثَّقت النقول من المصادر التي نقل عنها المؤلف ومن غيرها، وقد قام بتخريج الأحاديث والآثار من غير الصحيحين: الشيخ مصطفى بن سعيد إيتيم، فجزاه الله خيرًا. ويوجد في الكتاب شعر ذكره المؤلف في مناسبات مختلفة، فقمت بتخريج ما وجدت منه، وكان فيه تحريف وخلل كثير في النسخ، فقوَّمته في ضوئها وبالرجوع إلى المصادر الأخرى. ولم أهتم بترجمة الأعلام والتعريف بالفرق والبلدان والكتب وشرح الكلمات والمصطلحات، فإنها تُثقِل الكتاب بما هو معلوم لدى عامة المثقفين فضلًا عن العلماء، ويمكن مراجعة المعاجم والمصادر المشهورة لمعرفة شيء منها. وبعد الانتهاء من خدمة النصّ بما يلزم صنعتُ فهارس لفظية وعلمية تكشف عن محتويات الكتاب وموضوعاته، ليصل القارئ إلى بغيته بسهولة، ولا يضيّع وقته وجهدَه في البحث عما يحتاج إليه.

стр. 44

وفي الختام أرجو أنني وُفِّقت في إخراج هذا الكتاب وتقديمه بحيث يتيسر الاستفادة منه، ويعمَّ النفع بقراءته إن شاء الله، ونحن في زمنٍ كثرت فيه مصايد الشيطان وتنوعت مكايده، واتُّخذت شتى الوسائل والأساليب للخداع والتضليل، والدعوة إلى نشر الفواحش والموبقات، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كتبه محمد عزير شمس

стр. 45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربِّ يسِّر وأعنْ (١) الحمدُ لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله، وأنار قلوبَهم بمشاهدِ (٢) صفاتِ كماله، وتعرّف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله، فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل هو كما وصف به نفسَه وفوق ما يصفه به أحدٌ من خلقه في إكثاره وإقلاله، لا يُحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه على لسان مَن أكرمهم بإرساله؛ الأول الذي ليس قبله شيء، والآخِر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا يحجُب المخلوقَ عنه تستُّرُه بسِرْباله، الحي القيوم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، المنفرد بالبقاء، وكل مخلوق مُنْتَهٍ إلى زواله، السميع الذي يسمع ضجيجَ الأصوات باختلاف اللغات على تفنُّن الحاجات، فلا يَشْغَلُه سمعٌ عن سمع، ولا تُغلّطه المسائل، ولا يتبرّم من إلحاح المُلِحّين في سؤاله، البصير الذي يرى دبيبَ النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظّلماء حيث كانت من سهله أو جباله، وألطفُ من ذلك رؤيته لتقلُّب قلب عبده، ومشاهدتُه لاختلاف أحواله؛ فإن أقبل إليه تلقَّاه، وإنما إقبالُ العبد عليه من إقباله، وإن أعرض عنه لم يَكِلْهُ إلى عدوِّه ولم يَدَعْهُ في إهماله، بل يكون

стр. 46

أرحمَ به من الوالدة بولدها الرفيقةِ به في حمله ورضاعه وفصاله (١)، فإن تاب فهو أفرحُ بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدَوِّيَّة المُهْلِكَة إذا وجدها، وقد تهيَّأ لموته وانقطاع أوصاله (٢)، وإن أصرَّ على الإعراض، ولم يتعرض لأسباب الرحمة، بل أصرَّ على العصيان في إدباره وإقباله، وصالحَ عدوَّه وقاطعَ سيدَه، فقد استحق الهلاك، ولا يَهلِك على الله تعالى إلا الشقيُّ الهالك لعِظَم رحمته وسعة إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا، جلَّ عن الأشباه والأمثال، وتقدَّس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، لا مانعَ لما أعطى ولا مُعطيَ لما منع، ولا رادَّ لحكمه ولا معقِّبَ لأمره، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائم له بحقه، وأمينُه على وحيه وخِيَرتُه من خلقه، أرسله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحسرةً على الكافرين، وحجةً على العباد (٣) أجمعين، بعثَه على حينِ فترةٍ من الرسل، فهدى (٤) به إلى أقوم الطُّرُق (٥) وأوضح السُّبُل (٦)؛ وافترض على العباد

