المثال الثلاثون: إذا تزوَّجها على أن لا يُخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرّى عليها، فالنكاح صحيحٌ، والشرط لازمٌ.
هذا إجماع الصحابة ﵃ أجمعين؛ فإنه صحّ عن عمر (١)، وسعد (٢)، ومعاوية (٣)، ولا مُخالف لهم من الصحابة، وإليه ذهب عامةُ التابعين، وقال به أحمد.
وخالف في ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط، ولم يوجبوا الوفاء به.
فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك، ولم يكن عندها حاكمٌ يرى صحة ذلك ولزومه، فالحيلة لها في حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن، إلا أن تشترط بعد العقد أنه إن سافر بها، أو نقلها من دارها، أو تزوج عليها فهي طالق، أو لها الخيار في المُقام معه، أو الفسخ، فإن لم تثق به أن يفعل ذلك فإنها تطلب مهرًا كثيرًا جدًّا إن لم يفعل، وتطلب ما دونه إن فعل، فإن شرط
стр. 737
لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى، وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى، وجعلته حالًا ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه، أو يشرط لها ما سألته.
فإن قيل: فعلى أي المهرين يقع العقد؟
قيل: يقع على المهر الزائد؛ لتتمكن من إلزامه بالشرط.
فإن خاف أن يشرط لها ما طلبت، ويستقرّ عليه المهر الزائد، فالحيلة: أن يُشهد عليها أنها لا تستحق عليه بعد الاشتراط شيئًا من المبلغ الزائد على الصداق الأدنى، وأنها متى ادّعت به فدعواها باطلةٌ، فيستوثق منها بذلك، ويُكتب هو والشرطُ.
ولها أن تُطالب بالصَّداق الزائد، إذا لم يَف لها بالشرط؛ لأنها لم ترض بأن يكون الأدنى مهرًا إلا في مقابلة منفعة أخرى تُسَلَّم لها، وهي المُقامُ في دارها، أو بلدها، أو يكون الزوج لها وحدها، وهذا جارٍ مجرى بعض صَداقها، فإذا فاتها فلها المطالبة بالمهر الأعلى.
المثال الحادي والثلاثون: إذا زوّج ابنته بعبده صح النكاح، فإن حضره الموتُ فخاف هو أو المرأة أن ترث جزءًا منه، فينفسخ النكاح:
فالحيلة في بقائه: أن يبيع العبد من أجنبيٍّ، فإن شاء قبض ثمنه، وإن شاء جعله دينًا في ذمَّته، يكون حكمه حكم سائر ديونه، فإذا ورثت نصيبها من ثمنه لم ينفسخ نكاحها. وإن باع العبد من أجنبي قبل العقد، ثم زوّجه الابنة أمِنَ هذا المحذور أيضًا.
وكذلك إذا أراد أن يزوِّج أمَتَه بابنه، وخاف أن يموت، فترث زوجته، فينفسخ النكاح، باعها من أجنبي، ثم زوّجها الابن، أو يبيعها من الأجنبي بعد العقد.
стр. 738
المثال الثاني والثلاثون: إذا أحاله بدَينه، وخاف المحال أن يَتْوَى ماله عند المُحال عليه، وأراد التوثُّق لماله:
فالحيلة في ذلك أن يقول: لا تُحِلْني بالمال، لكن وكّلني في المطالبة به، واجعل ما أقبضه في ذمّتي قرضًا، فيبرآن جميعًا بالمقاصّة.
فإن خاف المُحيل أن يَهلك المالُ في يد الوكيل قبل اقتراضه، فيرجع عليه بالدين:
فالحيلة له: أن يقول [٩٢ أ] للمحال عليه: اضمَنْ عني هذا الدّيْنَ لهذا الطالب، فيضمنه، فإذا قبضَه قبضَهُ لنفسه، فإن امتنع المحالُ عليه من الضمان احتالَ الطالبُ عليه؛ على أنه إن لم يُوَفّه حَقّهُ إلى وقت كذا وكذا فالمحيل ضامنٌ لهذا المال، ويصح تعليقُ الضمان بالشرط، فإن وفّاه المحال عليه، وإلا رجع إلى المحيل، وآخذه بالمال.
المثال الثالث والثلاثون: إذا كان له دَين على أحدٍ، فرَهَنه به عبدًا، فخاف أن يموتَ العبد، فيُحاكمه إلى من يَرَى سقوط الدين بتلف الرهان:
فالحيلة في تخليصِه من هذا المحذور: أن يشتري العبد منه بدينه، ولا يقبض العبد، فإن وَفّاه دَينه أقالَهُ في البيع، وإن لم يوفّه الدَّين طالبه بالتسليم، وإن تلف العبدُ كان من ضمان البائع، ورجع المشتري إلى دينه الذي هو ثمنه.
المثال الرابع والثلاثون: إذا كان له عليه دَين، فرهنه به رهنًا، ثم خاف أن يستحق الرهنُ فتبطل الوثيقة:
فالحيلة فيه: أن يُضَمّنَ دَينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن، فإذا
стр. 739
استحقه عليه طالبه بالمال، أو يُضَمّنه دَرَك الرّهن، أو يُشهد عليه أنه لا حقّ له فيه، ومتى ادّعى فيه حقًّا فدعواه باطلة.
المثال الخامس والثلاثون: إذا كان له عليه مئة دينارٍ، خمسون منها بوثيقة، وخمسون بغير وثيقة، وجحده الغريمُ القَدْرَ الذي بغير وثيقةٍ:
فالحيلة له في تخليص ماله: أن يوكّل رجلًا غريبًا بقَبْضِ المال الذي بالوثيقة، ويُشهد على وكالته علانيةً، ثم يُشهد شهودًا آخرين: أنه قد عزله عن الوكالة، ثم يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال، ويُثبت شهود وكالته، فإذا قبض الخمسين دينارًا دفعها إلى مستحقِّها وغاب، ثم يطالبه المستحقّ بالخمسين، فإن قال: دفعتها إلى وكيلك أقام البيّنة أنه كان قد عَزَله عن الوكالة، فيُلْزِمُه الحاكِم بالمال، ويقول له: اتْبَعِ القابض، فخُذ مالك منه.
فإن كان الغريم حَذِرًا لم يدفع إلى الوكيل شيئًا خَشْيَة مثل هذا، ويقول: لا أدفع إليك إلا بحضرة الموكِّل وإقراره أنك وكيله، فتبطل هذه الحيلة.
المثال السادس والثلاثون: إذا حضره الموتُ، ولبعض ورثته عليه دين، وأراد تخليص ذمته، فإن أقرّ له به لم يصحَّ إقراره، وإن وصّى له به كانت وصيةً لوارث.
فالحيلة في خلاصه: أن يُواطِئه على أن يأتي بمن يثقُ به، فيُقِرّ له بذلك الدَّين، فإذا قبضه أوصله إلى مُستحقه، فإن خاف الأجنبيّ أن يُلزمه الحاكم أن يحلف (١) أن هذا الدين واجبٌ لك على الميت، ولم تبرئه منه، ولا من شيء منه، لم يَجُزْ له أن يحلف على ذلك، وانتقلنا إلى حيلة أُخرى، وهي أن
стр. 740
يقول له المريضُ: بعْ دارَك أو عبدك من وارثي، بالمال الذي له عليّ فيفعل، فإذا ألْزَمْتَهُ اليمين بعد هذا حلف على أمرٍ صحيح، فإن لم يكن له ما يبيعه إيّاه وهب له الوارثُ عبدًا أو أمَةً، فقبضه، ثم باعه من الوارث بالدَّين الذي على الميت.
المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمَةً، حيثُ يجوز له نكاح الإماء، وخاف أن يَسْترِقّ سيدُها ولده:
فالحيلة في ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كلُّ ولدٍ تلده منك فهو حرٌّ، فإذا قال هذا فما ولدته منه فهم أحرار.
المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتِني الخُلعَ فأنت طالق ثلاثًا إن لم أخلعك، وقالت المرأة: كل مملوكٍ لها حُرّ، إن لم أسألك الخلعَ اليوم.
فسُئل أبو حنيفة عنها، فقال للمرأة: سَلِيهِ الخُلع، فقالت: أسألك أن تخلعني، فقال للزوج: قل: خَلَعْتُكِ على ألف درهم، فقال ذلك، فقال أبو حنيفة للمرأة: قولي: لا أقبلُ، فقالت: لا أقبلُ، فقال أبو حنيفة: [٩٢ ب] قومي مع زوجك، فقد برّ كل منكما في يمينه.
