← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 18612

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 193 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ويُقرّهما الحاضرون على ذلك، ويضحكون منه، ويُعجِبهم مثل ذلك المزاح والنكاح. وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء: الأمرد حبيب الله، والملتحي عدو الله، وربما اعتقد كثير من المردان أن هذا صحيح، وأنه مراد بقوله: «إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل! إني أحب فلانًا ... » الحديث (١)، وأنه توضع له المحبة في الأرض، فيعجبه أن يُحَبّ، ويفتخر بذلك بين الناس، ويعجبه أن يقال: هو معشوق، أو حُظْوة البلد، وأن الناس يتغايرون على محبته ونحو ذلك. وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المُرْدان على نكاح النسوان، وقالوا: هو أسلم من الحَبَل والولادة، ومَؤُونة النكاح، والشكوى إلى القاضي، وفرض النفقة، والحبس على الحقوق. وربما قال بعضهم: إن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع الصبيان، لأن الفرج [١٢٣ ب] يجذب من القوة والماء أكثر مما يجذب المحل الآخر بحكم الطبيعة. وقسّمت هذه الطائفة المفعولَ به إلى ثلاثة أقسام: مؤاجر، ومملوك، ومعشوق خاص. فالأول: إزاء البغايا المؤجِّرات أنفسهن. والثاني: بإزاء الأمة والسُّرِّيَّة. والثالث: بإزاء الزوجة، أو الأجنبية المعشوقة.

стр. 912

وتعوض كلٌّ منهم بقسم عن نظيره من الإناث، وربما فضَّل بعضهم اتخاذ المردان واستفراشهم على النساء من وجوه. وهذا مضادَّة ومحادَّة لله، ودينه، وكتبه، ورسله. وصنَّف بعضهم كتابًا في هذا الباب، وقال في أثنائه: «باب في المذهب المالكي»، وذكر فيه الجماع في الدُبُر من الذكور والإناث. وقد عُلِم أن مالكًا رحمه الله تعالى من أشدِّ الناس وأشدِّهم مذهبًا في هذا الباب، حتى إنه يوجب قتل اللوطي حدًّا، بكرًا كان أو ثيبًا، وقوله في ذلك هو أصح المذاهب، كما دلت عليه النصوص، واتفق عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن اختلفت أقوالهم في كيفية قتله، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وسبب غلط هذا وأمثاله: أنه قد نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته في دبرها. وهو كذب على مالك وعلى أصحابه، فكتبهم كلها مصرحة بتحريمه. ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكًا يبيح ذلك، نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور، وجعلوا الباب بابًا واحدًا. وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع الأمة. ونظير هذا: ما يتوهَّمه كثير من الفسقة وجُهَّال التُّرْك وغيرهم: أن مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر، وغايته أن تكون صغيرة من الصغائر. وهذا من أعظم الكذب والبَهْت على الأئمة، فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه من ذلك.

стр. 913

وشبهة هؤلاء الفسقة الجهلة: أنهم لمَّا رأوا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يوجب فيه الحدّ، ركّبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب، بل من صغائرها، وهذا ظن كاذب، فإن أبا حنيفة لم يُسقط فيه الحدّ لخفَّة أمره، وإن جُرْمه عنده وعند جميع أهل الإسلام أعظم من جرم الزنى، ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم يعاقب به أمّة من الأمم، وجمع عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم. وشبهة من أسقط فيه الحد: أن فُحش هذا مركوز في طباع الأمم، فاكتُفِيَ فيه بالوازع الطَّبْعي، كما اكتُفِيَ بذلك في أكل الرّجيع وشرب البول والدم، ورُتب الحدّ على شرب الخمر، لكونه مما تدعو إليه النفوس. والجمهور يجيبون عن هذا: بأن في النفوس الخبيثة المتعدية حدود الله أقوى الداعي لذلك، فالحدّ فيه أولى من الحدّ في الزنى، ولذلك وجب الحدّ على من وطئ أمه وابنته وخالته وجَدّته، وإن كان في النفوس وازعٌ وزاجر طَبْعي عن ذلك، بل حَدُّ هذا: القتل بكل حال، بِكْرًا كان أو مُحْصَنًا، في أصح الأقوال، وهو مذهب أحمد وغيره. هذا، ونُفْرة النفوس عن ذلك أعظم بكثير من نُفرتها عن المُرْدان. ونظيرُ هذا الظنّ الكاذب، والغلطِ الفاحش: ظنّ كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحةٌ، أو أنها أيسَرُ من ارتكابها من الحرّ، وتأولتْ هذه الفرقةُ القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، حتى إن بعض النساء لتُمَكِّنُ عَبْدَها من نَفْسِها، وتتأولُ القرآن على ذلك، كما رُفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ امرأةٌ تزوّجت عبدَها، وتأوّلت هذه الآية،

стр. 914

ففرق عمرُ بينهما، وأدّبها، [١٢٤ أ] وقال: وَيحكِ! إنما هذا للرجال لا للنساء (١). ومن تأوّل هذه الآية على وَطْء الذُّكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة. قال شيخنا ﵀: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] على ذلك، قال: سألني مرةً بعضُ الناس عن هذه الآية، وكان ممن يقرأ القرآن، فظن أن معناها في إباحة ذُكران العبيد المؤمنين. قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاعٍ، يبيحه بعضُ العلماء ويُحَرّمه بعضهم، ويقول: اختلافُهم شُبهة. وهذا كذبٌ وجهلٌ، فإنه ليس في فِرَق الأمة مَن يبيح ذلك، بل ولا في دينٍ من أديان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وإنما يبيحه زنادقةُ العالم، الذين لا يؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. قال: ومنهم مَن يقول: هو مباحٌ للضرورة، مثل أن يبقى الرجلُ أربعين

