(ت ٣٠٥)، بينما ذكر طاش كبري زاده أن أول من ألَّف فيه هو ابن القفَّال الشاشي (ت ٥٠٧)، وسمّى غيرُهم غيرَ أولئك. ولعلّ هذا الاختلاف عائد إلى شمول علم الجدل لأكثر من فنٍّ جميعُها تُصنَّف تحت «علم الجدل» وهي: الخلافيَّات، وعلم المناظرة (آداب البحث)، وعلم الجدل (١).
وهنا نذكر الكتب المطبوعة في علم الجدل التي أُلِّفت على هذه الطريقة:
١ - «التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية» لأبي محمد بن حزم الظاهري (ت ٤٥٦)، وهو مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن حزم في المجلد الرابع منه سنة ١٤٠٣.
٢ - «المنهاج في ترتيب الحِجَاج» لأبي الوليد الباجي المالكي (ت ٤٧٤)، وهو مطبوع بتحقيق عبد المجيد تركي سنة ١٤٠٧ طبعة ثانية.
٣ - «المعونة في الجدل» (٢) لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الشافعي (ت ٤٧٦)، وهو مطبوع بتحقيق علي العميريني، ثم طبعه عبد المجيد تركي.
٤ - «المنتخل في الجدل» لأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥)، وقد طبع أخيرًا بتحقيق الأستاذ علي العميريني.
٥ - «الجدل على طريقة الفقهاء» لأبي الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣)، وقد نشره محققًّا علي العميريني سنة ١٤١٨.
_________
(١) انظر في فروع علم الجدل: مقدمة العميريني لكتاب ابن عقيل (ص ٤٧ - ٦٢)، ومقدمة عبد المجيد تركي لـ «المنهاج» (ص ٦ - ١٠).
(٢) وهو مختصر من كتابه الآخر «الملخص» وقد حُقق في جامعة أم القرى، ولم يُطبع.
стр. 37
٦ - «المقترح في المصطلح في الجدل» لأبي منصور محمد بن محمد البَرْوي (ت ٥٦٧). وقد طبع أخيرًا بتحقيق شريفة المويلحي.
٧ - «الإيضاح لقوانين الاصطلاح» ليوسف ابن الجوزي (ت ٦٥٦)، مطبوع بتحقيق الأستاذ فهد السدحان سنة ١٤١٣.
٨ - «عَلَمُ الجَذَل في عِلْمِ الجَدَل» لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (ت ٧١٦)، مطبوع بتحقيق المستشرق فولفهارت هاينرشس، ألمانيا سنة ١٤٠٨.
ويمكننا أن نُدْرج في هذه المرحلة اتجاهًا آخر في التأليف، له ارتباط أوثق بعلوم المنطق والمباحث العقلية، وصناعة الحدود، مثل كتاب «الكافية في الجدل» لإمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨)، وهو مطبوع بتحقيق فوقيّة حسين محمد عام ١٣٩٩.
وعلى هذه الطريقة تندرج المقدمة الجدلية التي صَدَّر بها أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣) كتابه الأصولي «الواضح» (١)، وطريقته فيه مخالفة في منهجها وأسلوبها ومباحثها كتابه الآنف الذكر. ومثلهما ما تضمنه كتابا الرازي (ت ٦٠٦)، والآمدي (ت ٦٣٠) من مباحث في علم الجدل.
المرحلة الثالثة: وهذه المرحلة بدأت واشتهرت على رأس القرن السادس على يد العَمِيدي (٢)، وصارت تُعرف بالطريقة العميدية، ولا خلاف
_________
(١) (١/ ٢٩٦ - ٥٣٠).
(٢) وهو: أبو حامد محمد بن محمد السمرقندي، ركن الدين العميدي، الفقيه الحنفي، كان مبرزًا في علم الخلاف، وله عدة تصانيف فيه، كمختصره الأصولي، و «الإرشاد» و «النفائس» وغيرها، توفي سنة (٦١٥) ببخارى. انظر «وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٥٧)، و «الجواهر المضية»: (٣/ ٣٥٥)، و «تاج التراجم» (ص ٢٤٨)، و «السير»: (٢٢/ ٧٦)، و «تاريخ الإسلام» (وفيات ٦١٥) (ص ٢٦٣)، و «الأعلام»: (٧/ ٢٧).
стр. 38
بين العلماء أنه أول مَن اخترع هذه الطريقة وصنف فيها، قال ابن خلكان: «كان إمامًا في فن الخلاف، خصوصًا الجُسْت (١)، وهو أول مَن أفرده بالتصنيف، ومَن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين ... » (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي ذلك الوقت ــ أي سنة ٦١٥ ــ ظهرت دولة المغل جنكسخان بأرض المشرق ... وظهرت بدعٌ في العلماء والعُبَّاد، كبحوث ابن الخطيب، وجست العميدي، وتصوُّف ابن العربي ... » (٣).
وهي مرحلة جديدة الوجه واليد واللسان، وصفها ابن خلدون بقوله: «وهي عامة في كل دليل يُستدل به من أيِّ علمٍ كان، وأكثره استدلال، وهو من المناحي الحسنة، والمغالطات فيه في نفس الأمر كثيرة، وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي» (٤).
_________
(١) الجُسْت: كلمة فارسية معناها البحث والفحص والتقصِّي، ثم أصبحت عَلَمًا على فنٍّ من فنون علم الخلاف والجدل، وهو المبني على طريقة الفلاسفة والمتكلمين. انظر: «المعجم الفارسي ــ فرهنك فرزان» (ص ٣٠١) للدكتور طبيبيان، و «تكملة المعاجم العربية»: (٢/ ٢١١) لدوزي.
(٢) «وفيات الأعيان»: (٤/ ٢٥٧). وانظر «مقدمة ابن خلدون» (ص ٥٠٦ - ٥٠٧).
(٣) «جامع المسائل ــ الأموال السلطانية»: (٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، ونحوه في «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٨) لابن القيم، و «مختصره»: (٢/ ٤٣٥ ــ أضواء السلف) للموصلي.
(٤) «المقدمة» (ص ٥٠٦ - ٥٠٧).
стр. 39
ووصفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وصفًا بليغًا دقيقًا فقال: «ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم، صاروا مولَعِين بنوع من جدل المموِّهين، استحدثه طائفة من المشرقيين، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم.
غير أنهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازية في المقدمات، ووضع الظنيات موضع القطعيات، والاستدلال بالأدلة العامة ــ حيث لها دلالة ــ على وجهٍ يستلزم الجمعَ بين النقيضين، مع الإحالة والإطالة، وذلك من فِعْل غالط أو مغالط للمجادلة، وقد نهى النبي ﷺ عن أغلوطات المسائل= نَفَق ذلك على الأغتام الطَّماطم، وراج رواج البَهْرَج على الغِرِّ العادم، واغترَّ به بعض الأغمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب متعاندان متنافيان (١)، كما أنه والجهل المركب متصاحبان متآخيان ... » (٢).
وقد نقل الحاج خليفة في «كشف الظنون» (٣) عن بعض العلماء قوله:
_________
(١) وقد قال الذهبي في ترجمة العميدي المتقدم ذكره: «وليس علمه مما يُرشد إلى الله والدار الآخرة، ولا هو من عُدة القبر، فالله المستعان». «تاريخ الإسلام»، وبنحوه في «السير».
(٢) «العقود الدرية» (ص ٤٩ - ٥٠)، و «تنبيه الرجل» (ص ٦ - ٧).
(٣) (١/ ٥٨٠).