المثال التاسع والثلاثون: سُئل أبو حنيفة عن أخَوين تزوجَا أختين، فزُفّت امرأةُ كل واحد منهما إلى الآخر، فوطئها، ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا، فقيل له: ما الحيلة في ذلك؟ فقال: أكلٌّ منهما راضٍ بالتي دخل بها؟ قالا: نعم، فقال: ليطلّقْ كل واحدٍ منهما امرأتَه طَلْقَة، ففعلا، فقال: ليتزوج كل منهما المرأة التي وَطِئها، فطابَتْ أنفسُهما.
стр. 741
المثال الأربعون: إذا كان لرجلٍ على رجل مالٌ، وللذي عليه المال عقارٌ، فأراد أن يجعل عقاره في يَد غريمه يستغلّه، ويقبض غَلّته من دَيْنه، جاز ذلك؛ لأنه توكيل له فيه، فإن خاف الغريمُ أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة:
فالحيلة: أن يَسْتَرهنه منه ويستديم (١) قبضه، ثم يأذن له في قبض أجرته من دينه، ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصًا.
وله حيلة أُخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه، فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصًا.
المثال الحادي والأربعون: إذا كان له جارية، فأراد وَطْأها، وخاف أن تَحْبلَ منه، فتصير أمَّ ولدٍ، لا يمكنه بيعها:
فالحيلة: أن يبيعها لأبيه، أو أخيه، أو أخته، فإذا مَلَكَها سأله أن يُزَوّجه إيّاها فيطأها بالنكاح، ويكون ولَدُه منها حرًّا يَعتِقُون على البائع بالرّحِم، وهذا إذا كان ممن يجوز له نكاح الإماء، بأن لا يكون تحته حُرّةٌ عند أبي حنيفة، أو يكون خائفًا للعَنَت، عادمًا لطَوْل حُرّةٍ عند الجمهور.
المثال الثاني والأربعون: إذا بانت منه امرأته بَيْنُونة صُغرى، وأراد أن يُجدّد نكاحها، فخاف إن أعلمها لم تتزوج به؛ فله في ذلك حيل:
إحداها: أن يقول: قد حلفتُ بيمين، ثم استفتيتُ، فقيل لي: جَدّد نكاحك، فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح، وإلا لم يَضُرّك، فإن كان لها وليّ جدّد نكاحها، وإلا فالحاكم أو نائبه.
стр. 742
ومنها: أن يُظهر أنه يريدُ سفرًا، وأنه يريد أن يجعلَ لها شيئًا من ماله، وأن الاحتياط أن يجعله صَداقًا بعقْدٍ يُظْهِرُه.
ومنها: أن يُظهر مرضًا، وأنه يريدُ أن يُقِرّ لها بمال، أو يُوصي لها به، وأن ذلك لا يتم، والأحوطُ أن يُظهر عَقْدَ نكاحٍ، وجعل ذلك صداقًا فيه.
فإن قيل: إذا بانت منه ملكتْ نفسها، ولم يصح نكاحُها إلا برضاها، ولعلّها لو علمت الحال لم ترضَ بالنكاح الثاني.
قيل: رضاها بتجديد النكاح (١) للغرض (٢) الذي يُريده يتضمنُ رضاها بالنكاح، وهي لو هَزَلَتْ بالإذن صحّ إذنها، وصحّ النكاح، مع أنها لم تقصده، كما لو هَزَلَ الزوجُ بالقبول صح نكاحُهُ، وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح، ورضيت به، فهو أولى بالصحة.
فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح، والمرأة غير قاصدة له.
قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها، فلم تخرج بذلك عن القصد والرِّضا.
ولو قال رجل لرجل هَزْلًا ومِزاحًا: زوّجْني ابنَتك على مئة درهم، أو قال: زوِّجني مُولِيتَك، وهي تسمع، فقال له مزاحًا وهزلًا قد زوجتكها، انعقدَ النكاح، وحَلَّ له وطؤها، لحديث أبي هريرة الذي رواه أهل «السنن» (٣)، عن
стр. 743
النبي ﷺ : «ثلاثٌ جِدّهنّ جِدٌّ، وهَزْلُهنّ جِدٌّ: النكاحُ، والطلاقُ، والرّجعةُ».
المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حَسَن التصرف في ماله، غيرَ مبذّرٍ له، فرُفع إلى الحاكم، وشُهِدَ أنه مُبَذّر، فخاف أن يَحْجُر عليه، فقال: إن حجرت علي فعبيدي أحرارٌ، ومالي صدقةٌ على المساكين، لم يَملك القاضي أن يحجُر عليه بعد ذلك؛ لأنه إنما يحجرُ عليه صيانةً [٩٣ أ] لماله، وفى الحجر عليه إتلاف ماله، فهو يعودُ على مقصود الحجر بالإبطال.
المثال الرابع والأربعون: يصحّ الصلح عندنا وعند أبي حنيفة ومالك على الإنكار، فإذا ادّعى عليه شيئًا فأنكره، ثم صالحه على بعضه جاز.
والشافعي لا يُصَحّح هذا الصلح؛ لأنه لم يَثُبتْ عنده شيء، فبأيّ طريقٍ يأخذ ما صالحه عليه؟ بخلاف الصلح على الإقرار، فإنه إذا أقرّ له بالدَّين أو العين، فصالحه على بعضه، كان قد وهبه، أو أبرأهُ من البعض الآخر.
والجمهور يقولون: قد دلّ الكتاب والسنة والقياسُ على صحة هذا الصلح؛ فإن الله ندب إلى الإصلاح بين الناس، وأخبر أن الصلح خير، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]،
стр. 744
وقال النبي ﷺ : «الصلح بين المسلمين (١) جائز، إلا صلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا» (٢).
وأما القياس: فإن المدّعَى عليه يفتدي مُطالبتَه باليمين وإقامة البَيّنة وتوابع ذلك بشيء من ماله يبذله، ليتخلص من الدعوى ولوازمها، وذلك غرضٌ صحيح، مقصود عند العقلاء، وغاية ما يُقدّر أن يكون المدّعي كاذبًا، فهو يتخلّص من تحليفه له، وتعريضه للنكول، فيقضى عليه به، أو تُرد اليمين، بل عند الخِرَقي: لا يصحّ الصلح إلا على الإنكار، ولا يصح مع الإقرار، قال: لأنه يكون هضمًا للحق.
فإذا صالحه مع الإنكار، فخاف أن يرفعه إلى حاكمٍ يُبطلُ الصلح فالحيلة في تخليصه من ذلك: أن يصالحَ أجنبي عن المنكر على مال، ويُقرّ الأجنبيّ لهذا المدّعي بما ادعاه على غريمه، ثم يصالحه مِن دعواه على مالٍ،
стр. 745
ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه (١)، ولا وكالته له، إن كان المدّعَى دينًا؛ لأنه يقول: إن كان كاذبًا فقد استنقذته من هذه الدعوى، وذلك بمنزلة فِكاك الأسير، وإن كان صادقًا فقد قضيتُ عنه بعضَ دينه، وأبرأه المدعي من باقيه، وذلك لا يفتقر إلى إذنه.
وإن كان المدعَى عينًا لم يصحّ حتى يقول: قد وكَّلني المنكر؛ لأنه يقول: قد اشتريتُ له هذه العين المدَّعاة بالمال الذي أصالحك عليه، فإن لم يعترف أنه وكله، لم يصح.
فإن لم يعترف بوكالته فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبي لنفسه، فيكون بمنزلة شراء العين المغصوبة، فإن اعترف بها للمدّعي باطنًا صار هو الخصمَ فيها، وإن لم يعترف بها له لم يَسَعْه أن يخاصم فيها المدّعَى عليه، ويكون اعترافه له بها ظاهرًا حيلةً على تصحيح الصلح.
وعلى هذا: فإن كان المدعى دارًا خَلّفها الميتُ لابنه وامرأته، فادَّعاها رجلٌ، فصالحاه من دعواه على مال، فإن كان صلحًا على الإنكار فالمال بينهما على ثمانية أسهم: على المرأة الثُّمُنُ، وعلى الابن سَبْعَةُ أثمان، وإن كان على الإقرار فالمال بينهما نصفان، والدار لهما نصفان.