стр. 915

يومًا لا يجامع، إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء. قال: ومنهم من قد بلغه خلافُ بعض العلماء في وجوب الحدّ فيه، فظنّ أن ذلك خلافٌ في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المُحَرَّمات كالميتة والدم ولحم الخنزير، وليس فيه حَدٌّ مقدَّرٌ. ثم ذلك الخلافُ قد يكون قولًا (١) ضعيفًا، فيتولّد من ذلك القول الضعيف الذي هو من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظنّ الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدِّين، وطاعة بعض الشياطين، ومعصية ربّ العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهوية الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك، والخروج عن جملة الشريعة بالكلية. ولما سَهُل هذا الأمر في نفوس كثير من الناس صار كثيرٌ من المماليك يتمدَّح بأنه لا يعرف غير سَيِّده، وأنه لم يطأه سواه، كما تتمدّح المرأة والأمة بأنها لا تعرف غير سيدها وزوجها. وكذلك كثيرٌ من المردان يتمدَّح بأنه لا يعرف غير خَدينه وصديقه، أو مواخيه، أو معلِّمه، وكذلك كثيرٌ من الفاعلين يتمدح بأنه عفيفٌ عما سوى خِدْنه الذي هو قرينهُ وعشيره كالزوجة، أو عمَّا سوى مملوكه الذي هو كَسُرِّيَّته. ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبي على (٢) فعل الفاحشة ، فإذا كان مختارًا راضيًا لم يكن بذلك بأسٌ، فكأن المُحَرَّم عنده من ذلك إنما

стр. 916

هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به. قال شيخنا ﵀: وحَكى لي مَن أثق به أن بعض هؤلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحُكم عليه بالحدِّ، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين وكان حاضرًا: هذا حكم محمد بن عبد الله! وليس لهؤلاء ذنبٌ! ومن هؤلاء مَنْ يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حدٍّ يخافُ معه التَّلَف، أُبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدمُ والميتةُ ولحم الخنزير في المخمصة. وقد يُبيح هؤلاء شربَ الخمر على وجه التدواي وحفظ الصحة، إذا سلم من مَعَرّة السكر. ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ [١٢٤ ب] رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، ونظائره في القرآن كثيرة. ومن أخف هؤلاء جُرمًا: مَن يرتكب ذلك معتقدًا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله!

стр. 917

فكأنّ ما كان لم يكن! فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكُرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب. وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتةٌ بحسب مفاسدها: فالمتخذ خِدْنًا من النساء، والمتخذة خِدنًا من الرجال: أقلّ شرًّا من المسافح والمسافحة مع كل أحد. والمستخفي بما يرتكبه أقل إثمًا من المجاهر المُسْتَعْلِن. والكاتم له أقلّ إثمًا من المخبر به، المحدّث للناس به، فهذا بعيدٌ من عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي ﷺ : «كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه، ثم يُصبح يكشف سِتر الله عنه، يقول: يا فلان! فعلتُ البارحة كذا وكذا، فيبيت ربُّه يستره، ويُصبح يكشف سِتر الله عن نفسه» (١) أو كما قال. وفي الحديث الآخر عنه ﷺ : «من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليَسْتَتِرْ بستر الله، فإنه مَنْ يُبدِ لنا صَفحته نُقِمْ عليه كتاب الله» (٢).

стр. 918

وفي الحديث الآخر: «إن الخطيئة إذا أُخفيت لا تَضُرّ إلا صاحبها، ولكن إذا أُعلنت فلم تُنكَر ضرّت العامة» (١). وكذلك الزنى بالمرأة التي لا زوج لها أيسرُ إثمًا من الزنى بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفسادِ فراشه عليه، وقد يكون إثمُ هذا أعظم من إثم مجرد الزنى أو دونه. والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنى ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به. وكذلك الزنى بامرأة الغازي في سبيل الله أعظمُ إثمًا عند الله من الزنى بغيرها، ولهذا «يقام له يوم القيامة، ويقال له: خُذْ من حسناته ما شئت» (٢). وكما تختلف درجاته بحسب المَزنيِّ بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل، فالزنى في رمضان ليلًا أو نهارًا أعظم إثمًا منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضّلة هو أعظم إثمًا منه فيما سواها.

стр. 919

وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنى من الحرّ أقبح منه من العبد، ولهذا كان حَدّه على النصف من حدِّه، ومن المحصَن أقبحُ منه من البِكْر، ومن الشيخ أقبحُ منه من الشاب، ولهذا كان أحدَ الثلاثة الذين لا يُكَلّمهم الله يوم القيامة ولا يُزكّيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزاني (١)، ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة، ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز. فصل ومما ينبغي أن يُعلم: أنه قد يقترن بالأيسر إثمًا ما يجعله أعظم إثمًا ممَّا هو فوقه. مثاله: أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، وتألُّهه له وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره، فيقترن بمحبة خِدْنه وتعظيمه، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ما قد يكون أعظم ضررًا على صاحبه من مجرَّد ركوب الفاحشة. فإن المحبوبات لغير الله قد أثبتَ الشارعُ فيها اسم التعبُّد، كقوله ﷺ في الصحيح: «تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدراهم، تعس عبد القطيفة، [١٢٥ أ] تعس عبد الخميصة، تعس وانتكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ، إن أُعطيَ رضيَ، وإن مُنِع سخط». رواه البخاري (٢).