стр. 40
«إياك أن تشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء (يشير إلى جدل العميدي) فإنه يبعد عن الفقه، ويضيع العمر، ويورث الوحشة والعداوة، وهو من أشراط الساعة، كذا ورد في الحديث، ولله دَرُّ القائل:
أرى فقهاء هذا العصر طُرًّا ... أضاعوا العلم واشتغلوا بلِمْ لِمْ
إذا ناظرتَهم لم تَلْق منهم ... سوى حَرْفَيْنِ لِمْ لِمْ لا نُسَلِّمْ»
وهذا هو الجدل المذموم الذي منه ما يكون محرمًا، قال إمام الحرمين الجويني: «فالمذموم منه ما يكون لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليُلْبَس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرُّفٌ ولا تقرُّبٌ ... إلى غير ذلك من الوجوه المنهيِّ عنها» (١).
وهذه الطريقة المخترعة يبدو أنها لقيت رواجًا في القرن السابع في أوساط الطلبة والمتفقهة، تدل على ذلك عبارةُ ابن خلكان ــ لما ذكر طريقة العميدي ــ «وهي مشهورة بأيدي الفقهاء» (٢)، وكذلك كَثُرت في هذه الطريقة الشروح والتآليف (٣)، وتدل عليه عبارة شيخ الإسلام المذكورة آنفًا. من أجل ذلك رأى شيخ الإسلام أنه يجب التصدِّي لهذه الطريقة وتفنيد ما فيها من الخطأ والباطل (٤)، وذلك بنقض كتاب يُمَثِّل هذه الطريقة، وهو «فصول في الجدل» لبرهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي المتوفى
_________
(١) «الكافية في الجدل» (ص ٢٢).
(٢) «الوفيات»: (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر ما سيأتي في المقدمة، و «مقدمة ابن خلدون» (ص ٥٠٧).
(٤) انظر «الصواعق المرسلة»: (٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠).
стр. 41
سنة (٦٨٧)، وقد ذكر ابنُ خلدون النسفيَّ على أنه أحد المؤلفين في هذه الطريقة الذين سلكوا مسلك العَمِيدي (١).
وقد زادت قناعةُ شيخ الإسلام بنقض هذه الطريقة بعد ما طُلِب إليه أن يكتب ما يكشف مُشكلها ويفتح مُقْفَلَها، ويبين ما فيها من زللٍ وخَطَل، حتى يتبين لمن سلكها من الطلاب أنه في طريق لا يهدي إلى الهدى والرشد، ولا يوصل إلى حقيقة، وإن أخذوا من الجدل الصحيح ما فيه من الرسوم والألفاظ تمويهًا دون حقائقه ومعانيه، وذلك بمنزلة ما في الدرهم الزائف من العين!
إلا أن رواج هذه الطريقة لم يلبث طويلًا، فسرعان ما هُجِرت وانفضَّ الطلابُ عن الاهتمام بدراستها، والعلماءُ عن التأليف فيها (٢)، لما فيها من التعقيد وصعوبة المسلك، مع بُعْدها عن العلم الصحيح الذي يورث الفقهَ، والعلمَ النافع.
* * *
_________
(١) «المقدمة» (ص ٥٠٧)، وقد وهم كثير من الباحثين في تعيين «النسفي» في نص ابن خلدون هذا، وليس هو إلا صاحبنا.
(٢) وانظر «مقدمة ابن خلدون» (ص ٥٠٧).
стр. 42
ثانيًا: التعريف بكتاب
«تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل»
* قصة العثور على الكتاب:
كان يُظنّ أن الكتاب مفقود، لم يبقَ منه إلا مقدمته التي اقتبسها ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١)، حتى منَّ الله عليَّ بالعثور عليه في مكتبة رضا بمدينة رامفور بالهند، عندما زرتُها لأول مرة قبل ثلاث سنوات بحثًا عن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد وجدتُ في الفهرس القديم للمكتبة (٢) ذكرَ مخطوطة بعنوان كتاب «الفرق» لابن عقيل الحنبلي، ولما اطلعتُ عليها وقرأتُ فيها وجدتُ أنها في «الجدل»، وبعد التأمل فيها ظهر لي أنها في الردّ على كتابٍ مؤلَّفٍ في الجدل. ومن حسن حظي وجدتُ في المكتبة بعض المخطوطات في هذا الفن، من بينها كتاب «الفصول» لبرهان الدين النسفي (ت ٦٨٧)، وبعد المقارنة بينها وبين المخطوطة السابقة توصلتُ إلى أن الأخيرة هي المقصودة بالرد في المخطوطة المشار إليها، فاستبعدتُ أن يكون مؤلفها ابن عقيل (ت ٥١٣)؛ لأنه توفي قبل النسفي بمدة طويلة.
ثم بدأت أبحث عن المؤلف الحقيقي الذي عاش في الفترة ما بين ٦٨٧ (تاريخ وفاة النسفي) و ٧٥٩ (تاريخ نسخ المخطوطة)، وترجَّح لدي بقرائن
_________
(١) (ص ٤٥ - ٥١).
(٢) (١/ ٥١٢).
стр. 43
متعددة أنه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما سيأتي ذكرها. وقد طلبتُ من القائمين على المكتبة تصوير المخطوطة للدراسة المتأنية، وبعد جهد جهيد وصبرٍ طويل حصلنا على مصوَّرته الثانية بعد ما ضاعت مصوَّرتُه الأولى التي أرسلت إلينا بالبريد المسجَّل. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* اسم الكتاب:
ذكر ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (١) أن عنوان هذا الكتاب: «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل»، وقال: إنه في مجلد، وهو من أحسن الكتب وأكثرها فوائد. ثم نقل مقدمته. وذكره في كتابه «مختصر طبقات علماء الحديث» (٢) بعنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه المجادل في الجدل الباطل».
أما الصفدي وابن شاكر الكتبي فذكراه بعنوان: «تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل» (٣)، وذكره الحاج خليفة في «كشف الظنون» (٤) بعنوان «تنبيه الرجل الغافل على تمويه الجدل الباطل»، وقال: «هو كتاب كبير في الجدل، أوله: الحمد لله العليم القديم». و «القديم» تحريف «القدير». وغالب الظن أن «الغافل» تصحيف «العاقل»، ويمكن توجيه صحته بأن يقال: إن هذا الكتاب يُنبِّه الغافلَ على ما في كتاب الجدل من الباطل، ليكون بمأمنٍ من الخطر. أما «العاقل» على ما ذكره ابن عبد الهادي فالمقصود به أن
_________
(١) (ص ٤٥).
(٢) (٤/ ٢٨٩).
(٣) انظر «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٢٩٣، ٣١٦، ٣٣١).
(٤) (١/ ٤٨٧).
стр. 44
الكتاب تنبيهٌ للشخص الذي يَعقِلُ مثل هذه المباحث الجدلية على تمويهات الجدليين المتأخرين. وهذا هو الراجح في نظرنا، وقد اخترنا أن يكون العنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» كما في «العقود الدرية»، وما في المصادر الأخرى مقارب له.
* تاريخ تأليفه:
نحسب أن شيخ الإسلام ألَّف هذا الكتاب في المرحلة الأولى من حياته في أثناء إقامته بدمشق قبل سفره إلى مصر سنة ٧٠٥. ومما يستأنس به في ذلك أن الشيخ لم يُشِر في هذا الكتاب إلى شيء من مؤلفاته وكتاباته، مع أنه كثير الإحالة إليها في كتبه إمّا إجمالًا كقوله: «كما بُسِط ذلك في موضع آخر»، أو بتحديد عنوان كتابه. ولم يفعل هذا في الكتاب الذي بين أيدينا.
ثم إن ميلَه إلى السجع في مقدمة الكتاب ــ كما صنع في مقدمة «الصارم» و «الإبطال» ــ وكلامه على بعض الأحاديث الواردة في الكتاب باختصار، واهتمامه بأمر اللغة والنحو والتنبيه على اللحن، كلُّ ذلك يشير إلى قِدَم تأليفه، وأنه من أوائل كتبه التي ألَّفها، فلم نعهد منه هذا في المرحلة الأخيرة من حياته.