فإذا أراد لُزُوم الصلح على الإنكار (٢) صالح عَنهما أجنبيّ على الإقرار، فلزم الصلح، وكان المال بينهما على سبعة أثمان، وكذلك الدار؛ فإنهما لم يُقِرَّا له بالدار، وإقرار الأجنبي لا يلزمهما حكمه.
стр. 746
المثال الخامس والأربعون: إذا ادّعى عليه أرضًا في يده، أو دارًا، أو بستانًا، فصالحه على عشرة أذْرُعٍ أو أقَلّ أو أكثر جاز، وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع من أرض أو دار أخرى جاز؛ لأنه يقول: قد أخذتُ بعض حَقّي وأسقطتُ البعض.
فإن خاف أن يرفَعَه إلى حاكم حنفي، لا يَرى جواز ذلك بناءً على أنه لا يجوز بيعُ ذراع، ولا عشرة من أرضٍ أو دارٍ؛ فطريق الجواز: أن يَذرَع الدار التي صالحه على هذا القدر منها، ثم ينسبه إلى المجموع، فما أخرجته النسبة أوْقَع عقد الصلح عليه، ويصح [٩٣ ب] ذلك ويلزم.
المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مُدّةً معينة أو ما عاش جاز ذلك، فإذا أراد الوارث أن يشتري من الموصي له خِدْمة العبد لم يصحّ؛ لأن حَقّ الموصي له إنما هو في المنافع، وبيعُ المنافع لا يجوز.
والحيلة في الجواز: أن يُصالحه الوارث من وَصِيَّته على مال معيَّن، فيجوز ذلك.
وكذلك لو أوصى له بحَمْل شاته، أو أمَتِه، أو بما يَحْمل شَجَرُه عامًا، فإذا أراد الوارث شراءه منه لم يصح، وله أن يُصالحه عليه؛ فإن الصلح وإن كان فيه شائبة من البيع فهو أوسع منه.
المثال السابع والأربعون: لو شَجّه رجلٌ، فعفا المشجوج عن الشّجّة، وما يحدث منها، ثم مات منها، لم يلزم الشاجَّ شيءٌ، ولو قال: عفوتُ عن هذه الجراحة، أو الشجّة، ولم يقل: وما يحدث منها، فكذلك في إحدى الروايتين.
стр. 747
وفى الأخرى: يضمن بقِسْطها من الدّية.
ولو قال: عفوت عن هذه الجناية، فلا شيء له في السّراية، روايةً واحدة.
وعند أبي حنيفة: له المطالبة بالدّية في ذلك كله، إلا إذا قال: عفوت عنها، وعما يحدث منها.
فالحيلة في تخلص المعفوِّ عنه: أن يشهد على المجني عليه: أنه عَفا عن هذه الجناية أو الشّجة وما يحدث منها، فيتخلص عند الجميع.
المثال الثامن والأربعون: إذا مات وتَرك زوجةً وورثة، فأرادت الزوجة أن يُصالحها الورثةُ على حَقِّها، نظرنا في التَّرِكة، وفى الذي وقع عليه الصلح.
فإن كان في التَّركة أثمانٌ ذهبٌ وفضة (١)، فصالَحتْهم على شيء من الأثمان لم يصح، لإفضائه إلى الربا؛ لأن صلحها بيع نصيبها منهم.
وإن صالحتْهم على عَرض أو عقارٍ، أو كان في التركة دراهم، فصالحتهم بدنانير، أو بالعكس جاز، ولا تَضُرّ جهالةُ حقها؛ لأن عقد الصلح أوسعُ من البيع كما تقدم.
فإن كان في التركة ديون لم يَصِحَّ الصلح؛ لأن بَيع الدَّين من غير الذي هو في ذِمّتِه لا يصح، ويحتمل أن يقول بصحته، كما يصح عن المجهول، وإن لم يصح بيعه (٢).
стр. 748
فالحيلة في صلحها عن الدَّين أيضًا: أن يُعَجّل لها حِصَّتها من الدَّين، يُقِرضها الورثة ذلك، وتُوكّلهم باقتضائه، ثم تُصالحهم من الأعيان على ما اتفقوا عليه؛ لأنهم إذا أقرضوها حِصّتها (١) من الدَّين، ثم وَكّلَتهم بقبض حِصّتها من الدَّين، فإذا قبضوا حِصّتها من الدين فقد حصل في أيديهم من مالها من جنس ما لهم عليها فيتقاصّان، ويكون عقدُ الصلح قد وقع عن العروض والمتاع خاصة.
فإن لم تَطِبْ أنفسهم أن يُقرضوها قَدْرَ حِصّتها من الدَّين، وأحبت تعجيل الصلح، صالحتهم من حقها من المتاع والعُروض، دون الديون، وكلما قُبض من الدين شيءٌ أخذت حقها منه، فإن تعسّر ذلك، وشقّ عليها، وأحبّت الخلاص، حابَوها في الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها، وأقرت أن الدّين حقّ للورثة دونها، من ثمن متاعٍ باعه الميت لهم.
فإن أرادوا قسمة الدين في الذمم فالمشهور: أنه لا يصح؛ لأن الذّمم لا تتكافأ.
وفيه رواية أخرى: تجوز قسمته، وهي الصحيحة، فإنه قد تكون مصلحة الورثة والغرماء في ذلك، وتفاوُتُ الذمم لا يمنعُ القسمة؛ فإن التفاوت في المحل، والمقسومُ واحد مُتماثلٌ، وإن اختلفت محالُّه.
وإذا كان الغرماء كلهم مُوسِرين أو مُعْسِرين، أو بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، فأخذ كلٌّ من الورثة موسرًا ومعسرًا، كان هذا عَدْلًا غير ممتنع، وقد تراضوْا به، ولا وجه لبطلانه، وبالله التوفيق.
стр. 749
المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دَين، [٩٤ أ] فقال: تصدّق به عَنّي، ففعل، لم يَبْرأ، وكانت الصدقةُ عن المُخْرج ودَينُه باقٍ، قاله أصحابنا؛ لأنه لم يتعين، ولأنه لا يكون مُبرِئًا لنفسه بفعله.
قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدّق عنى بكذا بقدر دينه، ويكون ذلك اقتراضًا منه، فإذا فعل ثبت له في ذمته ذلك القَدْرُ، وعليه له مثله، فيتقاصّان.
وكذلك لو قال له: ضارِبْ بالمالِ الذي عليك والربحُ بيننا، لم يصح.
والحيلة في صحته أن يقول: أذنتُ لك في دَفْعه إلى ابنك، أو زوجتك وديعةً، ثم وكّلتك في أخذه والمضاربة به.
والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويكفي قبضه من نفسه لربّ المال، وإذا تصدق عنه بالذي قال كان على الأمر، هذا هو الصحيح، وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة، فإذا عَيّنه بالنّية تعيَّن، وكان قابضًا من نفسه لموكله، وأيّ محذور في ذلك؟
المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابّة بعلَفِها وكذلك المرضِعة، وهو مذهب مالك.
وقال الشافعي: لا يجوز فيهما.
وجوَّزه أبو حنيفة في الظِّئْرِ خاصة.
فإذا عقد الإجارة كذلك، ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بُطلانها، فيُلْزِمَه بأجرة مثله:
فالحيلة في تصحيح ذلك: أن يستأجره بنقدٍ معلوم، يكون بقدرِ الطعام
стр. 750
والكسوة، ثم يُشْهد عليه أنه وَكّله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته، وكذلك في الدابّة.
المثال الحادي والخمسون: يجوز للمستأجر أن يُؤجِر ما استأجره للمؤجر، كما يجوز لغيره.
وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة.
فالحيلة في لزومها: أن يؤجِر ذلك لأجنبي غير المؤجر، ثم يؤجره إياه الأجنبيُّ.
المثال الثاني والخمسون: إذا كَفَل اثنان واحدًا، فسلّمه أحدهما، برئ الآخر، كما لو ضمنا دينًا، فقضاه أحدهما، فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك، ويُلزم الآخر بتسليمه:
فالحيلة في خلاصه: أن يَكْفلا بهذا المكفول به، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعًا بريئان، أو يُشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع المكفول به إلى الطالب، والتبرُّؤ إليه منه، فيَبْرآن على قول الجميع.