стр. 47

طاعتَه ومحبته، وتعظيمَه وتوقيره والقيامَ بحقوقه، وسدَّ إلى جنته جميعَ الطرق؛ فلم يفتحْ لأحدٍ إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وِزرَه، ورفع له ذِكْره، وجعل الذِّلَّة والصَّغار على من خالف أمره (١)، وأقسم بحياته في كتابه المبين (٢) وقرنَ اسمَه باسمه؛ فلا يُذكر إلا ذُكر معه، كما في التشهد والخُطَب والتأذين. فلم يزل ﷺ قائمًا بأمر الله تعالى، لا يردُّه عنه رادٌّ، مشمِّرًا في مرضاة الله تعالى، لا يصدُّه عن ذلك صادٌّ، إلى أن أشرقتِ الدنيا برسالته ضياءً وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا أفواجًا، وسارت دعوتُه مسيرَ الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيّم ما بلَغ الليل والنهار، ثم استأثر الله تعالى به ليُنجِز له ما وعده به في كتابه المبين، بعد أن بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وأقام الدين، وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين، وقال: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. أما بعد، فإن الله سبحانه وتبارك وتعالى لم يخلق خلقه سُدًى مُهمَلًا (٣)، بل جعلهم مَوْرِدًا للتكليف، ومحلًّا للأمر والنهي، [٢ أ] وألزمَهم فَهْمَ ما أرشدهم إليه مجملًا ومفصَّلًا، وقسَّمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلًا، وأعطاهم موادَّ العلم والعمل: من القلب، والسمع،

стр. 48

والبصر، والجوارح، نعمةً منه وتفضُّلًا؛ فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريقَ معرفته على ما أرشد إليه ولم يَبْغِ عنه عُدولًا، فقد قام بشكر ما أُوتيَه من ذلك، وسلك به إلى مرضاة الله سبيلًا، ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يَرْعَ حق خالقه فيه، تحسَّر (١) إذا سُئل عن ذلك، وحزن حزنًا طويلًا؛ فإنه لا بدَّ من الحساب على حق هذه الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. و لما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تَصدُر كلُّها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الإقامة والزيغ، وتتَّبعه فيما يعقده من العزم أو يُحلُّه، قال النبى ﷺ : "ألا إن في الجسد مُضْغَةً؛ إذا صَلَحَتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" (٢)، فهو مَلِكها، وهى المنفِّذة (٣) لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها (٤) من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدُر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته (٥) = كان (٦) الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظرُ في

стр. 49

أمراضه وعلاجها أهمَّ ما تنسَّك (١) به الناسكون. ولمَّا علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه؛ أجلبَ عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزيَّن له من الأحوال (٢) والأعمال ما يصدُّه به عن الطريق، وأمدَّه من أسباب الغَيّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصبَ له من المصايد والحبائل ما إن سَلِم من الوقوع فيها لم يَسلَمْ من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة (٣) بالله تعالى، والتعرُّضِ لأسباب مرضاته، والْتِجَاءِ القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقُّق بِذُلِّ العبودية الذي هو أولى ما تلبَّس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمانِ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]؛ فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها بسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب بإخلاص (٤) العلم ودوام اليقين، فإذا أُشرب القلبُ العبوديةَ والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشَمِلَه استثناءُ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]. ولمَّا منَّ الله الكريم بلطفه بالاطِّلاع على ما أَطْلَعَ عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يَعرِض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تُثْمِرُها (٥) تلك

стр. 50

الوساوس من الأعمال، وما يكتسب القلبُ بعدها من الأحوال، فإن العمل السيئ مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد مرضًا على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له، وكل ذلك من انفعاله (١) لوسوسة الشيطان، وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلَاّ من جاهره بالعصيان =أردتُ أن أقيِّد ذلك في هذا الكتاب؛ لأستذكره معترفًا فيه لله بالفضل والنعمة (٢)؛ وينتفع به من نظر فيه داعيًا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة (٣)، وسميته "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان"، ورتَّبته ثلاثة عشر بابًا: الباب الأول: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت. الباب الثاني: في ذكر حقيقة مرض القلب [٢ ب]. الباب الثالث: في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبعية وشرعية. الباب الرابع: في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه. الباب الخامس: في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مُدرِكًا للحق، مريدًا له، مُؤْثِرًا له على غيره. الباب السادس: في أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاحَ إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحبَّ إليه من كل ما سواه.