* إثبات نسبته إلى المؤلف (١):
وصلت إلينا نسخة فريدة من الكتاب كتبت سنة ٧٥٩، وهي في مكتبة
_________
(١) هذا ما كنا ذكرناه في مقدمة الطبعة الأولى، ثم زدناها عددًا وبيانًا في مقدمة الطبعة الثانية، وهي بين يديك.
стр. 45
رضا في رامفور بالهند برقم [٢١٧٠]. وقد كانت في فهرسها القديم (١/ ٥١٢) منسوبةً إلى ابن عقيل الحنبلي. وبعد الاطلاع على النسخة ودراستها ظهر أنها ليست لابن عقيل، فإنه توفي سنة ٥١٣، والكتاب يناقش «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي المتوفى سنة ٦٨٧، وهو متأخر عن ابن عقيل كما نرى.
وكان علينا أن نبحث عن المؤلف الحقيقي له في الفترة بين (٦٨٧ - ٧٥٩ تاريخ وفاة النسفي وتاريخ كتابة النسخة). وبما أن الملزمة الأولى من النسخة ناقصة، فذهبت بعشر أوراق تحتوي على مقدمة الكتاب والكلام على بعض الفصل الأول من «الفصول»، كان لابدّ من دراسة النسخة والتأمل فيها لعلنا نهتدي إلى المؤلف الحقيقي. وبعد عكوفنا على النسخة والقراءة المتأنية فيها وجدنا قرائن تُشير إلى أن المؤلف هو شيخ الإسلام، ثم توصلنا إلى القطع بذلك بعدما وجدنا نصوصًا مقتبسة منه في «إعلام الموقعين» لابن القيم.
أما القرائن فكانت عديدة:
منها: أن المترجمين لشيخ الإسلام ذكروا له كتابًا في الجدل بعنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل». والكتاب الذي بين أيدينا نقدٌ لأصحاب الجدل الباطل وبيانٌ لتمويهاتهم، ولا نعرفُ أحدًا غيره ألَّف على هذا النحو في الرد على الجدليين المتأخرين.
ومنها: أن شيخ الإسلام كان في هذه الفترة التي حددناها، أي بعد وفاة النسفي ٦٨٧، وقبل تاريخ النسخة ٧٥٩. ولا نعرف أحدًا غيره برز في هذه الفترة للرد على الجدليين.
стр. 46
ومنها: أن في الكتاب ذكر «تمويه» الجدليين والجدل «المموّه» وأصحاب الجدل «المموّهين» ومشتقاته بكثرة، وإذا قرأنا مقدمة الكتاب التي اقتبسها ابن عبد الهادي في «العقود» عرفنا أن المقصود الاصلي من الكتاب نقد جدل «المموّهين» وبيان «تمويهاتهم».
ومنها: أن هذه المقدمة المقتبسة فيها أن المؤلف يأخذ في تمييز حقّه من باطله وحالِيه من عاطله بكلام مختصر، والنسخة كلها تحوي نقد كتاب النسفي المذكور وتمييز حقّه من باطله وتمييز صحيحه من سقيمه.
ومنها: أن في الكتاب موضوعاتٍ وأبحاثًا اشتهر شيخ الإسلام بالحديث عنها، منها نقله لكلام الإمام أحمد: «ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين». وقوله: «أكثر ما غلط الناس من جهة التأويل والقياس»، وبيانه لمعناه (ص ٢٠٥). وانظر نحو هذا الكلام في «قاعدة في الاستحسان» (ص ٧٤) و «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩١، ٣٩٢).
وتكلم في موضوع النهي عن التشبه بالأعاجم والكفّار (ص ٢٥٧ - ٢٥٩). وقد فصَّل فيه الكلام بما لا مزيد عليه في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم».
وتكلم في موضوع التنافي (ص ٣٩٧ وما بعدها)، ونحوه في «الرد على المنطقيين» (ص ٢٠٥، ٢٠٦).
وهناك موضوعات أخرى أشرنا إلى ما ورد منها ما يماثلها في كتبه الأخرى.
هذه القرائن وغيرها أرشدتنا إلى أن الكتاب من تأليفه، ثم وجدنا تلميذه
стр. 47
العلامة ابن قيم الجوزية ذكر في «إعلام الموقعين» (٥/ ٥٤٦ - ٥٨١، ٦/ ٥ - ٤٠) مبحثًا طويلًا في حجية قول الصحابي، وكلُّه منقول من هنا دون عزو مع إضافات (ص ٥٢٩ - ٥٥٦)، على طريقته في نقل كلام شيخه بعزوٍ أو بدون عزوٍ. وهذا مما يقطع بصحة نسبته إلى شيخ الإسلام.
* منهج المؤلف فيه:
الكتاب الذي بين أيدينا يبحث في موضوع الجدل الأصولي، وينقد طريقة الجدليين المتأخرين ويبيِّن ما فيها من الخطأ والصواب، ويميِّز بين القشر واللباب. وهو كما ذكرنا ردٌّ على كتاب «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي (٦٨٧)، ومنهجه فيه أنه يقتبس شيئًا من كلام النسفي، ويُعقِّب عليه بالشرح أولًا ثم الردّ عليه ثانيًا، ويأتي بوجوهٍ كثيرة لبيان فساد كلامه. وإذا كان عنده شيء من اللحن أو مخالفة في اللغة يُنبِّه عليه ويذكر صوابه. وإذا كان في كلامه ما يوافق الحق والصواب أبرزَه وأيَّده فيه، ولكنّه ينتقده بتطويل الكلام وتكثير المقدمات وتغيير العبارة بما لا فائدة فيه. ويقدِّم المؤلف بعض الفصول بمقدّمات مفيدة تساعد على فهم الموضوع، كما فعل في مبحث القياس والاستصحاب وحجية قول الصحابي وغير ذلك.
وقد التزم المؤلف بالردّ على النسفي من أول كتابه «الفصول» إلى آخره، فلم يترك منه فقرةً إلّا اقتبسها وتكلَّم عليها، والتزم الترتيب نفسه، إلّا في فصل «التنافي بين الحكمين» (ص ٣٩٧)، فقد تأخّر عند المؤلف مع أنه في أول الكتاب بعد «فصل التلازم» في الأصل وجميع شروحه. ولعلَّ النسخة التي اطلع عليها شيخ الإسلام من «الفصول» كانت مضطربة في الترتيب.
стр. 48
ونرى أن إخراج هذا الكتاب لأول مرة يُقدِّم للباحثين مادةً جديدة لدراسة آراء شيخ الإسلام في موضوع الجدل الأصولي، فالكتاب فريدٌ في بابه، لم نجد له مثيلًا في الكتب التي أُلِّفت في الجدل. ثم إن اهتمام الشيخ بنقد كتاب كاملٍ من أهم الكتب المؤلفة على طريقة المتأخرين يزيد من قيمة الآراء والنظرات التي وردت فيها، ونستطيع أن نستخلص منه رأيه في كلّ مبحث من مباحث الجدل. ونرى أن أكثر هذه الأبحاث جديدة لنا، فلم نجد من قبلُ إلا نتفًا مما يتعلق بها في كتبه المعروفة.
وعلى هذا فما في هذا الكتاب من الأبحاث المتعلقة بالتلازم والتنافي والدوران والقياس وتخصيص القياس وتعدية العدم وتوجيه النقوض والتمسك بالنصّ والأمر والنهي والتمسك بالنافي وقول الصحابي والإجماع المركب والاستصحاب وغيرها، وما فيه من الردّ على الجدليين المموّهين في هذه الموضوعات، يدفعنا إلى دراسته دراسة متأنية، والمقارنة بينه وبين ما يشبهها من المباحث في كتبه الأخرى.