стр. 920

فسمّى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن مُنعوا سخطوا عبيدًا لهذه الأشياء، لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها. فإذا شُغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله، بحيث يرضيه وُصولُهُ إليها وظَفَرُه بها، ويُسخِطه فَوَات ذلك، كان فيه من التعبُّد لها بقدر ذلك. ولهذا يجعلون الحب مراتب: أوله العلاقة، ثم الصبّابة، ثم الغرام، ثم العشق، وآخر ذلك: التَّتَيُّم، وهو التعبُّد للمعشوق، فيصير العاشق عبدًا لمعشوقه. والله سبحانه إنما حكى عشق الصور في القرآن عن المشركين: فحكاه عن امرأة العزيز، وكانت مشركة على دين زوجها، وكانوا مشركين، وحكاه عن اللوطيَّة، وكانوا مشركين، فقال تعالى في قصَّتهم: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. وأخبر سبحانه أنه يصرفه عن أهل الإخلاص، فقال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وقال عن عدوه إبليس إنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصِيْنَ﴾ (١) [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والغاوي ضدّ الراشد، و العشق المحرَّم من أعظم الغَيّ . لهذا كان أتباعُ الشعراء وأهل السماع الشعريّ غاوين، كما سماهم تعالى

стр. 921

بذلك في قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فالغاوون يتَّبعون الشعراء، وأصحابَ السماع الشعري الشيطاني، وهؤلاء لا ينفكّون عن طلب وصالٍ، أو سؤال نَوال، كما قال أبو تَمَّام لرجل: أما تعرفني؟ فقال: ومن أعْرَفُ بك مني؟ أَنْتَ بَيْنَ اثْنَتَينِ تَبْرُزُ لِلنَّا ... سِ وَكِلْتَاهُما بِوَجْهٍ مُذَالِ لَسْتَ تَنْفَكُّ طَالِبًا لِوِصَالٍ ... مِنْ حَبِيبٍ أَوْ رَاجِيًا لِنَوَالِ أيُّ مَاءٍ يَبْقَى لِوَجْهِكَ هَذَا ... بَيْنَ ذُلِّ الْهَوَى وَذُلِّ السُّؤَالِ (١) والزنى بالفرْج وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة، كالنظرة والقبلة واللمس، لكنَّ إصرار العاشق على مَحَبَّة الفعل وتوابعه ولوازمه، وتمنّيَه له، وحديث نفسه به أنه لا يتركه، واشتغالَ قلبه بالمعشوق: قد يكون أعظمَ ضررًا من فعل الفاحشة مَرّةً بشيء كثير، فإن الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثْمُهُ إثمَ الكبيرة، أو يُرْبِي عليها. وأيضًا، فإن تعبُّد القلب للمعشوق شِرْكٌ، وفعل الفاحشة معصيةٌ، ومفسدة الشرك أعظمُ من مفسدة المعصية. وأيضًا، فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار، وأما العشقُ إذا تمكَّن من القلب فإنه يَعِزّ عليه التخلُّص منه، كما قال القائل: تَاللّهِ مَا أسَرَتْ لَوَاحِظُكِ امْرَأً إلا وَعَزّ على الوَرَى استنقَاذُهُ (٢)

стр. 922

بل يصير تعبدًا لازمًا للقلب لا ينفكّ عنه، ومعلومٌ أن هذا أعظم ضررًا وفسادًا من فاحشة يرتكبها مع كراهيته لها، وقلبه غير متعبّد لمن ارتكبها منه. وقد أخبر الله سبحانه أن سلطان الشيطان إنما هو: ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، وأن سلطانه إنما هو على من اتبعه من الغاوين، والغَيّ اتباع الهوى والشهوات، كما أن الضَّلال اتباعُ الظنون والشبهات. و أصلُ الغيّ من الحبّ لغير الله ، فإنه يَضعفُ الإخلاصُ به، ويقوَى الشرك بقوَّته. ف أصحاب العشق الشيطاني لهم مِن تَوَلَّي الشيطان والإشراك به بقَدْر ذلك ، لما فيهم من الإشراك [١٢٥ ب] بالله، ولما فاتهم من الإخلاص له، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد، ولهذا ترى كثيرًا منهم عبدًا لذلك المعشوق، مُتَيمًا فيه، يصرخُ في حضوره ومغيبه: أنه عبده، فهو أعظم ذكرًا له من ربّه، وحُبّه في قلبه أعظم من حبّ الله فيه، وكفى به شاهدًا بذلك على نفسه فالإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره. فلو خُيّر بين رضَاهُ ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربِّه، ولقاءُ معشوقه أحبّ إليه من لقاء ربِّه، وتمنّيه لقُربه أعظم من تمنِّيه لقرب ربِّه، وهَرَبُه من سخَطِه عليه أشدّ من هربه من سَخط ربِّه عليه، يُسْخِط رَبّه بمرضاة