المثال الثالث والخمسون: يصح ضمانُ المجهول، وضمان ما لم يجب عندنا، كما يصح ضمان الدّرَك، فإذا قال: ما أعطيتَ لفلان فأنا ضامنٌ له صح ولزمه.
وقال الشافعي: لا يصح.
فالحيلة في صحته لئلا يُبطل ذلك حاكمٌ يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف؛ فأنا ضامن له.
стр. 751
فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز، واستويا في الغُرْم، فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثين، جاز ذلك؛ لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه، فإذا التزماه على هذا الوجه صحَّ.
فإن أراد أحد الضامِنَيْن أن يضمّن الآخر ما لزمه من هذا الضمان، فيصير ضامنًا، جاز ذلك أيضًا؛ لأن المال قد ثبت في ذِمّة كل واحد منهما، فإذا ضمنه أحدهما جاز، كما يجوز في الأصل.
المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شرِكَةَ عنان، فسافر (١) أحدهما بالمال بإذن شريكه، فخاف أن يموت المقيم، فيشتري بالمال بعد موته متاعًا، فيضمن؛ لأنه قد انتقل إلى الورثة، وبطلت الشركة.
فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يُشهد على شريكه المقيم أن حِصّته في المال الذي بينه وبينه لولده الصغار، وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه، وأمره أن يشتري لهما (٢) ما أحب في حياته وبَعْدَ وفاته، فإن كان [٩٤ ب] ولده كبارًا أشهد على نفسه أن هذا المال لهم، ثم يأمر ولَدُه الكبارُ هذا الشريكَ أن يعمل لهم في مالهم هذا بما يرى، ويشتري لهم ما أحب.
المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلًا، فتزوجها أحدهما على نصيبه في المال الذي عليها، صح النكاح، وبرئت ذمَّة المرأة من ذلك القدر، ولم يلزم الزوجَ أن يضمن لصاحبه شيئًا منه؛ لأنه لم يقبض شيئًا من نصيبه، ولم يحصل في ضمانه، فجرى مجرى إبرائها له منه.
стр. 752
وبعض الفقهاء يضمّنه نصيب شريكه من المهر، ويجعله كالمقبوض؛ لأنه عاوض عليه بالبُضْع، فهو كما لو اشترى منها به سِلْعة، فإنها تكون بينهما، وهاهنا تعذّرت مشاركته في البُضْع، فيشاركه في بدله، وهو المهر، فكأنها وفّته نصيبه من الدين.
وطريق الحيلة في تخلصه من ذلك: أن يهبَ لها نصيبه مما عليها، ثم يتزوجها بعد ذلك على خمس مئة في ذمَّته، ثم تَهبَ له المرأة ما لها عليه من الصّداق؛ فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئًا؛ لأنه متبرِّع.
فإن خاف أن يهبها أو يُبرئها فتغدر به، ولا تتزوج به:
فالحيلة له (١): أن يُشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ مادامت أجنبية منه، وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئًا من ذلك المال.
وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد، فإذا تمّ العقدُ بَرِئَتْ من الدين.
فإن خاف أن لا تُبرئه من الصّداق، وتطالبه به، ويسقط حقه من المال الذي عليها:
فالحيلة له: أن يُشْهد عليها في العقد: أنه بَرِئ إليها من الصداق، وأنها لا تستحق المطالبة به.
المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشتري جارية، وعرض له آخر يريد شراءها، فاستحلف أحدُهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهي بينه وبينه نصفين، فأراد أن يشتريها وتكون له، تأوّل في يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه
стр. 753
فهي بينه وبينه، فإذا وكّل من يشتريها له كانت له وحده.
فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها، بطلت هذه الحيلة، فله أن يأمر مَنْ يثق به أن يشتريها لنفسه، ويؤدي عنه الثمن، ثم يُزَوّجه إياها، فإذا أراد بيعها اسْتَبرأها، ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويُرجع ثمنها إليه.
المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عَرض من العُروض، فاشتراه منهما أجنبي بمائة درهم، وقبضه، ثم إن المشتري أراد أن يُصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه، على أن يضمن له الدّرَك من شريكه، حتى يُخَلّصه منه، أو يَرُدّ عليه جميع الثمن الذي وقع العقد عليه.
فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن الضمان لما كان على شريكه إنما يجب بقبضه المال، وذلك لم يُوجد، فلا يكون مضمونًا عليه.
فالحيلة للمشتري: أن يكون بريئًا، وإن أدركه دَرَك من شريكه، رَجَع به على الذي صالحه أن يَحُطّ الشريكُ المصالحُ عن المشتري نصيبه كلَّه من الثمن، ثم يدفع المشتري إليه نصيب صاحبه، قضاء له (١) على أنه ضامنٌ لما أدْرَكه من شريكه، حتى يُخلّصه منه، أو يَرُدَّ عليه ما قَبضه منه، ويُبرئه هو من نصيبه؛ لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبقَ من الدَّين إلا نصيب صاحبه، فإذا قَبضه كان مضمونًا عليه؛ لأنه قبضَ دَيْن الغير بغير أمْره.
المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين مُوسرين، فأراد كل منهما عِتْقَ نصيبه، وأن لا يَغْرَمَ لشريكه شيئًا:
فالحيلة: أن يوكِّلا رجلًا فيعتقه عنهما، ويكون [٩٥ أ] ولاؤه بينهما.
стр. 754
المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يُزَوّجه أمَتَه فحلف أن لا يفعل، ثم بَدَا له في تزويجه:
فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يَثِقُ به، ثم يُزَوّجه المشتري، فإذا تم العقد أقالَه في البيع.
ولا بأسَ بمثل هذه الحيلة، فإنها لا تتضمن إبطال حقٍّ، ولا تحليلَ مُحَرَّم، وذلك غيرُ ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة وهي عقد النكاح قد وُجدت في حال زوال ملكه، فلا يتعلق بها حِنثٌ، ولا يحنثُ أيضًا باستدامة التزويج بعد ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد، وقد انقضى، وإنما بقي حكمه.
ولهذا لو حلف: لا يتزوج، فاستدام التزويج، لم يحنث، وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده: أنه لا يدخلُ الدار، فباعه، ودخلها، ثم ملكه، فإن دخلها حَنِثَ؛ لأنه ابتدأ الدخول واليمينُ باقية، ولو دخلها في حال زوال ملكه، ثم ملكه وهو داخل فيها حَنِثَ؛ لأن الدخول عبارة عن الكَوْنِ، وذلك موجود بعد الملك الثاني، فيحنث به، كما لو كان موجودًا في الملك الأول.
وقد قال أحمد في رواية مُهَنّا في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنتِ كذا وكذا، فإذا هي قد رَهَنَته قبل يمينه، فقال: أخاف أن يكون حَنِثَ.
قال القاضي: وهذا محمول على أنه قال: إن كنتِ رهنْتِهِ، وهذا تأويل منه لكلام أحمد.
وظاهر كلامه: أنه جعل استدامة الرّهن بمنزلة ابتدائه، كالدخول.
المثال الستون: إذا كان له عليه مال، فمرض المستحق، وأراد أن يُبرئه منه، وهو يخرج من ثلثه، فخاف أن يكْتُم الورثة ماله، ويقولوا: لم يَدَعْ إلا
стр. 755
الدَّينَ الذي على هذا.
فالحيلة في خلاصه: أن يُخرِج المريض من ماله بقدر الدَّين الذي على غريمه، فيملّكه إياه، ثم يستوفيه منه، ويشهد على ذلك، وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق عبدًا، وله مال، يُخرج من ثلثه، ويملِّكه ماله، فخاف أن يقول الورثة: لم يدع (١) الميت شيئًا غير هذا العبد:
فالحيلة: أن يُملّكه (٢) من رجل يثقُ به، ويقبض الثمن، فيهبه للمشتري ثم يعتقه المشتري.
فإن كان على الميت دين، وله وفاء وفَضْل يَخرج العبدُ من ثلثه، فخاف المريضُ أن يُغَيّب الورثةُ ماله، ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال له غيره، فلا يجوز له ما صنع من ذلك:
فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه، ويقبض الثمن منه، بمحضر من الشهود، ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه في السّرّ، فيأمن حينئذٍ من اعتراض الورثة، فإن لم يكن للعبد مال يشتري به نفسه وَهَبه السيد مالًا في السرِّ، وأقْبَضه إياه، فيشتري به العبدُ نفسه من سيده.