ولا يمكننا في هذه المقدمة أن نتناول آراءه في الكتاب بالبحث والتحليل والمقارنة، فهذه مهمة الباحث المتفرغ لهذا الموضوع. وإنما ننبِّه هنا على أمرٍ يجب الاهتمام به عند دراسة آراء الشيخ في الكتاب، وهو أن الشيخ كثيرًا ما يُعقِّب كلامَ البرهان النسفي بما يشرحه ويُوضحه، فلا يُؤخذ منه أنه يؤيِّده وينصره، بدليلِ أنه يأتي فيما بعد بما يُبيِّن فساده من وجوهٍ كثيرة. وكذلك يفعل في ذكر المقصود من منع المعترض وجواب المستدّل (أو النسفي) عنه، فالشيخ يذكر أولًا المقصود من الاعتراض والجواب، ثم يُعقب عليه بكلام من عنده. وأحيانًا يذكر وجوهًا من الاعتراض على لسان المعترض أو المستدل جريًا على طريقة الجدليين، ثم يقول: إنها لا طائل
стр. 49
تحتها. وأحيانًا يتكلم بعد افتراضِ شيء، ويتوسَّع في الكلام، ثم يُبيِّن أن هذا الافتراض ليس بصحيح. والأمثلة على ذلك كثيرة مبثوثة في الكتاب.
وينبغي أن يكون القارئ والدارس على معرفةٍ بالغرض الأصلي من تأليف هذا الكتاب، فقد كان قصدُ الشيخ فيه التمييز بين الجدل الصحيح والباطل، والتنبيه على ما في كلام الجدليين المموّهين من المغالطات، وما يسلكونه من الطرق المعوجّة للوصول إلى المقصود. وقد نبَّه الشيخ كثيرًا على هذا الغرض في أثناء كلامه. يقول في موضع (ص ٤٢١): «واعلم أن نكت هؤلاء المموِّهين إذا صحَّ بعضُها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لابدّ من حشوٍ وإطالة، وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح». ونحو هذا الكلام عنده كثير، فعلينا عند دراسة آراء الشيخ أن لا ننسب إليه ما هو منه برئ، وإنما ورد ما ورد منه في كلامه على لسان المعترض أو المستدل.
وبالإضافة إلى مباحث الجدل والأصول يوجد في الكتاب آراء جديدة للشيخ في النحو واللغة، ونخصُّ بالذكر هنا كلامه في المصدر الصناعي (ص ٢٥٠ - ٢٥٦)، فقد أطال الكلام حوله، وبيَّن ما هو على الجادة منه مما ليس كذلك، وقد ردَّ هنا على النحويين وفصَّل تفصيلًا لا يوجد في كتب النحو القديمة والجديدة التي رجعنا إليها.
* إفادة العلماء منه:
وقفنا ولله الحمد على ثلاثة من العلماء اقتبسوا من هذا الكتاب:
стр. 50
١ - الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت ٧٤٤)، فقد ذكر الكتاب وأثنى عليه، وساق خطبته كاملة في ترجمته لشيخ الإسلام ابن تيمية «العقود الدرية» (ص ٤٥ - ٥١).
٢ - الإمام ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١) في كتابه «إعلام الموقعين» فقد نقل نصًّا طويلًا في الكلام على الاحتجاج بأقوال الصحابة، مع بعض التصرف كعادة ابن القيم في نقله عن الشيخ، وهذا النقل في (٥/ ٥٤٦ - ٥٨١)، (٦/ ٥ - ٤٠) وهو في «التنبيه» (ص ٥٢٩ - ٥٥٦).
٣ - الإمام علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥) في كتابه «التحبير في شرح التحرير» (١/ ٢١٢ - ٢١٣)، ونصه: «قال الشيخ تقي الدين في الرد على الجست (١): «النظر له معان عدة. منها: نظر العين كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣، ٢٥].
ومنها: نظر القلب كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
ومنها: معنى العطف والرحمة كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧].
ومنها: معنى الانتظار كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦]، ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ
_________
(١) وقع في مطبوعة «التحبير»: «الجشت»، وهو تصحيف. وقد تقدم تفسير «الجست» (ص ٤١).
стр. 51
الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].
ومنها: معنى المقابلة والمحاذاة، يقال: داري تناظر دارك، أي: تقابلها، والموضع الفلاني ينظر إلى جهة كذا، أي: يقابله ويحاذيه.
ومنه النِّظْر: لأنه يقابل الآخر ويناظره، ويُسَمَّى المتحاجان متناظرين؛ لأنهما متقابلان تقابلَ الشيئين المتواجهين، ولأنهما متعاونان على النظر الذي هو التفكر والاعتبار، طلبًا لإدراك العلم وبيانه.
والمعنى الأول أظهر عند أهل العربية. وإلى المعنى الثاني صَغو الجدلين» انتهى.
ويبدو أن هذا الاقتباس من أوائل كتاب «التنبيه»، وأوائله ساقطة من نسختنا كما سلف.
* * *
стр. 52
ثالثًا: ترجمة برهان الدين النَّسَفي صاحب «الفصول» (١)
لم تُسعِف المصادر التي ترجمت للنسفي بتفصيل كاف يكشفُ عن مختلف جوانب حياته، بل حتى تلك المعلومات المقتضبة يتناقلها اللاحق عن السابق دون إضافة تُذكر سوى التصرف في بعض العبارات. ونحن هنا نجمع بين ما تفرق من معلومات ونسوقها على النحو التالي:
هو: محمد بن محمد بن محمد أبو الفضل (٢) برهان الدين النَّسَفي الحنفي.
ولد النَّسَفي نحو سنة ستمائة (٦٠٠) على ما قاله تلميذه الفُوَطي، وجزم البعض أنه ولد في تلك السنة، وقيل: سنة (٦٠٦) وهي سنة وفاة الرازي صاحب «مفاتيح الغيب» الذي اختصره النسفي.
والنسفي نسبةٌ إلى مدينة «نَسَف» بفتح النون والسيف، وهي مدينة كبيرة
_________
(١) أهم مصادر ترجمته: «مرآة الجنان»: (٤/ ٢٠٠)، «دول الإسلام»: (٢/ ٢١١)، «تاريخ الإسلام»: (وفيات ٦٨٧ ص ٣١٧)، «العبر»: (٣/ ٣٥٥)، «السير»: (ص ٢٣٢ - الجزء المفقود)، «الوافي بالوفيات»: (١/ ٢٨٢)، و «تذكرة النبيه»: (١/ ١٢٠)، و «درة الأسلاك»: (١/ق ١١٤)، و «الجواهر المضية»: (٣/ ٣٥١)، و «المنهل الصافي»: (١/ ٢٦٥)، و «تاج التراجم» (ص ٢٤٦)، و «شذرات الذهب»: (٥/ ٣٨٥)، و «طبقات المفسرين»: (٢/ ٢٥٠)، «كتائب أعلام الأخيار» رقم ٥٣٥، و «الطبقات السنية» رقم (٢٢٩٦)، و «الفوائد البهيّة» (ص ١٩٤)، و «هدية العارفين»: (٢/ ١٣٥)، و «الأعلام»: (٧/ ٣١).
(٢) وقيل: أبو الفضائل.
стр. 53
من مدن بلاد ما وراء النهر (١).
برز النسفي في العلوم العقلية، كالفلسفة، والكلام، والمنطق، والأصول، وله بعض التصانيف في الخلاف والتفسير، وقد أثنى عليه غير واحد في هذه الفنون.
قال تلميذه ابن الفُوَطي (ت ٧٢٣) كما في «الوافي»: «شيخنا المحقق، العلامة الحكيم، له التصانيف المشهورة. كان في الخلاف والفلسفة أوحد، مُتِّع بحواسِّه، وكان زاهدًا».
وقال الذهبي (ت ٧٤٨) في «دُوَلِه»: «العلامة البرهان النسفي، المتكلم، شيخ الفلسفة ببغداد، صاحب التصانيف في الخلاف».