стр. 923

معشوقه، ويُقدّم مصالح معشوقه وحوائجَهُ على طاعةِ ربِّه، فإنْ فَضَلَ من وقته فضلةٌ وكان عنده قليل من الإيمان، صرف تلك الفضلة في طاعة ربه، وإن استغرق الزمانَ حوائج معشوقه ومَصالحه صرفَ زمانه كلَّه فيها، وأهمل أمرَ الله تعالى، يَجُود لمعشوقه بكلّ نفيسة ونفيس، ويجعل لربِّه من ماله إن جعل له كلّ رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لُبّه وقلبه، وهَمّه ووقته، وخالصُ ماله، وربّه على الفَضْلة، قد اتخذهُ وراءه ظهريًا، وصار لذكره نَسِيًّا، إن قام في خِدمته في الصلاة، فلسانه يُناجيه وقلبُه يناجي معشوقه، ووجْهُ بَدَنه إلى القبلة ووجْهُ قلبه إلى المعشوق، ينقُر خدمة رَبّه حتى كأنه واقفٌ في الصلاة على الجمر، من ثِقلها عليه وتكلُّفه لفعلها، فإن جاءت خِدْمَة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبَدَنه فَرِحًا بها، ناصحًا له فيها، خفيفةً على قلبه، لا يَسْتثقلها ولا يَسْتطيلُها. ولا رَيبَ أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، يُحبُّونهم كحِّبُ الله، والذين آمنوا أشدّ حبًّا لله. وعِشْقُهم يَجمعُ المحرمات الأربع: من الفواحش الظاهرة والباطنة، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله ما لم يُنزّل به سلطانًا، والقول على الله ما لا يعلمون، فإن هذا من لوازم الشرك، فكل مشرك يقولُ على الله ما لا يعلمُ، فكثيرًا ما يوجد في هذا العشق من الشرك الأكبر والأصغر، من قتلِ النفوس تغايرًا على المعشوق، وأخذِ أموال الناس بالباطل ليصرفها في رضا المعشوق، ومن الفاحشة والكذب والظلم، ما لا خفاء به. وأصل ذلك كله من خُلُوّ القلب من محبّة الله تعالى والإخلاص له، والتشريك بينه وبين غيره في المحبة، ومن محبّة ما يحبّ لغير الله، فيقومُ ذلك بالقلب، ويعمل بموجبه بالجوارح، وهذا هو حقيقةُ اتباع الهوى.

стр. 924

وفى الأثر: «ما تحت أديم السماء إلهٌ يُعْبَدُ أعظمُ عند الله من هوًى مُتّبعٍ» (١). وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وإذا تأمَّلت حال عُشَّاق الصُّور المتيّمين فيها وجدتَ هذه الآية مُنطبقةً عليهم، مخبرةً عن حالهم. قال بعض العلماء: ليس شيءٌ من المحبوبات يَستوعبُ محبته القلب إلا محبة الله أو محبة بشرٍ مثلك. أما محبة الله فهي التي خُلق لها العبادُ، وبها غايةُ سعادتهم، وكمالُ نعيمهم. وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشِق وبينه، ما ليسَ مثله بينه وبين جنسٍ آخر من المخلوقات. ولهذا لا يُعرف في محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحبّ في الجنس ما يزيلُ العقل، ويُفسد الإدراك، ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك

стр. 925

المحبوب، وإنما يُعْرَفُ ذلك في محبته لجنسه، فتستوعبُ قلبه، وتسلُب لُبّه، وتُصيِّره لمعشوقه سامعًا مطيعًا، كما قال: [١٢٦ أ] إنَّ هَوَاكَ الَّذِي بِقَلبي ... صَيَّرَنِي سَامِعًا مُطِيعَا (١) ويقوَى هذا السمعُ والطاعة عند كثير من العُشَّاق، حتى يَبْذُلَ نفسه، ويُسلمها للتلف في طاعة معشوقه، كما يبذُل المجاهد نفسه لربه، حتى يُقتل في سبيله، وإذا كان النبي ﷺ قد قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره (٢): «شارب الخمر ــ أو قال: مُدمِنُ الخمر ــ كعابدِ وثَن». ومرّ علي بن طالب ﵁ بقوم يلعبون بالشِّطْرنج، فقال (٣):

стр. 926

﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. فما الظن بالعاشق المتيّم الفاني في معشوقه؟ ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب، وهي الأصنام التي تُعبدُ من دون الله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. ومعلومٌ أن شاربَ الخمر لا يدوم سُكْرُه بها، بل لابدّ أن يُفيق، ولعلّ أوقات إفاقته أكثر من أوقات سُكره، وأمَّا سكرة العِشْق فقَلّ أن يستفيق صاحبها، إلا إذا جاءت الرسُل تطلبه للقدوم على الله تعالى. ولهذا استمرت سَكْرُة اللوطية حتى فَجَأهم عذابُ الله وعقوبته وهُمْ في سَكرتهم يَعْمَهون، فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق؟ كما أنشد محمد بن جعفر الخرائطيّ في كتاب «اعتلال القلوب» (١)، قال:

стр. 927

أنشدني الصيدلاني: قَالَتْ: جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لهَا: ... العِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالمَجَانِينِ الْعِشْقُ لَيْسَ يُفيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ ... وَإنَما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِين فصاحبه أحقّ بأن يُشَبَّه بعابد الوَثن، والعاكِف على التماثيل، فإن عكوف قلب العاشق على صورة محبوبه وتمثاله يُشْبه عكوفَ عابد الصَّنم على صَنمه. وإذا كان الشيطانُ يريدُ أن يوقع العدواة والبغضاء بين المسلمين في الخمر والميسر، ويصُدّهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، فالعدواةُ والبغضاءُ والصّدّ الذي يُوقعه بالعشق أعظم بكثير. وجميع المعاصي يجتمعُ فيها هذان الوصفان، وهما العدواة والبغضاء، والصّدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التَّحابَّ والتآلُفَ إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، أي: يُلْقِي بينهم المحبة، فيُحبّ بعضهم بعضًا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعضٍ من المحبة. وقال ابن عباس (١): يُحبّهم ويحبّبُهم إلى عباده.