стр. 51

الباب السابع: في أن القرآن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه. الباب الثامن: في زكاءِ القلب. الباب التاسع: في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه. الباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحته. الباب الحادي عشر: في علاج مرض (١) القلب من استيلاء النفس عليه. الباب الثاني عشر: في علاج مرض القلب بالشيطان. الباب الثالث عشر: في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم. وهو الباب الذي لأجله وُضِعَ الكتاب، وفيه فصول جَمَّةُ الفوائد حسنة المقاصد. والله تعالى يجعله خالصًا لوجهه، مؤمِّنًا من الكَرّة الخاسرة، وينفع به مصنفه وكاتبه، والناظر فيه في الدنيا والآخرة، إنه سميع عليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 52

الباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيحٍ وسقيمٍ ومَيّتٍ لما كان القلب يوصف بالحياة وضدِّها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة: فالقلب الصحيح هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف. فالسليم: القلب الذي قد صارت السلامة صفةً ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضًا فإنه ضد المريض والسقيم والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمرُ الجامع لذلك: أنه الذي قد سَلِمَ من كل شهوة تخالف أمرَ الله ونهيَه، ومن كل شبهةٍ تُعارِض خبره، فسَلِم من عبودية ما سواه، وسَلِم من تحكيم غير رسوله؛ فسلِم من محبة غير الله معه، ومن خوفه ورجائه (١) والتوكلِ عليه، والإنابة إليه، والذلِّ له، وإيثارِ مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلُح إلا لله وحده. فالقلب السليم هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شركٌ (٢) بوجهٍ

стр. 53

ما، بل قد خلصتْ عبوديته لله تعالى: إرادةً، ومحبةً، وتوكلًا، وإنابةً، وإخباتًا، وخشيةً، ورجاءً، وخلصَ عملُه لله، فإن أحبَّ أَحَبَّ في الله، وإن أبْغضَ أبْغضَ في الله، وإن أعْطَى أعطى لله، وإن مَنَع منع لله (١). ولا يكفيه هذا حتى يَسْلَم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله ﷺ ، فيَعقِد قلبَه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحدَه دون كل أحد، في الأقوال والأعمال: أقوال القلب وهي العقائد؛ وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب؛ وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها؛ وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقّه وجِلّه هو ما جاء به الرسول ﷺ ، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول [٣ أ] ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر. قال بعض السلف: ما من فَعلةٍ وإن صغُرت إلا يُنشر لها ديوانان: لِمَ؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا، من محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودُّد والتقرُّب إلى الرب ، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحلُّ هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك؟! أم

стр. 54

فعلته لحظك وهواك؟ والثاني سؤال عن متابعة الرسول ﷺ في ذلك التعبد؛ أي: هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي؟ أم كان عملًا لم أشرعه ولم أرْضَهُ؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة؛ فإن الله سبحانه لا يقبل عملًا إلا بهما. فطريق التخلُّص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص. وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تُعارِض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمِنتْ له النجاة والسعادة. فصل والقلب الثاني ضِدُّ هذا، وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذاته (١)، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى ــ إذا فاز بشهوته وحظه ــ رضي ربُّه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبًّا (٢)، وخوفًا، ورجاءً، ورضًا، وسخطًا، وتعظيمًا، وذلًّا، إن أحَبَّ أحَبَّ لهواه، وإن أبغض أبغضَ لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثَرُ عنده وأحب إليه من رضا مولاه؛ فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائسه، والغفلة

стр. 55

مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية معمور، وبسكرة الهوى وحبِّ العاجلة مغمور، يُنادَى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح ويتّبع كل شيطان مريد؛ الدنيا تُسخطه وتُرضيه، والهوى يُصِمُّه عما سوى الباطل ويُعميه؛ فهو في الدنيا كما قيل في ليلى: عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لأهْلِهَا ... وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَقَرَّبَا (١) فمخالطة صاحب هذا القلب سُقْمٌ، ومعاشرته سُمٌّ، ومجالسته هلاك. فصل والقلب الثالث قلبٌ له حياة وبه علّة؛ فله مادتان، تَمُدُّه هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لِمَا غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات، وإيثارها، والحرص على تحصيلها، والحسد، والكِبْر، والعُجْب، وحب العلوّ (٢) في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعَطَبِهِ، وهو مُمتحَنٌ بين داعيين: داعٍ يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة (٣)، وداعٍ يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما منه بابًا، وأدناهما إليه جوارًا. فالقلب الأول حيٌّ مُخْبِتٌ (٤) ليِّنٌ واعٍ. والثاني يابسٌ ميتٌ.