وأثنى عليه كل مَن ترجم له بنحو ما سبق، إلا أن اللكنوي (ت ١٣٠٤) وصفه بأنه كان «محدِّثًا»! وهذا الوصف تفرَّد به اللكنوي، ولم نجد ما يؤيده، بل وجدنا كل الدلائل تشير إلى عدم اشتغال النسفي بالحديث وقلة بضاعته فيه ــ كما هو حال أكثر من اشتغل بالعلوم العقليَّة ــ.
قال شيخ الإسلام في كتابنا هذا (٢): «هؤلاء المتأخرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقِّهة أقل الناس علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته، ولعل أحدهم أو أكثرهم لا يَعرفون مظانَّ طلب الأحاديث ... ويكفي دليلًا على ذلك أن هذا المصنف [أي النسفي] ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث، عامتها ليست محفوظة عن رسول الله ﷺ ، مع أن في الباب الذي
_________
(١) «معجم البلدان»: (٥/ ٢٨٥)، و «بلدان الخلافة الشرقية» (ص ٥١٣).
(٢) (٢/ ٥٠٤ - ٥٠٦).
стр. 54
يذكره عدة أحاديث صحاح مشهورة ... ».
وقال الذهبي في «السير» (١): «وما علمته روى حديثًا ولا تشاغل في الأثر».
فإن قيل: إن استجازة الحافظ البرزالي (ت ٧٣٩) منه في سنة (٦٨٤)(٢) تدل على أنه له تشاغلًا بالرواية. فيقال: ذلك غير لازم؛ لأنه قد يطلب منه الإجازة لِمَا صحَّت له روايته من كتب الفقه والخلاف ونحوها، أو كتبه التي صنَّفها هو، ولو صح أن له رواية بكتب الحديث فلا يعني أن يوصف من أجل ذلك بالمحدِّث. مع أن البرزالي واسع الرواية جدًّا، ويروي عن كل أحد.
* مصنفاته (٣):
ترك النسفيُّ جملةً من التصانيف أكثرها في العلوم العقلية والمباحث الفلسفية، حتى تفسيره (مختصر تفسير الرازي) أكثر مسائله قضايا فلسفية وجدلية. وهذا ذكر مصنفاته مرتبةً على الحروف:
١ - التراجيح (خ) ولدينا نسخة منه.
٢ - دفع النصوص والنقوض (خ) ولدينا نسخة منه.
٣ - رسالة في الدور والتسلسل.
٤ - رسالة في العشق (خ).
_________
(١) الجزء المفقود منه (ص ٢٣٢) تحقيق عبد السلام علُّوش.
(٢) ذكرها في «تاج التراجم» (ص ٢٤٧).
(٣) انظر «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان: (٩/ ١٢٨ - ١٢٩).
стр. 55
٥ - شرح أسماء الله الحسنى (خ). ويُسمَّى «مشارق الأنوار».
٦ - شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا.
٧ - شرح الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية للغزالي.
٨ - شرح منشأ النظر.
٩ - الفصول في الجدل، ويسمَّى أيضًا (المقدمة البرهانية، ومقدمة في الجدل)، وهو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه هذا وسيأتي تفصيل القول فيه.
١٠ - الفوائد.
١١ - القوادح الجدلية (خ) ولدينا منه نسخة.
١٢ - كشف الحقائق وشرح الدقائق في تفسير كلام رب العالمين، ويسمى أيضًا بـ: الواضح في تلخيص تفسير القرآن للرازي. وهو مختصر من تفسير الرازي «مفاتيح الغيب»، ذكره جل من ترجم له، وله نسخة خطيَّة وحيدة في كوبريللي بإستانبول، طبع منه تفسير سورة الناس في دار البحوث للدراسات الإسلامية بدبي بتحقيق د/ عيادة الكبيسي.
١٣ - مطلع السعادة.
١٤ - مكارم الأخلاق. طبع بتحقيق أخينا أبي الفضل القونوي في بيروت عام ٢٠١١ م.
١٥ - منشأ النظر في علم الخلاف (خ) ولدينا منه نسخة في عدة أوراق، وقد شرحه غير واحد، منهم: المؤلف، والبابرتي.
стр. 56
* شيوخه وتلاميذه:
لم تنص المصادر على أحد من شيوخ النَّسَفي.
أما تلاميذه فقال الذهبي: «وتخرج به خلق»، لكن لم نقف إلا على خمسة وهم:
١ - ابن الفُوَطي (ت ٧٢٣) (١).
عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني الحنبلي الحافظ، المعروف بابن الفُوَطي نسبة إلى الفُوَط التي كان يبيعها.
٢ - ابن الصاحب (ت ٦٨٥) (٢).
هارون بن محمد شرف الدين الجويني، صاحب ديوان الممالك.
٣ - البِرزالي (ت ٧٣٩) (٣).
القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد أبو محمد علم الدين البرزالي.
٤ - جلال الدين الحنفي (ت ٧٤٥) (٤).
أحمد بن الحسن بن أحمد قاضي القضاة.
٥ - علي بن هارون بن محمد السمرقندي (٥).
_________
(١) نص عليه غير واحد.
(٢) نص عليه في «تاريخ الإسلام».
(٣) نص عليه في «تاج التراجم».
(٤) ذكره في «المنهل الصافي».
(٥) قرئت عليه نسخة من «شرح الفصول» لمؤلفه النسفي، وكتب إجازة بخطه للناسخ سنة ٦٩٩. انظر شرح المؤلف (ق/١٠٤ ب).
стр. 57
* وفاته:
اختلفت المصادر في تعيين سنة وفاته على أقوال أهمها ثلاثة:
١ - سنة ٦٨٤، ذكره الذهبي في «العبر»، وتبعه جماعة.
٢ - سنة ٦٨٦، ذكره الحاج خليفة والبغدادي واللكنوي.
٣ - سنة ٦٨٧، وبه قال جمهور مَن ترجم له، ويؤيده أن تلميذه ابن الفُوَطي قد حدد هذا التاريخ بدقة تدل على معرفة واطلاع فقال: مات في الثاني (١) والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وستمائة. ويؤيده أنه أجاز للبرزالي سنة ٦٨٤، فيكون قد توفي بعدها في الغالب، فالراجح هذا الأخير.
* * *
_________
(١) في بعض المصادر: «الثامن».
стр. 58
رابعًا: التعريف بالكتاب المردود عليه
«فصول في الجدل»
تقدم لنا شرح المراحل والاتجاهات التي مرَّ بها علم الجدل، وأنواع المصنفات في ذلك (ص ٣٤ - ٤٤)، وذكرنا أن المرحلة الثالثة تمثلت في «الطريقة العميديَّة» وما سلك مسلكها كـ «المقدمة البرهانية أو فصول في الجدل»، وقد طُلب من شيخ الإسلام أن يرد على هذه الطريقة ويبين ما فيها، فكان أن نقض كتاب النسفي في كتابه هذا «تنبيه الرجل العاقل ... » (١)، ولأجله سنعرّف به في النقاط الآتية:
* أولًا: اسمه:
تعددت أسماء هذا الكتاب على أنحاء:
١ - المقدمة البرهانية في الجدل:
وهذا هو الثابت على صفحة العنوان في النسخة الخطية التي اعتمدناها ــ سيأتي وصفُها ــ، وهو الثابت على شرح السمرقندي في رأس الورقة الأولى: «شرح المقدمة البرهانية للإمام ... ». وقال في أثناء الشرح (ق/٤٠ ب): «وقد صنَّف الإمامُ برهان الدين ... مقدمة في هذا العلم»، ومثله ما جاء في خاتمة «شرح المؤلف ــ النسفي»: (ق/١٤١ ب)، إذ كتب أحد تلاميذ النسفي إجازة للناسخ وفيها: «لقد قرأ الإمام الفاضل ... شرح كتاب المقدمة ... ».