стр. 928

قال هَرِم بن حَيّان (١): ما أقبلَ عبد بقلبه إلى الله إلا أقبلَ الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقَهُ مودّتهم ورحمتهم. وأهل المعاصي والفسوق وإن كان بينهم نوعُ مودّةٍ وتحابٍّ، فإنها تنقلبُ عداوةً وبغضًا، وفى الغالب يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة، وأما في الآخرة فـ ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال إمام الحُنفاء لقومه: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فالمعاصي كلها توجب ذلك، وتصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وذكْرُ ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرّمات: تنبيهٌ على ما في غيرهما من ذلك، مما حُرّم قبلهما، وهو أشد تحريمًا منهما، فإن ما يوقعه قتلُ النفوس، وسرقة [١٢٦ ب] الأموال، وارتكابُ الفواحش من ذلك، وما يَصُدّ به عن ذكر الله وعن الصلاة، أضعافُ أضعافِ ما يقتضيه الخمرُ والميسرُ، والواقعُ شاهدٌ بذلك. وكم وقع وهو واقعٌ بين الناس بسبب عشق الصور: من العداوة

стр. 929

والبغضاء، وزوال الألفة والمحبة، وانقلابها عداوةً. وأما صَدّه عن ذكر الله، فقلبُ العاشق ليس فيه موضعٌ لغير معشوقه، كما قيل: مَا فِي الْفُؤَادِ لِغَيْرِ حُبِّكَ مَوْضِعٌ ... كَلاّ وَلا أَحَدٌ سِوَاكَ يَحِلُّهُ (١) وأما صدّه عن الصلاة، فهو إن لم يَصُدّ عن صورتها وأعمالها الظاهرة فإنه يَصُدّ عن حقيقتها ومقاصدها الباطنة. فصل ومما يبيّن أن هذه الفواحش أصلها المحبة لغير الله تعالى، سواءً كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة أو غير ذلك: أنها في المشركين أكثرُ منها في المخلصين، ويوجدُ فيهم منها ما لا يوجدُ مثله في المخلصين. قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧ ـ ٢٩]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وهو قوله:

стр. 930

﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى في الشيطان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، وأخبرَ عنه أنه أقسم بعزّة ربه أنه يُغْوي عباده أجمعين، واستثنى أهلَ الإخلاص منهم. وأخبرَ سبحانه عن أولياء الشيطان أنهم إذا فعلوا فاحشةً احتجُّوا بتقليد أسلافهم، وزعموا أن الله سبحانه أمَرَهُمْ بها، فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل. قال شيخنا ﵀: وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة: من الصوفية، والعبّاد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمين، والعامة، وغيرهم، يستحلّون من الفواحش ما حَرّمه الله ورسوله، ظانِّين أن الله أباحه، أو تقليدًا لأسلافهم، وأصله العشقُ الذي يُبغضه الله، فكثيرٌ منهم يجعله دينًا، ويرى أنه يَتَقَرّب به إلى الله، إما لزعمه أنه يُزَكِّي النفس ويُهَذّبها، وإما لزعمه أنه يجمعُ بذلك قلبه على آدميٍّ، ثم ينتقل إلى عبادة الله وحده، وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهرُ الحق ومَشاهدهُ، ويسميها مظاهر الجمال الأحَدِيّ، وإما لاعتقاده حُلولَ الربّ فيها أو اتحاده بها. ولهذا تجد بين نُسّاك هؤلاء وفقرائهم وأمرائهم وأصحابهم توافقًا وتآلفًا على اتخاذ أنداد من دون الله، يحبُّونهم كحبّ الله، إما تَدَيُّنًا، وإما شهوةً، وإما جمعًا بين الأمرين، ولهذا يتآلفون ويجتمعون على السماع الشيطانيّ، الذي يهيِّج الحب المشترك، فُيَهيِّج من كل قلب ما فيه من الحُب.

стр. 931

وسبب ذلك: خلوّ القلب مما خُلق له من عبادة الله تعالى، التي تجمع محبته، وتعظيمه، والخضوع، والذلّ له، والوقوف مع أمره ونهيه [١٢٨ أ] ومحابّه ومساخطه، فإذا كان في القلب وجدَ حلاوة الإيمان وذَوْق طعمه، فأغناه ذلك عن محبة الأنداد وتألُّهها، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه إلهه، وهذا من تبديل الدِّين، وتغيير فِطْرة الله التي فطر عليها عباده. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، أي: نفسُ خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشّقّ والقطع، ولا تبديل لنفس هذا الخلق، ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه، كما قال النبي ﷺ : «كل مولود يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوّدانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجّسانه، كما تُنْتَجُ البيهمةُ بهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحسّون فيها من جَدْعاء؟ حتى تكونوا أنتم تَجْدَعُونها» (١). فالقلوب مفطورة على محبة إلهها وفاطرها وتألُّهه، فصرفُ ذلك التألُّه والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة. ولما تغيرت فِطَرُ الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردِّها إلى حالتها التي خُلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمرَّ على تغيير الفطرة وفسادها.