فإن لم يُردِ السيد عتقه، وأراد بيعه من بعض ورثته بمال للوارث على المريض، ليست له به بينة:
فالحيلة في ذلك: أن يقبض وارثه ماله عليه في السرِّ، ثم يبيعه العبدُ ويُشْهد له على ذلك، ويقبض الثمن بمحضر من الشهود، فيتخلّص من
стр. 756
اعتراض الورثة.
المثال الحادي والستون: إذا أوصى إلى رجل، فخاف أن لا يقبل، فقال: إن لم يقبل ففلان وصييِّ، صح ذلك بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا تجوز مخالفتها، حيث عَلّق الإمارة بالشرط (١)، فتعليق الوصية أولى؛ لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية.
وبعض الفقهاء يبطل ذلك.
فالحيلة في ذلك: أن يُشهد المريض أنهما جميعًا وَصِيَّاه، فإن لم يقبل أحدهما، وقبِل الآخر، فالذي قَبِل منهما وصِيٌّ وحده، فإن قبِلا [٩٥ ب] جميعًا فلكلِّ واحد منهما أن يَنْفَردَ بالتصرّف عن صاحبه؛ لأنه رَضي بتصرُّف كلِّ واحد منهما، قاله القاضي.
فإن خاف أن يمنع ذلك مَن لا يرى انفرادَ أحدهما بالتصرّف، ويقول: قد شَرّك بينهما، وجعلهما بمنزلة وَصيٍّ واحد:
فالحيلة في الجواز: أن يقول: أو صيتُ إليهما على الاجتماع والانفراد.
المثال الثاني والستون: إذا تصرّف الوصي، وباع واشترى، وأنفق على اليتيم، فللحاكم أن يُحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك، ولا يمنعه من مُحاسبته كونُه أمينًا؛ فإن النبي ﷺ حاسب عُمّاله، كما ثبت في «صحيح البخاري» (٢): أنه بعث ابن اللُّتْبِيَّةِ عاملًا على الصّدقة، فلما جاء حاسبه.
стр. 757
فإن أراد الوصيّ أن يتخلص من ذلك، فالحيلة له: أن يجعل غيره هو الذي يتولى بَيْع التركة، وقَبْضَ الدَّين والإنفاق، ولا يَشْهد على نفسه بوصول شيء من ذلك إليه، فإذا سأله الحاكم قال: لم يَصِلْ إليَّ شيءٌ من التركة، ولا تَصَرّفتُ فيها، فإن كانت التركة قد بِيعَتْ بأمره وقُبض ثمنُها بأمره، وصُرِفَ بأمره، فحلّفه الحاكم إنه لم يقبض، ولم يُوَكّل مَنْ قبض وتصرف وأنفق، فإن كان مُحسنًا قد وضع التركة موضعها ولم يَخُنْ، وسعه أن يتأوّل في يمينه، وإن كان ظالمًا؛ لم ينفعه تأويله.
المثال الثالث والستون: يصحُّ وَقْفُ الإنسان على نفسه، على أصحّ الروايتين، ويجوز اشتراط النظر لنفسه، ويجوز أن يستثني الإنفاق منه على نفسه ما عاش، أو على أهله، وغيرنا يُنازعنا في ذلك، فإذا خاف من حاكم يُبطل الوقف على هذا الوجه:
فالحيلة له: أن يُمَلّكه لولده أو زَوْجته، أو أجنبيٍّ يَقِفُه عليه، ويشترط له النظر فيه، وأن تُقدّم على غيره من الموقوف عليهم بِغَلَّتِه، أو بالإنفاقِ عليه، فيصحّ حينئذٍ، ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل.
المثال الرابع والستون: إذا اشترى جاريةً وقبضها، فوجد بها عَيْبًا، ولم يكن نَقَد ثمنها، فأراد رَدّها، فصالحه البائعُ على أن يأخذ البائع الجارية بأقل من الثمن الذي اشتراها به.
فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن هذا في الصلح بمعنى البيع، وبيعُ المبيع من بائِعه بأقلَّ من ثمنه لا يجوز؛ لأنه ذَريعة إلى الرّبا، وهو كمسألة العِينة، فإن كان قد حدثَ بالجارية عيبٌ عند المشتري جاز ذلك؛ لأن مقدار الحَطّ يكون بإزاء العيب الذي حَدَثَ عند المشتري، فلا يؤدي إلى مسألة العِينة.
стр. 758
والحيلة في جواز ذلك، في الصورة الأولى على وجه لا يُشْبِهُ العينة: أن يُخرج الجارية من مُلْكه، فيبيعها لرجل بالثمن الذي يأخذها به البائع، فيصالح الذي في يده الجاريةُ البائع على أن يَقْبَلها بدون الثمن الذي وقعَ عليه العَقْدُ، ويجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاءً عن مُشتري الجارية؛ لأن المشتري الثاني متى صالح البائع، على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذي اشتُريت به، فهو عَقْدٌ جرى بينهما مبتدًا، من غير بناء أحدِ العقدين على الآخر، فإذا اشتراها البائعُ من هذا الثاني حصل ثمنُها في ذمَّته له، وله هو على المشتري الأول ثمنُها، فإذا طالبه البائعُ بالثمن أحاله على المشتري الأول، فيتقاصّان.
المثال الخامس والستون: الضمانُ لا يبرئ ذمة المضمون عنه بمجرَّده، حَيًّا كان المضمون عنه أو مَيِّتًا.
وفيه روايةٌ أخرى: أنه يُبرئ ذمة الميت دون الحيّ، وهو مذهب [٩٦ أ] أبي حنيفة.
وفيه قول ثالث: أنه يبرئ ذمة الحي والميت، كالحَوالة، وهو مذهب داود.
فإذا أراد الضامن أن يكون ضمانه مُبرئًا لذمِّة المضمون عنه،
فالحيلة في ذلك أن يقول: لا أضمنُ دينَه إلا بشرط أن تبرئه منه، فمتى أبرأتَه منه فأنا ضامنٌ له.
ويصح تعليقُ الضمان بالشرط في أقوى الوجهين، فإذا أبرأه صحَّت البراءة، ولزم الدينُ الضامن وحده.
стр. 759
فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يَرى صحة الضمان المعلق، فيُبْطل دينه من ذمَّة الأصيل بالإبراء، ولا يثبت له في ذمة الضامن:
فالحيلة: أن يكتبَ ضمانه ضمانًا مطلقًا، ويُشْهد عليه به من غير شرط، بعد إقراره ببراءة الأصل، فيحصل مقصودهما.
المثال السادس والستون: الحوالة تَنْقُل الحق من ذِمّة المُحيل إلى ذمة المُحال عليه، فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا في صورة واحدة، وهي: أن يشترط مَلاءة المُحال عليه فيتبين مُفْلسًا.
وعند أبي حنيفة: إذا تَوَى المالُ على المحال عليه، بأن جحده حقه، وحلف عليه، أو مات مُفلسًا، رجع على المحيل.
وعند مالك: إن ظنّ ملاءته، فبان مُفْلسًا، رجع، وإن طرأ عليه الفَلَسُ لم يكن له الرجوع.
فإذا أراد صاحب الحق التوثُّق لنفسه، وأنه إن تَوى ماله على المحال عليه رجع على المحيل:
فالحيلة له في ذلك: أن يحتالَ حوالة قبض، لا حوالة استيفاء، فيقول للمحيل: أحِلْني على غريمك أن أقبضَ لك ما عليه من الدَّين، فيُجيبه إلى ذلك، فما قبضه منه كان على مُلْك المحيل، فيأذن له في استيفائه.
فإن خاف المحيل أن يهلكَ هذا المال في يَدِ القابض، ولا يغرمه، لأنه وكيل في قبضه:
فالحيلة أن يقول له: ما قبضتُه فهو قَرْضٌ في ذمّتك، فيثبت في ذمّته نظيرُ ما لَه عليه، فيتقاصّان.
стр. 760
فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قَبض محضٍ، فهي وكالة، وحوالة استيفاء، وهي التي تَنْقل الحقّ، وحوالة إقراض:
فالأولى: لا تُثبِت المقبوض في ذمة المحال، والثانية: تجعل حَقّه في ذمة المحال عليه، والثالثة: تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض.