стр. 56

والثالث مريض؛ فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العَطَب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ [٣ ب] مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ ـ ٥٤]. فجعل الله القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبًا ناجيًا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي، والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه؛ وهو المطمئن إليه، الخاضع له، المستسلم المنقاد. وذلك أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحًا سليمًا لا آفة له، ليتأتى منه ما هُيِّئ له وخُلِق لأجله؛ وخروجُه عن الاستقامة إما بيُبسِه وقساوته، وعدم التأتِّي لما يراد منه؛ كاليد الشلَّاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذَكَر العِنِّين، والعين التي لا تبصر شيئًا؛ وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال، ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة: فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له.

стр. 57

والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضُه التحق بالميت القاسي، وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم. فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشُّبه والشكوك: فتنةٌ لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم؛ لأنه يردُّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيُخبِت للحق (١) ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانًا بالحق ومحبة له، وكفرًا بالباطل وكراهة له؛ فلا يزال القلب المفتون في مِرْية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدًا. قال حُذيفة بن اليمان: قال رسول الله ﷺ : "تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القلُوبِ كعَرْض الحصِيرِ عُودًا عُودًا، فأَيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْب أنْكَرهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتّى تَعُودَ القُلوبُ عَلَى قَلْبين: قَلْبٍ أَسْوَد مُرْبَادًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ معرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا؛ إِلّا مَا أُشْرِبَ منْ هَوَاهُ، وَقلبٍ أبْيض مثل الصفا، لا تضرُّهُ فِتْنةٌ مَا دَامَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ" (٢). فشبَّه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا؛ كعرض عيدانِ الحصير ــ وهى طاقاتها ــ شيئًا فشيئًا، وقسَّم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عُرضت عليه فتنة أُشْرِبها، كما يشرب السِّفِنْج الماء، فتُنكَت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يُشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسودّ وينتكس، وهو معنى قوله: "كالكوز مُجَخِّيًا"؛ أي مكبوبًا منكوسًا، فإذا اسودَّ وانتكس

стр. 58

عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، وربما استحكم فيه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا. الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول ﷺ ، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض، قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وكرهَها (١)، فازداد نوره وإشراقه وقوَّته [٤ أ]. والفتن التي تُعرَض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، وفتن الغي والضلال، وفتن المعاصي والبدع، وفتن الظلم والجهل؛ فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان قوله: القلوب أربعة: قلب أجْردُ، فيه سراج يُزهرُ؛ فذلك قلب المؤمن. وقلب أغلفُ؛ فذلك قلب الكافر. وقلب منكوس؛ فذلك قلب المنافق، عَرف ثم أنكر، وأبصر ثم عَميَ. وقلب تمُدّه مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق؛ وهو لما غلب عليه منهما (٢).

стр. 59

فقوله: "قلب أجرد" أي متجرد مما (١) سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلِم مما سوى الحق، و"فيه سراج يزهر"؛ وهو مصباح الإيمان، فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان. وأشار بـ"القلب الأغلف" إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى حاكيًا عن اليهود: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه كقُلْف وأقلَف؛ وهذه الغشاوة هي الأكِنّة التي ضربها الله تعالى على قلوبهم عقوبةً لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله؛ فهي أكنةٌ على القلوب، ووقْرٌ في الأسماع، وعمًى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦]. فإذا ذُكِرَ لهذه القلوب تجريدُ التوحيد وتجريدُ المتابعة ولّى أصحابها على أدبارهم نفورًا. وأشار بـ"القلب المنكوس" ــ وهو المكبوب ــ إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]؛ أى نكسهم وردَّهم في الباطل الذي كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم

стр. 60

الباطلة؛ فهذا شر القلوب وأخبثها؛ فإنه يعتقد الباطل حقًّا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادي أهله، فالله المستعان. وأشار بـ"القلب الذي له (١) مادتان" إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان، ولم يُزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر؛ والحكم للغالب، وإليه يرجع.