стр. 932

فصل والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كلُّه لله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق، وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. فناقَضَ بين كون الفتنة وبين (١) كون الدين كله لله فكلٌّ منهما يناقض الآخر. والفتنة قد فُسِّرَتْ بالشرك. فما حصلت به فتنة القلوب، فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك. وهى جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات. وفتنة الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبُّونهم كحبِّ الله: من أعظم الفتن. ومنه فتنة أصحاب العِجْل، كما قال تعالى لموسى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]. وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، نزلت في الجَدّ بن قَيْس، لما غزا رسول الله ﷺ تَبُوك قال له: «هل لك يا جَدُّ في جِلاد بني الأصفر، تتخذ منهم السَّرَارِيَّ والوُصفَاءَ؟»، فقال جَدٌّ: ائْذَنْ لي في القعود

стр. 933

عنك، فقد عرف قومي أني مُغْرَم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن! فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). قال ابن زيد (٢): يريد: لا تفتنّي بصباحة وجوههن. وقال أبو العالية (٣): لا تُعَرّضني للفتنة. وقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، قال قتادة (٤): ما سقط فيه من الفتنة بتخلُّفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عنه أعظمُ. فالفتنة التي فَرّ منها بزعمه هي فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا، والعذاب في الآخرة. ولفظ الفتنة في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان، ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان:

стр. 934

فمن الأول: قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]. ويُطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ـ ٣]، ومنه قول موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا [١٢٧ أ] مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي: امتحانك وابتلاؤك، أُضِلَّ بها من وقع فيها، وهُدِيَ من نجا منها. وتُطلَق الفتنة على أعمَّ من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. قال مقاتل (١): أي: بلاء وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس (٢): فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى. وقال الزَّجَّاج (٣): أعلَمَهُمُ الله أن الأموال والأولاد ممَّا يُفتنون به. وهذا عامٌّ في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى

стр. 935

الله تعالى بسببه، وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عَصَمه الله تعالى. ويشهد لهذا ما رُوي أن النبي ﷺ كان يخطب، فجاء الحسن والحسين، وعليهما قميصان أحمران يَعْثُران، فنزل النبي ﷺ إليهما، فأخذهما فوضعهما في حِجْره على المنبر، وقال: «صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، رأيت هذين الصَّبيين فلم أصبر عنهما» (١). وقال ابن مسعود (٢): لا يقولنّ أحدُكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مُشَتمِلٌ على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فأيّكم استعاذ فليَسْتَعِذْ بالله تعالى من مُضِلّات الفتن.

стр. 936

ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، وهذا عامٌّ في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض: فامتحنَ الرُّسُل بالمرسَل إليهم ودعوتهم إلى الحق، والصبر على أذاهم، وتحمُّل المشاقّ في تبليغهم رسالات ربّهم. وامتحن المرسلَ إليهم بالرسُل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويُصَدّقونهم؟ أم يكفرون بهم، ويرُدّون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجُهّال، يعلِّمونهم، ويَنصحونهم، ويَصبرون على تعليمهم، ونُصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك. وامتحَن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوكَ بالرّعية، والرعيةَ بالملوك. وامتحن الأغنياءَ بالفقراء، والفقراءَ بالأغنياء. وامتحن الضعفاءَ بالأقوياء، والأقوياءَ بالضعفاء. والسادةَ بالأتباع، والأتباعَ بالسادة. وامتحن المالكَ بمملوكه، ومملوكَه به. وامتحن الرجلَ بامرأته، وامرأته به. وامتحنَ الرجالَ بالنساء، والنساءَ بالرجال. والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين. وامتحنَ الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم. ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرّسُل، وقالوا: ﴿لَوْ كَانَ

стр. 937

خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء، وقالوا لنوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حَمِيَ وأنِفَ أن يُسْلم فيكون مثله، وقال: أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حدٍّ سواء! قال الزَّجَّاج (١): كان الرجلُ الشريف رُبّما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقالَ: أسلم قبله مَنْ هو دونه، فيقيمُ على كفره، لئلا يكون للمسلم السابقةُ عليه في الفضل. ومِنْ كون بعض الناس لبعضهم فتنةً أن الفقير يقول: لِمَ لَمْ أكنْ مثل الغني؟ ويقول الضعيف: هلَّا كنتُ مثل القوي؟ ويقول المبتلَى: هلّا كنتُ مثل المعافى؟ وقال الكفار: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. قال مُقاتل (٢): نزلت في افتتانِ المشركين بفقراء المهاجرين نحو بلالٍ، وخَبّابٍ، وصُهيبٍ، وأبى ذَرٍّ، وابن مسعود، وعَمّارٍ؛ كان كُفار قريشٍ يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا من موالينا [١٢٨ أ] وأراذلنا! قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا

стр. 938

وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩ ـ ١١١]، فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]. قال الزَّجَّاج (١): أي: أتصبرون على البلاء؟ فقد عرفتم ما وجد الصابرون. قلت: قَرَنَ الله سبحانه الفتنةَ بالصبر هاهنا، وفى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ [النحل: ١١٠]، فليس لمن قد فُتن بفتنةٍ دواءٌ مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة مُمَحِّصةً له، ومُخلّصة من الذنوب، كما يُخلّص الكيرُ خَبَثَ الذهب والفضة. فالفتنةُ كِيْر القلوب، ومَحَكّ الإيمان، وبها يَتبيّن الصادق من الكاذب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فالفتنةُ قَسَمت الناس إلى صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ، فمن صبر عليها كانت رحمةً في حَقِّه، ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها، ومن لم يَصْبر عليها وقع في فتنةٍ أشدّ منها. ف الفتنة لا بدّ منها في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ

стр. 939

يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣، ١٤]، فالنار فتنةُ مَنْ لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣]. قال قتادة (١): لمَّا ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتنَ بها الظَّلمةُ، فقالوا: يكون في النار شجرةٌ والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، فأخبرهم أن غِذاءها من النار، أي: غُذَيِت بالنار. قال ابن قتيبة (٢): قد تكون شجرةُ الزقوم نبتًا من النار، ومن جَوْهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحيّاتها، ولو كانت على ما نعلم لم تَبْقَ على النار، وإنما دلَّنا الله على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماءُ مُتفقةٌ للدّلالة، والمعاني مختلفةٌ، وما في الجنة من ثمرها وفُرُشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك. والمقصود أن هذه الشجرة فتنةٌ لهم في الدنيا بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها. وكذلك إخباره سبحانه بأن عِدّة الملائكة الموكّلين بالنار تسعة عشر كان فتنةً للكفار، حيث قال عدوّ الله أبو جهل (٣) عليه لعنة الله: أيُخَوّفكم

стр. 940

محمدٌ بتسعة عشر، وأنتم الدُّهْمُ؟ أفيعجز كل مئةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأشُدَّينِ (١) لعنه الله: يا معشر قريش! إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمَنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة. فكان ذكرُ هذا العدد فتنةً لهم في الدنيا، وفتنةً لهم يوم القيامة. والكافرُ مفتونٌ بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربّهم أن لا يجعلهم فتنةً للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤، ٥]، وقال أصحاب موسى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]. قال مجاهد (٢): المعنى: لا تعذِّبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

стр. 941

وقال الزَّجاج (١): معناه: لا تُظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حقٍّ، فيفتتنوا بذلك. وقال الفرّاء (٢): لا تُظهر علينا الكفار، فيَرَوْا أنهم على حقٍّ وأنا على باطل. [١٢٨ ب] وقال مقاتل (٣): لا تُقَتِّرْ علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنةً لهم. وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فَتن كلًا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. والمقصود أنه سبحانه فَتَنَ أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكلٌّ من النوعين فتنةٌ للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنةُ سقط فيما هو شرّ منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح، وإلا فبسبيل مَنْ هلك، ولهذا قال النبي ﷺ : «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ من النساءِ على الرجال» (٤) أو كما قال. فالعبدُ في هذه الدار مفتونٌ بشهواته، ونفسه الأمّارة، وشيطانه المُغوِي المزَيِّن، وقُرنائه، وما يراه ويشاهده مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك

стр. 942

ضعف الإيمان واليقين، وضعف القلب، ومرارة الصبر، وذَوْقُ حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العِوض مؤجّلًا في دار أخرى غير هذه الدار التي منها خلق، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيبٍ طُلب منه الإيمان به: فَوَ اللّهِ لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ... بِتَوْفِيقِه وَاللهُ بِالْعَبْدِ أَرْحَمُ لَمَا ثَبَتَ الإيمَانُ يَوْمًا بِقَلْبِهِ ... عَلَى هذِه العِلاّتِ وَالأَمْرُ أَعْظَمُ وَلا طَاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ... مَخَافَةَ نَارٍ جَمْرُها يَتَضَرَّمُ ولا خاف يومًا من مقامِ إلاهه ... عليه بحكمِ القسطِ إذ ليس يظلم فصل والفتنة نوعان: فتنةُ الشبهات وهى أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبدِ، وقد ينفردُ بإحداهما: ففتنة الشبهات: من ضعفِ البصيرة، وقلة العلم، ولاسِيَّما إذا اقترن بذلك فسادُ القصد، وحصولُ الهوى، فهنالك الفتنةُ العظمى، والمصيبةُ الكبرى، فقُلْ ما شئت في ضلال سيِّئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهُدَى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]. وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يُضلّ عن سبيل الله ، فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].

стр. 943

وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابْتدعُوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال. ولا يُنجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتّباع الرسول، وتحكيمُه في دِقّ الدين وجِلّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام، وما يُثبتُه الله من الصفات والأفعال والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقّى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نُصُب الزكوات ومُسْتَحقِّيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولًا [١٢٩ أ] في شيء دون شيء من أمور الدِّين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمّة في العلم والعمل، لا يُتَلقّى إلا عنه، ولا يُؤخذ إلا منه، فالهُدى كله دائرٌ على أقواله وأفعاله، وكلّ ما خرج عنها فهو ضلال. فإذا عقدَ قلبه على ذلك، وأعرض عمَّا سواه، ووزَنَه بما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، لا لِكَوْن ذلك القائل قالَهُ، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رَدّه، ولو قاله مَنْ قاله، فهذا الذي يُنْجيه من فتنة الشّبُهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه. وهذه الفتنة تنشأُ تارةً من فَهْم فاسدٍ، وتارةً من نقل كاذب، وتارةً من حقٍّ فائت خفي على الرجل فلم يَظفر به، وتارةً من غرضٍ فاسد وهَوًى مُتّبع، فهي من عمًى في البصيرة، وفسادٍ في الإرادة.

стр. 944

فصل وأما النوع الثاني من الفتنة ففتنة الشهوات. وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]، أي: تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخَلاقُ: هو النصيبُ المقدَّر، ثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، فهذا الخوضُ بالباطل، وهو الشبهات. فأشارَ سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصلُ به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخَلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدِّين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلُّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح: فالأول: هو البدعُ وما والاها، والثاني: فسقُ الأعمال. فالأول: فسادٌ من جهة الشبهات، والثاني: من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هَوًى قد فتنه هواه، وصاحبَ دُنيا أعْمتَه دُنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنةٌ لكل مفتون (١).