المثال السابع والستون: إذا ضمِنَ الدين ضامنٌ فلمستحقّه مطالبة أيهما شاء.
وعن مالك روايتان، إحداهما: كذلك، والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذّر مُطالبة الأصل.
فإن أراد الضامن أن يضمنَ على هذا الوجه، فالحيلة أن يقول: إن تعذّر مالُكَ قِبَلَهُ فأنا ضامن له.
ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصحّ.
فإن أراد أن يصحّح ذلك على كلّ قول، ويأمن رَفْعه إلى من يرى بطلان ذلك:
فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت ما يَتْوَى لك على فلانٍ، أو يَعْجِزُ عن أدائه، فيصح ذلك، ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المالُ على الأصل، أو عجز عنه.
المثال الثامن والستون: إذا بَذَتْ عليه امرأته، فقال: الطلاق يلزمني منك؛ لا تقولين لي شيئًا؛ إلا قلت لك مثله، فقالت: أنتَ طالق ثلاثًا:
فقال بعضهم: يقول لها: أنتَ طالق ثلاثًا بفتح التاء، ولا تطلق؛ لأن الخطاب لا يصلح لها.
стр. 761
وهذا ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: أنتَ طالق؛ إما أن يعنيها به، أو يعني غيرها، فإن لم يَعْنِها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت، بل يكون القولُ لغيرها، فلا يَبرُّ به؛ وإن عَنَاها به طلقت للمواجهة، وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب، والمعنى: أنتَ أيها الشخصُ أو الإنسان!
ثم يقول هذا القائل إذا قالت له: فعل الله بك كذا، فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف، هل يكون بارًّا في يمينه بذلك؟
فإن قال: لا يَبَرّ، لزمه مثله في الطلاق.
وإن قال: يبرُّ، كان قائلًا لها ذلك، فيكون مطلّقًا لها.
وأجود من هذا: [٩٦ ب] أن يكون قوله على التراخِي، ما لم يُقَيّده بالفَوْر، بلفظه أو نيّته.
وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثًا، إن لم أفعل كذا وكذا، وإن فعلتِ، لما لا تَقْدرُ هي عليه، فيكون قد قال لها مثل ما قالت، وزاد عليه.
وفى هذا ضعف لا يخفى؛ لأن هذه الزيادة تنقص الكلام، فهي زيادةٌ في اللفظ ونُقصان في المعنى، فإنه إذا علّق الطلاق بشرط خرج من التّنْجيز إلى التعليق، وصار كله كلامًا واحدًا، وهي لم تُعلّق كلامها، وإنما نَجَّزته، فالمماثلة تقتضي تنجيزًا مثله.
وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه؛ لأنه لم يُرده قطعًا، ولا خطر بباله، فيمينهُ لم يتناوله، فهو غير محلوف عليه بلا شك، واللفظ العام يختص بالنية والعُرْف، والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك، والأيمان يُرجَع فيها إلى العرف والنية والسبب،
стр. 762
وهذا مُطّرِدٌ ظاهر على أصول مالك وأحمد، في اعتبارهم عرفَ الحالف ونيّته وسببَ يمينه، والله أعلم.
المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاةَ والبقرة ونحوهما مُدّة معلومةً لِلَبَنِهَا، ويجوز أن يستأجرها لذلك بعَلَفِها وبدراهم مُسَمّاة، والعلفُ عليه، هذا مذهب مالك، وخالفه الباقون.
وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا ﵀؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ولأنه كاستئجار الظِّئْرِ للبنها مدة، ولأن اللبن وإن كان عينًا فهو كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئًا بعد شيء، ولأن إجارة الأرض لما يَنْبت فيها من الكلأ والشوك (١) جائزة، وهو عينٌ، ولأن اللبن حصلَ بعلفه وخِدمته، فهو كحصول المُغَلِّ بِبذْرِه وخدمته، ولا فرق بينهما، فإن تولُّد اللبن من العلف كتولُّد المُغَلِّ من البَذر، فهذا من أصح القياس.
وأيضًا فإنه يجوز أن يقفها، فينتفعَ الموقوف عليها بلبنها، وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف مع بقاء عَيْنه.
وأيضًا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مُدّة معلومة لأجل لبنها، وهي باقيةٌ على ملك المانح، فتجري منيحتها مَجْرى إعارتها، والعارية إباحةُ المنافع، فإذا كان اللبن يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرَى مجراها في الإجارة.
وأيضًا فإن الله قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فسمى ما تأخُذه المُرْضعة في مقابلة اللبن أجرًا، ولم يُسَمّها ثمنًا.
стр. 763
وأيضًا فيجوز أن يستأجر بئرًا مدةً معلومة لمائها، والماء لم يَحْصُل بعمله، فَلأنْ يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أوْلَى.
وأيضًا فإنه يجوز أن يستأجر بِرْكَةً يُعشش فيها السمك لأجله، فهذا أولى بالجواز؛ لأنه معلوم بالعُرْف، وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان.
وقياسُ المنع على تحريم بيع اللبن في الضّرْع قياسٌ فاسدٌ؛ فإن ذلك بيع مجهول لا يُعرف قدرُه، وما يَتَحَصّل منه، وهو بيع معدوم، فلا يجوز، والإجارة أوْسع من البيع ولهذا يجوزُ على المنافع المعدومة المستخلفة شيئًا بعد شيء، فاللبنُ في ذلك كالمنفعة سواءً، وإن كان عينًا، فهذا القول هو الصحيح.
فإن خاف أن يَرْفَعَه إلى حاكم يُبطل هذا العقد:
فالحيلة في لزومه: أن يُؤجِره الحيوان مُدة بدراهم مُسَمَّاة، ثم يأذن له في عَلَفه بها، ويُبيحَه اللبن.
وهذه الحيلة تتأتى في إجارة البقرة، والناقة، والجاموس؛ إذ يمكن الحرثُ عليها وركوبُها، وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدّرّ والنّسْل، فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها:
فالطريق في ذلك: أن يستأجرها لرضاع سَخْلَة له مُدّة معلومة، ويُوَكله في النفقة عليها بأجرتها، أو ببعضها، ويُبيحه اللبن.
المثال [٩٧ أ] السبعون: إذا دفع إليه ثوبه، وقال: بِعْهُ بعشرة، فما زاد فَلَك:
стр. 764
فنصَّ أحمد على صحته، تبعًا لعبد الله بن عباس ﵄ (١)، ووافقه إسحاق، ومنعه أكثرهم.
ووجه الخلاف: أن في هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة، فمن رَجّح جانب الوكالة صَحّح العقد، ومن رجح جانب الإجارة أو المضاربة أبطله؛ لأن الأجرة والربح الذي جُعل له مجهول.
والصحيح الجواز؛ لأن العَشَرَة تَجْري مجرى رأس المال في المضاربة، وما زاد فهو كالربح، فإذا جعله كلّه له كان بمنزلة الإبضاع، إذا دَفع إليه مالًا يُضارب به، وقال: ما رَبِحْتَ فهو لك، فليس العقدُ من باب الإجارات، بل هو بالمشاركات أشبه.
فإن خاف أن يَرْفعه إلى حاكم يرى بطلانه:
فالحيلة في ذلك: أن يقول: وكَّلتك في بيعه بعشرة، فإن بِعْته بأكثر فلا حقّ لى في الزيادة، فيصح هذا، وتكون الزيادة للوكيل.
المثال الحادي والسبعون: قال الإمام أحمد ﵁ في رواية مُهنَّا: لا بأس أن يحْصُد الزّرْعَ ويصرم النّخْلَ بسُدُس ما يخرجُ منه، وهو أحب إلي من المقاطعة.
يعني: أن يقاطعه على كيل مُعَيَّن، أو دراهم أو عروض.
стр. 765
ولذلك نص في رواية الأثرم وغيره، في رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما رَزَق الله بينهما نصفين: أن ذلك جائز.
وقال أحمد أيضًا: لا بأس بالثوب يُدْفع بالثلث والرّبع، لحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ أعطى خَيْبَر على الشّطر (١).
ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي فَرسه على النّصف من الغَنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا كان على النصف والربع؛ فهو جائز.
ونقل عنه أحمد بن سعيد، فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه، ويكون له ثُلث الكسب، أو رُبعه: أنه جائز.
ونقل عنه حَرْبٌ فيمن دفع ثوبًا إلى خَيّاط ليُفَصّله قمصانًا ويبيعها، وله نصفُ ربحها بحقّ عمله، فهو جائز.