_________
(١) وقد ألحقنا نصه كاملًا في آخر الكتاب (ص ٦٠٣ - ٦٢٩).
стр. 59
٢ - المقدمة النسفية. ذكر في بعض المصادر.
٣ - مقدمة في الجدل والخلاف والنظر.
٤ - الفصول.
قال الخوارزمي في مقدمة شرحه (ق/١ ب): «المعروف بـ «الفصول». وكذلك ثبت في شرح برهان الدين البلغاري المسمَّى «معارك الفحول شرح الفصول»: (ق/١٥١ ب) قال: «وسميتها معارك الفحول ... ».
٥ - الفصول البرهانية.
٦ - فصول النسفي في الجدل.
فيتخلص من هذا الخلاف عنوانان: فإما أن يكون «المقدمة» أو «الفصولا»، وبالإضافة إليهما تعددت الأقوال، ولعل الأقرب في التسمية هو «الفصول»؛ لأنه الثابت على غلاف النسخة الخطية، وهي نسخة جيدة مقابلة، وثبت في شرحَي الخوارزمي والبلغاري. أما تسميته بـ «المقدمة» فلأجل شهرته، لأنَّ أي متن يصبح عمدة في فنٍّ ما يمكن أن يسمَّى مقدمةً، كـ «مقدمة ابن الصلاح» و «المقدمة الآجرومية» و «مقدمة أصول التفسير» لابن تيمية، وغيرها.
* ثانيًا: إثبات نسبته للمؤلف:
الكتاب ثابت النسبة إلى مؤلفه بدلائل كثيرة قاطعة، فقد ذكر كلُّ من شرح الكتاب أن هذه «المقدمة أو الفصول» من تأليف برهان الدين النسفي، كما في شرح السمرقندي والخوارزمي والبلغاري وغيرهم.
وكذلك ذكره أكثرُ مَن ترجم للمؤلف.
стр. 60
ومما يقطع بذلك أن المؤلف نفسه قد شرح مختصره هذا شرحًا متوسطًا، عندنا نسخة منه، كتبت سنة (٦٩٧) أي بعد وفاته بعشر سنوات فقط، وقرئت هذه النسخة على أحد تلاميذ المؤلف وهو علي بن هارون بن محمد السمرقندي (١)، وكتب إجازةً لناسخها بخطه مؤرخة بسنة (٦٩٩)، وذكر فيها أنه سمع هذا الشرح على مؤلفه.
* ثالثًا: شروح الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب عند المشتغلين بعلم الجدل، وعكفوا على إقرائه وشرحه، حتى ذكره ابن خلدون (٢) بعد كتاب العميدي في هذا الفن، ونص بعض مَن ترجم له على شهرته. فمن شروحه:
١ - شرح مؤلِّفه (النَّسَفي)، وهو شرح متوسط، لدينا نسخة متقنة منه تقع في ٥٣ ورقة كتبت سنة ٦٩٧، إلا أنها ناقصة من أولها نحو ورقتين، وعلى طرر النسخة كثير من التهميشات والشروح، فلا تكاد تخلو صفحة من ذلك حتى بين الأسطر بخط دقيق. وقد ذكر هذا الشرح الحاج خليفة في «كشف الظنون» (٣).
وقد نقل من هذا الشرح الخوارزمي في شرحه (ق/٨٠ أ)، والبلغاري في شرحه (ق/١٥١ أ).
_________
(١) لم أقف على ترجمته.
(٢) «المقدمة» (ص ٥٠٧).
(٣) (٢/ ١٨٠٣).
стр. 61
٢ - شرح فصول النسفي في علم الجدل. لمحمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني (ت ٧٤٩)، منه نسخة في دار الكتب المصرية رقم (٣٨ - مجاميع).
٣ - شرح شمس الدين محمد السمرقندي، سمَّاه: «مفتاح النظر» ومنه نسخة في المكتبة السليمانية بتركيا ضمن مجموع (ق/٤٠ ب- ٧٩ ب) قال في «كشف الظنون» (١): «وهو أحسن شروحها» وقد فرغ منه سنة (٦٩٠).
٤ - معارك الفحول شرح الفصول.
لم أتبين لمن هو، ومنه نسخة في المكتبة السليمانية بتركيا ضمن مجموع (ق/١٥١ أ- ١٧٩ ب) وهو ناقص، والموجود منه قطعة يسيرة. وذكره في «الكشف» (٢)، وذكر أوَّله: «الحمد لله الذي أضاء سماء ... » وهي متوافقة مع القطعة التي عندنا. ولم ينسب هذا الشرح لأحدٍ.
لكن ذكره في موضع آخر من «الكشف» (٣) وذكر بدايته وهي تختلف عما ساقه هنا! فلعله اختلط عليه بشرح آخر.
٥ - وصول النعماني في شرح فصول البرهاني، للخوارزمي، منه نسخة في ألمانيا (ق/١ أ- ٩٥ ب)، ولدينا نسخة منه.
٦ - شرح برهان الدين البلغاري.
_________
(١) (٢/ ١٨٠٣).
(٢) (٢/ ١٧٢٥).
(٣) (٢/ ١٧٩٨).
стр. 62
ذكره في «الكشف» (١)، وذكر أوله: «الحمد لله الواجب أبدع بقدرته ... » وسماه: «معارك الفحول شرح الفصول» لكن بدايته لا تتوافق مع الشرح السابق رقم (٤)، فلعله غيره.
٧ - «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨) وقد تقدم الكلام عليه مفصَّلًا (ص ٤٥ - ٥٤).
* رابعًا: نُسَخه:
للكتاب نُسَخ عديدة في المكتبات (٢)، استطعنا الحصول على واحدةٍ منها، وهي في مكتبة رئيس الكتاب بإستانبول برقم [١٢٠٣] (ق ١/أ- ١١/أ)، وهي نسخة جيدة مقابلة نادرة الغلط، لعلها من منسوخات القرن الثامن، استفدنا منها فائدة كبيرة في تقويم النصوص المقتبسة منها في «التنبيه».
* * *
_________
(١) (٢/ ١٢٧٢).
(٢) انظر «تاريخ الأدب العربي»: (٩/ ١٢٨).
стр. 63
خامسًا: وصف النسخة الخطية
هذا الكتاب له نسخة خطية فريدة، محفوظة في مكتبة رضا رامفور بالهند برقم [٢١٧٠]، تقع في (٣٢٥ صفحة)، في كل صفحة (٢٧) سطرًا، في كل سطر نحو (١١) كلمة.
وهي قديمة النسخ إذ كتبت سنة ٧٥٩، إلا أن الناسخ لم يذكر اسمه، جاء في آخرها: «آخر الكتاب، والحمد لله الملك الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وافق الفراغَ منه العشرون من شهر المحرم سنة تسع وخمسين وسبعمائة، الحمد لله رب العالمين».
والنسخة خطها نسخي جميل. لكن يبدو أن الناسخ لم يكن من أهل العلم؛ لأنه في كثير من المواطن كان يرسم الكلمة رسمًا دون تبيُّن ما هي. يدل عليه أنه كان يرسم الكلمة الواحدة برسمين في صفحة واحدة، بحسب ما يظهر له من النسخة الأم، لذلك وقع في النسخة تصحيفات ليست بالقليلة صَعَّبت من مهمة الوصول إلى نص سليم خال من الأخطاء.
ومما يلاحظ ــ أيضًا ــ وجود عدة سقوط في النسخة وهو ناتج عن انتقال النظر في الغالب، ظهر لنا ذلك عن طريقين:
أحدهما: أن ينقل المصنف نصًّا طويلًا من «الفصول» ليرد عليه، ويكون في النص سقط ما، ثم يعيد النصَّ مفصَّلًا ليرد على كل فقرة منه، فيظهر النصُّ كاملًا في الموضع الثاني من النقل، ويشهد لصحة هذه الزيادة ما يوجد في متن «الفصول» المخطوط.