стр. 945

وأصلُ كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهَوَى على العقلِ: فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصلُ فتنة الشهوة. ففتنة الشبهات: تُدفعُ باليقين، وفتنة الشهوات: تُدفع بالصبر. ولذلك جعل سبحانه إمامة الدِّين منوطةً بهذين الأمرين، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. فدل على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامة في الدين . وجمع بينهما أيضًا في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، فتواصوا بالحق الذي يَدْفعُ الشبهات، وبالصبر الذي يكفّ عن الشهوات. وجمع بينهما في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القُوَى والعزائم (١) في ذات الله، والأبصارُ: البصائر في أمر الله. وعباراتُ السلف تدور على ذلك. قال ابن عباس (٢): أولي القوّة في طاعة الله، والمعرفة بالله.

стр. 946

وقال الكلبي: أولي القوة في العبادة، والبصر فيها. وقال مجاهد (١): الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصرُ في الحق. وقال سعيد بن جُبير (٢): الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم. وقد جاء في حديث مرسل (٣): «إن الله يُحِبُّ [١٢٩ ب] البصر النافذ عند

стр. 947

ورُود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حُلول الشهوات». فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنةُ الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفع فتنة الشبهة. والله المستعان. فصل إذا سلم العبدُ من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظمُ غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله، وهما الهُدى والرحمة. قال تعالى عن موسى وفتاه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظيرُ قول أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، فإن الرّشد: هو العلم بما ينفع والعمل به. والرشد والهُدى إذا أُفْرِدَ كُلٌّ منها تضمّن الآخر، وإذا قُرن أحدهما بالآخر فالهدى هو العلم بالحقّ، والرشد هو العمل به، وضدهما: الغيّ واتباع الهوى. وقد يقابَل الرشد بالضّر والشر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]، وقال مؤمنو الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فالرشد يقابل الغيَّ تارةً، كما في قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].

стр. 948

ويقابل الضّرّ والشرّ، كما تقدم، وذلك لأن الغي سببُ حصول الشرّ والضّرّ، ووقوعهما بصاحبه. فالضّر والشرّ غاية الغي وثمرته، كما أن الرحمة والفلاح غاية الهدى وثمرته. فلهذا يُقابَلُ كل منهما بنقيضه وسبب نقيضه. فيقابل الهدى بالضلال، كقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وهو كثير. ويقابل بالغضب (١) والعذاب، كقوله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، فقابل الهدى بالضلال والشقاء. وجمع سبحانه بين الهدى والفلاح، والهدى والرحمة، كما يجمع بين الضلال والشقاء، والضلال والعذاب: كقوله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]، فالضلال ضدّ الهدى، والسُّعُر العذاب، وهو ضدّ الرحمة. وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. والمقصود: أن من سَلِمَ من فتنة الشبهات والشهوات جُمع له بين الهدى والرحمة، والفلاح والهدى.

стр. 949

قال تعالى عن أوليائه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وقال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ عام مطلق، وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ خاص بأهل اليقين. ونظير ذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ونظيره في الخصوص قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ [١٣٠ أ] رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. ونظيره أيضًا قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقد أخبر أنه هُدًى عامٌّ لجميع المكلَّفين، فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ

стр. 950

سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. فأخبر سبحانه أن القرآن بصائر لجميع الناس، و البصائر: جمع بَصيرة، وهى فعيلة بمعنى مُفْعِلَة ، أي: مُبصِرة لمن يبصر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، أي: مُبَيّنةً مُوجِبة للتّبصُّر. وفعل الإبصار يستعمل لازمًا ومتعديًا ، يقال: أبصرته، بمعنى: رأيْتُه، وأبصرته، بمعنى: أرَيْتُه. فـ ﴿مُبْصِرَةً﴾ في الآية، بمعنى: مُرِيَة، لا بمعنى: رائية، والذين ظنُّوها بمعنى: رائية غلطوا في الآية، وتحيَّروا في معناها. فإنه يقال: بَصُرَ به، وأبصره، فيُعَدّى بالباء تارة والهمزة تارة، ثم يقال: أبصرتُه كذا، أي: أريته إياه، كما يقال: بَصَّرته به، وبَصُر هو به. فهنا بَصيرة، وتَبْصرة، ومُبصرة، فالبَصيرة: المبينة التي تُبْصر، والتبصرةُ: مصدرٌ مثلُ التذكرة، وسُمّي بها ما يُوجب التبصرة، فيقال: هذه الآية تَبصرةٌ، لكونها آلة التبصُّرِ ومُوجبه. فالقرآن بصيرةٌ وتَبصرة، وهُدًى وشفاءٌ ورحمةٌ، بمعنى عام وبمعنى خاصٍّ، ولهذا يَذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدًى للعالمين، وهُدًى للمتقين، وشفاءٌ للعالمين، وشفاءٌ للمؤمنين، وموعظةٌ للعالمين، وموعظةٌ للمتقين، فهو في نفسه هُدًى ورحمةٌ، وشِفَاءٌ وموعظةٌ. فمن اهتدَى به واتّعظ واشتفى كان بمنزلة مَن استعمل الدوّاء الذي يَحْصُل به الشفاء، فهو دواءٌ بالفعل. وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة.
следующие страницы →