ونَصّ في رجل دفع غَزْله إلى رجل يَنْسِجُه ثوبًا بثُلثِ ثَمنه أو ربعه: أنه جائز.
وقال في «المغني» (٢): وعلى قياس قول أحمد يجوز أن يُعْطَى الطحّانُ أقْفِزَةً معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها.
وحُكِي عن ابن عقيل المنع منه، واحتج بأن رسول الله ﷺ نهى عن قَفيزِ الطّحان (٣).
стр. 766
قال الشيخ (١) وهذا الحديث لا نعرفه، ولا يثبت عندنا صحّته. وقياس قول أحمد: جوازه، لما ذكرنا عنه من المسائل.
وكذلك لو دفع شَبكَته إلى صَيّاد ليصيد بها، والسمكُ بينهما نصفين.
قال في «المغني» (٢): فقياس قول أحمد صحة ذلك، والسمكُ بينهما شَرِكة.
وقال ابن عَقيل: السمك للصائد، ولصاحب الشبكة أجرة مثلها.
ولو كان له على رجلٍ مالٌ، فقال لرجل: اقْبِضْه منه، ولك رُبُعه، أو ثلثه، أو قال: إن قبضته (٣) منه فلك منه الربعُ أو الثلث، فهو جائز.
стр. 767
وكذلك لو غُصِبَتْ منه عَيْنٌ، فقال لرجل: خَلّصها لي، ولك نصفُها، جاز أيضًا.
ولو غرق متاعه في البحر، فقال لرجل: ما خَلّصتَه منه فلك نصفُه أو ربعه، جاز.
ولو أبَقَ عبده، فقال لرجل أو قال: من رَدّه عليّ فله فيه نصفه أو ربعه، أو شَرَدَتْ دابَّته، فقال ذلك؛ صحّ ذلك كله.
قلت: وكذلك يجوز أن يقولَ له: انفُضْ لي هذا الزيتون بالسدُس، أو الربع، أو اعْصره بالثلث أو الربع، أو اكسر هذا الحَطَب بالربع، أو اخْبزْ هذا العجين بالربع، وما أشبه ذلك، فكل هذا جائز على نُصوصه وأصوله، وهو أحب إليه من المقاطعة في بعض الصور.
ولم يُجِز الشافعي وأبو حنيفة شيئًا من ذلك.
وأما مالك فقال أصحابه عنه: إذا قال: احصُدْ زَرْعي ولك نصفُه فذلك جائز، وإن قال: احْصُد اليوم، فما حصدتَ فلك نصفُه، لم يجز عند ابن القاسم.
[٩٧ ب] وفى «العُتبية»: أنه يجوز.
فإن قال: الْقُطْ زَيْتوني، فما لَقَطْتَ فلك نصفه، فهو جائز عند ابن القاسم، وروى سُحْنون أنه لا يجوز.
ولو قال: انفُضْ زيتوني، فما نقضتَ فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم، وأجازه عبد الملك بن حبيب.
стр. 768
فإن قال: اقْبض لي المئة دينار التي على فلان، ولك عُشرها، جاز عند ابن القاسم وابن وَهْبٍ، وعند أَشْهَب: لا يجوز.
فلو قال: اقبض ديني الذي على فلان، ولك من كل عَشرة واحد، ولم يبيّن قَدْر الدَّين، لم يَجُزْ عند ابن وَهْب، وأجازه ابن القاسم وأصبغُ.
والذين منعوا الجواز في ذلك جعلوه إجارة، والأجر فيها مجهول.
والصحيح: أن هذا ليس من باب الإجارات، بل من باب المشاركات، وقد نص أحمد على ذلك.
فاحتجَّ على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خَيْبَرَ (١)، وقد دَلّت السنّة على جواز ذلك، كما في «المسند» و «السنن» (٢) عن رُويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدُنا في زمن رسول الله ﷺ ليَأخُذُ نِضْوَ أخيه على أن له النّصف مما يَغْنَم ولنا النصف، وإن كان أحدُنا ليطير له النّصْلُ والريشُ وللآخر القِدْح.
وأصل هذا كله: أن النبي ﷺ دفع أرض خيبر إلى اليهود، يَعْملونها بشَطْر ما يخرج منها من ثمرٍ أو زرع.
стр. 769
وأجمع المسلمون على جواز المضاربة، وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجُزْءٍ من ربحه، فكلّ عينٍ تَنمي فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها.
فهذا محضُ القياس، وموجَب الأدلّة، وليس مع المانعين حُجّةٌ سوى ظنهم أن هذا من باب الإجارات بعوضٍ مجهول، وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة.
واستثنى قومٌ بعض صورها، وقالوا: المضاربة على خلاف القياس، لظنّهم أنها إجارة بعوضٍ لا يُعْلم قَدْره.
وأحمدُ ﵀ عنده هذا الباب كله أطيبُ وأحلّ من المؤاجرة؛ لأنه في الإجارة يحصل المؤجر على سلامةِ العوض قطعًا، والمستأجر مُتردِّدٌ بين سلامة العوض وهلاكه، فهو على خَطَرٍ.
وقاعدةُ العدل في المعاوضات: أن يستوي المتعاقدان في الرّجاء والخوف، وهذا حاصل في المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، وسائر هذه الصور الملحقة بذلك؛ فإن المنفعة إن سَلِمتْ سَلِمتْ لهما، وإن تَلِفتْ تَلِفتْ عليهما، وهذا من أحسن العدل.
واحتج المتأخّرون من المانعين بحديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطني (١): نُهي عن قفِيز الطحان، وهذا الحديث لا يصح.
وسمعتُ شيخ الإسلام ﵀ يقول: «هو موضوع» (٢).
стр. 770
وحمله بعضُ أصحابنا على أن المنهي عنه طحن الصُّبرة لا يُعلم كَيْلُها بقَفِيز منها؛ لأن ما عداه مجهول، فهو كبيعها إلا قَفيزًا منها، فأما إذا كانت معلومة القُفْزانِ، فقال: اطحن هذه العشرة بقفيزٍ منها صح حَبًّا ودَقيقًا: أما إذا كان حَبًّا فقد استأجره على طحنِ تسعة أقفزةٍ بقفيز حِنْطة، وأما إذا كان دقيقًا فقد شاركه في ذلك على أن العُشُرَ للعامل وتسعةَ الأعشار للآخر، فيصير شريكه بالجزء المسمى.
فإن قيل: فالشركة عندكم لا تصح بالعُروض.
قيل: بل أصح الروايتين صحّتُها.
وإن قلنا بالرواية الأخرى فإلحاق هذه بالمساقاة والمزارعة أوْلَى منها بإلحاقها بالمضاربة على العروض؛ لأن المضاربة بالعُروض تتضمن التجارة والتصرّف في رِقْبَة المال بإبداله بغيره، بخلاف هذا.
فإن قيل: دَفْعُ حَبِّهِ إلى مَنْ يطحنه بجزء منه مطحونًا، أو غَزْله إلى من يَنْسِجُه بجزء منه منسوجًا، يتضمنُ محذورين:
أحدهما: أن يكون طحنُ قَدْرِ الأجرة ونسجُه مستحقًّا على العامل بحكم الإجارة، ومستَحقًّا له بحكم كونه أجرة، وذلك [٩٨ أ] تناقض؛ فإن كونه مستحقًّا عليه يقتضي مطالبة المستأجر به، وكونه مستحقًّا له يقتضي مطالبته للمؤجر به.
الثاني: أن يكون بعض المعقود عليه هو العوضَ نفسه، وذلك ممتنع.
قيل: إنما نشأ هذا من ظَنِّ كونه إجارةً، وقد بَيّنا أنه مشاركة لا إجارة، ولو سُلّم أنه من باب المؤاجرة فلا تناقض في ذلك؛ فإن جهة الاستحقاق مختلفة، فإنه يستحق له بغير الجهة التي يستحق بها عليه، فأي محذورٍ في ذلك؟
стр. 771
وأما كون بعض المعقود عليه يكون عِوضًا: فهو إنما عقد على عمله فالمعقود عليه العمل، والنفع بجزء من العين، وهذا أمر مُتَصوَّرٌ شرعًا وحِسًا.
فظهر أن صحة هذا الباب هي مقتضى النص والقياس، وبالله التوفيق.