стр. 61

الباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلب قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، أمرهُنَّ أن لا يَلِنَّ في كلامهن، كما تلين المرأة المعطية اللَّيانَ في مَنْطِقها، فيطمع مَنْ في قلبه مرض الشهوة، ومع ذلك فلا يَخْشُنَّ في القول بحيث يلتحق بالفحش، بل يَقُلْنَ قولًا معروفًا. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ [٤ ب] إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١]. أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكَّلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حِكَم: فتنة الكافرين؛ فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم. وقوة يقين أهل الكتاب؛ فيقوى يقينُهم (١) بموافقة الخبر بذلك لما

стр. 62

عندهم عن أنبيائهم؛ من غير تلقٍّ من رسول الله ﷺ عنهم، فتقوم الحجة على مُعانِدهم، وينقاد للإيمان من يريدُ (١) الله أن يهديه. وزيادة إيمان الذين آمنوا؛ بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به. وانتفاءُ الرَّيْبِ عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال (٢) تصديقهم به. فهذه أربع (٣) حِكَم: فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين، وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب. الخامسة: حيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعَمِيَ قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وهذه حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقَّنه، فتقوم عليه الحجة به، وقلب يوجب له حيرة وعمًى، فلا يدرى ما يراد به. واليقين وعدم الريب في هذا الموضع: إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقرِّرًا لليقين، ومؤكدًا له، ونافيًا عنه ما يُضادُّه بوجه من الوجوه، وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعًا إلى الخبر المذكور عن عدَّة (٤) الملائكة، وعدم الريب عائدًا إلى عموم ما أخبر الرسول به؛

стр. 63

لدلالة هذا الخبر الذي لا يُعلم إلا من جهة الرسول على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعدُ في صدق الرسول ﷺ = ظهرت فائدة ذكره. والمقصود ذكر مرض القلب وحقيقته. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]؛ فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغَيّ، فإن الجهل مرض؛ شفاؤه العلم والهدى، والغي مرض؛ شفاؤه الرشد. وقد نزّه الله سبحانه نبيَّه ﷺ عن هذين الداءين، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١، ٢]، ووصف رسوله ﷺ خلفاءه بضدهما فقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (١)، وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة

стр. 64

لمن آمن به خاصة، وشفاءً تامًّا لما في الصُّدور؛ فمن استشفى به صحَّ وبرئ من مرضه، ومن لم يستشف به فهو كما قيل: إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أنّهُ ... نَجَا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذي هُوَ قَاتِلُهْ (١) وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، والأظهر أن "مِنْ" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين. فصل ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي، لفساد يعرض له، يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية: فإما أن يذهب إدراكه بالكلية؛ كالعمى والصمم والشلل، وإما أن ينقص إدراكه لضعف في آلات [٥ أ] الإدراك مع استقامة إدراكه، وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه، كما يدرك الحلوَ مُرًّا، والخبيث طيبًا، والطيب خبيثًا. وأما فساد حركته الطبيعية: فمثل أن تضعف قوته الهاضمة، أو الماسكة، أو الدافعة، أو الجاذبة، فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال، ولكن مع ذلك لم يصل إلى حدِّ الموت والهلاك، بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة. وسببُ هذا الخروج عن الاعتدال: إما فساد في الكمية أو في الكيفية:

стр. 65

فالأول إما نقص في المادة؛ فيحتاج إلى زيادتها، وإما زيادة فيها؛ فيحتاج إلى نقصانها. والثاني إما بزيادة الحرارة، أو البرودة، أو الرطوبة، أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعي، فيداوى بمقتضى ذلك. ومدار الصحة على حفظ القوة، والحِمْية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة؛ ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة، وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد إليها مَنْ أنزله شفاءً ورحمةً. فأما حفظُ القوة: فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في رمضان، ويقضي المسافر إذا قدم، والمريض إذا بَرِئ؛ حفظًا لقوتهما عليهما؛ فإن الصوم يزيد المريض ضعفًا، والمسافر محتاج إلى توفير قوَّته عليه لمشقة السفر، والصوم يضعفها. وأما الحِمية عن المؤذى: فإنه سبحانه حمى المريضَ عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره، وأمره بالعدول إلى التيمم؛ حِميةً له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه، فكيف بالمؤذي له من باطنه؟! وأما استفراغ المادة الفاسدة: فإنه ـ سبحانه ـ أباح للمُحْرِم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه، فيستفرغ بالحَلْقِ الأبخرةَ المؤذية له، وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها، فنبَّه به على ما هو أحوج إليه منه. وذاكرتُ مرةً بعض رؤساء الطب بمصر بهذا، فقال: والله لو سافرتُ إلى المغرب في معرفة هذه الفائدة؛ لكان سفرًا قليلًا أو كما قال.