стр. 64
وثانيهما: أن يظهر السقط بالمقابلة مع متن «الفصول» فقط؛ لأن المصنف لم يُعد النصَّ مرة أخرى. وكذلك بالمقابلة بالنص الذي نقله ابن القيم في «إعلام الموقعين» حيث ظهر في نسختنا أكثر من سقط، مما زاد من تخوِّفنا من احتمال وجود سقوط كثيرة في الكتاب!
فهذه المواضع استطعنا إكمال الخلل الواقع فيها، لكن بقيت مواضع يبدو النص فيها ناقصًا أو غير مستقيم، فيتعذر حينئذٍ تقدير الكلام الساقط أو تقدير صحة النص .. فهنا نشير إلى احتمال وجود سقطٍ ما، كما في (ص ٣٥٣، ٣٧١، ٥٨٨).
كما أن الناسخ نفسه قد ترك بياضًا في مواضع يبدو أنها كانت كذلك في الأصل المنقول منه كما في (ص ٢٠، ٨٤، ١٠١، ١٢٤، ١٥٠، ٢٦١) وقد يكتب قبالها: «بياض»، ومع أن الناسخ قد استدرك بعض السقط بإلحاقات في هوامش النسخة، إلا أن هذا لا يدل على أنه قد قابلها مقابلة جيدة، وإلا استدرك كثيرًا من السقط الحاصل، وربما أن نسخته التي ينقل منها كان فيها سقط ما. وربما كانت سيئة الخط.
ونُنبِّه هنا إلى أمرين مهمين:
١ - وقع في النسخة خَرم في أولها ذهبَ بمقدمة الكتاب وبداية الرد على صاحب «الفصول»، وهذا الخرم قدرناه بنحو عشر ورقات، يدل على ذلك أن الناسخ قد قسم النسخة إلى أجزاء كل جزء عشر ورقات يشير إلى ذلك في الركن الأيسر من كل جزء، وقد وجدناه كتب على أول ورقة من النسخة: «الجزء الثاني»، فدل على أن الساقط من الكتاب جزء واحد.
وقد فقدنا بهذا السقط فوائد جمة كورقة العنوان، ومقدمة المؤلف، وردّ
стр. 65
المصنف على أول «الفصول»، لكن من تيسير الله تعالى وحفظه لتراث هذا الإمام أن حَفِظَ لنا مقدمة المؤلف كاملة في كتاب تلميذه الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (ت ٧٤٤) في ترجمة شيخه، المطبوع باسم «العقود الدرية» (ص ٤٥ - ٥١) ففي أثناء سرده لمؤلفات شيخه ذكر هذا الكتاب وأثنى عليه ثم قال: «قال في خطبته» وساقها بتمامها، ثم قال: «انتهت خطبة هذا الكتاب».
٢ - الأمر الآخر هو أن النسخة قد أصابتها رطوبة في طرفها الأيسر وأسفلها. أدَّى ذلك إلى التصاق أوراق الكتاب ببعضها في مكان البلل، وعند محاولة تخليص الأوراق من الالتصاق لصيانة النسخة تشوشت كثير من الكلمات، في أطراف الكتاب بمعدّل كلمتين، وفي أسفله نحو سطرين، ويتفاوت هذا الطمس والتشويه؛ فمنه ما يمكن قراءته بيسر، ومنه ما يحتاج إلى مزيد تأمُّل، ومنه ما أبقى بعض آثار الكلمة، ومنه ما طُمِس تمامًا ــ وهو قليل ــ، وفي النماذج المرفقة ما يبيِّن ذلك.
* * *
стр. 66
سادسًا: منهج التحقيق
كان الهدف الذي نصبو إليه ــ دائمًا ــ هو إخراج الكتاب كما تركه مؤلِّفه، أو على الأقل كما وصلنا، سالمًا من الغلط أو السقط، إلا أنه قد اعترض ذاك الهدف بعضُ العوائق، وبرزت هذه المرة في:
١ - وُعُورَةِ موضوع الكتاب، إذ هو في الجدل على طريقة المتكلمين، وفي عباراتهم ما فيها من الغموض والإلْغاز، والتراكيب العسرة المغلقة.
٢ - انضاف إلى ذلك أننا لم نقف إلا على نسخة واحدة للكتاب، والاعتماد على نسخة واحدة مزلَّةُ قَدَم في كثير من الأحيان، مهما كانت النسخة جيدة ومعتمدة وموثّقة، فكيف إذا كانت ــ كما هو الحال هنا ــ أقل من هذا الوصف بكثير.
٣ - ومنها أيضًا ما شرحناه فيما تقدم من وجود طمس في أسفل كل صفحة بمقدار سطرين، وكذلك في أطراف كل صفحة بمقدار كلمتين، وقد أخذ منا قراءة هذه المواضع جهدًا ليس بالقليل، فوُقِّقنا في أكثرها ــ بحمد الله تعالى ــ وبقي منها بقيَّة؛ منها ما اجتهدنا في قراءته فأثبتناه على الاحتمال، ومنها ــ وهو قليل ــ ما تعسَّرت قراءته وتقديره فتركناه بياضًا وأشرنا إليه بثلاث نقاط، وأشرنا في الهامش إلى ما يحتمل أن يكون، أو إلى وجود كلمة أو كلمات عَسُرت قراءتها.
فاستعنَّا بالله في نسخ الكتاب والتأنِّي في قراءته، فأثبتنا ما في النسخة كما وصلتنا إلا فيما ظهر فيه التحريف أو النقص ظهورًا لا إشكال فيه، فحينئذٍ نصلح النص ونكمل النقص مع الإشارة إلى ذلك في الحواشي.
стр. 67
أما نصوص «الفصول» التي نقلها الشيخ كاملة في غضون الكتاب فقارنَّاها بنسخة «الفصول» التي حصلنا عليها، وهي نسخة جيدة صحيحة نادرة الغلط ــ كما سبق وصفها ــ إلا أنَّا جعلنا الأصل في إثبات النص لما ساقه المصنِّف مع الإشارة إلى الاختلافات في الهوامش، إلا ما نتبين خطأه أو سقوطه، فإنا نغيّره أو نضيفه مع الإشارة إلى كل ذلك.
كما وقع في النسخة خرم من أولها بنحو عشر ورقات ــ شرحناه فيما سبق ــ أكملنا بعضه بما حفظه لنا الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه في ترجمة شيخ الإسلام وهو يمثل خطبة الكتاب، فأثبتناها من هناك، ولم نعتمد على طبعة كتاب العقود بل اعتمدنا على أكثر من نسخة خطية جيدة أصلَحت كثيرًا من التحريف الواقع في المطبوعة.
وكان من شأننا أن جعلنا متن «الفصول» الذي يسوقه الشيخ للرد عليه بين قوسين كبيرين () بخط أثخن، وعند سياق الشيخ له مرة أخرى للرد المفصَّل نجعله بين قوسين مزدوجين صغيرين « ... » بخط عادي، ونشير في الموضع الأول فقط إلى مكان النص من «الفصول» المخطوط.
وقد تمكنَّا من الحصول على ثلاثة شروح للفصول (كما سبق ذكرها ص ٦٣ - ٦٥) أحلنا عليها عند بداية كل فصل جديد، تيسيرًا على مَن أراد المقارنة بين هذه الشروح.
أما نص الكتاب فقد خدمناه بما أوضحناه في غير موضع.
وفي آخر الكتاب ألحقنا نص كتاب «الفصول» كاملًا لمن أراد أن يقف عليه، وكان اعتمادنا في إثبات نصه على مخطوطة الكتاب، وأثبتنا الفروق
стр. 68
المهمة بينها وبين ما ساقه الشيخ في الهوامش، كما أثبتنا في بداية كل فصلٍ موضعَ الرد عليه من كتاب «التنبيه».