وعلى هذا: فلا يُحتاج إلى حيلةٍ لتصحيح ذلك إلا إذا خيف غَدْرُ أحدهما، وإبطالُه للعقد، والرجوعُ إلى أجرة المِثْلِ.
فالحيلة في التخلص من ذلك: أن يدفعَ إليه ربع الغَزْل والحب أو نصفه، ويقول: انسْجْ لي باقيَهُ بهذا القدر، فيصيران شريكين في الغَزْل والحب، فإذا تشاركا فيه بعد ذلك صح، وكان بينهما على قدر ما شرطاه.
والعجب أن المانعين جَوَّزوا ذلك على هذا الوجه، وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة، فَهلّا أجازوه من أصله كذلك؟ وهل الاعتبار في العقود إلا بمقاصدها وحقائقها، دون صُوَرها وألفاظها؟ وبالله التوفيق.
المثال الثاني والسبعون: إذا كان لرجل على رجل دينٌ، فتوارَى عن غريمه، وله هو دينٌ على آخر، فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذي له على ذلك، لم يكن له ذلك إلا بحوالة أو وكالة، وقد توارَى عنه غريمه، فتعذّر عليه الحوالة والوكالة.
فالحيلة له في اقتضاء دينه من ذلك: أن يوكّله، فيقول: وكَّلتك في اقتضاء ديني الذي على فلان، وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعلَ ما له عليك قصاصًا مما لي عليه، وأجزتُ أمرك في ذلك، فيقبل الوكيل، ويُشهد عليه شهودًا، ثم يُشهد الوكيلُ أولئك الشهودَ، أو غيرهم: أن فلانًا وكلني
стр. 772
بقبض ما لَهُ على فلان، وأن أجعله قصاصًا بما لفلان عليّ، وأجاز أمري في ذلك، وقد قبلتُ من فلان ما جعل إليّ من ذلك، واشْهدُوا أن قد جعلت الألف درهم التي لفلان عليّ قصاصًا بالألف التي لفلانٍ موكلي عليه، فتصير الألف قصاصًا، ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل: للرجل الذي وكّله.
المثال الثالث والسبعون: إذا كان لرجل على رجل مالٌ، فغاب الذي عليه المال، وأراد الرجلُ أن يُثْبت ما لَه عليه، حتى يحكم الحاكمُ عليه وهو غائب، جاز للحاكم أن يحكمَ عليه في حال غَيْبَته مع بقائه على حُجّته، في أصح المذهبين، وهو قول أحمد في الصحيح عنه، ومالك، والشافعي.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز الحكم على الغائب.
فإذا لم يكن في الناحية إلا حاكم يَرى هذا القول، ويَخْشَى صاحبُ الحق من ضياع حَقّه:
فالحيلة: أن يجيء رجل، فيضمن لهذا الرجل الذي له المال جميعَ ما لَهُ على الرجل الغائب، ويُسميه ويَنْسبه، ويشهد على ذلك، ثم يُقدّمه إلى القاضي، فيُقرّ الضامن بالضمان، ويقول: قد ضمنت له ما لَهُ على فلان بن فلان، ولا أدري كم له عليه؟ ولا أدري: له عليه مال أم لا؟ فإن القاضي يُكلّفُ المضمون له أن يُحْضر بَيِّنَتَه على ذلك بما لَهُ على فلان، فإذا أحضر البينة؛ قَبِلَها القاضي بمحضرٍ من هذا الضمين، وحكم على الغائب، وعلى هذا الضامن بالمال بموجَب ضمانه، ويجعل القاضي هذا الضمين بالمال خصمًا على الغائب؛ لأنه قد ضمن ما عليه.
стр. 773
ولا يجوز الحكم على هذا الضمين حتى يحكم على المضمون عنه، ثم يحكم بذلك على الضمين؛ لأنه فَرْعه، فما لم يثبت المال على الأصل لا يثبتُ على الفَرْع.
[٩٨ ب] المثال الرابع والسبعون: إذا غصبه متاعًا له، ويقول له في السرّ: بِعْنيه، ويجْحَده في العلانية، ويريد تخليص مالِهِ منه.
فالحيلة له: أن يبيعه ممّن يثقُ به، ويُشهد له على ذلك بيّنة عادلة، ثم يبيعه بعد ذلك من الغاصب، ويكون بين البيعين من المدّة ما يَعْرِفه الشهود، ليُوَقتوا بذلك عند الأداء، فإذا أشْهَدَ للغاصب بالبيع في الوقت المعين جاء الذي باع منه المغصوب قَبْله ببينته، فيُحكم له لسَبق بَيِّنَتِهِ، فيرجع الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه، ويُسِلّم العين للمغصوب منه.
وكذلك لو أقرّ بها المغصوب منه لرجل يثِقُ به، ثم باعها بعد ذلك للغاصب، ثم جاء المقِرّ له، فأقام بينة على الإقرار السابق.
فإن قيل: فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة، وقال للمغصوب منه: لستُ أبتاع منك هذه السلعة خَشْية هذا الصنيع، ولكن آمُرُ من يبتاعها منك لي، فأراد المغصوب منه حيلةً يَرجع إليه بها سلعته:
فالحيلة: أن يبيعها أولًا ممّنْ يثق به، ولا يكتب في كتاب التبايع قَبْضَهُ، ثمّ يبيعها بعد ذلك من الرجل الذي يريد شراءها للغاصب، ويكتب في هذا الشراء الثاني قَبض المشتري، فإنه إذا أقرّ وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه، ثم جاء الرجلُ الذي كتب له المغصوب منه الشراء، كان أولى بها من وكيل الغاصب؛ لأن وقت شرائه أقدمُ، وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشتري لها أوّلًا أولى، ويرجع وكيل الغاصب على
стр. 774
المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه.
المثال الخامس والسبعون: إذا أقرضه مالًا وأجَّله لزم تأجيله على أصح المذهبين ، وهو مذهب مالك، وقولٌ في مذهب أحمد.
والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل، كما هو قول الشافعي، وأبي حنيفة.
ويدل على التأجيل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله ﷺ : «المسلمون عند شُروطهم» (١)، وقوله: «آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدّث كذَبَ، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف» (٢)، وقوله: «يُنْصَبُ لكلِّ غادر لواءٌ عند اسْتهِ يومَ القيامة بقدر غَدْرَته» (٣)، وقوله: «لا تغدروا» (٤)، وقوله: «إن الغدر لا يصلح» (٥)، وقوله في صفة المنافق: «إذا وعد أخلف»، وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذَمّه واستقباحه، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
стр. 775
وعلى هذا: فلا حاجة إلى التحيُّل على لزوم التأجيل.
وعلى القول الأخر: قد يُحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل.
فالحيلة فيه: أن يُحيل المستقرضُ صاحب المال بماله إلى سنةٍ أو نحوها، بقدر مدة التأجيل، فيكون المال على المحال عليه إلى ذلك الأجل، ولا يكون للطالب ولا لورثته على المستقرض سبيل، ولا على المحال عليه إلى الأجل؛ فإن الحوالة تنقُلُ الحقّ.
ولو أحال المحالُ عليه صاحبَ المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت الحوالة، فإن مات المحال عليه الأول لم يكن لصاحب المال على تَرِكَتِه سبيل، ولا على المحال عليه الثاني.
المثال السادس والسبعون: إذا رَهَنه دارًا أو سِلعة على دَين، وليس عنده من يشهد له على قَدْر الدَّين ويكتبه، فالقول قول المرتهن في قدره، ما لم يَدَّع أكثر من قيمته، هذا قول مالك.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: القولُ قولُ الراهن.
وقول مالك هو الراجح، وهو اختيار شيخنا ﵀؛ لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلًا من الكتاب، يشهدُ بقدر الحق، والشهود التي تشهد به، وقائمًا مقامه، فلو لم يُقبل قول المرتهن في ذلك بطلت التَّوْثِقَةُ من الرّهن، وادَّعى المرتهن أنه رهَن على أقل شيء، فلم يكن في الرهن فائدة، والله سبحانه [٩٩ أ] قد قال في آية المُداينة التي أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ضياعها بالجحود أو النسيان، فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب، وأكَّد ذلك بأن أمرَهَم بكتابة الدَّين، وأمر الكاتب أن يكتب، ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب، ثم أعاد الأمر بأن يكتب مرة أخرى،