стр. 66

وإذا عُرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوَّته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات؛ وإلى حِمية عن المؤذى الضارِّ، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي وأنواع المخالفات؛ وإلى استفراغه من مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات. ومرضه هو نوع فساد يحصل له، يفسد به تصوره للحق وإرادته له، فلا يرى الحق حقًّا، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أو ينقصُ إدراكه له، ويفسد به إرادته له، فيبغض الحق النافع، أو يحب الباطل الضارَّ، أو يجتمعان له وهو الغالب، ولهذا يُفسَّر المرض الذي يعرض له؛ تارةً بالشك والريب، كما قال مجاهد (١) وقتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. أي شك، وتارةً بشهوة الزِّنى، كما فُسر به قوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فالأول مرض الشبهة، والثاني مرض الشهوة. والصحة تُحفَظ بالمثْل والشَّبه، والمرض يُدفع بالضد والخلاف، وهو يقوى بمثل سببه، ويزول بضده، والصحة تُحفَظ بمثل سببها، وتضعف أو تزول بضده. ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك، فكذلك القلب إذا كان فيه مرضٌ؛ آذاه أدنى [٥ ب] شيء من الشبهة أو الشهوة، حيث لا يقدر على دفعهما (٣) إذا وردا عليه، والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك، وهو يدفعه بقوَّته وصحته.

стр. 67

وبالجملة؛ فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه، وضعفت قوته، وترامى إلى التلف، ما لم يتدارك ذلك؛ بأن يحصل له ما يُقوِّي قوَّته، ويُزِيل مرضه.

стр. 68

الباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعية مرض القلب نوعان: نوع لا يتألَّم به صاحبه في الحال وهو النوع المتقدم؛ كمرض الجهل، ومرض الشبهات والشكوك، ومرض الشهوات؛ وهذا النوع هو أعظم النوعين ألمًا، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سَكْرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم؛ وإلا فألمه حاضرٌ فيه، حاصلٌ له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين (١) وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطبَّاء هذا المرض. والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال، كالهمّ والغمّ والحَزَن والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبعية، كإزالة أسبابه، أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب؛ ويدفع مُوجَبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن، ويشقى بما يشقى به البدن؛ فكذلك البدن يتألم كثيرًا بما يتألم به القلب، ويُشقيه ما يُشقيه. فأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبعية من جنس أمراض البدن، وهذه لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت. وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية؛ فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء، ولهذا يقال: شفى غيظه، فإذا استولى عليه عدوه آلمه

стр. 69

ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]، فأمرهم بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد. فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه (١) في شفاء غيظه، فإن شَفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضًا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضًا أُخر أصعب من مرض العشق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصحَّ وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارَى ذلك واستتر ولم يَزُلْ، وأعقبه أمراضًا هي أصعب وأخطر. وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهى في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه؛ لكن اشتغل القلبُ بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبُرْئه، قال النبي ﷺ في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: «قتلوه، قتلهم الله! ألَا سألوا إذْ لم يعلموا؟! فإنما شفاء العِيِّ السؤال» (٢)؛ فجعل الجهل مرضًا وشفاءه سؤالَ

стр. 70

أهل العلم. وكذلك الشاكُّ في الشيء المرتابُ فيه [٦ أ] يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارةً قيل لمن حصل له اليقين: ثَلَجَ صدره، وحصل له بَرْد اليقين وكذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رُشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وسيأتي ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه إن شاء الله. والمقصود أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبعية، ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.

стр. 71

الباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادةُ كل خير فيه وموتَه وظلمتَه مادةُ كل شر فيه أصلُ كلِّ خيرٍ وسعادة للعبد بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره، فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوَّته، وسمعه، وبصره، وحياؤه، وعِفّته، وشجاعته، وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح، فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات. وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عُرضت عليه القبائح؛ نَفَر منها بطبعه وأبغضها، ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرّق بين الحسن والقبيح كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر (١). وكذلك القلبُ المريضُ بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرِض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.