ثم أتْبَعنا الكتاب بفهارس مفصلة بنوعيها اللفظية والعلمية. والحمد لله وحده.
* * *
стр. 69
نماذج من المخطوط
стр. 70
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله العليم القدير الخالق، اللطيف الخبير الرَّازق، السميع البصير الحكيم (١) الصّادق، العليّ الكبير الفاتق الرَّاتق (٢)، الذي يسنُّ المناهجَ (٣) والشرائع ويُبيِّن الطرائق (٤)، ويَنْصِبُ الأعلامَ الطوالعَ لكشف الحقائق، ويُنزِّل الآيات والدَّلائل لبيان الجوامع والفوارق، ويقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدْمَغُه فإذا هو زاهق. أحمده ثناءً عليه بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى وشكرًا له على نِعَمه البواسق (٥).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ربّ المغارب والمشارق، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّد بالمعجزات الخوارق، الموضحُ لسبيل الحقِّ في الجلائل والدقائق، صلى الله عليه وعلى آله (٦) وسلم صلاة وتسليمًا باقيَين ما بقيت الخلائق.
أما بعد، فإنَّ الله سبحانه علمَ ما عليه بنو آدم من كثرة الاختلاف والافتراق، وتبايُن العقول والأخلاق، حيث خُلِقوا من طبائعَ ذاتِ تنافر، وابتُلُوا بتشعُّب (٧) الأفكار والخواطر. فبعث الله الرُّسل مبشِّرين ومنذرين ومبيِّنين للإنسان ما
стр. 71
يُضلُّه ويهديه، وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليَحْكُم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وأمرهم بالاعتصام [ق ١٤] به حذرًا من الافتراق (١) في الدِّين، وحضَّهم عند التنازع على الرَّدّ إليه وإلى رسوله المبين. وعَذَرهم بعد ذلك فيما يتنازعون فيه من دقائق الفروع العملية (٢)، لخفاء مَدْرَكها وخفَّة مَسْلكها وعدم إفضائها إلى بليَّة، وحضَّهم على المناظرة والمشاورة، لاستخراج الصّواب في الدّنيا والآخرة، حيث يقول لمن رضي دينهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عَدَل عن السبيل العادلة، حيث يقول آمرًا وناهيًا لنبيِّه والمؤمنين، لبيان ما يرضاه منه ومنهم: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦].
فكان أئمة الإسلام مُمتثلين لأمر المليك (٣) العلَّام، يجادلون أهلَ الأهواء المضلَّة، حتى يردُّوهم (٤) إلى سواء المِلَّة، كمجادلة ابن عباس ﵄ للخوارج المارقين، حتى رجع كثيرٌ منهم إلى ما خرج عنه من الدين، وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين، ومن في قلبه ريبٌ يخالفُ اليقين، حتى هدى الله من شاء من البَشَر، وعَلَن (٥) الحقُّ وظَهَر، ودَرَس ما أحدثه المبتدعون واندَثَر.
стр. 72
وكانوا يتناظرون في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، بالأدلة المرضيَّة والحُجَج القويَّة، حتى كان قلَّ مجلسٌ يجتمعون فيه (١) إلا ظهر الصواب، ورجع راجعون إليه؛ لاستدلال المستدلِّ بالصّحيح من الدلائل، وعِلْمِ المنازعِ (٢) أنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل. كمجادلة الصّدّيق لمن نازعه في قتال مانعي الزَّكاة حتى رجعوا إليه، ومناظرتِهم في جَمْع المُصحف حتى اجتمعوا عليه، وتناظُرِهم (٣) في حدِّ الشّارب وجاحد التحريم، حتى هُدوا إلى الصراط المستقيم. وهذا وأمثاله يجلُّ عن العدِّ والإحصاء، فإنَّه أكثرُ من نجوم السّماء.
ثم صار المتأخِّرون بعد ذلك قد يتناظرون في (٤) أنواع التأويل والقياس بما يُؤثِّر في ظنِّ بعض الناس، وإن كان عند (٥) التحقيق يؤول إلى الإفلاس، لكنَّهم لم يكونوا يقبلون من المناظر إلا ما يفيد ولو ظنًّا ضعيفًا للنَّاظر، واصطلحوا على شريعةٍ من الجدل، للتعاون على إظهار صواب القول (٦) والعمل، ضبطوا بها قوانينَ الاستدلال، لتسلم عن الانتشار والانحلال. فطرائقهم وإن كانت بالنسبة إلى طرائق (٧) الأوَّلين غيرَ وافيةٍ بمقصود الدّين، لكنَّها غيرُ خارجةٍ عنها بالكليَّة ولا مشتملة على مالا يُؤثِّر في القضيَّة، وربَّما
стр. 73
كسَوها من جَودة العبارة، وتقريب الإشارة، وحُسْن الصِّياغة (١)، وصنوف البلاغة، ما يُحَلِّيها عند النّاظرين، ويُنَفِّقُها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلَّة السَّمعية والمعاني الشرعيّة (٢)، وبنائها على الأصول الفقهيَّة والقواعد المرضيَّة (٣)، والتحاكم فيها إلى حاكم (٤) الشّرع الذي لا يُعْزَل، وشاهد العقل المُزَكَّى المعدَّل.
وبالجملة [ق ١٥] لا تكاد تشتمل على باطل مَحْض ونُكْرٍ (٥) صِرْف، بل لا بدَّ فيها من مَخِيلٍ للحقِّ ومشتملٍ على عُرْف.
ثم إن بعض طلبةِ العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولَعين (٦) بنوعٍ من جَدَل المُمَوِّهين، استحدثه طائفةٌ من المشرقيِّين (٧)، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا (٨) فيه مراوغة الثَّعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللَّاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنَّهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلَّة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم.
غير أنَّهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة
стр. 74
والمجازيَّة في المقدِّمات، ووضع الظنيَّات موضعَ (١) القطعيَّات، والاستدلال بالأدلة العامَّة حيثُ ليس (٢) لها دلالة، على وجهٍ يستلزمُ الجمعَ بين النقيضين مع الإحالةِ والإطالة، وذلك مِنْ فِعْل غالطٍ أو (٣) مُغالطٍ للمُجادل، وقد نهى النَّبي ﷺ عن أغلوطات المسائل (٤) = نَفَق ذلك على الأغْتام الطَّماطِم، وراجَ رواجَ البَهْرج على الغِرِّ العادِم، واغترَّ به بعضُ الأغْمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنَّه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب من الله (٥) متعاندان متنافيان، كما أنَّه والجهل المركَّب متصاحبان متآخيان (٦).
فلما استبان لبعضهم أنّه كلامٌ ليس له حاصل، لا يقوم بإحقاقِ حقٍّ ولا إبطال باطل= أخَذَ يطلبُ كشفَ مُشكِله وفتحَ مُقفَله، ثم إبانة علله وإيضاح زَلله، وتحقيقَ خطئه وخلله (٧)؛ حتى يتبيَّن (٨) أنَّ سالكَه يسلك في الجَدَل
стр. 75
مسلك اللَّدَد، وينأى عن مسالك (١) الهدى والرَّشَد، ويتعلَّق من الأصول بأذيالٍ لا توصل إلى حقيقة، ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطّريقة.
ومع ذلك فلا بدَّ أن يدخل في كلامهم قواعدُ صحيحة، ونُكتٌ من أصول الفقه مليحة، لكن إنَّما أخذوا ألفاظَها ومبانيها، دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدِّرْهم الزّائف من العين، ولولا ذلك لما نَفَق على من له عين.
فلذلك آخذُ في تمييز حقِّه من باطله، وحالِيْه من عاطله، بكلام مختصر مُرتجَل، كتبه كاتبُه على عَجَل. والله الموفِّق لما يحبّه ويرضاه، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله (٢).
* * * *