стр. 72

وكذلك إذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حُسْنَ الحَسَن بنوره، وَآثَرَهُ بحياته، وكذلك قُبْحُ القبيح. وقد ذكر سبحانه هذين الأصلين في مواضع من كتابه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء وتشرق به. كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي أوَمَنْ كان كافرًا ميت القلب، مغمورًا في ظلمة الجهل، فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيًّا بعد موته، مشرقًا مستنيرًا بعد ظلمته؟! فجعل الكافر ــ لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته وتوحيده وشرائع دينه، وتركِه الأخذَ بنصيبه من رضاه، والعملَ بما يؤديه إلى نجاته وسعادته ــ بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام ونَعَشْناه به؛ فصار يعرف مضارَّ نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها [٦ ب] من سخط الله وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضيء به، فيمشى بنوره بين الناس، وهم في سَدَف الظلام، كما قيل: لَيْلِي بِوجْهِك (١) مُشْرِقٌ ... وَظَلامُهُ في النَّاسِ سَارِي

стр. 73

النَّاسُ في سَدَفِ الظّلا ... مِ وَنَحْنُ في ضَوْءِ النّهَارِ (١) ولهذا ي ضرب الله سبحانه المثلَين المائيَّ والناريَّ لوحيه ولعباده . أما الأول فكما قال في سورة الرعد: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. فضرب لوحيه المثل بالماء لما يحصل به من الحياة، وبالنار لما يحصل بها (٢) من الإضاءة والإشراق، وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها، فوادٍ كبيرٌ يسع ماءً كثيرًا، ووادٍ صغيرٌ يسع ماءً قليلًا، كذلك القلوب مُشبّهة بالأودية، فقلب كبير يسع علمًا كثيرًا، وقلب صغير إنما يسع بقدره. وشبَّه ما تحتمله القلوب من الشبهات والشهوات ــ بسبب مخالطة الوحي لها، وإثارتِه (٣) لما فيها من ذلك ــ بما يحتمله السيل من الزبد، وشبَّه بطلان تلك الشبهات ــ باستقرار العلم النافع فيها ــ بذهاب ذلك الزبد، وإلقاء الوادي له، وإنما يستقرُّ فيه الماء الذي به النفع. وكذلك في المثل الذي بعده: يذهب الخَبَثُ الذي في ذلك الجوهر، ويستقر صَفْوه. وأما ضرب هذين المثلين للعباد؛ فكما قال في سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ

стр. 74

لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ ـ ١٨]، فهذا المثل الناري، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى آخره [البقرة: ١٩]، فهذا المثل المائي. وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين، وبعض ما تَضَمَّنَاهُ من الحكم في كتاب «المعالم» (١) وغيره. والمقصود أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ ـ ٧٠]، فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حيُّ القلب، كما قال في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فأخبر أن حياتنا إنما هي بما يدعونا إليه الرسول من العلم والإيمان، فعلم أن موت القلب وهلاكه بِفَقْدِ ذلك. وشبَّه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور، وهذا من أحسن التشبيه؛ فإن أبدانهم قبور لقلوبهم، فقد ماتت قلوبهم وقُبرت في أبدانهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ولقد أحسن القائل: وَفي الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ لأَهْلِه ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ وَأَرْوَاحُهُمْ في وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهمْ ... وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ (٢)

стр. 75

ولهذا جعل سبحانه وحيه الذي يُلقيه إلى الأنبياء روحًا، كما قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ في موضعين من كتابه [غافر: ١٥] (١)، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ لأن حياة الأرواح والقلوب به، وهذه الحياة الطيبة التي [٧ أ] خصَّ بها سبحانه مَن قَبِلَ وحيه، وعَمِل به، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فخصَّهم سبحانه بالحياة الطيبة في الدارين، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١، ٤٢]، ومثله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. فبيَّن سبحانه أنه يُسعِد المحسنَ بإحسانه في الدنيا وفي الآخرة، كما أخبر أنه يُشقي المسيء بإساءته في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. وقال تعالى وجمع بين النوعين فقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ
следующие страницы →